ماذا قال المسيح عن نفسه؟
ماذا قال المسيح عن نفسه؟
طرحنا في الحلقة السابقة من البرنامج السؤال الهام والجوهري: من هو المسيح؟ وأكدنا على وجود طبيعتين للمسيح: الأولى إنسانية (ناسوت) والثانية إلهية (لاهوت) وتناولنا ألقاب المسيح في الأناجيل الأربعة، واعتمدنا على إنجيل يوحنا في إثبات لاهوت المسيح من خلال التركيز على شهادة يوحنا الحبيب كاتب الإنجيل وشهادة يوحنا المعمدان، ثم شهادة المسيح عن نفسه، وذكرنا أيضاً شهادة التلاميذ عنه نثنائيل وبطرس، ونستكمل في هذه الحلقة بقية أقوال وشهادات المسيح عن نفسه التي تؤكد لاهوته وتؤكد أزليته.
ما هي المواقف التي توضح استخدام التلاميذ والرسل لسلطان المسيح في الصلاة في العهد الجديد؟
عندما نصلي من أجل شخص مريض أو من أجلنا نطلب ونتشفّع لله الآب باسم يسوع، ولذلك حين قام "بطرس" الرسول بشفاء الأعرج منذ ميلاده، قال: "باسم يسوع"، كما جاء في سفر "أعمال الرسل" وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعاً إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ. وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. فَهَذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلاَ الْهَيْكَلَ سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَيْنَا!» فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِراً أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئاً. فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ».(أع3:1-6)، فاندهش الناس وتجمعوا حول بطرس ولكنه أخبرهم أن تلك المعجزة لم تتم بقوته ولا بتقواه ولكن بإيمانه بالرب يسوع المسيح وهو الذي صنع تلك المعجزة، كما قام بولس الرسول بشفاءات وانتهار أرواح شريرة باسم يسوع كما رأينا عند شفاء الأعرج في مدينة لسترة، كما جاء في سفر أعمال الرسل: وَكَانَ يَجْلِسُ فِي لِسْتِرَةَ رَجُلٌ عَاجِزُ الرِّجْلَيْنِ مُقْعَدٌ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ وَلَمْ يَمْشِ قَطُّ. هَذَا كَانَ يَسْمَعُ بُولُسَ يَتَكَلَّمُ فَشَخَصَ إِلَيْهِ، وَإِذْ رَأَى أَنَّ لَهُ إِيمَاناً لِيُشْفَى قَالَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «قُمْ عَلَى رِجْلَيْكَ مُنْتَصِباً». فَوَثَبَ وَصَارَ يَمْشِي.(أع14:8-10)، وقصة أخرى تؤكد لنا أن قوة السلطان المُعطى لنا هي نتاج الإيمان الحقيقي بالرب يسوع المسيح، وهي أن جماعة من اليهود في أفسس أرادوا استخدام اسم يسوع لطرد وإخراج روح شرير من جسد إنسان ولكنهم فوجئوا بهجوم ذلك الإنسان عليهم وأنهال عليهم ضرباً، بسبب أنهم قد استخدموا (اسم يسوع) معتقدين أنها عبارة سحرية، دون إيمان حقيقي منهم فلم يكن ذلك مجدياً بل جاء بنتيجة مغايرة وعكسية تماماً، كما جاء في سفر "أعمال الرسل":فَشَرَعَ قَوْمٌ مِنَ الْيَهُودِ الطَّوَّافِينَ الْمُعَزِّمِينَ أَنْ يُسَمُّوا عَلَى الَّذِينَ بِهِمِ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ قَائِلِينَ: «نُقْسِمُ عَلَيْكَ بِيَسُوعَ الَّذِي يَكْرِزُ بِهِ بُولُسُ!» وَكَانَ الَّذِينَ فَعَلُوا هَذَا سَبْعَةَ بَنِينَ لِسَكَاوَا رَجُلٍ يَهُودِيٍّ رَئِيسِ كَهَنَةٍ. فَقَالَ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ لَهُمْ: «أَمَّا يَسُوعُ فَأَنَا أَعْرِفُهُ وَبُولُسُ أَنَا أَعْلَمُهُ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمَنْ أَنْتُمْ؟» فَوَثَبَ عَلَيْهِمُ الإِنْسَانُ الَّذِي كَانَ فِيهِ الرُّوحُ الشِّرِّيرُ وَغَلَبَهُمْ وَقَوِيَ عَلَيْهِمْ حَتَّى هَرَبُوا مِنْ ذَلِكَ الْبَيْتِ عُرَاةً وَمُجَرَّحِينَ.(أع19:13-16)، فنحن المؤمنون المسيحيون لا نفعل ذلك بقوتنا ولا بتقوانا فعندما يستخدمنا الرب لا نستخدم قوتنا بل سلطان يسوع المسيح وهو الذي يفعل وليس نحن، لأنه قال، كما جاء في إنجيل "يوحنا":اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَالأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا يَعْمَلُهَا هُوَ أَيْضاً وَيَعْمَلُ أَعْظَمَ مِنْهَا لأَنِّي مَاضٍ إِلَى أَبِي. وَمَهْمَا سَأَلْتُمْ بِاسْمِي فَذَلِكَ أَفْعَلُهُ لِيَتَمَجَّدَ الآبُ بِالاِبْنِ. إِنْ سَأَلْتُمْ شَيْئاً بِاسْمِي فَإِنِّي أَفْعَلُهُ. (يو14:12-14)، وكذلك: لَيْسَ أَنْتُمُ اخْتَرْتُمُونِي، بَلْ أَنَا اخْتَرْتُكُمْ وَأَقَمْتُكُا خْتَرْتُمُونِي، وَتَأْتُوا بِثَمَرٍ وَيَدُومَ ثَمَرُكُمْ لِكَيْ يُعْطِيَكُمُ الآبُ كُلَّ مَا طَلَبْتُمْ بِاسْمِي. (يو15:16)، وذلك السلطان المُعطى لنا هو سلطان المسيح نفسه باسم وقوة المسيح، لذلك يُعد سفر أعمال الرسل ذو قيمة وأهمية كبيرة لأنه يمثل استخدام وتحقق سلطان المسيح على أيدي التلاميذ.
إذن، ما هي الآيات والأجزاء الكتابية التي تثبت لاهوت المسيح من خلال شهادته عن نفسه في العهد الجديد؟
هناك العديد من الآيات والأجزاء الكتابية التي تمثل شهادة المسيح عن نفسه فيما يتعلق بلاهوته بوصفه ابن الله والكلمة والله المتجسِّد الظاهر في الجسد، حيث أعطى المسيح إعلاناً يؤكد لاهوته بعبارات قوية حاسمة لا تقبل الجدال، مثل: "أنا أعطيها حياة أبدية"، "ولا يخطفها أحد من يدي"، و"أنا والآب واحد"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». (يو10:27-30).
من الآيات التي تعبّر عن لاهوت المسيح ما ورد في إنجيل "يوحنا": إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ».(يو10:37-38)، حيث يعلن السيد المسيح لليهود أن الأعمال التي يعملها تشهد له أنه في الآب والآب فيه وأنه والآب واحد، أي أنها شهادة حية على وحدة جوهره مع الآب، فإذا كان مجدِّفاّ كما يزعمون لما كان له ذلك السلطان الذي يعطيه القدرة على فعل تلك الأعمال والقوّات والمعجزات، فالشخص المجدّف أو المجنون أو الكاذب لا يمكنه أن يصنع تلك الأعمال والمعجزات التي يعملها المسيح على الإطلاق.
وهناك قصة أخرى تعبر أيضاً عن لاهوت المسيح، عندما كان المسيح يوعظ في منزل مزدحم في كفر ناحوم، وجاء إليه أربعة أشخاص يحملون مفلوجاً في سرير، ولكن بسبب شدة الزحام أنزلوه من سقف المنزل بعدما نقبوه، وعندما أعلن المسيح " يا بُنيّ مغفورة لك خطاياك" غضب كتبة اليهود لأنه في نظرهم قد جدَّف فمنح الغفران أقوى من صناعة المعجزة ذاتها ولا أحد يقدر أن يغفر الخطايا سوى الله، وكما ورد في إنجيل "مرقس": فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». وَكَانَ قَوْمٌ مِنَ الْكَتَبَةِ هُنَاكَ جَالِسِينَ يُفَكِّرُونَ فِي قُلُوبِهِمْ: «لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ هَذَا هَكَذَا بِتَجَادِيفَ؟ مَنْ يَقْدِرُ أَنْ يَغْفِرَ خَطَايَا إلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ؟» فَلِلْوَقْتِ شَعَرَ يَسُوعُ بِرُوحِهِ أَنَّهُمْ يُفَكِّرُونَ هَكَذَا فِي أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَاذَا تُفَكِّرُونَ بِهَذَا فِي قُلُوبِكُمْ؟ أَيُّمَا أَيْسَرُ: أَنْ يُقَالَ لِلْمَفْلُوجِ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ أَمْ أَنْ يُقَالَ: قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَامْشِ؟ وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ». فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللَّهَ قَائِلِينَ: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُّ!».(مر2:5-12)، وذُكرت القصة ذاتها أيضاً في إنجيل متى (مت9:1-8) وفي إنجيل لوقا (لو5:17-26)، ولم يقم المسيح بالصلاة أن يصنع تلك المعجزة كما إعتاد ليعطي لنا أكثر من إعلان إلهي: إثبات سلطانه وأن لديه السلطان لمغفرة الخطايا لأنه هو الله بدليل أنه قال للمفلوج الذي كان مصاباً بشلل رباعي: "قم واحمل سريرك واذهب إلى بيتك".
ايضاً شهادة المسيح عن نفسه من خلال مشهد إقامة "لعازر" من الأموات بعد مضي أربعة أيام، فالمسيح لا يقيم الموتى فقط بل هو أيضاً القيامة والحياة ذاتها، فمن يؤمن بالمسيح ولو مات فسيحيا، كما جاء في إنجيل يوحنا: قَالَتْ لَهُ مَرْثَا: «أَنَا أَعْلَمُ أَنَّهُ سَيَقُومُ فِي الْقِيَامَةِ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ الْقِيَامَةُ وَالْحَيَاةُ. مَنْ آمَنَ بِي وَلَوْ مَاتَ فَسَيَحْيَا وَكُلُّ مَنْ كَانَ حَيّاً وَآمَنَ بِي فَلَنْ يَمُوتَ إِلَى الأَبَدِ. أَتُؤْمِنِينَ بِهَذَا؟» قَالَتْ لَهُ: «نَعَمْ يَا سَيِّدُ. أَنَا قَدْ آمَنْتُ أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الآتِي إِلَى الْعَالَمِ» (يو11: 24-27) حيث أقام المسيح لعازر: وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجاً» فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيلٍ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ». (يو11:43-44)
إذن، فالمسيح أكثر بكثير من مجرد نبي أو رسول أو إنساناً عادياً فهو ابن الله والله المتجسِّد، فلا يجرؤ أحد أن يقول مثل هذه الكلمات سوى الله، وهذه هي كلمة الله التي لم تمتد إليها يدٌ بشرية بالتلاعب أو التغيير أو التحريف لأن الله هو المسؤول عن حفظها، بالإضافة إلى وجود كم هائل من المخطوطات المتطابقة للكتاب المقدس، وكذلك فإن الخط القرمزي أي الفكر الإلهي يمتد ويتواصل عبر الكتاب المقدس بأكمله كما تحققت النبوّات جميعها في شخص المسيح، وعندما نفهم ما يريد الله إيصاله لنا من خلال كلمته المقدسة (ماذا؟) نستطيع أن نبحث في السبب الجوهري وراء تجسُّد الله وسبب نزوله من عُلاه إلى الأرض (لماذا؟).
فالأناجيل الأربعة - وعلى وجه الخصوص إنجيل "يوحنا" - تشهد عن لاهوت المسيح وكذلك سفر أعمال الرسل وجميع الرسائل وسفر الرؤيا، كما كتب بولس الرسول سفر العبرانيين ليوضح طبيعة المسيح ابن الله الأزلي، مُعلناً أن المسيح أعظم من الملائكة: صَائِراً أَعْظَمَ مِنَ الْمَلاَئِكَةِ بِمِقْدَارِ مَا وَرِثَ اسْماً أَفْضَلَ مِنْهُمْ. (عب1:4-14)
كما يؤكد بولس أن المسيح أعظم من موسى: مِنْ ثَمَّ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الْقِدِّيسُونَ، شُرَكَاءُ الدَّعْوَةِ السَّمَاوِيَّةِ، لاَحِظُوا رَسُولَ اعْتِرَافِنَا وَرَئِيسَ كَهَنَتِهِ الْمَسِيحَ يَسُوعَ، حَالَ كَوْنِهِ أَمِيناً لِلَّذِي أَقَامَهُ، كَمَا كَانَ مُوسَى أَيْضاً فِي كُلِّ بَيْتِهِ. فَإِنَّ هَذَا قَدْ حُسِبَ أَهْلاً لِمَجْدٍ أَكْثَرَ مِنْ مُوسَى، بِمِقْدَارِ مَا لِبَانِي الْبَيْتِ مِنْ كَرَامَةٍ أَكْثَرَ مِنَ الْبَيْتِ. لأَنَّ كُلَّ بَيْتٍ يَبْنِيهِ إِنْسَانٌ مَا، وَلَكِنَّ بَانِيَ الْكُلِّ هُوَ اللهُ. وَمُوسَى كَانَ أَمِيناً فِي كُلِّ بَيْتِهِ كَخَادِمٍ، شَهَادَةً لِلْعَتِيدِ أَنْ يُتَكَلَّمَ بِهِ. وَأَمَّا الْمَسِيحُ فَكَابْنٍ عَلَى بَيْتِهِ. وَبَيْتُهُ نَحْنُ إِنْ تَمَسَّكْنَا بِثِقَةِ الرَّجَاءِ وَافْتِخَارِهِ ثَابِتَةً إِلَى النِّهَايَةِ. (عب3:1-6).
ما هي الآيات والأجزاء الكتابية التي تؤكد أزلية المسيح؟
نذهب إلى مشهد هام يؤكد أزلية المسيح ابن الله والكلمة - وليس أزلية يسوع ابن الإنسان والجسد، حيث غضب اليهود حين أخبرهم أن من يحفظ كلامه يعيش للأبد فاتهموه أن به شيطان سائلين: من تجعل نفسك؟، كما ورد في إنجيل "يوحنا": اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كلاَمِي فَلَنْ يَرَى الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ». فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «الآنَ عَلِمْنَا أَنَّ بِكَ شَيْطَاناً. قَدْ مَاتَ إِبْرَاهِيمُ وَالأَنْبِيَاءُ وَأَنْتَ تَقُولُ: «إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْفَظُ كلاَمِي فَلَنْ يَذُوقَ الْمَوْتَ إِلَى الأَبَدِ». أَلَعَلَّكَ أَعْظَمُ مِنْ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي مَاتَ. وَالأَنْبِيَاءُ مَاتُوا. مَنْ تَجْعَلُ نَفْسَكَ؟» (يو8:51-53)، ثم يكمل المسيح مُعلناً أن أباه هو الله: أَجَابَ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ أُمَجِّدُ نَفْسِي فَلَيْسَ مَجْدِي شَيْئاً. أَبِي هُوَ الَّذِي يُمَجِّدُنِي الَّذِي تَقُولُونَ أَنْتُمْ إِنَّهُ إِلَهُكُمْ. (يو8:54)، ويكمل المسيح: وَلَسْتُمْ تَعْرِفُونَهُ. وَأَمَّا أَنَا فَأَعْرِفُهُ. وَإِنْ قُلْتُ إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُهُ أَكُونُ مِثْلَكُمْ كَاذِباً لَكِنِّي أَعْرِفُهُ وَأَحْفَظُ قَوْلَهُ.(يو8:55)، ثم يعلن المسيح هنا أمراً غريباً أن إبراهيم قد تمنى أن يراه فرأه وفرح فرحاً عظيماً، فأخبروه بأنه مازال لم يكمل خمسين عاماً فمن المستحيل أنه رأى إبراهيم وذلك نتيجة الفارق الزمني الكبير بينهما حوالي ألفين عام، وبذلك يؤكد المسيح أزليته بوصفه الله: أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ».، فأجابوا: فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟»(يو8:56-57)، ثم يعلن المسيح عن طبيعته الأزلية حيث كان موجوداً قبل إبراهيم ليتهموه بالتجديف وكادوا أن يرجموه: قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ». فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا. (يو8: 58-59)، فالذي يبلغ من العمر ثلاثين عاماً هو يسوع ابن الإنسان والجسد، أما المسيح ابن الله والكلمة فهو أزلي وكائن قبل إبراهيم.
يخبرنا المسيح بموقف قد حدث بالفعل، حينما إلتقي بإبراهيم، فقبل حادثة "سدوم وعمورة" زار إبراهيم ثلاثة من الملائكة فاستضافهم وقدّم إليهم الطعام، فبشره "ملاك الرب" هو وزوجته سارة بميلاد إسحاق، ثم ذهب إثنين منهم وظل ملاك الرب باقياً مع إبراهيم فسارا وتحدثا معاً، ليخبره ملاك الرب أي الرب عن قرب إهلاك مدينتيّ "سدوم وعمورة" بسبب تعاظم خطيّتهم: فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ (تك18: 17-18)، فالملاك دائماً لا يتحدث بهذه الطريقة، فالملائكة هم خدّام الله مثل الأنبياء تماماً، كما أن مرتبة البشر لا تقل عن مرتبة الملائكة عند الله، ولكن ملاك الرب يخاطب إبراهيم بوصفه رباً وبوصف إبراهيم عبداً كما رأينا، ويقول إبراهيم: فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «إِنِّي قَدْ شَرَعْتُ أُكَلِّمُ الْمَوْلَى وَأَنَا تُرَابٌ وَرَمَادٌ. (تك18:27)، فالمسيح ابن الله هو من ظهر لإبراهيم في ذلك المشهد وهذا ما يؤكده المسيح نفسه كما ذكرنا، فالمسيح له ظهورات عديدة في العهد القديم، حيث ظهر في زمن "دانيال" في صورة "شبيه ابن الآلهة"، فعندما أمر الملك البابلي نبوخذ نصَّر الجميع بأن يسجدوا لتمثال الذهب الذي صنعه رفض الفتية الثلاثة شدرخ وميشخ وعبدنغو كما أنهم رفضوا أن يعبدوا الآلهة الوثنية، فأمر نبوخذ نصَّر بإلقائهم في أتون النار، ولكن حين نظر نبوخذ نصَّر وجدهم أربعة أشخاص والرابع شبيه بابن الآلهة، كما جاء في سفر "دانيال": وَهَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةُ الرِّجَالِ شَدْرَخُ وَمِيشَخُ وَعَبْدَنَغُو سَقَطُوا مُوثَقِينَ فِي وَسَطِ أَتُونِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ. حِينَئِذٍ تَحَيَّرَ نَبُوخَذْ نَصَّرُ الْمَلِكُ وَقَامَ مُسْرِعاً وَسَأَلَ مُشِيرِيهِ: أَلَمْ نُلْقِ ثَلاَثَةَ رِجَالٍ مُوثَقِينَ فِي وَسَطِ النَّارِ؟ فَأَجَابُوا: صَحِيحٌ أَيُّهَا الْمَلِكُ فَقَالَ: هَا أَنَا نَاظِرٌ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ مَحْلُولِينَ يَتَمَشُّونَ فِي وَسَطِ النَّارِ وَمَا بِهِمْ ضَرَرٌ وَمَنْظَرُ الرَّابِعِ شَبِيهٌ بِـابْنِ الآلِهَةِ. (دا3:23-25).
فالمسيح هو ابن الله والكلمة الأزليّ الذي في حضن الآب، حيث يقول يوحنا الحبيب: اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.(يو1:18)، وهو أيضاً (ملاك الرب) الذي يتحدث بلسان الله، وهو لا يحمل وينقل رسالة من الله مثل الملائكة، كما رأينا في حوار إبراهيم وملاك الرب، بينما نجد أن الملاك "جبرائيل" عندما يأتي لإنسان يخبره بأنه يحمل رسالة من قبل الله، كما ورد في إنجيل "لوقا": فَأَجَابَ الْمَلاَكُ: «أَنَا جِبْرَائِيلُ الْوَاقِفُ قُدَّامَ اللهِ وَأُرْسِلْتُ لأُكَلِّمَكَ وَأُبَشِّرَكَ بِهَذَا.(لو1:19)، ولكن عندما يتحدث ملاك الرب في العهد القديم لا يخاطب البشر برسالة من قبل الله بل برسالته هو بوصفه الله نفسه، حيث يستخدم ضمير المتكلم وليس ضمير الغائب، حيث يصف بولس المسيح بأنه: اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ.(كو1:15)، ويتحدث معنا وجهاً لوجه، فهو الكلمة الذي صار جسداً لحماً ودماً وجاء في ملء الزمان، كما يخبرنا بولس، وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ.(غل4:4).
بينما ظهر المسيح في العهد القديم في صورة نورانية وليست لحماً ودماً لأنه لم يحن وقتذاك زمان تجسُّده، فالتجسُّد ولاهوت الله يمكن أن نفهمه، ولكن لا نستطيع أن نتخيله.
لماذا ظهر الله في الجسد، وما هي أسباب تجسُّد الله؟
هناك ثلاثة أسباب رئيسية وجوهرية لتجسُّد الله، وهي
السبب الأول الاحتياج البشري إلى معرفة وفهم الله على صورته الحقيقية.
حيث إننا نحن البشر نحتاج إلى أن نفهم الله، فماذا يعني أن نفهم الله؟، فالله لم يره أحد قط، كما ورد في إنجيل يوحنا: اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يو1:18)، وجميع الأنبياء لم يروا الله إلا من خلال الرؤى والأحلام وليس في صورة حقيقة، وعندما طلب موسى أن يرى الله، حذره الله من أنه لن يعيش، ولكنّه أخبر موسى أنه سيستره بيده في نقرة الصخرة عندما يجتاز بمجده ويمكن لموسى أن ينظر وراء الله لكنّ وجهه لا يُرى: فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ». فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَأَّفُ عَلَى مَنْ أَتَرَأَّفُ وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ». وَقَالَ: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ». وَقَالَ الرَّبُّ: «هُوَذَا عِنْدِي مَكَانٌ فَتَقِفُ عَلَى الصَّخْرَةِ. وَيَكُونُ مَتَى اجْتَازَ مَجْدِي أَنِّي أَضَعُكَ فِي نُقْرَةٍ مِنَ الصَّخْرَةِ وَأَسْتُرُكَ بِيَدِي حَتَّى أَجْتَازَ. ثُمَّ أَرْفَعُ يَدِي فَتَنْظُرُ وَرَائِي. وَأَمَّا وَجْهِي فَلاَ يُرَى».(خر33:18-23)، فالله كشف لموسى كل جودته أي صفاته في لحظة من الزمن: “أجيز كل جودتي قدامك...أترأف على من أترأف وأرحم من أرحم"، وذلك من خلال إعلانات: الحب والرحمة والإحسان التي في أحشاء الله، والعدل والصلاح والنور والبهاء والجلال، لكننا لن نرى وجه الله لأنه ليس لديه أنف وعينان مثل البشر، فرؤية الإنسان لله هي رؤية داخلية وليست رؤية العيون البشرية، فالله لم يره أحد قط، ولكنه قد كلّم الأنبياء وسمعوا كلماته دون أن يروه، لذلك أصبح فهمنا محدوداً حسب ما نسمع، ولكن رؤيتنا لشخص ما أفضل بكثير من مجرد سماعنا عنه فقط، فعلى سبيل المثال، عندما تنحصر علاقتنا بشخص ما في مجرد المكالمات التليفونية تصبح صورته لدينا غير واضحة لأننا لم نره رؤيا العين، وإذا رأيناه لا نستطيع التعرف عليه.
فغياب رؤيتنا لله يؤدي إلى تشوّه تصوراتنا وتخيلاتنا عنه، وكلما تقدمت وامتدت مسيرة البشرية في التاريخ ازداد ذلك التشوّه في فهم الله، وقد رأينا مثل ذلك التشوّه التدريجي في مفهوم الزواج، فبينما كان النموذج الأول في العهد القديم قائماً على زوجة واحدة في البداية كما نجد في حياة (آدم ونوح وإبراهيم وإسحاق) نرى أنه بعد أجيال لاحقة أن سليمان قد اتخذ لنفسه 700 زوجة عدا الجواري، وهذا يعبّر عن مدى الانحراف التدريجي عن قصد الله الأصلي، إذ أن تصورات الإنسان عن الله ومقاصده لحياتنا لا تظل ثابتة، بل كثيرًا ما تتشوّه بمرور الزمن، ومع هذا التشوّه، بدأت تظهر عقائد وثنية من نسج خيال البشر، كما نرى في آلهة مثل إيزيس وأوزوريس وحورس ورع وعجل أبيس، وغيرها من المعتقدات الوثنية التي ابتعدت عن الإعلان الإلهي الحقيقي، فغالباً ما تقيس معرفة الله بمعاييرنا البشرية المحدودة فنُسقط على الله ما في داخلنا من صراعات وخبرات مشوّهة، فعلى سبيل المثال،
في الديانة الهندوسية وهي ديانة قديمة ومعقدة جداً، نجد أن الفكر الهندوسي قد أسقط ما في داخلنا كبشر على الله، وقد أخبرني أحد أتباعها أن الله في الهندوسية له خمسة أوجه مختلفة: ثلاثة منها تعبّر عن الخير، واثنان يمثلان الشر، وهذان الوجهان الشريران هما المؤنثان، وهنا نلمح كيف أن الفكر الإنساني حين يُشوَّه ينسب الشر لله، بل ويجعل المرأة رمزه، نتيجة مفاهيم اجتماعية منحرفة ترى الرجل سيّدًا والمرأة دون ذلك. إن هذا التشوّه الداخلي لدى الإنسان يُسقَط على الله، ولهذا رأينا عبر العصور مفاهيم مغلوطة عن الله، حتى بين شعب الله في العهد القديم، حيث لم يكن فهمهم دائمًا دقيقًا لطبيعة الله وقداسته.
فالتجسُّد قام بتصويب الفهم والفكرة البشرية الخاطئة عن الله، وكذلك هناك العديد من الأفكار والمفاهيم الخاطئة عن الله التي قد تراكمت على مر العصور قبل التجسُّد، ومنها: أن الله قوي وجبار إذن هو قاسي، وأيضاً طالما أن الله يكره الخطية ولا يطيق الإثم لأنه قدوس، إذن، فهو يكره الخاطئ مرتكب الخطية، وهذا ما فهمه الفريسيون: وَبَيْنَمَا هُوَ مُتَّكِئٌ فِي الْبَيْتِ إِذَا عَشَّارُونَ وخطأة كَثِيرُونَ قَدْ جَاءُوا وَاتَّكَأُوا مَعَ يَسُوعَ وَتَلاَمِيذِهِ. فَلَمَّا نَظَرَ الْفَرِّيسِيُّونَ قَالُوا لِتَلاَمِيذِهِ: «لِمَاذَا يَأْكُلُ مُعَلِّمُكُمْ مَعَ الْعَشَّارِينَ والخطأة؟» فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى. فَاذْهَبُوا وَتَعَلَّمُوا مَا هُوَ: إِنِّي أُرِيدُ رَحْمَةً لاَ ذَبِيحَةً لأَنِّي لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً، بَلْ خطأة إِلَى التَّوْبَةِ». (مت9:10-13) و(مر2:15-17) و(لو5:30-32) و(لو15:1-2).
وذلك بسبب أن فهمهم وتصورهم عن ربنا بوصفه قدوس فهو يكره الأشرار والخطأة، وهناك العديد من الآيات في العهد القديم التي تؤكد ذلك المعنى أيضاً كما في المزامير: لأَنَّكَ أَنْتَ لَسْتَ إِلَهاً يُسَرُّ بِالشَّرِّ لاَ يُسَاكِنُكَ الشِّرِّيرُ.5لاَ يَقِفُ الْمُفْتَخِرُونَ قُدَّامَ عَيْنَيْكَ. أَبْغَضْتَ كُلَّ فَاعِلِي الإِثْمِ. (مز5:4-5)، وكذلك:5 الرب يَمْتَحِنُ الصديق، أَمَّا الشرير وَمُحِبُّ الظلم فَتُبْغِضُهُ نَفْسُهُ. (مز11:5)، فجميعها تصورات ومفاهيم خاطئة عن الله: بما أن الله عظيم إذن فهو متعالٍ وبما أنه جبار وقوي فهو قاسٍ وبما أنه قدوس فهو يكره الخطأة وبما أنه عادل ويحب العدل سيعاقبنا لأننا نستحق، فهذه قضية مهمة جداً لأن صورة الله قد تشوهت عبر العصور والأجيال في ذهن البشر.
وبالتالي، فقد أراد الله أن يمنحنا المعرفة والفهم لنكتشف ونعرف من هو وما هي حقيقته، وأراد أن يستبدل كل التصورات الخاطئة السابقة التي لدينا عنه بصورته الحقيقية، لذلك جاء الله ليزورنا على الأرض ليصوب صورته المشوهة عندنا نحن البشر Once and Forever أي مرة وللأبد، حيث كان يكلمنا سابقاً عبر الأنبياء، لذلك أراد أن يأتي إلينا ويتحدث معنا وجهًا لوجه غير أن طبيعتنا البشرية لا تحتمل رؤية الله ولن نظل أحياء، فالإنسان لا يرى الله ويعيش، لأنه روح، ونحن ما زلنا في الجسد، وبما أن عيوننا مادية لا ترى إلا ما هو مادي، فقد كان لا بد أن يظهر لنا في هيئة مادية، لكي تستطيع عيوننا المادية أن تبصره فيعيش بين الناس، فنراه، ونفهم من يكون، وتكتمل لدينا صورة الله الحقيقية، وحينها ندرك أنه قدوس، وأنه يكره الخطية لا لأنه يتأذى منها، بل لأنه أحبنا، والخطية تؤذينا وتضرنا نحن البشر، لكنها لا تؤذي الله ولا تضره.
هل قال المسيح أنه يحب الخاطئ لكنّه يكره الخطية؟
قال المسح ذلك نصاً: فَلَمَّا سَمِعَ يَسُوعُ قَالَ لَهُمْ: «لاَ يَحْتَاجُ الأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ، بَلِ الْمَرْضَى. لَمْ آتِ لأَدْعُوَ أَبْرَاراً، بَلْ خطأة إِلَى التَّوْبَةِ». (مر2:17)، ولكن لم يقل ذلك فقط بل فعله أيضاً، فقد أظهر لنا المسيح محبته في مشهد المرأة الزانية التي أمسكت في ذات الفعل، فالله قدوس ويحب الخطأة والله رحيم وعادل أيضاً في حبه للإنسان، وفي موقف (المرأة الزانية) يظهر المسيح عدل ورحمة الله: ثُمَّ حَضَرَ أَيْضاً إِلَى الْهَيْكَلِ فِي الصُّبْحِ وَجَاءَ إِلَيْهِ جَمِيعُ الشَّعْبِ فَجَلَسَ يُعَلِّمُهُمْ. وَقَدَّمَ إِلَيْهِ الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ امْرَأَةً أُمْسِكَتْ فِي زِناً. وَلَمَّا أَقَامُوهَا فِي الْوَسَطِ قَالُوا لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ الْمَرْأَةُ أُمْسِكَتْ وَهِيَ تَزْنِي فِي ذَاتِ الْفِعْلِ وَمُوسَى فِي النَّامُوسِ أَوْصَانَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ تُرْجَمُ. فَمَاذَا تَقُولُ أَنْتَ؟» قَالُوا هَذَا لِيُجَرِّبُوهُ لِكَيْ يَكُونَ لَهُمْ مَا يَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَانْحَنَى إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ بِإِصْبِعِهِ عَلَى الأَرْضِ. وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلاً بِحَجَرٍ!» ثُمَّ انْحَنَى أَيْضاً إِلَى أَسْفَلُ وَكَانَ يَكْتُبُ عَلَى الأَرْضِ. وَأَمَّا هُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا وَكَانَتْ ضَمَائِرُهُمْ تُبَكِّتُهُمْ خَرَجُوا وَاحِداً فَوَاحِداً مُبْتَدِئِينَ مِنَ الشُّيُوخِ إِلَى الآخِرِينَ. وَبَقِيَ يَسُوعُ وَحْدَهُ وَالْمَرْأَةُ وَاقِفَةٌ فِي الْوَسَطِ. فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى الْمَرْأَةِ قَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟» فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ». فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً». (يو8:2-11)، فطالما لم يكن أحد من الكتبة والفريسيين بلا خطية، إذن، فلا يحق لأحد منهم أن يدين تلك المرأة لأن الجميع خطأة، وهو بذلك لم يكسر مفهوم العدل الإلهي، بل قام بتصويبه، ولم يدينها المسيح بحق الفداء؛ إذ كان مزمعًا أن يحمل خطيتها وخطايانا جميعاً على الصليب، ومع ذلك، لم يكن هذا تصريحًا للاستمرار في الخطيَّة، ولهذا أوصاها قائلًا: "اذهبي ولا تخطئي أيضًا"، وهكذا اجتمعت الرحمة مع العدل في مشهد واحد عجيب، مشهد يفوق طاقة البشر على تصوره أو صنعه. إن قصة المرأة الزانية هذه تعلن بوضوح لاهوت المسيح وأنه هو الله، لأنه لم يصنع مثل هذا العمل إنسان قبله ولا بعده، لقد كان الفريسيون يهدفون إلى الإيقاع به: فإن أمر برجمها، صار كمن يؤيد شريعة موسى دون أن يقدم خلاصًا، وإن هو منع الرجم، اتهموه بنقض وكسر الشريعة، ولكنه صنع أمرًا يفوق كل تصور: أخرج المرأة من دائرة الإدانة، وأعطاها حياة جديدة فصارت قديسة،
هذا المشهد يكشف لنا عن جمال محبة الله ورحمته وقداسته وبرّه مجتمعة في وحدة واحدة لا انفصام فيها، فجمع الله في ذاته بين صفاته المختلفة، فهو في آنٍ واحد محبّ وقدوس، دون أن تكون المحبة والقداسة في تعارض، إن الله يكره الخطيَّة لأنه يحبنا، إذ يرى أن الخطيَّة تضرنا وتؤذينا، أما هو، فغير متأذٍ منها، فالخطيّة لا تمس الله بسوء، فالخطية ليست تعدِ على الله بل على الوصايا التي وضعها الله لمصلحة الإنسان، فعندما يوصينا الله في سفر الخروج: 3لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي.(خر20:3) وفي سفر التثنية (تث5:7)
فالله لا يستفيد شيء ما فعندما نعبده فلا نضيف له شيئاً، فهو يريدنا أن نعبده ونعيش معه من أجلنا وليس من أجله، فالله كامل في ذاته ولا يحتاجنا، كما قال أحد القديسين: "لا يحتاج عبوديتي لكنني أحتاج ربوبيته"، فبدون التجسُّد تظل أفكارنا ومفاهيمنا وتصوراتنا السابقة عن الله في العهد القديم باقية راسخة في أذهاننا، فمن لا يرى الله في وجه يسوع المسيح تظل صورة الله لديه هي أنه إله: قاسي - جبار - متعالِ - متكبر - بعيد عن البشر، ويرفض الإنسان ويكرهه بسبب خطاياه، أما من يتأمل الله في وجه يسوع المسيح يكتشف إلهاً جميلاً مُحباً، مملوءًا نعمة وحقاً.
ما المقصود بملء الزمان، ولماذا حدث فيه تجسّد المسيح دون غيره من الأزمنة؟
لو جاء المسيح في زمان مبكر لما تم تسجيل والاحتفاظ برسالته للأجيال التالية كما حدث، زأما عبارة "ملء الزمان" - وهو الزمان المادي البشري وليس روحي - تعني أن المسيح جاء في الوقت الذي كان فيه كل شيء مهيئ ومُعداً تماماً، فهو الوقت الأنسب في الزمان، بحيث يجعل رسالته تُؤثر وتصل إلى ملايين الناس حول العالم، فجاء المسيح في زمن الإمبراطورية الرومانية، التي سيطرت على منطقة البحر الأبيض المتوسط، ومهدت الطرق وأقامت الجسور، ووحّدت اللغة وصارت اللغة اليونانية هي اللغة السائدة في هذه المنطقة الهامة من العالم، لذا كان ذلك التوقيت مثاليًا من الناحية السياسية والثقافية والعلمية لتوصيل رسالته إلى العالم أجمع بطريقة موثقة، لذلك امتدت فترة الصمت الإلهي إلى 400 عاماً بين آخر نبي (ملاخي) وبين مجيء المسيح لأن الله كان ينتظر أن تكون الظروف مهيئة تمامًا، فلو جاء المسيح قبل ذلك الوقت، فهل كانت معرفتي بالمسيح اليوم ستكون مثل معرفتي بملاخي أو إشعياء؟ بالطبع لا، إذ لا توجد لدينا كتابات تاريخية عن إشعياء كما لدينا اليوم عن المسيح؛ فهناك مؤرخون كتبوا عن المسيح أنه صُلب في عهد بيلاطس البنطي، ولدينا شهادات من مؤرخين يهود ورومان وغيرهم، فلو كان المسيح قد جاء في عصر إشعياء، هل كانت رسالته ستصل إلى العالم بأسره؟ كلا، لم تكن لتنتشر، لكنه جاء في زمن الإمبراطورية الرومانية التي بسطت نفوذها على تلك المنطقة بالكامل، ومهّدت الطرق، وانتشرت حركة السفن، مما أتاح لبولس أن ينتقل من مدينة إلى أخرى بسهولة، وصار لديه اللغة اليونانية كلغة موحّدة للثقافة والتخاطب والتواصل بين الناس، أما لو كان المسيح قد جاء في وقت سابق، حين لم تكن الثقافة موحدة، وكان العهد القديم لا يزال مكتوبًا بالآرامية والعبرية فقط، ولم يكن قد ترجم بعد إلى اللغة اليونانية الواسعة الانتشار، فلم يكن بمقدور غالبية الناس قراءة العهد القديم، لكنّه بقدومه في ذلك التوقيت أتاح لرسالته أن تُفهم وتنتشر بين شعوب كثيرة.
فلو جاء المسيح في وقت مبكر عن ذلك لكان سيتوجه إلى مجموعة محدودة من البشر وليس جميع الأجيال ولو جاء متأخرا عن ذلك الزمان لخسرنا بلايين البشر من المؤمنين، إذن ماذا عن الأشخاص الذين عاشوا قبل التجسُّد، هل زارهم الله؟ نعم، فقد زار المسيح (ملاك الرب) إبراهيم كما ذكرنا في قصة البشارة بميلاد إسحاق وإهلاك سدوم وعمورة (تك18:1-33)، وتحدث داود أيضًا عن المسيح: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ. (مز110:1)، وقد سأل المسيح الفريسيين كيف يدعو داود المسيح رباً وهو ابناً له: وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً. (مت22:41-46) و(مر12::35-37) و(لو20:41-44) و(أع2:34-36)، حيث أشار داود إلى الآب والمسيح ابن الله أي الثالوث، فالمسيح ليس فقط ابن داود بحسب الجسد، بل أيضاً ربه.
إن المسيح ابن الله - الله الظاهر في الجسد - عظيم ومتواضع، إذ إن الكبرياء من صفات الضعفاء فقط، أما العظمة الحقيقية فتسير مع الاتضاع، فالعظيم حقاً لا يحتاج إلى أن يتكبر، بل كلما ازداد عظمة ازداد تواضعًا، كما يفعل الأب حينما ينحني ليلعب مع طفله الصغير الزاحف على الأرض، دون أن ينتقص ذلك من عظمته شيئًا كما أن الله في محبته وتواضعه تحمل التجربة والألم ليشعر بنا نحن البشر، وهذا يتعلق بالسبب الثاني لتجسُّد الله وهو أن نرى الإنسان الأصيل، وهذا هو موضوع الحلقة القادمة من البرنامج.
Before you gather the group
This lesson is 8 of 31 in “من حقك تفهم” — and the group will not take it in without what comes before it.
- 1Begin with a short review of the previous lesson, not with the new material.
- 2Ask the Study Companion which questions this lesson usually raises.
- 3Leave the practical summary until last, and turn it into a single step for each person.
“The Life of the Servant” (course nineteen) is the course set apart for training leaders.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — 23 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path