من هو المسيح؟

Lesson 7 of 31 · من حقك تفهم

  1. من هو المسيح؟

    توقفنا في الحلقة السابقة عند نقطة جوهرية في الإيمان المسيحي، وهي أن العهد الجديد يعلّمنا أن المسيح أكثر من مجرد نبي أو رسول، فنحن نؤمن أنه ابن الله والله المتجسّد "ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح"، وهو إعلان عميق عن لاهوته وتجسّده. وقد وردت إلينا تساؤلات تدور حول طبيعة المسيح وعقيدة التجسّد، أهمها:

    من هو المسيح؟ هل هو مجرّد نبي من الأنبياء؟ أم رسول من الرسل؟ أم أكثر من هذا وذاك بكثير جداً؟

    أنه عند قراءة الأناجيل الأربعة وبقية أسفار العهد الجديد ندرك ونوقن بوضوح أن المسيح هو أكثر من مجرد نبي أو رسول بكثير جداً، فقد لُقب المسيح في العهد الجديد بمجموعة من الألقاب التي تفسّر لنا طبيعته الناسوتية واللاهوتية على وجه التحديد، ثم نأتي لاحقاً إلى الخطوة الثانية وهي الإجابة على السؤال التالي: هل هذا التفسير مقنعاً لنا ويقبله العقل البشري أم لا؟

    فالمسيحية تقوم على شخص المسيح فهو الحياة المسيحية ذاتها، إذن، ما هي الألقاب التي أُطلقت على المسيح في الكتاب المقدس؟

    من هو المسيح؟

    الناسوت اللاهوت

  2. يسوع المسيح

    ابن الإنسان ابن الله

    جسداً الكلمة (لوجوس)

    أولاً: يسوع أي المخلِّص

    بشّر الملاك جبرائيل القديسة مريم العذراء بأنها ستحبل وتلد ابناً وتسمّيه يسوع، كما جاء في (لو 1: 26-33)، وقد تم ذلك فعلاً عندما اختتن الصبي في اليوم الثامن وسُمّي يسوع كما سمّاه الملاك قبل الحبل به (لو 2: 21). كذلك ظهر الملاك ليوسف في حلم وأعلمه أن المولود من مريم هو من الروح القدس، وأنه سيدعوه يسوع لأنه يخلّص شعبه من خطاياهم، تحقيقاً لنبوة: "هوذا العذراء تحبل وتلد ابناً ويدعون اسمه عمانوئيل" أي "الله معنا" (مت 1: 18-25). وهكذا أُطلق عليه اسم يسوع الذي يعني المخلّص.اسم يسوع.

  3. المسيح

    لُقّب يسوع بـ “المسيح"، فنقول دائماً "يسوع المسيح". وقد بشّر ملاك الرب الرعاة بمولده قائلاً: "وُلِدَ لكم اليوم في مدينة داود مخلّص هو المسيح الرب" (لو 2: 10-11). وأكّد يسوع ذلك أمام رئيس الكهنة قيافا (مر 14: 61-62، مت 26: 63-64)، وأجاب اليهود حين سألوه (يو 10: 24-25). كما أعلن بطرس: "أنت هو المسيح ابن الله الحي" (مت 16: 15-17(. وأكّد يسوع للمرأة السامرية: "أنا الذي أكلّمك هو" (يو 4: 25-26)، وشهدت له مارثا: "أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (يو 11: 27). وقد تكرّر لقب "يسوع المسيح" و"ربنا ومخلّصنا يسوع المسيح" كثيراً في الأناجيل والرسائل.

  4. ابن الإنسان

    أطلق المسيح على نفسه لقب "ابن الإنسان" مراراً في الأناجيل الأربعة، منها قوله: "من يقول الناس إني أنا ابن الإنسان؟" (مت 16:13)، وأيضاً: "ابن الإنسان سوف يُسلَّم إلى أيدي الناس فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم" (مت 17:22-23، لو 9:22، لو 18:31-34). وقال: "كما أن ابن الإنسان لم يأتِ ليُخدم، بل ليَخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مت 20:28، مر 10:45، لو 9:56، لو 19:10). ولِنَثنائيل قال: "من الآن ترون السماء مفتوحة وملائكة الله يصعدون وينزلون على ابن الإنسان" (يو 1:51)، مُحقِّقاً نبوّة دانيال: "مثل ابن إنسان… أُعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب… سلطانه أبدي لا يزول" (دا 7:13-14).

  5. ابن الله

    قال المسيح عن نفسه إنه ابن الله، وسمّى الله أباه، ووصف نفسه بالله المتجسّد: "الذي رآني فقد رأى الآب" (يو 14:9). وفي بشارة الملاك جبرائيل لمريم قيل: "القدوس المولود منك يُدعى ابن الله" (لو 1:34-35). وعندما سأله رؤساء الكهنة والكتبة: "أفأنت ابن الله؟" أجاب: "أنتم تقولون إني أنا هو" (لو 22:70-71). وشهد يوحنا المعمدان: "قد رأيت وشهدت أن هذا هو ابن الله" (يو 1:32-34). كما قال للمولود أعمى: "الذي يتكلم معك هو هو" فآمن وسجد له (يو 9:35-38). وقال أيضاً: "تأتي ساعة حين يسمع الأموات صوت ابن الله" (يو 5:25)، وردّ على اتهام اليهود له بالتجديف: "أَتقولون… لأني قلت إني ابن الله؟" (يو 10:36).

  6. الكلمة

    كما شهد يوحنا الإنجيلي أن المسيح هو (الكلمة) أي لوجوس باللغة اليونانية: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. (يو1:1)، ويكمل يوحنا الإنجيليً: وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً. (يو1:14)

    فمن خلال ملاحظة الجدول السابق عن (من هو المسيح؟) نجد أن العمود الأيمن يحمل ألقاب المسيح البشرية (الناسوت) وهي: (يسوع - ابن الإنسان – جسداً)، بينما العمود الأيسر يحمل ألقاب المسيح الإلهية (اللاهوت) وهي: (المسيح - ابن الله - الكلمة / لوجوس).

    معاني ألقاب السيد المسيح

    اسم (يسوع) هو الاسم الإنساني البشري لذلك الشخص، كما ورد في في العهد الجديد في أكثر من موضع "يسوع الناصري"، وَلَمَّا اقْتَرَبَ مِنْ أَرِيحَا كَانَ أَعْمَى جَالِساً علَى الطَّرِيقِ يَسْتَعْطِي. فَلَمَّا سَمِعَ الْجَمْعَ مُجْتَازاً سَأَلَ: «مَا عَسَى أَنْ يَكُونَ هَذَا؟» فَأَخْبَرُوهُ أَنَّ يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ مُجْتَازٌ. فَصَرَخَ: «يَا يَسُوعُ ابْنَ دَاوُدَ ارْحَمْنِي!». (لو18: 35-38).

    ولهذا السبب كثيراً ما أطلق السيد المسيح على نفسه لقب "ابن الإنسان" إذ وُلد من امرأة (القديسة مريم العذراء) أي من لحم ودم، وكإنسان كان يجوع ويعطش وينام ويستيقظ ويسير على رجليه ويتألم مثل بقية البشر، فلقب ابن الإنسان يعني أنه إنسان، لكنّه في الوقت نفسه يختلف عن بقية البشر لأن ميلاده كان معجزي وفريداً بلا أب أرضي، تماماً كما خُلق آدم الأول بطريقة مختلفة عن سائر البشر بلا أب وبلا أم، وحواء خُلقت من ضلع آدم أي من رجل فقط، ونحن جميعاً مولودين من امرأة، كذلك جاء المسيح إلى العالم بميلاد معجزي فريد من امرأة دون رجل، فرغم ميلاده العجزي الفائق للطبيعة يظل المسيح إنساناً كاملاً ولكنّه باراً وبلا خطيّة، وحواء أيضاً تظل إنسان رغم أنها بلا أب وأم بشريين، لذلك أطلق المسيح على نفسه لقب ابن الإنسان لأنه يعني إنسان واسمه يسوع وهو اسم بشري، لذلك يقول إنجيل "يوحنا ":وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.(يو1:14) فالكلمة صار "جسداً" أي صار لحماً ودماً بكل ما يحمل من صفات بشرية وينطبق عليه قانون الجاذبية والقانون البيولوجي، فالألقاب الثلاثة في العمود الأيمن من الجدول تعد ألقاباً بشرية (ناسوت) وهي مرادفات لبعضها البعض وتعني أن المسيح هو إنسان كامل كبقية البشر.

  7. وفي العمود الأيسر هناك ثلاثة ألقاب إلهية (لاهوت) وهي مرادفات لبعضها البعض فهو (المسيح) أي المسيا المنتظر الذي تحدث عنه الأنبياء جميعاً في العهد القديم والذي لا يزال ينتظره اليهود إلى يومنا هذا، وقد شهد "يوحنا المعمدان" أنه جاء ليعد الطريق للمسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": «أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ». (يو1:19-(23، فتحققت بذلك نبوّة "إشعياء": صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: أَعِدُّوا طَرِيقَ الرَّبِّ. قَوِّمُوا فِي الْقَفْرِ سَبِيلاً لإِلَهِنَا. (إش40:3).

    فالسيد المسيح ليس نبيّاً ولا رسولاً ولا إنساناً عادياً مثل موسى وبقية الأنبياء، كما جاء في العهد القديم في سفر "إشعياء": لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْناً، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ السَّلاَمِ. (إش9: 6)، ولذلك لُقب بالمسيح، كما أخبره "بطرس": قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «طُوبَى لَكَ يَا سِمْعَانُ بْنَ يُونَا إِنَّ لَحْماً وَدَماً لَمْ يُعْلِنْ لَكَ لَكِنَّ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. (مت16:15-17).

  8. وهذا اللقب ليس لقباً إنسانياً بشرياً فكل ما جاءوا قبل المسيح كان يُطلق عليهم (مُسحاء) أي أكثر من شخص، فداود هو مسيح الرب ومسيح هنا تعني أن الله مسحه ملكاً أو كاهناً لكن المسيح هو شخص واحد فريد يختلف عن كل من سبقوه أو أتوا بعده، فلقب المسيح في العهد القديم وفي العهد الجديد يعني أنه أكثر بكثير من مجرد نبي أو رسول أو إنساناً عادياً، كما أن المسيح هو (الكلمة) لوجوس Logos باللغة اليونانية ويوحنا الإنجيلي قد كتب لليونانيين وهي تعني المعرفة والحكمة الكاملة الغير موجودة لدى البشر ونسعى إليها جميعنا، فهي مطلق الحق ومطلق المعرفة، وعند اليهود فإن كلمة الله هي الله الذي يعبّر عن سلطانه وجبروته فهي السلطان الإلهي، كما جاء في سفر "المزامير": لأَنَّهُ قَالَ فَكَانَ. هُوَ أَمَرَ فَصَارَ. (مز33:9)، فعندما نعلن أن المسيح هو كلمة الله فذلك يعني أنه ليس فقط هو كلمة الله أي الكلمة لوجوس أي المعرفة المطلقة، بل أيضاً كما جاء في إنجيل "يوحنا": فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. (يو1:1-2).

  9. فعندما نلاحظ الجزء الأول من الآية وهي: "في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله..." نعلم أن كلمة الله موجودة منذ البدء فالله كان يتكلم منذ الأزل والكلمة والله هما شيء واحد، وفي الجزء الثاني من الآية: "وكان الكلمة الله" يؤكد لنا يوحنا أن "الكلمة" هو الله، و(الكلمة) في الآية تأتي في (صيغة المذكر)، فاللغة اليونانية تحتوي على الصيغ الثلاث: مذكر ومؤنث ومحايد مثل اللغة الإنجليزية He,She,It، حيث تُستخدم الضمائر He,She للعاقل ويُستخدم الضمير It لغير العاقل، بينما لا يوجد سوى صيغ المذكر والمؤنث في اللغة العربية حتى عند الحديث عن الجماد والغير العاقل، لذلك تأتي (الكلمة أي لوجوس باليونانية) في صيغة المذكر كما ذكرت باليونانية أي "وكان الكلمة الله" وليس "وكانت الكلمة الله"، ثم يكمل يوحنا حديثه عن (الكلمة) وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.(يو1:14)

    والمقصود بـ "فالكلمة صار جسداً" أنه يتحدث أيضاً عن طبيعة إلهية، فالمسيح المسيا المنتظر هو أكثر من نبي ورسول وإنسان بكثير جداً واليهود ينقصهم الفهم، فالمسيا هو الكلمة والكلمة ذات طبيعة إلهية أي هو الله.

  10. لذلك أكدنا أن المسيا/ المسيح هو (ابن الله)، وكما أن لقب ابن الإنسان يعني أنه إنسان وله طبيعة إنسانية بشرية كاملة كذلك فإن لقب ابن الله يعني أنه إله وله طبيعة إلهية كاملة، ولذلك تتكرر كثيراً عبارة "يسوع المسيح ابن الله" في العهد الجديد، كما أخبر بطرس المسيح: قَالَ لَهُمْ: «وَأَنْتُمْ مَنْ تَقُولُونَ إِنِّي أَنَا؟» فَأَجَابَ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «أَنْتَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ». (مت16:15-16)

    بينما كان رد فعل اليهود مختلفاً وعنيفاً عندما أعلن المسيح أنه (ابن الله) إذ أنهم اعتبروا أن ذلك تجديفاً لأن المسيح جعل نفسه مساوياً لله في إنكار واضح للحقيقة، كما جاء في إنجيل "يوحنا": فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ. (يو5: 18)، وكذلك أرادوا أن يرجموه عندما قال: أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ فَقَالَ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوباً فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْنُ اللَّهِ؟ (يو10:30-36)

  11. إذن، فقد أعلن المسيح أنه الله لأن لقب "ابن الله" يعني الله فهما مترادفتان لأن لقب ابن الله في لغته الأصلية في ذلك الوقت يعني أنه مساوي لله، كما ذكر يوحنا الإنجيلي (يو1:14)، وأيضاً يقول يوحنا: ...وكان الكلمة الله (يو1:1)، ولا يعني هذا على الإطلاق أن الله قد ولد، أو أن الله تزوج القديسة مريم العذراء وأنجب المسيح، فهو معنى روحي ولاهوتي يعبّر عن وحدة الجوهر بين الآب والابن، فحتى نحن البشر لن نتزوج عندما نذهب إلى السماء في القيامة، كما يخبرنا المسيح في إنجيل "متى": لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ.(مت22:30) و(مر12:25) و(لو20:35-36) إذن، فكيف يتزوج الله! فهو كائن روحي غير محدود لا يتزوج ولا ينجب على الإطلاق، وهذا هو إيماننا وعقيدتنا كمسيحيين.

    "ينص قانون الإيمان المسيحي على أن المسيح مولود غير مخلوق، أي أنه وُلد كابن لا كمخلوق. ما تفسير هذه العبارة؟"

    الجزء الأول البشري (الناسوت) أي يسوع ابن الإنسان والجسد، هو الذي وُلِد من القديسة مريم العذراء. أما الجزء الإلهي من المسيح (اللاهوت) فلم يُولَد، إذ كان أزليًّا. يسوع الإنسان بدأ حياته كزايجوت (Zygote) أي بويضة مُخصَّبة، وحُبِل به تسعة أشهر كبقية البشر، ثم ولدته القديسة مريم العذراء كما جاء في إنجيل لوقا:

  12. "لِيُكْتَتَبَ مَعَ مَرْيَمَ امْرَأَتِهِ الْمَخْطُوبَةِ وَهِيَ حُبْلَى. وَبَيْنَمَا هُمَا هُنَاكَ تَمَّتْ أَيَّامُهَا لِتَلِدَ. فَوَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ وَقَمَّطَتْهُ وَأَضْجَعَتْهُ فِي الْمِذْوَدِ..." (لو 2: 5-7)

    فهو ميلاد معجزي لأن القديسة مريم العذراء لم تعرف رجلاً، لكنه من الناحية البيولوجية ميلاد طبيعي. وقد شهد المؤمنون مشهد الميلاد حيث ذهب الرعاة إلى بيت لحم وباركوا الطفل، كما في إنجيل لوقا (2: 15-20)، وكذلك المجوس الذين قدموا له الذهب واللبان والمُرّ (متّى 2: 7-12).

    إذن، يسوع – أي الجزء الإنساني – مولود من القديسة مريم العذراء كما ينص قانون الإيمان. وهناك آيات عديدة في العهد الجديد تربط بين إنسانية المسيح وألوهيته، أي بين الناسوت واللاهوت، مثل ما جاء في رسالة بولس إلى غلاطية:

    "وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ، مَوْلُودًا مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُودًا تَحْتَ النَّامُوسِ، لِيَفْتَدِيَ الَّذِينَ تَحْتَ النَّامُوسِ، لِنَنَالَ التَّبَنِّيَ" (غل 4: 4-5).

    أما الجزء الثاني الإلهي (اللاهوت) أي المسيح ابن الله والكلمة، فقد حلَّ فيه ملء اللاهوت في جسد يسوع، كما جاء في رسالة كولوسي: "لأَنَّهُ فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" (كو 1: 19)

  13. فَإِنَّهُ فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيًّا" (كو 2: 9).

    فالإنسان يتكوّن من جسد ونفس وروح، لكن روح الإنسان محدودة، بينما روح المسيح هي روح الله نفسه، فهو ملء اللاهوت. إذن، المسيح من الخارج إنسان مولود، لكن في داخله يحلّ اللاهوت بكل ملئه، كما قال يوحنا: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا..." (يو 1: 14).

    هذا هو التجسّد: الجسد (الناسوت) لم يكن أزليًّا، أما الكلمة (اللاهوت) فهو أزلي وكان منذ البدء، كما جاء في إنجيل يوحنا: (يو 1: 1-3).

    وبالتالي، فإن الجانب الإلهي الأزلي – الابن والكلمة – كان منذ الأزل، بينما الجانب الإنساني – يسوع وابن الإنسان – لم يكن منذ الأزل، لكنه ظهر بالتجسد في ملء الزمان، كما كان مُعيَّنًا منذ الأزل.

    هل الروح التي كانت في جسد المسيح هي روح الله؟

    نعم بالتأكيد، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "تيموثاوس": وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ. (1تي3:16)، فقد ذكرنا آيات كثيرة تربط بين الكلمة (اللاهوت) والجسد (الناسوت) في شخص المسيح، أي إنسان كامل وإله كامل اتحدا معاً، ولذلك نقول ناسوته ولاهوته في كل كتب اللاهوت التي لدينا.

  14. فالله كائن روحي غير محدود ولا نهائي، وعلى سبيل المثال، إذا وضعنا ذلك الكائن غير المحدود واللانهائي في جسد بشري (إناء محدود) فهل يمكن لذلك الجسد البشري (الإناء المحدود) أن يحوي اللامحدود والمالانهاية بالكامل؟ بالطبع لا، لأن الجسد البشري أو الإناء المحدود أو ابن الإنسان لا يستطيع أن يحوي الكائن اللانهائي غير المحدود أي ابن الله والله، ومع ذلك، يستطيع الله أن يملأ ابن الإنسان بينما ابن الإنسان لا يستطيع أن يحوي الله.، ومثال آخر، إذا قمنا بإحضار كأس ثم غمرناه في البحر، فبالتالي يصبح كل الماء الذي بداخل ذلك الكأس هو ماء البحر وليس ماءاً آخر، والسؤال: هل استطاع الكأس أن يملأ ويحتوي كل ماء البحر؟ بالطبع لا، بل البحر هو الذي ملأ الكأس وليس العكس، فإذن ذلك الجسد البشري أي يسوع المولود من القديسة مريم العذراء قد امتلأ بروح الله واللاهوت، وتظل الكأس كأساً من زجاج (جسد يسوع) لكنه ممتلئاً باللاهوت دون أن يحوي كل اللاهوت الذي في الأرض والسماء.

    هل نفهم من هذا أنه تم فصل جُزء من اللاهوت ووضعه في جسد يسوع ابن الإنسان وبالتالي انفصل ذلك الجزء عن الله الآب؟

  15. لنأخذ مثالاً رياضياً، بما أننا لا يمكننا تقسيم العدد (مالانهاية)، وبما أن الله كائن غير محدود لا نهائي فلا يمكننا أيضاً تقسيمه ولا نستطيع اقتطاع جزء منه ووضعه في جسد يسوع ابن الإنسان، فكما ذكرنا سابقاً في مثل الكأس المغمور في البحر، فإن الماء الموجود داخل الكأس هو ذاته الماء الموجود في البحر، كما أن الكأس ذاتها قد غاصت في البحر، وبالمثل، فإن اللاهوت لم ينقسم ولم ينفصل ولم يتم اقتطاع جزء منه، فالله روح لا يمكن فصله أو تقسيمه على الإطلاق، تماماً كما لا يمكن فصل أو تقسيم روح الإنسان إلى قسمين أو جزئين، بينما يمكن فصل وتقسيم عضو من أعضاء الجسد البشري لأنه شيء مادي.

    هل يشهد الكتاب المقدس أن المسيح هو ابن الله، معادل لله، وأن الله ظهر في الجسد والكلمة صار جسداً، أم أن هذه عقيدة أطلقها المسيحيون؟

    عند قراءة إنجيل يوحنا نجد أنه يحتوي على ثلاث شخصيات أساسية، ففي البداية نجد (يوحنا الإنجيلي) كاتب إنجيل يوحنا وهو تلميذ المسيح، ونجد أيضاً (يوحنا المعمدان)، الذي وُلد قبل المسيح بستة أشهر وكان نبياً مشهوداً له من قبل اليهود، وقد جاء ليشهد للمسيح ويعد الطريق أمامه، ونجد كذلك (المسيح) وهو يشهد عن نفسه.

  16. فعند قراءتنا لأقوال وشهادة (يوحنا الإنجيلي) تلميذ المسيح عن المسيح وشهادة (يوحنا المعمدان) عن المسيح وأقوال (المسيح) عن ذاته نجد أن هذه الشهادات تشكل أدلة كافية تثبت عقيدة التجسُّد وألوهية المسيح، حيث يفتتح "يوحنا الإنجيلي" إنجيله بإعلان لاهوتي عميق، قائلاً: فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ. فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ وَالنُّورُ يُضِيءُ فِي الظُّلْمَةِ، وَالظُّلْمَةُ لَمْ تُدْرِكْهُ.(يو1:1-5).

    ثم يكمل يوحنا الإنجيلي قائلاً: وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً. يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى: «هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي». وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يو1:14-18)، حيث أطلق يوحنا الإنجيلي على المسيح لقب (الكلمة) ولقب (الابن) وهي ألقاب المسيح اللاهوتية.

  17. ثم نأتي إلى شهادة (يوحنا المعمدان) عن المسيح حيث يشهد بأن المسيح هو النور الذي ينير كل إنسان، ويعد الطريق أمام المسيح، حيث كتب "يوحنا الإنجيلي" متحدثاً عن "يوحنا المعمدان": كَانَ إِنْسَانٌ مُرْسَلٌ مِنَ اللَّهِ اسْمُهُ يُوحَنَّا. هَذَا جَاءَ لِلشَّهَادَةِ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ لِكَيْ يُؤْمِنَ الْكُلُّ بِوَاسِطَتِهِ. لَمْ يَكُنْ هُوَ النُّورَ، بَلْ لِيَشْهَدَ لِلنُّورِ. كَانَ النُّورُ الْحَقِيقِيُّ الَّذِي يُنِيرُ كُلَّ إِنْسَانٍ آتِياً إِلَى الْعَالَمِ. كَانَ فِي الْعَالَمِ وَكُوِّنَ الْعَالَمُ بِهِ، وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْعَالَمُ. (يو1:6-10).

    ثم يقول "يوحنا الإنجيلي": يُوحَنَّا شَهِدَ لَهُ وَنَادَى: «هَذَا هُوَ الَّذِي قُلْتُ عَنْهُ: إِنَّ الَّذِي يَأْتِي بَعْدِي صَارَ قُدَّامِي، لأَنَّهُ كَانَ قَبْلِي». (يو1:15)، حيث يقصد يوحنا أن الذي يأتي بعدي (زمناً) صار قدّامي (أي أصبح أكثر أهمية مني) لأنه كان قبلي (أي أزلي ومنذ البدء)، حيث نعلم جميعنا أن يوحنا المعمدان قد وُلد قبل المسيح بستة أشهر، ثم يكمل "يوحنا الإنجيلي": وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ، أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ. (يو1:16-18)

  18. ثم يكمل "يوحنا الإنجيلي شهادة "يوحنا المعمدان": وَهَذِهِ هِيَ شَهَادَةُ يُوحَنَّا حِينَ أَرْسَلَ الْيَهُودُ مِنْ أُورُشَلِيمَ كَهَنَةً وَلاَوِيِّينَ لِيَسْأَلُوهُ: «مَنْ أَنْتَ؟» فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُنْكِرْ وَأَقَرَّ أَنِّي لَسْتُ أَنَا الْمَسِيحَ. فَسَأَلُوهُ: «إِذاً مَاذَا؟ إِيلِيَّا أَنْتَ؟» فَقَالَ: «لَسْتُ أَنَا». «أَلنَّبِيُّ أَنْتَ؟» فَأَجَابَ: «لاَ». فَقَالُوا لَهُ: «مَنْ أَنْتَ لِنُعْطِيَ جَوَاباً لِلَّذِينَ أَرْسَلُونَا؟ مَاذَا تَقُولُ عَنْ نَفْسِكَ؟» قَالَ: «أَنَا صَوْتُ صَارِخٍ فِي الْبَرِّيَّةِ: قَوِّمُوا طَرِيقَ الرَّبِّ كَمَا قَالَ إِشَعْيَاءُ النَّبِيُّ». (يو1:19-23)، ثم يقول يوحنا الإنجيلي: وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ. (يو1:29)، ويشهد يوحنا المعمدان أن المسيح ابن الله: وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ. لَكِنْ لِيُظْهَرَ لإِسْرَائِيلَ لِذَلِكَ جِئْتُ أُعَمِّدُ بِالْمَاءِ». وَشَهِدَ يُوحَنَّا: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ». (يو1:31-34).

    إذن، يعلن (يوحنا الإنجيلي) من خلال شهادته عن المسيح أنه (الكلمة) وأنه (ابن الله) وهو الكلمة الذي صار جسداً، كما أكد (يوحنا المعمدان) على الألقاب ذاتها عن المسيح حيث وصفه بأنه حمل الله الذي يرفع خطية العالم وأعطاه لقب (ابن الله)، فلو كان المسيح مجرّد نبيّ مثل يوحنا المعمدان لما تواضع يوحنا أمامه وقال إنه لا يستحق أن يحل سيور حذائه ولا شهد له بأنه (النور) الآتي إلى العالم، وبالتالي فإن المسيح ليس إنساناً عادياً ولا مجرّد نبي أو رسول عادي فهو يفوقهم جميعا لأنه الكلمة الأزلي المتجسّد.

  19. كيف نفهم موقف يوحنا المعمدان حين أرسل من السجن تلميذَين ليسألا يسوع: «أأنت هو الآتي أم ننتظر آخر؟» هل كان ذلك شكًّا منه أم لتثبيت تلاميذه في الإيمان؟

    بينما كان يوحنا المعمدان في السجن، أراد أن يتثبت من هوية المسيح الإلهية والمسيانية فأرسل تلميذيه إليه يسألانه: «أأنت هو الآتي، أم ننتظر آخر؟» (مت11:3) فجاء رد المسيح بإظهار البرهان العملي من خلال تحقيق نبوّة "إشعياء"، حيث ردّ الرب يسوع عليهما بأن طلب منهما العودة وإخبار يوحنا المعمدان بما رأياه وسمعاه من آيات ومعجزات: من شفاء للمرضى، وإقامة للموتى وبشارة المساكين، وآيات تُعلِن بوضوح عن طبيعته اللاهوتية، فتحققت نبوة إشعياء: حِينَئِذٍ تَتَفَتَّحُ عُيُونُ الْعُمْيِ وَآذَانُ الصُّمِّ تَتَفَتَّحُ. حِينَئِذٍ يَقْفِزُ الأَعْرَجُ كَالإِيَّلِ وَيَتَرَنَّمُ لِسَانُ الأَخْرَسِ لأَنَّهُ قَدِ انْفَجَرَتْ فِي الْبَرِّيَّةِ مِيَاهٌ وَأَنْهَارٌ فِي الْقَفْرِ. (إِش35:5-6). وكذلك: رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. (إش61:1).

    ونأتي إلى شهادة المسيح عن نفسه، فقد ذهب (نيقوديموس) وهو أحد أعضاء المجمع اليهودي السنهدريم إلى المسيح، فتحدث المسيح إليه عن الصليب منذ وقت مبكراً جداً واصفاً نفسه بابن الإنسان وبابن الله: «وَكَمَا رَفَعَ مُوسَى الْحَيَّةَ فِي الْبَرِّيَّةِ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُرْفَعَ ابْنُ الإِنْسَانِ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يو3:14-16) ثم يكمل المسيح قائلاً: لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ. وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. (يو3:17-19)، إذن فالمسيح يؤكد على شهادة كل من يوحنا الإنجيلي ويوحنا المعمدان اللذان وصفا المسيح بأنه ابن الله أي الله، ويقول المسيح أيضاً: اَلآبُ يُحِبُّ الاِبْنَ وَقَدْ دَفَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي يَدِهِ. اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ بِالاِبْنِ لَنْ يَرَى حَيَاةً، بَلْ يَمْكُثُ عَلَيْهِ غَضَبُ اللَّهِ». (يو3:35-36)

  20. ثم نأتي لأقوال وكلمات (اليهود) أنفسهم عن المسيح، حيث شفى مفلوج بيت حسدا يوم السبت وقال عن الله أنه أبوه فَمَضَى الإِنْسَانُ وَأَخْبَرَ الْيَهُودَ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ الَّذِي أَبْرَأَهُ. وَلِهَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْرُدُونَ يَسُوعَ وَيَطْلُبُونَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ عَمِلَ هَذَا فِي سَبْت ٍفَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ. (يو5:15-18)، حيث ارتكب المسيح أكبر جريمتين في نظر اليهود، أولا هما: أنه شفي المفلوج في يوم السبت فكسر بذلك أهم وصية بالنسبة لهم، وثانيهما: أنه وصف نفسه بأنه ابن الله واعتبر الله أباه فجعل نفسه مساوياً ومعادلاً لله، وقد تكرر هذا المعنى كثيراً في الأناجيل الثلاثة الأخرى متى ومرقس ولوقا.

    كما يصف (المسيح نفسه) بأنه الخبز النازل من السماء الذي يُعطي الحياة الأبدية مما يثبت ألوهيته: اَلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: مَنْ يُؤْمِنُ بِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ. أَنَا هُوَ خُبْزُ الْحَيَاةِ. آبَاؤُكُمْ أَكَلُوا الْمَنَّ فِي الْبَرِّيَّةِ وَمَاتُوا. هَذَا هُوَ الْخُبْزُ النَّازِلُ مِنَ السَّمَاءِ لِكَيْ يَأْكُلَ مِنْهُ الإِنْسَانُ وَلاَ يَمُوتَ. أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ.

  21. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ». (يو6:47-51)

    كما يصف المسيح نفسه بـ (الراعي الصالح) معبراً عن لاهوته: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي الرَّاعِي الصَّالِحُ وَأَعْرِفُ خَاصَّتِي وَخَاصَّتِي تَعْرِفُنِي كَمَا أَنَّ الآبَ يَعْرِفُنِي وَأَنَا أَعْرِفُ الآبَ. وَأَنَا أَضَعُ نَفْسِي عَنِ الْخِرَافِ. (يو10: 14-15)، ثم يقول أنه يعطي الحياة الأبدية ويعادل نفسه بالآب: خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. وَأَنَا أُعْطِيهَا حَيَاةً أَبَدِيَّةً وَلَنْ تَهْلِكَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَخْطَفُهَا أَحَدٌ مِنْ يَدِي. أَبِي الَّذِي أَعْطَانِي إِيَّاهَا هُوَ أَعْظَمُ مِنَ الْكُلِّ وَلاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْطَفَ مِنْ يَدِ أَبِي. أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». (يو10:27-30)، فلا يقدر ولا يجرؤ أي إنسان عادي أن يقول هذه العبارة: "أنا والآب واحد"، ولا يستطيع أي نبي أو رسول أن يقول: "وأنا أعطيها حياة أبدية"، أو "أنا أقيمه في اليوم الأخير، كما يعلن المسيح: وَهَذِهِ مَشِيئَةُ الآبِ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَا أَعْطَانِي لاَ أُتْلِفُ مِنْهُ شَيْئاً، بَلْ أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ. لأَنَّ هَذِهِ هِيَ مَشِيئَةُ الَّذِي أَرْسَلَنِي: أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ». (يو6:39-40)

  22. ثم يهتمه اليهود بالتجديف عندما قال: “أنا والآب واحد"، وأرادوا أن يرجموه: فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. فَقَالَ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً» أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَلَيْسَ مَكْتُوباً فِي نَامُوسِكُمْ: أَنَا قُلْتُ إِنَّكُمْ آلِهَةٌ؟ إِنْ قَالَ آلِهَةٌ لِأُولَئِكَ الَّذِينَ صَارَتْ إِلَيْهِمْ كَلِمَةُ اللَّهِ وَلاَ يُمْكِنُ أَنْ يُنْقَضَ الْمَكْتُوبُ فَالَّذِي قَدَّسَهُ الآبُ وَأَرْسَلَهُ إِلَى الْعَالَمِ أَتَقُولُونَ لَهُ: إِنَّكَ تُجَدِّفُ لأَنِّي قُلْتُ إِنِّي ابْنُ اللَّهِ؟ إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فلاَ تُؤْمِنُوا بِي. وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ». (يو10:31-38)، فالمسيح كان يعمل أعمال الله من شفاء والأعرج والأبرص وإقامة الموتى وفتح أعين العُمى...إلخ، وبالتالي لا يكون مجدفاً، بل صادقاً وكان عليهم تصديقه والإيمان به لأنه ابن الله والله المتجسّد الظاهر في الجسد.

Before you gather the group

This lesson is 7 of 31 in “من حقك تفهم” — and the group will not take it in without what comes before it.

  1. 1Begin with a short review of the previous lesson, not with the new material.
  2. 2Ask the Study Companion which questions this lesson usually raises.
  3. 3Leave the practical summary until last, and turn it into a single step for each person.

“The Life of the Servant” (course nineteen) is the course set apart for training leaders.

This page is now laid out for a group leader. View it as a learner

  1. التلمذة — completed
  2. شخصية الله — completed
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
  4. شخصية الإنسان — completed
  5. شخصية المسيح — completed
  6. الروح القدس — completed
  7. لا أنا بل المسيح — completed
  8. مبادئ العلاقة مع الله — completed
  9. الشركة مع الله — completed
  10. الكنيسة — completed
  11. المأمورية العظمى — completed
  12. الصراع الروحي — completed
  13. شفاء النفس — completed
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
  15. اختيار شريك الحياة — completed
  16. العلاقة الزوجية — completed
  17. تربية الأطفال — completed
  18. أساسيات الحياة مع الله — completed
  19. حياة الخادم — completed
  20. من حقك تفهم — you are here

من حقك تفهم — 24 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.

See the whole path