التجسد
التجسُد
كنا قد توقفا في الحلقة السابقة عند نقطة بالغة الأهمية وهي أن هناك ثلاثة أسباب لتجسُّد الله في شخص يسوع المسيح، وعرضنا معاً السبب الأول للتجسُّد الإلهي، وفي هذه الحلقة سنلقي الضوء على السببين الثاني والثالث.
فالسبب الثاني للتجسُّد الإلهي هو: "إعلان الله عن الإنسان الحقيقي".
فما جرى مع الله في التجسُّد حدث مع البشر، ولكن كيف ذلك؟ لنعد إلى البدء، إلى آدم الأول، الذي خلقه الله في جنة عدن على صورته ومثاله وشبهه، كما جاء في سفر "التكوين": فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك1:27)، وبينما اكتفى الله بوصف الخليقة كلها بعبارة “أنه حسن" كما يخبرنا سفر "التكوين": وَرَأَى اللهُ النُّورَ أَنَّهُ حَسَنٌ. وَفَصَلَ اللهُ بَيْنَ النُّورِ وَالظُّلْمَةِ. (تك1:4)، نجده عندما خَلق الإنسان أعلن فرحه الخاص، قائلاً: يا لها من روعة "حسن جداً"، كما يخبرنا سفر "التكوين": وَرَأَى اللهُ كُلَّ مَا عَمِلَهُ فَإِذَا هُوَ حَسَنٌ جِدّاً. وَكَانَ مَسَاءٌ وَكَانَ صَبَاحٌ يَوْماً سَادِساً.(تك1:31)، وهي عبارة تكشف لنا عن قيمة وكرامة الإنسان ومكانته الفريدة في الخليقة، فقد كان آدم وحواء عريانين، ومع ذلك لم يخجلا، كما يصف سفر "التكوين": وَكَانَا كِلاَهُمَا عُرْيَانَيْنِ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ وَهُمَا لاَ يَخْجَلاَنِ.(تك2:25)، إذ عاشا في قداسة وبرّ يمارسان السلطان الذي منحه الله لهما: تسمية الحيوانات، ورعاية الخليقة، والتسيُّد والتسلّط عليها، حيث يقول سفر "التكوين": وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».(تك1:28)، وكان مشهداً في غاية الروعة، حتى سقط آدم وحواء عندما خدعهما إبليس (الحية القديمة) فأكلا من شجرة معرفة الخير والشر التي أوصاهما الله ألا يأكلا منها فطردا من جنة عدن.
ولكن، هل الإنسان اليوم هو ذاته الإنسان الأول الذي خلقه الله في البدء؟ لو سُئلنا: كيف كان شكل الإنسان الأول في جوهره؟ هل نستطيع أن نُجيب؟ الحقيقة أن ما نراه اليوم ليس إلا صورة مشوَّهة، ومسخًا باهتًا للإنسان الحقيقي، فلا نعلم مطلقاً كيف كانت أخلاقه وتصرفاته وقدراته وذكائه، لقد فسدت الطبيعة البشرية، فصار الإنسان يميل إلى الاشتهاء والزنى والقتل والسرقة والكبرياء والغش والخداع والغيرة والحسد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية" الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. (رو3:12)، فقد قتل في الحربين العالميتين الأولى والثانية فقط ملايين من البشر وكأنهم بلا قيمة وما زالت الحروب مشتعلة إلى اليوم، وهي أفعال وتصرفات تدل على سقوط الإنسان وانحرافه عن طرق الله المستقيمة، إذ كسر الوصايا العشر ذلك القانون الأدبي الأخلاقي الذي وضعه الله للإنسان ليسير عليه، لقد ابتعد الأنسان عن صورة آدم الأول التي خلقه الله عليها، ومن هنا نفهم أن التجسُّد الإلهي كان ضرورياً.
فحين يقول الله للإنسان: يا ابن آدم، عُد إلى ما خلقتك عليه، فإن الإنسان لا يعرف عن أي شيء يتحدث الله، لأنه نسي الأصل وفقد النموذج وضاعت صورة الإنسان الحقيقي عبر العصور، وحين يأمر الله الإنسان: عِشْ باستقامة، فإنه يتساءل: ما هي الاستقامة؟، أو حين يقول الله للإنسان "افعل الصواب"، فيتساءل الإنسان: ما هو الصواب؟، في الواقع، كثيرًا ما نجهل ما تعنيه هذه الكلمات، فكيف يمكننا أن نفعل الوصايا التي أعطاها الله لنا في العهد القديم؟، فمثلاً، حين يقول الله احفظ يوم السبت، كما جاء في سفر "الخروج": اُذْكُرْ يَوْمَ السَّبْتِ لِتُقَدِّسَهُ. سِتَّةَ أَيَّامٍ تَعْمَلُ وَتَصْنَعُ جَمِيعَ عَمَلِكَ وَأَمَّا الْيَوْمُ السَّابِعُ فَفِيهِ سَبْتٌ لِلرَّبِّ إِلَهِكَ. لاَ تَصْنَعْ عَمَلاً مَا أَنْتَ وَابْنُكَ وَابْنَتُكَ وَعَبْدُكَ وَأَمَتُكَ وَبَهِيمَتُكَ وَنَزِيلُكَ الَّذِي دَاخِلَ أَبْوَابِكَ - لأَنْ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ صَنَعَ الرَّبُّ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ وَالْبَحْرَ وَكُلَّ مَا فِيهَا وَاسْتَرَاحَ فِي الْيَوْمِ السَّابِعِ. لِذَلِكَ بَارَكَ الرَّبُّ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَدَّسَهُ. (خر20:8-11)، وكذلك في (تث:5 12-15)، إذن، ماذا نفعل يوم السبت؟ فقد فسرها اليهود بمعنى الامتناع التام عن فعل أي شيء يوم السبت، حتى أنهم امتنعوا عن شفاء المرضى يوم السبت بدافع الحرفية الجامدة، وهذا ما واجهه الرب يسوع المسيح حين شفى إنسانًا في يوم السبت: شفاء صاحب اليد اليابسة (مت12:9-14) و(مر3:1-6)، وشفاء المرأة المنحنية (لو13:10-17)، وشفاء مريض بيت حسدا (يو5:1-18)، وشفاء المولود أعمى (يو9:1-16)، فاتهمه اليهود بأنه كسر الناموس، ويستحقّ الموت، فلأجل أنه شفي إنساناً مريضاً في يوم السبت يصير خاطئ وكاسراً للسبت مع أنه صاحب الرحمة، كما جاء في إنجيل يوحنا: وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هَذَا فِي سَبْتٍ. فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أعمل". فمن أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ. (يو5:16-17) و(يو9:13-16)، فأخبرهم المسيح: ثُمَّ قَالَ لَهُمُ: «السبت إِنَّمَا جُعِلَ لِأَجْلِ الإنسان، لَا الإنسان لِأَجْلِ السبت. (مر2:27)
وبما أننا لا نعلم ما هي الحياة الصائبة الصحيحة كما قصدها الله جاءت ضرورة التجسُّد، فحين تجسَّد الله في شخص يسوع المسيح رأينا فيه الإنسان الحقيقي، فلم يأتِ فقط ليُعلن لنا من هو الله، بل أيضاً ليُ». ( لنا الإنسان الحقيقي الكامل، ولهذا سمّى نفسه مرارًا "ابن الإنسان"، كما جاء في إنجيل "مرقس": لأَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ أَيْضاً لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».(مر10:45) و(مت20:28) و(لو6:5) و(يو1:51)، فقد أراد أن يُعيد إلى أذهاننا صورة الإنسان كما خلقه وأراده الله منذ البدء، ولهذا دعاه الكتاب المقدس "آدم الأخير" كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس: هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضاً: «صَارَ آدَمُ الإِنْسَانُ الأَوَّلُ نَفْساً حَيَّةً وَآدَمُ الأَخِيرُ رُوحاً مُحْيِياً».(1كو15:45)، وكذلك يقول بولس في الرسالة ذاتها: لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ. (1كو15:22)، فنحن لم نر آدم الأول وحين سقط تشوّهت الصورة التي كان يمثلها، لكن مرة أخرى في تجسد الله كإنسان على الأرض رأينا هذه الصورة تُستعلن من جديد، فقد عاش الله بيننا إنسانًا كاملًا وواجه تحديات الحياة اليومية: كيف نتعامل مع من يكرهنا؟ كيف نتصرف مع من يحبنا؟ ماذا نفعل مع من يخوننا؟ أو مع من يريد أن يرفعنا ويجعلنا ملوكاً؟ المسيح لم يأتِ نظريًا، بل عاش الحياة الواقعية بكل ما فيها، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين: لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.(عب4:15)، فهو مجربٌ في كل شيء مثلنا ما عدا الخطية، وهذه هي ضرورة تجسُّد الله أن يقوم الله بعمل موديل أي نموذج حي وجديد ويقدم لنا شرحاً توضيحياً Demonstration للإنسان كما يجب أن يكون، فذلك هو الإنسان في العصر الحالي في عالمنا الحاضر وليس في العصور السحيقة أو في جنة عدن، ووُلد في بيت لحم وعاش في الناصرة وتربى في الجليل وسط الناس الذين أحبوه وأبغضوه واضطهدوه، فأراد أن يريَنا: هذا هو الإنسان كما أراده الله، ولهذا يقول بطرس الرسول في رسالته الأولى: لأَنَّكُمْ لِهَذَا دُعِيتُمْ. فَإِنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً تَأَلَّمَ لأَجْلِنَا، تَارِكاً لَنَا مِثَالاً لِكَيْ تَتَّبِعُوا خُطُواتِهِ. (1بط2:21)
والسؤال المطروح: فهل نستطيع أن نقتدي بالمسيح في لاهوته؟ بالطبع لا، فنحن لا نستطيع أن نسير فوق الماء كما فعل، لكننا نستطيع أن نتبعه ونقتدي به في ناسوته وإنسانيته حيث أظهر لنا - مرة أخرى – الإنسان الكامل الحقيقي كما ينبغي له أن يكون، فقد عاش وسطنا ومرَّ بكل الظروف التي نجتازها مجرَّبًا من إبليس، مجرَّبًا من الناس الذين يريدونه ملكاً، مُعلناً أنه لم يأت ليكون ملكاً أرضياً أو قائداً سياسياً وعسكرياً، فمملكته ليست من هذا العالم، بل هو ملكاً روحياً سماوياً، وهكذا فقط نستطيع أن نتعلَّم كيف نكون إناساً حقيقيين بحسب قلب الله.
هل المسيح في طبيعته الإلهية اللاهوتية يمكن أن يُجرَّب؟ وكيف جُرِّب المسيح ولاهوته لم يفارق ناسوته؟ وهل الكتاب المقدس يخبرنا بذلك؟
نعم، فالمسيح الذي هو الله المتجسِّد يمكن أن يُجرَّب في طبيعته الناسوتية الإنسانية أي يسوع ابن الإنسان والجسد، بينما الله في طبيعته اللاهوتية الإلهية أي المسيح ابن الله الكلمة لا يمكن أن يُجرَّب كما جاء في رسالة "يعقوب": لاَ يَقُلْ أَحَدٌ إِذَا جُرِّبَ إِنِّي أُجَرَّبُ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ، لأَنَّ اللَّهَ غَيْرُ مُجَرَّبٍ بِالشُّرُورِ وَهُوَ لاَ يُجَرِّبُ أَحَداً.(يع1:13)، فالمسيح الله المتجسِّد قد جُرِّب من إبليس في الجسد عندما صام أربعين يوماً في البريَّة، فقد جُرِّب وتألم وهو إله وإنسان ولاهوته لم يفارق ناسوته، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين: لِأَنَّهُ فِي مَا هُوَ قَدْ تَأَلَّمَ مُجَرَّبًا يَقْدِرُ أَنْ يُعِينَ المجربين.(عب2:18)، وبذلك نأتي إلى نقطة بالغة الأهمية وهي (الإخلاء)، حيث يقوم بولس الرسول في رسالة "فيليبي" بشرح جزء رئيسي من التجسُّد لا نستطيع أن نفهمه ويجيب بذلك على العديد من التساؤلات التي لدينا، وتُعَدّ فكرة (الإخلاء) إحدى الركائز الأساسية لفهم (التجسّد الإلهي) في شخص يسوع المسيح، فحين كان المسيح في صورة الله بهذا المجد أخلى نفسه، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "فيليبي":الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (في2:6-8)، ومع كونه الله حقًا، فقد "أخلى نفسه" عندما اتّخذ جسدًا بشريًا، وهنا نطرح السؤال التالي: ما المقصود بـ “أخلى نفسه"؟ ما طبيعة هذا الإخلاء الذي تمّ في التجسّد؟
لدينا ثلاث احتمالات لفهم (الإخلاء)، وهي:
1- الاحتمال الأول: أن المسيح وهو الله قد أخلى نفسه من اللاهوت في التجسُّد، أي صار ناسوت فقط، وفي هذه الحالة لا يستطيع أن يقول أنه "ابن الله"، كما يقول المسيح في إنجيل يوحنا اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ.(يو3:18)، ولا يقدر أن يغفر الخطايا، كما جاء في إنجيل "مرقس": فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ».(مر2:5)، وغفر للمرأة الخاطئة في بيت سمعان الفرِّيسي، كما جاء في إنجيل "لوقا ثُمَّ قَالَ لَهَا: «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ».(لو7:48)، وبذلك يصير يسوع الإنسان وليس المسيح الإله، وهذا الاحتمال مرفوض تماماً، لأن هذا التصور لا ينسجم مع إعلان الكتاب المقدس عن الله المتجسّد الذي ظلّ إلهًا كاملاً وإنسانًا كاملاً في آنٍ واحد.
2- الاحتمال الثاني: أن المسيح قد أخلى نفسه من صورة المجد أي من مجده الإلهي الظاهر، دون أن يُخلي نفسه من لاهوته، ولكنه استخدم لاهوته لمصلحته ليمنع عن نفسه تجربة أو ألم، تماماً مثل ملك يخلع ثوب عظمته ويرتدي لباس عامة الناس ويعيش وسط شعبه دون أن يُعرَف في هيئته الظاهرة أنه الملك، ولكن ذلك الملك عندما اقترب منه أحد الأشخاص ليسرقه أعلن له أنه الملك مستخدماً سلطانه لمصلحته، فاعتذر ذلك اللص له بأنه كان يجهل شخصيته كملك، وهذا ما لم يحدث في حالة المسيح وبالتالي يكون هذا الاحتمال مرفوض أيضاً.
3- الاحتمال الثالث: أن المسيح قد أخلى نفسه من صورة المجد أي الصورة الخارجية لمجده الإلهي ولم يستخدم لاهوته لمصلحته، فعندما أتى إليه إبليس ليجربه في البرية لم يعلن له أنه الرب الإله، بل سمح له بتجربته ولم يأمره بالابتعاد عنه ليمنع عن نفسه التجربة، واحتمل التجربة كإنسان، ليعلمنا النصرة والغلبة في التجربة باستخدام المكتوب، كما جاء في إنجيل "متى": أَمَّا يَسُوعُ فَرَجَعَ مِنَ الأُرْدُنِّ مُمْتَلِئاً مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَكَانَ يُقْتَادُ بِالرُّوحِ فِي الْبَرِّيَّةِ أَرْبَعِينَ يَوْماً يُجَرَّبُ مِنْ إِبْلِيسَ. وَلَمْ يَأْكُلْ شَيْئاً فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَلَمَّا تَمَّتْ جَاعَ أَخِيراً. (مت4:1-2) و(مر1:12-13) و(لو4:1-13)، فلم يُظهر المسيح سلطانه الإلهي ليمنع عن نفسه التجربة أو الجوع أو الألم، ولكنه جُرِّب وتألم وأهين، فقد أخلى نفسه من استخدام لاهوته لمصلحته، فلو كان المسيح قد حافظ على صورة مجده الإلهي في التجسد، لما أمكن أن يُجَرَّب ولما جاع (مت4:2)، ولما عَطِش، كما جاء في إنجيل "يوحنا": بَعْدَ هَذَا رَأَى يَسُوعُ أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ قَدْ كَمَلَ فَلِكَيْ يَتِمَّ الْكِتَابُ قَالَ: «أَنَا عَطْشَانُ». (يو19:28)، ولما تألّم ومات، لكن الكتاب يُظهر بوضوح أن المسيح قبل بملء إرادته أن يعيش إنساناً، لكي يفتدينا ويشاركنا في إنسانيتنا الكاملة.
ما هو دليل إثبات فكرة (الإخلاء) عندما قام المسيح بإخفاء صورة مجده؟
لقد أخلى المسيح نفسه من لاهوته لمصلحته من أجل أن يعيش إنسان أخلى نفسه آخذاً صورة عبد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "فيليبي": الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ.(في2:6-8)، فكلمة "صورة" في هذه الآيات لا تعني (شكل) بل تعني باللغة اليونانية Morphe` والتي جاء منها مصطلح مورفولوجي Morphology وهو مصطلح لاتيني يُستخدم في الطب وعلم النبات بمعنى (الصورة الخارجية التي تُظهر الطبيعة الداخلية) وبذلك فالمسيح لا يزال هو الله الظاهر في الجسد، فهذا يعني أن هناك إخلاء حقيقي ولكنه ليس إخلاءاً من اللاهوت، بل من استخدام اللاهوت فقط، ورغم أن المسيح هو الله الظاهر في الجسد، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "تيموثاوس": وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ.(1تي3:16) ، فقد عاش بيننا كإنسان كامل، وشاركنا طبيعتنا البشرية ليُجرَّب ويتألم مثل البشر ليشعر بنا ويرثي لضعافتنا ويعيننا (عب4:15).
فعندما يكون المسيح مُجُرَّب مثلنا في كل شيء ما عدا الخطية - رغم أنه الله الظاهر في الجسد - يصبح عالماً بالإنسان وما يجتاز فيه من تجربة وضعفات، يفهمه ويشعر به فهو عاش ظروفنا ذاتها لكنه انتصر على التجربة، وبذلك يعطي لنا نموذجاً ومثالاً وقدوة نستطيع الاقتداء بها في كيفية الانتصار، إذ المسيح جُرِّب وانتصر باستخدام المكتوب كسلاح روحي ضد العدو إبليس، وهذا ما عجز عن فعله آدم الأول وكان ينبغي عليه أن يقوم به، ولكن آدم قد جُرِّب وهُزم حيث قام إبليس بتجربته في جنة عدن فسقط آدم (تك3:1-7)، بينما في حالة المسيح نجد أنه قد جُرِّب وانتصر (مت4:1-11)، فلو كان المسيح قد انتصر بلا تجربة من إبليس، إذن، فهو ليس مثالاً لنا كي نتعلم منه ونقتدي به، ولكننا تعلمنا من تجربته كيفية الانتصار وتعلمنا استخدام المكتوب من كلمة الله المقدسة لتحقيق ذلك الانتصار والغلبة على إبليس، ومن خلال تجربته أظهر لنا الإنسان الحقيقي والطرق المستقيمة التي ينبغي علينا أن نسير فيها نحن البشر، فأعلن لنا بذلك عن الإنسان الحقيقي وما يتصف به من قداسة وبرّ، فتمنينا أن نعيش هكذا كما عاش المسيح لتأتي السماء إلى الأرض.
فّاذا عاش المسيح بقدراته الإلهية فلن يُظهر لنا من هو الإنسان الحقيقي بحسب قلب الله ولن نستطيع أن نكون ذلك الإنسان الذي لم نره.
كيف يمكن أن يموت الله الإله الخالق الأزليّ على يد خليقته، أليس هذا يتعارض مع طبيعته الإلهية غير القابلة للموت؟
الإنسان يسوع الجسد (الناسوت) هو الذي مات على الصليب وليس المسيح ابن الله الكلمة (اللاهوت)، فاللاهوت لا يموت، وحينما يُظهر ويستخدم ألوهيته وسلطانه الإلهي فإنه يفعل ذلك من أجل مصلحة الإنسان وليس لمصلحته الذاتية، فهو قد غفر الخطايا للخاطئ (مر2:5) و(لو7:48)، وأسكت العاصفة فأظهر سلطانه على الطبيعة، (مت8:26) و(مر4:35-41) و(لو8:22-25).
وبهذه الطريقة فقد أرانا لاهوته واستخدمه لأجلنا ولم يستخدمه لأجله كي لا يُجرَّب أو لا يتألم لأنه يريد أن يجتاز بكل ما نمر به من تجربة ومن ألم ليرثي لضعفاتنا ويُعين ضعفاتنا.
وهو ما يقودنا إلى السبب الثالث من أسباب تجسُّد الله وهو (الفداء)، لأنه لا يستطيع أن يفدينا بدون أن يكون مثلنا، فلا ملاك ولا حيوان كالماعز يمكنه أن يكون بديلاً عن الإنسان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "العبرانيين": وَلَيْسَ بِدَمِ تُيُوسٍ وَعُجُولٍ، بَلْ بِدَمِ نَفْسِهِ، دَخَلَ مَرَّةً وَاحِدَةً إِلَى الأَقْدَاسِ، فَوَجَدَ فِدَاءً أَبَدِيّاً. (عب9:12)، وكذلك: لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا.(عب10:4)، بل فقط إنسان كامل بلا خطية يحمل طبيعتنا ويحل محلنا، كما يؤكد إنجيل "يوحنا": وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.(يو1:29)، وكذلك يخبرنا بولس الرسول في رسالته إلى "العبرانيين:" فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ، وَيُعْتِقَ أُولَئِكَ الَّذِينَ خَوْفاً مِنَ الْمَوْتِ كَانُوا جَمِيعاً كُلَّ حَيَاتِهِمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ. (عب2:14-15)، فمن أجل أن ينقذنا المسيح من الخطية والموت كان لا بد أن يكون مثلنا، ليضع يده في أيدينا، وينتشلنا من الموت والفساد، ولذلك كانت تجربته في البرية بحسب الناسوت، لا بحسب اللاهوت، حتى حين قاوم إبليس لم يستخدم سلطانه الإلهي، بل واجهه باعتباره إنسانًا مملوءًا من الروح القدس متسلحاً بكلمة الله.
كيف أمكن لإبليس أن يُري المسيح جميع ممالك العالم من فوق جبل، مع أنه من الناحية الجغرافية لا توجد نقطة واحدة على الأرض تتيح رؤية العالم بأكمله؟
عندما أخذ إبليس يسوع على جبل عالٍ ليريه جميع ممالك العالم فقد كان ذلك لمحة بصرية تأملية وليس لمحة نظرية حسية كأنه يريه The Glory of This World أي مجد هذا العالم، فلم تكن رؤية العالم بالمعنى الحرفي، فتجربة المسيح وصومه كلاهما تم بالجسد أي بحسب الناسوت، حيث صام 40 يوماً عن الطعام فقط لكنه كان يشرب الماء (مت4:2)، وهو ما يُعرف بـ (الصوم الطبيعي) ويستطيع بعض الناس الصوم بهذه الكيفية، لأن الإنسان بعد أربعين يوماً من الصوم والامتناع عن الطعام والشراب سيشعر بالعطش قبل الجوع.
وفي البرية جُرِّب المسيح من إبليس ثلاث مرَّات بعدما صام وشعر بالجوع، كما جاء في إنجيل "متى": ثُمَّ أُصْعِدَ يَسُوعُ إِلَى الْبَرِّيَّةِ مِنَ الرُّوحِ لِيُجَرَّبَ مِنْ إِبْلِيسَ. فَبَعْدَ مَا صَامَ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً جَاعَ أَخِيراً. فَتَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْمُجَرِّبُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً». فَأَجَابَ: «مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ، بَلْ بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخْرُجُ مِنْ فَمِ اللَّهِ». ثُمَّ أَخَذَهُ إِبْلِيسُ إِلَى الْمَدِينَةِ الْمُقَدَّسَةِ وَأَوْقَفَهُ عَلَى جَنَاحِ الْهَيْكَلِ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: أَنَّهُ يُوصِي مَلاَئِكَتَهُ بِكَ فَعَلَى أيَادِيهِمْ يَحْمِلُونَكَ لِكَيْ لاَ تَصْدِمَ بِحَجَرٍ رِجْلَكَ». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ». ثُمَّ أَخَذَهُ أَيْضاً إِبْلِيسُ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ جِدّاً وَأَرَاهُ جَمِيعَ مَمَالِكِ الْعَالَمِ وَمَجْدَهَا وَقَالَ لَهُ: «أُعْطِيكَ هَذِهِ جَمِيعَهَا إِنْ خَرَرْتَ وَسَجَدْتَ لِي». حِينَئِذٍ قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ يَا شَيْطَانُ! لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: لِلرَّبِّ إِلَهِكَ تَسْجُدُ وَإِيَّاهُ وَحْدَهُ تَعْبُدُ». ثُمَّ تَرَكَهُ إِبْلِيسُ وَإِذَا مَلاَئِكَةٌ قَدْ جَاءَتْ فَصَارَتْ تَخْدِمُهُ. (مت4:1-11).
وهذه أمثلة لأغلب التجارب التي نجتازها جميعنا نحن البشر من عدو الخير، وهو لم يُجَرَّب فقط من إبليس، بل من الناس أيضًا، حين أرادوه أن يحعلوه ملكًا عليهم، لكنه رفض، لأنه لم يأتِ ليكون ملكاً أرضياً سياسياً أو قائداً عسكرياً، بل ليُغيِّر قلوب البشر من الداخل ويحرر الإنسان من سلطان الخطية والموت فيكون ملكاً روحياً سماوياً على قلوب البشر، فقد جاء في إنجيل "يوحنا": وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. (يو6:15) فمملكة المسيح ليست من هذا العالم كما يؤكد: أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». (يو18:36-37)
إذن، فالسبب الثاني لتجسُّد الله هو (الإعلان عن الإنسان الحقيقي)، فهو
يصحّح تصوّراتنا عن الله ويجعله معروفاً بإعلانه الكامل عن الله.
وثانياً: يصحّح تصوّراتنا عن الإنسان بإعلانه عن الإنسان الكامل الحقيقي كما ينبغي أن يكون، وما هو جوهره وكيف يعيش، وكيف يجتاز في علاقته بوالديه حيث كان خاضعاً لهم وكذلك علاقات الإنسان مع الأحباء والأقرباء ومع الجموع من الناس، فالمسيح بجمال شخصه أظهر لنا الله الذي يتصف بالمحبة والرحمة والعدل، ولذلك، كان جميع الخطأة والعشارين يذهبون ويدنون منه دون أن يشعروا بالخوف، بينما الإله الذي في تصورات وأذهان بعض الناس يخشاه ويخاف منه الخطأة ويبتعدون عنه ويفرون منه، وحتى الذين يتقونه فإنهم يفعلون ذلك خوفاً منه وليس حُباً فيه (لو15:1)، لقد اقترب منه مَن كانوا مرفوضين ومنبوذين ومهمشين في المجتمع اليهودي، لأنهم وجدوا فيه القبول لا الرفض والدينونة، فأعلن يسوع عن وجه الله الحقيقي، لأنه الإله الذي لا يطرد الخطأة، بل يجذبهم إليه ليغيّرهم ويُعيد لهم إنسانيتهم المفقودة.
لماذا ترسّخ في أذهاننا نحن البشر أنه لا يليق بالإنسان البار أن يجلس مع الخطأة، بينما المسيح كان يجالسهم بمحبة ويجذبهم للتوبة؟
لأننا فهمنا واعتقدنا خطأ أنه بما أن الله قدوس ويكره الخطية، إذن، فهو يكره الخاطئ، لأن العهد القديم أخبرنا بذلك المعنى، كما يقول داود في "المزامير": لأَنَّكَ أَنْتَ لَسْتَ إِلَهاً يُسَرُّ بِالشَّرِّ لاَ يُسَاكِنُكَ الشِّرِّيرُ. لاَ يَقِفُ الْمُفْتَخِرُونَ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ. أَبْغَضْتَ كُلَّ فَاعِلِي الإِثْمِ. (مز5:4-5).
ويقول أيضاً: الرب يَمْتَحِنُ الصديق، أَمَّا الشرير وَمُحِبُّ الظلم فَتُبْغِضُهُ نَفْسُهُ. (مز11:5).
ولكن المسيح أظهر محبة الله ورحمته في أبهى صورها، حين سمح باقتراب المرأة الخاطئة منه، إذ جاءت إليه ولم تخجل وسجدت عند قدميه وغسلتهما بدموعها، ومسحتهما بشعر رأسها، وقبلتهما ومسحتهما بالطيب دون أن يمنعها أو يوبخها، بل قبِل توبتها وحنان قلبها، أما سمعان الفرِّيسي الرجل المتدين الذي دعاه إلى بيته، فكان محتجًا في قلبه على هذا المشهد، وكان يتمنى لو يرفضها ويعنّفها المسيح، فأخبره المسيح أن تلك المرأة قد فعلت ما كان ينبغي أن يفعله هو، وتحدث إليه بمثل المديونين، وأخبره أنه رغم خطاياها الكثيرة إلا أنها تشعر بها وتدركها وتطلب التوبة فغفرت خطاياها لأنها أحبت كثيراً، أما الفرِّيسي فخطاياه قليلة ولكنه جالس كشخص متعالِ معتقداً خطأ أنه لا يحتاج إلى الغفران، حيث أكد المسيح، كما جاء في إنجيل "لوقا": مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَقُولُ لَكَ: قَدْ غُفِرَتْ خَطَايَاهَا الْكَثِيرَةُ لأَنَّهَا أَحَبَّتْ كَثِيراً. وَالَّذِي يُغْفَرُ لَهُ قَلِيلٌ يُحِبُّ قَلِيلاً». ثُمَّ قَالَ لَهَا: «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ». فَابْتَدَأَ الْمُتَّكِئُونَ مَعَهُ يَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ: «مَنْ هَذَا الَّذِي يَغْفِرُ خَطَايَا أَيْضاً؟». فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ: «إِيمَانُكِ قَدْ خَلَّصَكِ! اِذْهَبِي بِسَلاَمٍ». (لو7:47-50).
وبذلك أظهر لنا المسيح - في هذا المشهد - محبة ورحمة الله، وهكذا أعاد يسوع تعريف معنى القداسة والإنسان الحقيقي، وبذلك أظهر لنا المسيح كيفية أن يعيش الإنسان وسط الناس بطرق الرب المستقيمة في جيل أعوج وملتوٍ ويصبح نور وملح دون أن يوقع نفسه في كارثة، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "فيليبي": لِكَيْ تَكُونُوا بِلاَ لَوْمٍ، وَبُسَطَاءَ، أَوْلاَداً للهِ بِلاَ عَيْبٍ فِي وَسَطِ جِيلٍ مُعَوَّجٍ وَمُلْتَوٍ، تُضِيئُونَ بَيْنَهُمْ كَأَنْوَارٍ فِي الْعَالَمِ. (في2:15).
كيف نستطيع أن نعيش تلك صورة الإنسان الكامل بحسب قلب الله؟
هذا السؤال يقودنا إلى:
السبب الثالث لتجسُّد الله في شخص يسوع المسيح وهو (الفداء)، إن هدف التجسّد الإلهي لا يقتصر على إعلان طبيعة الله الحقيقية وتصحيح صورة الله في أذهان البشر، لكي يرغبوا في العيش في شركة معه ويتعاملوا معه بمحبة لا بخوف، كما لا يقتصر أيضًا على الإعلان عن الإنسان الكامل الحقيقي ليقتدي به الإنسان في علاقته مع الله ومع الآخرين، بل يمتد ليشمل المصالحة الحقيقية بين الإنسان والله ليتمكن من العيش مع الله ويصبح ذلك الإنسان الكامل المنشود وهو ما نسميه بالفداء (وهو عملية الخلاص)، فالخلاص من الخطيّة لا يعني فقط نوال الغفران، لأن الغفران هو عنصر من عناصر الخلاص من الخطية، فإذا كان هناك إنسان خاطئ والله قد غفر له ولكنه لا يزال يرتكب الخطية، إذا فذلك الإنسان لم ينل الخلاص بعد، كما أن الغفران اللامحدود يُعد تصريحاً بارتكاب الخطية واستباحتها، لذلك تعتمد فكرة الخلاص على أن الفداء هو الذي يقود إلى الخلاص الحقيقي ويرتبط الفداء بعمل الصليب، حيث تحقق الفداء على الصليب، والفداء، في جوهره، يشبه ما يحدث عندما يغرق إنسان في البحر، فينزل شخص آخر إليه لينتشله، والفارق أن هذا الشخص الآخر قادر على السباحة والعوم، في حين أن الغارق لا يستطيع السباحة والعوم، وبالتالي، لا يقدر أن ينجو بنفسه، وهكذا، نزل المسيح إلى عالمنا، وتجسّد، ليرفعنا مما نحن فيه وينقذنا ويخلِّصنا من سلطان الخطية، كما جاء في إنجيل "متى":فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».(مت1:21)، وكذلك قال المسيح في إنجيل "يوحنا":فَإِنْ حَرَّرَكُمْ الاِبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَاراً.(يو8:36)، فالمقصود بكلمة (يخلِّصنا) أي ينقذنا وينتشلنا كي نصبح ذلك الإنسان الكامل الحقيقي ونستطيع العيش في شركة وعلاقة مع الله الإله الذي يتصف بالمحبة والرحمة.
لذلك فقد تجسَّد الله لعمل الفداء وهو عملية الخلاص، الذي يقوم على عنصرين هامّين وهما:
1- الغفران أي التبرير
كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": إِذْ نَعْلَمُ أَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَتَبَرَّرُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ، بَلْ بِإِيمَانِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، آمَنَّا نَحْنُ أَيْضاً بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِنَتَبَرَّرَ بِإِيمَانِ يَسُوعَ لاَ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ. لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ لاَ يَتَبَرَّرُ جَسَدٌ مَا. (غل2:16)، وكذلك يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ. (أف1:7) (كو1:14).
الخليقة الجديدة أي (التقديس)
إن الغفران أو ما يمكن أن نسمّيه بـ (التبرير) يتطلب أن يتبعه (التقديس) أي تغيير وتجديد الطبيعة البشرية الداخلية لنصبح "خليقة جديدة" في المسيح، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً.(2كو5:17)، ويؤكد أيضاً في رسالته إلى "أفسس" على ضرورة: أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ.(أف4:22-24)، لأن الله لا يريد فقط أن يغفر لنا، بل أن يخلق فينا طبيعة جديدة قادرة على اختبار ذلك الإنسان الكامل الحقيقي بحسب قصد الله والذي يمثله الإنسان يسوع المسيح فنقتدي به في حياتنا وعلاقاتنا مع الله والناس، فلو كان الإنسان العتيق لا يزال يعيش بداخلنا وقد غفر لنا الله وسامحنا على خطايانا التي ارتكبناها، إلا أننا مُصرّون على ارتكاب الخطية، فإن (الغفران أو التبرير) وحدهما لا يكفي وحده لإتمام الخلاص، بل يظل ناقصًا، لأن الفداء الإلهي لا يكتفي بمحو الخطية بل يهدف إلى تجديد الطبيعة الداخلية للإنسان وجعله خليقة جديدة، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": عَالِمِينَ هَذَا: أَنَّ إِنْسَانَنَا الْعَتِيقَ قَدْ صُلِبَ مَعَهُ لِيُبْطَلَ جَسَدُ الْخَطِيَّةِ كَيْ لاَ نَعُودَ نُسْتَعْبَدُ أَيْضاً لِلْخَطِيَّةِ.(رو6:6).
وكذلك: مَعَ المسيح صُلِبْتُ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ المسيح يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآن فِي الجسد، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإيمان، إِيمَانِ أبن ألله، الذي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي. (غل2:20).
ما هي السمات الروحية والحياتية التي تميز الإنسان الذي صار خليقة جديدة في المسيح، بحسب تعليم العهد الجديد؟
على سبيل المثال، بما أننا خليقة جديدة في المسيح، فإن كذب أحدنا في أمر من الأمور، فعليه أن يرفع يده أمام جميع الناس مُعترفاً بخطيّته، قائلاً: "أنا كذبت"، فيخرج بذلك إلى النور، كما يقول يوحنا في رسالته الأولى: إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. (1يو1:9)، كما يؤكد على ضرورة السلوك في النور: إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ. (1يو1:6-7)، وإن أساء أحدٌ إلى أخيه بعدما صار خليقة جديدة يسعى إليه معتذرًا، قائلاً: "أنا آسف، لقد أخطأت، كيف يمكنني أن أُصلِح هذه الإساءة؟"، فموقف هذا الشخص قد تغيَّر لأنه صار إنساناً جديداً في المسيح، وهذا ما حدث بالفعل لمن عاش مع المسيح.
وليس من مثال أبلغ على هذا التغيير من (شاول الطرسوسي)، الذي تغيّر وتجدد بعد لقائه بالمسيح في الطريق إلى دمشق فصار (بولس الرسول) رسول المحبة والنعمة، بعد أن كان مضطهدًا للكنيسة، كما جاء في سفر "أعمال الرسل".(أع 9:1-5)، وأخيراً صار يكرز بالمسيح ابن الله.(أع9:20-22)، فالله يغيّرنا من داخلنا ويعطينا قلباً جديداً، كما جاء في سفر "حزقيال": وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ الحجر مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ.(حز36:26)، وهذه الخليقة والطبيعة الجديدة تجعلنا شركاء الطبيعة الإلهية، كما كتب بطرس الرسول في رسالته الثانية: اللَّذَيْنِ بِهِمَا قَدْ وَهَبَ لَنَا الْمَوَاعِيدَ الْعُظْمَى وَالثَّمِينَةَ لِكَيْ تَصِيرُوا بِهَا شُرَكَاءَ الطَّبِيعَةِ الإِلَهِيَّةِ، هَارِبِينَ مِنَ الْفَسَادِ الَّذِي فِي الْعَالَمِ بِالشَّهْوَةِ.(2بط1:4).
كيف يظهر عمل الفداء الإلهي في تغيير شخصية الإنسان وتصرفاته؟ وهل هذا التغيير يتم بصورة فورية أم هو مسار يحتاج إلى وقت ونمو تدريجي؟
إن المسيح لا يقتصر عمله على خلاص النفس البشرية فقط، بل يشمل أيضًا شفاء الإنسان من أعماقه، فهو يشفي الشخصية المجروحة، ويجبر القلوب المنكسرة، ويحرر الإنسان من صغر النفس والهوية المشوَّهة، ويعالج الجراح القديمة التي تراكمت عبر السنين، ويمنح تعزية عميقة للقلوب المثقلة بالأحزان، كما جاء في إنجيل "لوقا": «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ».(لو4:18-19)، فتحققت بذلك نبوّة "إشعياء" (إش61:1-2).
فالمسيح قد جاء ليبشّر المساكين بالغفران ويشفي منكسري القلوب (أي يعمل على تقويم الاعوجاج الذي حدث في شخصية الإنسان نتيجة الأحداث المؤلمة) ويطلق المأسورين أحراراً (أي يفك القيود النفسية والروحية في حياة الإنسان ليعيش حراً).
إن عمل الفداء الإلهي في المسيح لا يقتصر على غفران الخطايا، بل يمتد أيضاً إلى إصلاح شخصية الإنسان ولكنّ هذا الأمر قد يستغرق بعض الوقت، ففي البداية يمنحنا طبيعة جديدة وخليقة جديدة كي نستطيع التحرر من سلطان الخطية، كما يقول بولس في رسالة رومية: لأَنَّ نَامُوسَ رُوحِ الْحَيَاةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ قَدْ أَعْتَقَنِي مِنْ نَامُوسِ الْخَطِيَّةِ وَالْمَوْتِ.(رو8:2)، ثم تعمل الطبيعة الجديدة على تقويم الاعوجاج، الذي حدث في شخصية الإنسان نتيجة تربيته ونشأته، شيئاً فشيئاً لكي تنسجم مع طبيعته الجديدة التي تحب البرّ وتبغض الإثم، كما يقول سفر "المزامير": أَحْبَبْتَ البر وَأَبْغَضْتَ الإثم، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَسَحَكَ الله إِلَهُكَ بِدُهْنِ الابتهاج أَكْثَرَ مِنْ رُفَقَائِكَ. (مز45:7) و(عب1:9)
هل تُعَد المسيحية ديانة بالمعنى التقليدي؟ وما السبب وراء إطلاق اسم 'مسيحيين' على أتباع المسيح؟
"المسيحي" ليس من يُكتب أنه مسيحي في بطاقة الرقم القومي أو في وثيقة رسمية، ولا هو من وُلد لعائلة مسيحية، فالمسيحية ليست ديانة وليست عقيدة أؤمن بها وتُدرج في وثيقة رسمية، فكلمة (مسيحي) تعني في أصلها (تابع للمسيح)، أي انتماء حيّ للمسيح وإتّباع له في الفكر والسلوك والحياة، وقد أُطلقت أول مرة على تلاميذ المسيح في مدينة أنطاكية، وهذا الاسم لم يُطلق عليهم من أنفسهم، بل من الناس الذين لاحظوا تكرار ترديدهم لاسم المسيح، فأطلقوا عليهم اسم (مسيحيين)، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ثُمَّ خَرَجَ بَرْنَابَا إِلَى طَرْسُوسَ لِيَطْلُبَ شَاوُلَ. وَلَمَّا وَجَدَهُ جَاءَ بِهِ إِلَى أَنْطَاكِيَةَ. فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَا فِي الْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعاً غَفِيراً. وَدُعِيَ التَّلاَمِيذُ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلاً.(أع11:25-26)، أما الاسم الأكثر شيوعًا في البداية فكان (تلاميذ المسيح)، إشارة إلى أنهم يتعلّمون من المسيح ويسلكون على مثاله، كما جاء في إنجيل "متى"حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي.(مت16:24) و(مر8:34)، فالمسيحية في معناها الحقيقي هي علاقة وشركة مع الله أساسها المصالحة التي تمت بيسوع المسيح، والمسيحي هو الإنسان الذي تصالح مع الله واقتدى بالإنسان الكامل الحقيقي الذي رأه في يسوع المسيح ليعيش كأحد أبناء الله.
بما أننا أولاد الله بالإيمان بيسوع المسيح، فهل تعني هذه البنوَّة أننا نُشارك المسيح في بنوّته لله بذات الدرجة والجوهر؟
بالطبع لا، فالمسيح هو الله الظاهر في الجسد، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "تيموثاوس": وبالإجماع عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التقوى: الله ظَهَرَ فِي الجسد، تَبَرَّرَ فِي الروح، تَرَاءَى لِمَلَائِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأمم، أُومِنَ بِهِ فِي العالم، رُفِعَ فِي المجد. (1تي3:16).
وتختلف طبيعته الناسوتية أي يسوع ابن الإنسان الجسد عن طبيعته اللاهوتية أي المسيح ابن الله الكلمة، ورغم أنهما طبيعتان متميزتان فهما متحدتان كوجهيّ العملة، ففي ناسوته هو البكر، وكلمة البكر تعني دائماً المثل والقدوة، أما في لاهوته فهو الله، الذي نعبده ونسجد له، ونحن أبناء الله بالمعنى الأصيل، فعندما يتحدث الكتاب المقدس عن نسب المسيح من جهة القديسة مريم العذراء كما ورد في إنجيل لوقا (لو3:23-38)، ويذكر في نهاية سلسلة النسب أن (آدم ابن الله) بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيتِ بْنِ آدَمَ ابْنِ اللهِ.(لو3:38)، وهذا يعني أن الله حين خلق آدم خلقه ليكون ابناً وليس عبداً، وهذا يختلف مع رأي بعض الناس، فقد خلق الله الإنسان على صورته، كما جاء في سفر "التكوين".(تك1:27)، ولذلك أعطى الله لآدم سلطاناً ليتسلّط على الخليقة العظيمة التي خلقها الله، كما يخبرنا سفر "التكوين": (تك1:28)، لكن بسقوط آدم انقطعت الشركة مع الله، فجاء المسيح - آدم الآخير – ليس فقط ليعيدنا إلى الحالة الأولى، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": هَكَذَا مَكْتُوبٌ أَيْضًا: «صَارَ آدَمُ، الإنسان الأول، نَفْسًا حَيَّةً »، وَآدَمُ الأخير رُوحًا مُحْيِيًا .(1كو15:45)، بل أيضاً ليجعلنا خليقة جديدة، كما يؤكد بولس الرسول في رسلته الثانية إلى "كورنثوس":إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ : الأشياء العتيقة قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الكل قَدْ صَارَ جَدِيدًا.(2كو5:17)، فهو يخلقني من جديد لأستعيد الخليقة الأولى وأعظم منها، لأننا بتجسُّد الله في شخص المسيح لم نصبح فقط أبناء الله بل أصبح الله يعيش داخلنا فالمسيح يحيا بداخلنا كمؤمنين بالمسيح، كما يخبرنا بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية": مَعَ المسيح صُلِبْتُ ، فَأَحْيَا لَا أَنَا، بَلِ المسيح يَحْيَا فِيَّ. فَمَا أَحْيَاهُ الآن فِي الجسد، فَإِنَّمَا أَحْيَاهُ فِي الإيمان، إِيمَانِ أبن الله ، الذي أَحَبَّنِي وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لِأَجْلِي .(غل2:20)، ويقول بولس أيضاً في رسالته الأولى إلى "كورنثوس":16أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ الله ، وَرُوحُ الله يَسْكُنُ فِيكُمْ؟(1كو3:16)، وهذا هو مستوى أعمق من الشركة والعلاقة مع الله، إذًا، فالفداء لا يعيدنا فقط إلى ما فقده آدم، بل يقودنا إلى حالة أعظم بكثير: اتحاد بالمسيح، وسكنى الله فينا، وعلاقة بنوّة وشركة أعمق من مجرد الطاعة الخارجية، بل حياة من الداخل يحياها المسيح فينا.
هل كان للمسيح إخوة؟ كما جاء في الأناجيل؟
عندما كان المسيح يعلِّم ويوعظ الجموع ويكلمهم بأمثال أخبره أحدهم أن أمه وإخوته واقفين بالخارج، كما جاء في إنجيل "متى": وَفِيمَا هُوَ يُكَلِّمُ الْجُمُوعَ إِذَا أُمُّهُ وَإِخْوَتُهُ قَدْ وَقَفُوا خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوهُ. فَقَالَ لَهُ وَاحِدٌ: «هُوَذَا أُمُّكَ وَإِخْوَتُكَ وَاقِفُونَ خَارِجاً طَالِبِينَ أَنْ يُكَلِّمُوكَ». فَأَجَابَهُ: «مَنْ هِيَ أُمِّي وَمَنْ هُمْ إِخْوَتِي؟» ثُمَّ مَدَّ يَدَهُ نَحْوَ تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «هَا أُمِّي وَإِخْوَتِي. لأَنَّ مَنْ يَصْنَعُ مَشِيئَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ أَخِي وَأُخْتِي وَأُمِّي». (مت12:46-50).
فيؤكد المسيح هنا على الروابط والقرابة الروحية وليس الجسدية وضرورة عمل مشيئة الله، ثم بعد ذلك نعلم بوجود شخص اسمه (يعقوب) الذي صار من الرسل ويدعى (يعقوب أخا الرب)، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية":وَلَكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرسل إِلَّا يَعْقُوبَ أَخَا الرب .(غل1:19)، ونعلم أن للمسيح أربعة إخوة ومن بينهم (يعقوب)، كما جاء في إنجيل "متى": وَلَمَّا جَاءَ إِلَى وَطَنِهِ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ فِي مَجْمَعِهِمْ حَتَّى بُهِتُوا وَقَالُوا: «مِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ الْحِكْمَةُ وَالْقُوَّاتُ؟ أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ، وَيُوسِي، وَسِمْعَانَ، وَيَهُوذَا؟ أَوَ لَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ كُلُّهَا؟» (مت13:54-56) و(مر6:1-6)، كما يذكر (يهوذا) أنه أخو يعقوب في رسالته: يَهُوذَا، عَبْدُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَخُو يَعْقُوبَ، إِلَى الْمَدْعُوِّينَ الْمُقَدَّسِينَ فِي اللهِ الآبِ، وَالْمَحْفُوظِينَ لِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. (يه1:1)
فما هي القصة المتعلقة بإخوة المسيح؟ وهل من الممكن أن تكون القديسة مريم العذراء بعدما وُلدت المسيح قد تزوجت من يوسف زواجاً عادياً وأنجبت منه أبناء آخرين؟ هناك من يطرح هذا الاحتمال، ولكنه وفقًا للتراث والتاريخ والتقليد الكنسي لم يلق تأييداً أو دعماً، لأن التاريخ مسجَّل في سجلات، فعندما صُلب المسيح وكانت القديسة مريم العذراء ويوحنا الحبيب واقفين عند الصليب، أوصى المسيح يوحنا الحبيب أن يعتني بها كأمه وأوصاها أن تتخذه ابناً لها: وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ أُمُّهُ وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لِأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. (يو19:25-27)
وهذا يثير سؤالًا مهمًا: لو كان للمسيح إخوة من القديسة مريم العذراء، فلماذا كان يحتاج إلى تسليمها إلى يوحنا الحبيب؟ كيف نحتاج إلى تسليم أم المسيح إلى شخص آخر إذا كان لها أبناء آخرون بالفعل؟ وللإجابة عن هذه الأسئلة نقول: أنه لو كانت القديسة مريم العذراء قد أنجبت أبناء آخرين، لكان هؤلاء هم الذين سيتكفلون بها، وحتى إن لم يكونوا وقتذاك عند الصليب وفي مكان آخر تظل حقيقة أن لها أبناء يمكن أن يهتموا بها ويرعوها، خاصة إن كان لها ابناً مثل القديس يعقوب الرسول أخو الرب، فمن خلال هذا المشهد نؤكد أنه لا يوجد أبناء آخرون من القديسة مريم العذراء، ولكن يظل السؤال: من هم إخوة المسيح الذي ذكرهم الكتاب المقدس؟
أما بالنسبة لإخوة يسوع المسيح، فهناك احتمالان رئيسيان:
1-الاحتمال الأول، أن كلمة 'إخوة' في العهد الجديد لا تشير بالضرورة إلى إخوة من نفس الأم، بل يمكن أن تكون إشارة إلى ابن العم أو ابن الخالة والتي تعني باللغة الإنجليزية Cousin، حيث إنه في تلك الوقت لم تكن هناك كلمات مثل (ابن العم) أو (ابن الخال) كما نستخدمها اليوم في اللغة العربية، لذلك، كان من الشائع أن يُطلق على أبناء الأقارب لفظ (أخ)، وبالتالي، يمكن أن يكون إخوة يسوع هم في الواقع أبناء العم أو أبناء الخالة.
2- الاحتمال الثاني، وقد يكون أكثر واقعية من الاحتمال الأول، فهو أن يوسف - خطيب القديسة مريم العذراء - كان متزوجًا قبل زواجه منها وزوجته ماتت، وأنه كان له أبناء من زوجته السابقة التي توفيت، لذلك فإن بعض الرسوم القديمة تُظهر يوسف أنه رجل متقدم في العمر وأكبر من القديسة مريم العذراء، وكان عادة الجميع وقتذاك أن يتزوجوا مبكراً في سن صغير، وعندما خطب يوسف القديسة مريم العذراء، كانت قد حُبل بها من الروح القدس، وعرف يوسف أنها كذلك، فبقيت عذراء لم يعرفها رجل وأنجبت المسيح ولم تنجب من يوسف أبناء آخرين، وبناءً على ذلك، يمكن أن يكون إخوة يسوع هم أبناء يوسف من زواجه الأول، حيث كانوا يعتبرون إخوة يسوع وفقًا للتقاليد العائلية في ذلك الوقت وهناك فيلم سينمائي يطرح هذا الاحتمال، كما أن الناس لم تعرف قصة القديسة مريم العذراء وميلاد المسيح العجزي إلا عندما تمت كتابتها في نهاية الأمر.
إذن، فإن (إخوة يسوع) قد يكونون إما أبناء العم أو أبناء الخالة أو قد يكونون أبناء يوسف من زواج سابق، وفي جميع الأحوال، فإن مريم العذراء لم تنجب أبناء آخرين بعد ولادة يسوع المسيح وظلت عذراء طوال حياتها.
عندما نتتبع سلسلتيّ نسب يسوع المسيح بحسب إنجيليّ (متى ولوقا) التي من المفترض أن تصل إلى القديسة مريم العذراء وتنتهي بالمسيح، نجد أن سلسلة النسب في كلا الإنجيلين لا تمتد مباشرة إلى القديسة مريم العذراء، بل إلى يوسف النجار، فكيف يُعتبر المسيح من نسل إبراهيم وداود، وهو ليس الابن الجسدي ليوسف؟
جاء جميع بني يعقوب/ إسرائيل من نسل إبراهيم، وبالتالي، جاء المسيح من نسل إبراهيم وداود، وقد ذكر نسب المسيح باسم يوسف وذلك لسببين هما:
السبب الأول: أن المسيح كان معروفاً لدى الناس في ذلك الزمان باعتباره "ابن يوسف النجار"، كما ورد في إنجيل "متى": أَلَيْسَ هَذَا ابْنَ النَّجَّارِ؟ أَلَيْسَتْ أُمُّهُ تُدْعَى مَرْيَمَ وَإِخْوَتُهُ يَعْقُوبَ، وَيُوسِي، وَسِمْعَانَ، وَيَهُوذَا؟ أَوَ لَيْسَتْ أَخَوَاتُهُ جَمِيعُهُنَّ عِنْدَنَا؟ فَمِنْ أَيْنَ لِهَذَا هَذِهِ كُلُّهَا؟» (مت13:54-56)، فالشعب لم يكن يعلم القصة على حقيقتها أي تجسُّد الله والميلاد العجزي للمسيح، إذ كان هذا أمراً إلهياً تم إعلانه لاحقاً، وقد أراد يوسف "تخليتها سراً" أي أراد أن يطلقها سراً عندما علم أنها حامل.
فطبقاً لإجراءات الزواج في للشريعة اليهودية، كانت الخطوبة تعني ارتباطاً قانونياً يُعادل الزواج من حيث الالتزام، لكنها لم تكن تتضمّن الدخول في علاقة زوجية، تماماً كما هو الحال في إجراء الزواج الإسلامي المعروف بـ (كتب الكتاب)، فهي على هذا النحو صارت امرأة يوسف، ولذلك تحدث الملاك إلى يوسف في حلم موضحاً له أمر حملها واصفاً إياها بامرأته: أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هَكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً. وَلَكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هَذِهِ الأُمُورِ إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.)مت1:18-20)، فهي امرأة يوسف لأنه في الشريعة اليهودية تعتبر الخطيبة امرأة أي زوجة من حيث الصيغة القانونية، وعندما علم يوسف بأمر حملها أراد تطليقها دون إعلان سبب الطلاق أي دون أن يُعلن خيانتها له، حيث إنه لن يستطيع العيش معها بعد ولادتها نظراً لخيانتها له كما كان يعتقد في البداية قبل أن يظهر له الملاك في حلم ليخبره بالحقيقة، فيوسف لم يخبر الناس بما حدث وبأنها عذراء ولكننا علمنا ذلك فيما بعد.
ولذلك نُسب يسوع قانونيًا إلى يوسف، إذ كان يُنظر إليه بحسب العُرف أنه ابنه، وبهذا يُسجل النسب بحسب يوسف في إنجيل متى، تحقيقًا للنبوّات المتعلقة بمجيء المسيح من نسل داود.
2- السبب الثاني: أنه قد تم ذكر نسب المسيح في إنجيليّ "متى" و"لوقا" بطريقتين مختلفتين، فسلسلتيّ النسب في كلا الإنجيلين من (داود لإبراهيم لآدم) متطابقين بينما سلسلتيّ النسب من (آدم حتى داود) مختلفتين في كلا الإنجيلين، بسبب أنها جاءت مرة بحسب "نسب يوسف" في إنجيل "متى"، ومرة أخرى بحسب "نسب القديسة مريم العذراء" في إنجيل "لوقا"، فالسيد المسيح - في نظر الناس - هو ابن يوسف ابن داود، بينما هو - في واقع الأمر - ابن القديسة مريم العذراء ابن داود.
إذا كان يوسف النجار وُصف بالبار، فلماذا قال المسيح: ليس أحد صالحًا إلا الله وحده؟ وهل عندما ننسب صفة الصلاح إلى الله يكون لها معنى آخر؟
هناك فرق بين كلمة (قدِّيس) وكلمة (قدُّوس)، فكلمة (قديس) تطلق على المؤمن بالمسيح والذين نال غفران الخطايا والتبرير بالإيمان وصار خليقة جديدة ويتصف بالقداسة النسبية، بينما تطلق كلمة (قدوس) على الله والمسيح الذي يتصف بالقداسة المطلقة، وبنفس الطريقة، فإن كلمة (صالح) التي وردت في إنجيل "متى": وَإِذَا وَاحِدٌ تَقَدَّمَ وَقَالَ لَهُ: «أَيُّهَا الْمُعَلِّمُ الصَّالِحُ أَيَّ صَلاَحٍ أَعْمَلُ لِتَكُونَ لِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ؟» فَقَالَ لَهُ: «لِمَاذَا تَدْعُونِي صَالِحاً؟ لَيْسَ أَحَدٌ صَالِحاً إِلاَّ وَاحِدٌ وَهُوَ اللَّهُ. وَلَكِنْ إِنْ أَرَدْتَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ فَاحْفَظِ الْوَصَايَا». (مت19:16-17) و(مر10:17-18) و(لو18:18-19).
يكون لها استخدامان: أحدهما له معنى نسبي أي أن هذا الرجل صالح أخلاقياً واجتماعيا، ولكن ليس بمعنى الصلاح الكامل، والاستخدام الآخر له معنى مطلق أي أنه ليس هناك أحد صالح الصلاح الكامل غير الله فهو مصدر كل صلاح، فأية كلمة لها عدة استخدامات ونعرف معناها من سياق الحديث، فالمسيح يسأل الشاب الغني: من أي منطلق تدعوني صالحاً؟ هل تعلم أني أنا الله؟ هل أنت مؤمن بذلك؟ أم تقصد المعنى الإنساني لكلمة صالح؟ فبالمعنى المطلق ليس أحد صالح إلا الله، هل تفهم ما أعنيه؟، فنحن نفهم معنى الكلمة من خلال سياق الحديث، وهو ما نطلق عليه في علم التفسير مصطلح (النص والقرينة) and Context Text، فالسيد المسيح صالح بكل تأكيد، كما جاء في إنجيل "يوحنا": أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. (يو10:11)، فالمسيح لا ينكر صفة الصلاح الكامل المطلق عن نفسه، ولكن هذا سؤال استفهامي استنكاري وليس نفي، فهو لا ينفي صلاحه، حيث يقول: "لماذا تدعوني صالحاً؟ ليس أحد صالحاً إلا واحد وهو الله"، هل تقصد الصلاح الإلهي المطلق؟" هل تعلم من أكون؟ أم أنك تردد كلمات أمام الناس ولا تعلم معناها؟، لأن الاعتراف بأن المسيح صالحاَ صلاحاً مطلقاً يُعد ضمناً اعتراف بألوهيته.
Before you gather the group
This lesson is 9 of 31 in “من حقك تفهم” — and the group will not take it in without what comes before it.
- 1Begin with a short review of the previous lesson, not with the new material.
- 2Ask the Study Companion which questions this lesson usually raises.
- 3Leave the practical summary until last, and turn it into a single step for each person.
“The Life of the Servant” (course nineteen) is the course set apart for training leaders.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — 22 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path