أسئلة عن الفداء (١)
من حقك نفهم
بعنوان: أسئلة عن الفداء – ١
كنا قد تحدثنا عن موضوع شجرة معرفة الخير والشر وحتمية الفداء الإلهي، ولدينا العديد من الأسئلة المتعلقة بهذا الموضوع
إن كانت شجرة معرفة الخير والشر من صنع الله، فهل جعل الإنسان مجبراً على السقوط؟ ولماذا لم يُفنِ الله إبليس؟
عند قراءة قصة شجرة الخير والشر، كما وردت في سفر التكوين، من شأنها أن تجيب على جميع التساؤلات المطروحة، فالله لم يخلق مشكلة ليعود ويحلها فيما بعد، ولم يترك ثغرة في خطته الإلهية الكاملة، بل خلق الله الخليقة في كمال وصلاح تام، أن الله قد خلق الإنسان ومنحه حرية أدبية، وهي ما تميِّز الإنسان عن الحيوان، فالإنسان مخلوق مُميَّز، لأنه كائن أدبي يمتلك القدرة على التمييز بين الخير والشر، عكس الحيوان الذي لا يتمتع بهذه السمة، فالحيوان هو كائن غير أدبي ولا يتمتع بالأخلاق، أي ليس لديه مفاهيم الخير والشر، فعلى سبيل المثال، عندما يفترس الأسد زرافة أو غزالة ليأكلها، فذلك لا يُعد شراً، بل يعد ذلك جزءاً من دورة الحياة الطبيعية، إذ لا وجود لقانون أدبي يحكم عالم الحيوان، وذلك على النقيض تماماً فيما يتعلق بالإنسان، وعندما نفهم هذه الحقيقة ونقرأ قصة الشجرة في سفر (التكوين) نجد أن الله لم يخلق مشكلة أو ثغرة، بل خلق الإنسان في كمال وصلاح تام، وأقدم على المجازفة الحتمية بمنحه الإنسان حرية الاختيار، وإلَّا لصار الإنسان كائناً غير أخلاقي مثل الحيوان.
ما المقصود بأن الإنسان كائن أدبي أخلاقي؟
يُقصد بأن الإنسان كائن أدبي أخلاقي أي أنه يمتلك نوراً (معرفة) ويتمتع بحرية الاختيار، فإن كان الإنسان لا يعرف، فهو غير مسؤول عن اختياراته، فمثلًا، إن لم يكن الإنسان يعرف أن شرب السم يؤدي إلى الموت، وشربه ومات، فلا تُعدّ هذه غلطته وخطأه، أمَّا إن كان يعرف تماماً أن ما في الكأس هو سُم، ومع ذلك شربه بإرادته الحرة الكاملة ومات، إذن، فهو المسؤول عن ما فعله بنفسه، وهو من جلب الموت على ذاته، وهذه الفكرة نجد ما يؤيدها في الكتاب المقدس، لذلك، ينبغي أن توجد المعرفة أي النور الأدبي، فالنور هام جداً لتحقيق الحرية أي حرية الاختيار، ولنفترض أن الإنسان لديه نور أدبي، ولكنَّه لا يمتلك حرية الاختيار بين النور والظلمة، حيث إنه يعرف أن هذا نور وذاك ظلمة، ويعرف أن هذا خير وذاك شر، غير أنه لا يمتلك حق وحرية الاختيار، فهل يظل الإنسان كائناً أدبياً لديه حرية؟ بالطبع لا، حيث يتحول في هذه الحالة إلى حيوان، فما يُميِّز الإنسان هو أن لديه نور ومعرفة وحرية للاختيار، وهذه الحرية تتضمن مجازفة، فبما أن الله قد منح الإنسان تلك الحرية فقد أقدم على المجازفة.
ويمكن تشبيه الحرية بمن أعطى مفتاح السيارة لشخص ما من أجل أن يقودها بنفسه بدلاً منه، فلو لم يكن قد أعطاه ذلك المفتاح، ولم يسمح له بقيادة السيارة، بل اكتفى بإحضارها وقيادتها بنفسه، لما كانت هناك حُرية حقيقية، فالحرية تتضمن المجازفة، ولأجل أن تكون حرية الإنسان حقيقية، لا بد أن يترك له المجال ليختار، حتى وإن تضمن ذلك شيئاً من المجازفة، كما لا يستطيع أحد الوالدين سواء الأب أو الأم أن يحِدّ من حرية الأبناء بدافع الخوف عليهم والحفاظ على مصلحتهم، ولن يقبل الأبناء بفرض الآباء إرادتهم عليهم، سواء في حالة اختيار شريك الحياة أو اختيار الكلية المناسبة للدراسة أو أسلوب الحياة، لأن الأبناء سيشعرون حينها أن ذلك الحب هو مصدر لقهرهم وعدم احترام لأدميتهم واختياراتهم، فالحب الحقيقي يحترم حرية الآخر، لذلك، ينبغي المجازفة بمنح الحرية وإن كانت تحمل بعض الألم، لأنه من دون المجازفة لا توجد حرية حقيقية، فأحياناً نميل إلى افتراض أن الله قد أعطانا حرية "جزئية" أو "محدودة"، لكن هذا يناقض جوهر الحرية، فإن كان الله يحب الإنسان ولم يمنحه حرية الاختيار، فقد جعله أقرب إلى الحيوان، فالحيوانات كائنات يحبها الله، لكنَّه لم يمنحها الحرية، وبالتالي، فهي غير مسؤولة عن اختياراتها، لأنها بلا وعي أخلاقي ولا مسؤولية أدبية.
كيف قام سفر التكوين بسرد قصة خلق الله لأدم وكذلك جنة عدن؟
إن سفر التكوين ليس كتابًا ضخماً، بل هو عبارة عن بضعة أصحاحات وصفحات قليلة، ومع ذلك تحكي قصةً طويلة للغاية، فهي لا تسرد تفاصيل القصة بأكملها، بل تضع خطوطها العريضة أي الملخص المفيد، حيث يختصر آلاف السنين في صفحات قليلة، فعندما نبدأ من قصة إبراهيم، نجد أن الوحي الإلهي يقدِّم لنا سرداً تفصيليًاً، مثل: من أين خرج، وإلى أين ذهب، أي من أور الكلدانيين ثم إلى حاران (تك١١: (٣٢-٢٧ثم إلى أرض كنعان (تك١٢: (٥-١، كما يخبرنا بمن التقى، واسم الملك الذي قابله، بل حتى اسم رئيس الكهنة الذي التقاه، مثل الكاهن ملكي صادق ملك شاليم (تك١٤: (٢٠-١٧، وهُنا يبدأ الحديث التاريخي الدقيق المليء بالأسماء والأماكن والأحداث، أمَّا ما قبل إبراهيم، فليست هناك تفاصيل دقيقة، بل خطوط عريضة تلخّص بدايات الخليقة، ويخبرنا النص عن حدوث الطوفان (تك٧: (٩-١، ولدينا اليوم أدلة وبراهين علمية تؤكد حدوث ذلك الطوفان، ويُحدِّثنا عن حادثة (بلبلة الألسنة)، موضحاً كيف نشأت اللغات المختلفة، رغم أن أصل الجنس البشري نابع من عائلة واحدة من أب واحد وأم واحدة هما آدم وحواء، وكيف انقسمت البشرية وتنوّعت لغاتها (تك١١: (٩-١، وبالنسبة لقصة سقوط آدم وحواء، فالنص في سفر التكوين لا يسرد التفاصيل الدقيقة الكاملة، كما هو الحال في قصة إبراهيم وما تلاها، بل يقدِّم قصة قصيرة تفسِّر وتشرح واقعنا الإنساني في الوقت الحاضر، لذلك، فإن قصة شجرة معرفة الخير والشر ليست قصة رمزية خيالية لم تحدث، ولا هي قصة تاريخية نعرف تفاصيلها الدقيقة الكاملة، بل هي قصة تمثل حقيقة روحية وإنسانية عميقة في إطار رمزي موجز، وحين نقرأ هذه القصة، نجد أن ما ذكرناه سابقاً موجود بالفعل في الكتاب المقدس.
فعند قراءتنا لسفر التكوين، نجد أن الأصحاح الأول بأكمله يتحدث عن تسلسل عملية الخلق، ثم يأتي الأصحاح الثاني ويتركز حديثه عن الإنسان، لأنه الموضوع الرئيسي في الكتاب المقدس أي قصة الله مع الإنسان، حيث يقول الرب" نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا"، ولكنه لم يخبرنا ما هي طبيعة هذا الشبه، كما جاء في الأصحاح الأول من سفر "التكوين":٢٦وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ».(تك١: (٢٦، ويسرد لنا بالتفصيل خلق الله لآدم وحواء، كما يخبرنا الإصحاح الثاني من سفر "التكوين":٧وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً. (تك٢: (٧، حيث "جبله الرب تراباً من الأرض"، إذن، فالإنسان عبارة عن مادة، ثم قام الله بتحويلها إلى بيولوجي أي كائن حي، ثم "نفخ فيها نسمة حياة"، وهذا هو الفرق بين الإنسان والحيوان، "فصار آدم نفساً حية"، وبالتالي، فإن الإنسان عبارة عن تراب تم تحويله إلى بيولوجي أي كائن حي، وعن طريق النفخة الإلهية أي الروح الخالدة "صار آدم نفساً حية"، إذ صار له كيان نفسي أي شخصية الإنسان، والتي تربط بين العالم الروحي والعالم المادي، فالإنسان يتكوَّن من: (روح ونفس وجسد)، حيث يتحدث سفر التكوين عن هذه التركيبة البشرية تفصيلياً كما نرى في الأصحاح الثاني من سفر التكوين.
ثم خلق الله جنَّة عدن على الأرض، وهي المكان الذي أعدَّه ليسكن فيه الإنسان، والمقصود بـ (الجنَّة) هنا أنها أرض مليئة بالأشجار والنباتات، وهي ليست في السماء، لأن السماء هي كائن روحي غير مادي، كما جاء في سفر "التكوين":٨وَغَرَسَ الرَّبُّ الإِلَهُ جَنَّةً فِي عَدْنٍ شَرْقاً وَوَضَعَ هُنَاكَ آدَمَ الَّذِي جَبَلَهُ. (تك٢: (٨، وجعلها الرب تنبت وتثمر أشجاراً جميلة وطيبة للأكل، ثم وضع شجرتين مميَّزتين بها، وهما: شجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر، وأعطى لكل منهما اسماً ذا دلالة ورمز عميق، كما يضيف سفر "التكوين":٩وَأَنْبَتَ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ شَجَرَةٍ شَهِيَّةٍ لِلنَّظَرِ وَجَيِّدَةٍ لِلأَكْلِ وَشَجَرَةَ الْحَيَاةِ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ وَشَجَرَةَ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ. (تك٢: ٩).
توصلنا إلى أن أسماء الشجرتين ما هي إلَّا تسميات تحمل في جوهرها دلالات مجازية ورمزية، فما المقصود بذلك؟
إن الشجرة هنا لا تُفهم بمعناها الحرفي، بل تحمل دلالة رمزية ومعنًى عميق، فالشجرة سُمّيت بحسب ما تدل عليه من معنى وبحسب دلالتها الرمزية، لا بحسب طبيعتها النباتية، ولذلك، فإن الاسم الذي أُطلق عليها يعكس معناها ودورها في القصة، سواء أكانت شجرة الحياة أم شجرة معرفة الخير والشر، حيث يشير الرب إلى الشجرتين، ثم يوصي آدم بما ينبغي أن يفعله وما لا يفعله، كما جاء في سفر "التكوين":١٥وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا. ١٦وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً ١٧وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».(تك٢: ١٥-١٧)، حيث يشير الرب إلى شجرة معرفة الخير والشر، وليس شجرة الحياة، فهذا هو القانون والوصية الإلهية، ومن هنا يتضح لنا أن القانون الإلهي لا يتعلق بمفهوم العقاب، بل بمفهوم النتيجة، بدليل أنه عندما أكل آدم وحواء من ثمر الشجرة وجاء الله إليه ولم يجده فناداه وعلم أنه قد اختبأ لأنه عريان وسأله الرب: "هل أكلت من الشجرة؟"، برغم علم الله المطلق المسبق، كما ورد في سفر "التكوين": ٨وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. ٩فَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». ١٠فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». ١١فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» (تك٣: ٨-١١)، حيث إن النتيجة التي حدثت لآدم وحواء عندما أكلا من الشجرة لم تكن عقاباً، بل هي نتيجة للفعل والخطيَّة التي اختاراها بإرادتهما الحرة، ولكن الله قد أخبرنا بالقصة على هذا النحو وكأنه ليس كلي المعرفة والعلم، رغم أنه عالم بأنهما قد أكلا من ثمر الشجرة، وذلك ليبيِّن لنا وللأجيال البشرية أن ما حدث ليس عقاباً إلهياً، بل هو نتيجة طبيعية وحتمية لفعل الإنسان - ممثلاً في آدم وحواء - واختياره الحر.
فهم يعلمان الصواب ويعلمان الخطأ، ولكن الحيَّة قد أخبرت حواء بأنه "يوم تأكلان منها تصيران كالله عارفين الخير والشر"، كما جاء في سفر "التكوين": ٤فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! ٥بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».(تك٣: ٤-٥)، فالحية (أي إبليس) كانت كاذبة ومخادعة، حيث خدعت وأغوت حواء، فقد ذكرت فقط جزءاً من الحقيقة، بينما أنكرت الجزء الثاني من الحقيقة، وهذه هي طبيعة إبليس، فالكذب لا ينجح عندما يكون زيفاً بأكمله كي يبدو مقبولاً ومقنعاً وقابلاً للتصديق، فدائماً ما يمزج الكذَّاب قليلاً من الحق مع قليلٍ من الكذب ليخدع الآخرين، تماماً كما يفعل صيَّاد السمك حين يضع الطُعم في السنَّارة، وعندما تلتقطه السمكة تكون قد وقعت في الفخ، فالكذب الذي ذكرته الحية له صورة مزدوجة، فهي أولاً ذكرت أنهما "يصيران مثل الله عارفين الخير والشر"، ولكنَّهما لم يصيرا مثل الله، بل على العكس تماماً، فبدلاً من أن يرتقيا إلى فوق سقطا معاً إلى أسفل، وثانياً ذكرت الحية "أنهما سيكونان عارفين الخير والشر"، في حين أن الإنسان - ممثلاً في آدم وحواء - كان يعرف الفرق بين الخير والشر معرفة عقلية، ولكنه لم يختبر الشر بممارسته وفعله من قبل، والمعنى المقصود هنا (يوم تأكلان منها تفعلا الشر)، وهذه هي الكذبة الثانية فيما قالته الحية، فقد كان آدم يتمتع بنور أدبي أي يعلم أن الله صالح، ويعلم أن علاقته مع الله هي علاقة محبة، وأن هذه المحبة عبارة عن اختيار حر، فالله والإنسان يحب كل منهما الآخر.
بما أن آدم كان يعيش في جنة عدن، وفي شركة وعلاقة محبة مع الله، ويعرف الفرق بين الخير والشر، فكيف يمكن له أن يفعل الشر والخطيَّة؟
إن الشر في مشهد "شجرة معرفة الخير والشر" يتمثل في كسر آدم وحواء للوصية الإلهية بعدم الأكل من ثمر تلك الشجرة، والسبب وراء تلك الوصية أن آدم قد خلق وهو يحيا باستقامة أمام الله، ويعيش في شركة وعلاقة محبة معه، لكن تبقى مسألة جوهرية: أين الحرية؟، فالنور (المعرفة) وحده لا يكفي، فلا معنى للنور إن لم يكن للإنسان حرية الاختيار، وقد اتفقنا أن الله قد أعطى لآدم النور والحرية، والشجرة هي رمز لحرية الإنسان ممثلاُ في آدم وحواء، فالله قال لآدم - كما نفهم من السياق - ما معناه: "يا آدم، هذه الشجرة ستكون علامة، تُمكِّنك من أن تختار بإرادتك، تستطيع أن تأكل من جميع أشجار الجنة، لكن هذه الشجرة الواحدة، إن أكلت منها، تكون قد قلت لي: لا أريدك، لا أريد أن أعيش في شركتك، أريد الاستقلال عنك، إنها ببساطة طريقة الله لإعطاء الإنسان فرصة حقيقية للحرية، كأن الله يقول:"إذا أردت أن تتركني، لن أُجبرك على البقاء، وإن أردت أن تعبِّر عن هذا القرار، فستأكل من هذه الشجرة، وهكذا تُظهر أنك لا تريدني ولا تحبني، و تريد أن تعيش مستقلاً ومنفصلاً عني"، وهذا ما قالته الحية لحواء "يوم تأكلان منه تكونان كالله" (تك٣: (٥، فالحية تقصد هنا أنهما - أي آدم وحواء - لن يعودا تابعين لله فيما بعد، ولن يعودا في حاجة إليه، ولن يسلكا في نوره، بل سيصيران مثل الله.
وهذا هو جوهر خطيَّة إبليس (زهرة بنت الصبح)، حين قال "أرفع كرسيي أكون معادلاً لله"، كما جاء في سفر "إشعياء": ١٢كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ ١٣وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللَّهِ وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاِجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشِّمَالِ. ١٤أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ. ١٥لَكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ. (إش١٤: ١٢-١٥)، وهي الفكرة ذاتها: إن آدم وحواء تحت سلطان الله، لكنهما حين يأكلان من ثمر الشجرة، يصيران كأنهما مساويًا له، مستقلًان ومنفصلان عنه، وهذا هو الشر، ويعني كسر المحبة والاستقلال عن الله.
إن كان الله قد خلق الإنسان - ممثلاً في آدم وحواء - في النور ووضعه فيه، فلماذا وضع في طريقه "حفرة" أي شجرة معرفة الخير والشر وأوصاه ألا يأكل منها، وهو يعلم مسبقًا أنها ستكون مغرية جداً بالنسبة له، وقد يكون معرضاً للسقوط فيها؟
لم يضع الله فخاً أو حفرة في طريق آدم وحواء على الإطلاق، بل أعطاهما حرية الاختيار، فالإنسان كائن أدبي لديه معرفة ولديه حرية الاختيار معاً، فإن امتلك الإنسان المعرفة دون الحق في الاختيار الحر، فلا يمكن أن يكون حراً، وإن امتلك حرية الاختيار دون أن تكون لديه المعرفة المطلوبة، فلا يكون مسؤولًا أدبياً عن أفعاله، لذا، فإن التكوين الأدبي للإنسان يقوم على امتلاك المعرفة والقدرة على الاختيار الحر واتخاذ القرار، هذا هو كمال القانون الإلهي، فقد وضع الله الشجرة (معرفة الخير والشر) لتأسيس وترسيخ مبدأ حرية الإنسان، فلو لم يكن للإنسان حرية، فإنه يكون مُجبراً على المحبة، بينما وجود تلك الشجرة وعدم كسر الإنسان للوصية الإلهية يعني بالضرورة اختياره للمحبة والشركة والعلاقة مع الله مصدر الحياة، فعلى سبيل المثال، إن كان أحد الأشخاص متزوجاً من امرأة، وليس لديه اختيار آخر في الحياة، ولم يخترها بإرادته الحرة، فهل يمكن القول بأنه يحبها؟ بالطبع لا، وإن كانت هي أيضاً لا تملك خياراً آخر، وأجبرها على الزواج به، فهل يُسمّى هذا حباً؟ أبداً، لا يُدعى ذلك حباً، لأن الحب الحقيقي والاستمتاع بالعلاقة ينبعان من الاختيار الحر، والمحبة هي أن يقدِّم الإنسان نفسه للآخر بمحض إرادته، لأنه يريده، لأنه مقتنع به، فالله مقنع للغاية، ومحبوب، ويحب الإنسان بالتأكيد، ومع ذلك، يقول له: "أترك لكَ مطلق الحرية أن تحبني، أو أن تقول لي: لا أريدك."
ألا يثير وضع شجرة المعرفة في الجنة سؤالاً عن كون الله خلق الشر؟ وهل منح الإنسان حرية الاختيار يعني أن الله أوجد إمكانية السقوط في الشر؟
لا تُعد الشجرة تعبيراً عن الشر، بل هي رمز للحرية، لحرية الإنسان التي أعطاه الله إيَّاها، فبدون تلك الشجرة لا توجد فرصة للاختيار الحر وللممارسة هذه الحرية، ولو أراد الله لكان قد وضع باباً بدلاً من الشجرة، وعندما يخرج منه الإنسان، فإن ذلك يدل على أنه لا يريد العيش مع الله، وهذا هو جوهر قصة الابن الضال كما جاءت في إنجيل لوقا (لو١٥: ١١-٣٢) فقد اختار الابن الأصغر أن يترك بيت أبيه بإرادته الحرة، فلو لم يعطي الله للإنسان حرية الاختيار لجعله حيواناً، بينما الإنسان كائن أدبي أخلاقي يدرك ويعرف الخير والشر ويملك حرية الاختيار واتخاذ القرار، فكما ذكرنا من قبل، يوجد في الفلسفة ما يعرف بـThesis & Antithesis أي أن وجود الشيء يوجد نقيضه تلقائياً، حيث إن وجود النور يخلق الظلمة لأنها تعني غياب النور، ولذلك، عندما يقول الكتاب المقدس "خالق النور وصانع الظلمة"، كما جاء في سفر "إشعياء":٧مُصَوِّرُ ٱلنُّورِ وَخَالِقُ الظلمة، صَانِعُ السلام وَخَالِقُ الشر. أَنَا الرب صَانِعُ كُلِّ هَذِهِ. (إش٤٥: (٧، فالمقصود هنا أن الله لم يخلق الظلمة، فهي لا تحتاج إلى الخلق، لأنه عند غياب النور توجد الظلمة بالضرورة، كما أن الله لم يصنع الشر، حيث إن الشجرة المذكورة هي شجرة معرفة الخير والشر وليست شجرة الشر، أي هي الشجرة التي تمثل اختيار الإنسان الحر بين الخير والشر، بين الحياة مع الله أو الانفصال عنه، فلو اختار آدم وحواء ألَّا يأكلا من ثمر الشجرة، لكانا حينها قد اختارا المحبة والعيش مع الله والبقاء في محضره.
لماذا سمح الله بدخول الحية لتغوي حواء، ولو لم يظهر إبليس في المشهد ألم تكن لتبقى غير مخدوعة، وبالتالي لا تسقط هي وآدم في الخطيّة؟
يُعدّ سماع الرأي والرأي الآخر هو جوهر الحرية الحقيقة، وهذا يعد جزءاً من النور أي المعرفة، لذلك، فقد أعطى الله الإنسان الحق في الاستماع إلى الرأي الآخر المضاد لرأيه، لتتاح له حرية الاختيار بين تصديق الله أو تصديق إبليس، فالحرية في القانون الأدبي عبارة عن إتاحة أو سماح، لذلك نطلق عليها taking risk أي المجازفة.
إن الإنسان بطبيعته مخلوقاً ضعيفاً محدوداً، بينما الله إله عظيم قدوس متعالِ، فكيف يضع أمامه هذا الاختيار الصعب بين الخير والشر دون أن يمنحه فرصة أخرى أو أن يُريه بوضوح نتيجة اختياره؟
لقد منح الله آدم وحواء الفرصة كاملة، ولكنهما اختارا الانفصال عن الله عن طريق الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، كما جاء في سفر "التكوين": ١٦وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً ١٧وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».(تك٢: ١٦-١٧)، ولا يُعد اقتراحاً منطقياً ولا عقلانياً أن يقوم الله بإظهار نتيجة اختيار آدم قبل أن يتخذه، فلا يعقل أن يميته لمدة يومين أو لثلاثة أيام ثم يُعيده إلى الحياة مرة أخرى، أو أن يرسله إلى الجحيم لفترة ما ثم يعيده إلى جنة عدن، أو أن يخلق إنساناً آخر قبله ويدعه يموت أمامه ليرى آدم ويدرك معنى الموت، لقد كان الموت الروحي نتيجة لاختيار آدم وحواء وليس عقاباً لهما كما يظن البعض، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢٣لأَنَّ أُجْرَةَ الخطيَّة هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو٦: (٢٣.
والقانون الإلهي هو قانون مطلق، وليس قانوناً وضعياً، وهناك فرق واضح بين القوانين المطلقة والقوانين الوضعية: فالقوانين الوضعية هي تلك التي يضعها الإنسان ويُحدد لها عقوبة أو عقاباً عند كسرها وخرقها، أما القوانين المطلقة فهي قوانين تعمل وتنفذ ذاتها بذاتها، دون تدخل مباشر من أحد، وعلى سبيل المثال، قانون الجاذبية الأرضية: فعندما يترك كأساً ليسقط، ما الذي يحدث له؟ يتحطم، هذا لأن قانون الجاذبية يعمل وينفذ ذاته تلقائيًا لأنه قانون واحد مطلق لا يتغير، وهذا القانون المطلق لا يساوي أبداً بين الله في جلاله وقدسيته وبين الإنسان في ضعفه ومحدوديته، فالإنسان وضعه الله في النور ثم اختار بإرادته الظلمة، كما يطفئ أحدهم النور بالضغط على مفتاح الكهرباء، فعاش في الظلمة والموت الروحي، ففي تلك الحالة، إن أعاد الله له الكهرباء فلن يعيش، حيث إنه قد مات بالفعل باختياره الحر أن ينفصل عن مصدر الحياة والنور، فصارت النتيجة لصيقة به كأثر حتمي لاختياره وقراره الحُر، أما إذا رفع الله عنه النتيجة لأعتبر ذلك عقاباً يرفع، وليس نتيجة تلتصق به تلقائياً.
هل يمكن أن تكون قصة شجرة معرفة الخير والشر تفسيرًا بشريًا قديمًا لوجود الشر والمصائب، مع جذور في حضارات أقدم، بينما استخدمها الله لاحقًا ليُعلن بها معانٍ روحية أعمق؟
إن جميع الحضارات التي ذكرت هذه القصص، قد حمَّلت الله المسؤولية، واعتبرت أن الله هو مصدر وخالق الشر، بينما قصة الكتاب المقدس هي القصة الوحيدة التي تنفي خلق الله للشر، وهناك فرق كبير جداً بين هذه القصة وغيرها، فمثلاً، في الهندوسية: يُصوَّر الإله بأن له خمسة وجوه رئيسية، اثنان منها مؤنثان Feminine وهما يمثلان الشر، والثلاثة الباقية مذكر Masculine تمثل الخير، وبذلك، فإن هذا الإله يحمل الخير والشر، أمَّا بحسب الإعلان الكتابي، فالله قدُّوس منزَّه عن الشر ولم يخلق الشر،
وقد أعطى الإنسان حرية كاملة ليختار بين الخير والشر، فما هو الشر هنا؟ لم يكن هناك إنسان آخر يمكن قتله قبل حواء، ولم تكن هناك ممتلكات يمكن سرقتها، بل كان الشر في جوهره هو اختيار الإنسان للاستقلال عن الله والانفصال عنه، أي رفضه كمصدر للحياة.
إن وجود قصص مشابهة في حضارات أخرى يعزّز من مصداقية القصة الكتابية، إذ يشير إلى أن هناك أصلاً تاريخياً مشتركاً لهذا الحدث، بدليل أن شعوباً مختلفة في أماكن متباعدة تروي أحداثًا متقاربة، وهذا يختلف تماماً عمَّا تقوله بعض النظريات الحديثة، مثل نظرية "الانفجار العظيم ونشأة الكون Big Bang"، التي لا تذكر قصة مشابهة على الإطلاق، وتفترض أن البشر ظهروا بأعداد كبيرة، ومات بعضهم وعاش بعضهم، إلى أن تكوَّن الجنس البشري، ولكن كيف لنا الآن أن نكون جميعاً "جنساً بشرياً واحداً “one-mankind؟ بينما يُفترض، بحسب تلك النظريات، أننا نشأنا من ظروف عشوائية مثل سائر الكائنات الحية، والتي نرى فيها تنوعًا هائلًا، فلماذا الإنسان وحده هو من ينتمي إلى نوع واحد؟ إذن، فهذا يدل على أننا ننحدر جميعنا من أب وأم وحيدين هما آدم وحواء كما تروي لنا القصة الكتابية.
وعليه، يؤكد العلم أننا ننتمي إلى نوع واحد أي جنس بشري واحدOne Mankind، فنحن شعبة Phyla ونوع Speciesوجنس Kind، وهذا أمر فريد، إذ لا يوجد في المملكة الحيوانية أو النباتية ما يشبهنا من حيث إننا عائلة واحدة (family)، ولا ينطبق إلَّا علينا نحن البشر دون غيرنا من المخلوقات، وهذا دليل على أننا جميعًا ننحدر من أب وأم وحيدين، إذن، فإن قصة آدم وحواء، كأب وأم أوَّليَّن خُلقا ليشكِّلا بداية البشرية رجل Male وامرأة Female، لها أصل معقول ومنطقي.
ومن هنا، فإن تشابه القصص في الحضارات القديمة لا يضعف مصداقية القصة الكتابية، بل يعزّزها، لأن وجود صدى لها في ثقافات متعددة يدل على أصل تاريخي مشترك، لكن الفرق هو أن الكتاب المقدس يقدّم القصة في ضوء الحق الكامل، بينما الأديان الأخرى لا تعكس الحق كاملاً، لأن الشعوب التي صاغت هذه القصص لم يكن لديها نور أدبي كامل عن الله أي إعلان ومعرفة أخلاقية كاملة عن الله، فلما رأوا أن في الحياة خيراً وشرَّاً، استنتجوا أن الله لا بد أن يكون هو خالق الشر أيضاً، وهذا استنتاج بشري طبيعي خاطئ تماماً.
أمَّا في الإعلان الإلهي بحسب الكتاب المقدس، فالله لم يخلق الشر، بل أعطى الإنسان حرية الاختيار بين (الخير) الذي هو المحبة والعلاقة مع الله، وبين (الشر) الذي هو الاستقلال عن الله، ولذلك، فإن وجود قصص مشابهة مشوَّهة في حضارات أخرى لا ينقض الرواية الكتابية المنطقية، بل يثبتها ويؤكدها ولا ينفيها.
ألا تبدو حرية الإنسان في اختيار الخير أو الشر عبئًا يفوق طاقته، ما دام اختياره للشر أدى إلى السقوط والموت الروحي والانفصال عن الله؟
لا يمكن القول إن الله قد حمَّل الإنسان مسؤولية تفوق قدرته، فلم يحدث ذلك، لقد منحه حرية محدودة، ومع هذه الحرية وضع على عاتقه مسؤولية محدودة أيضاً، وهي أن يجني ثمر ونتائج اختياراته وما يقوم به من أفعال، فماذا يفعل الله في رحمته؟ هل يقول له: "اذهب إلى الهلاك"؟ أبداً، بل على العكس، فنحن نقرأ في الكتاب المقدس أن الله قد صنع "أقمصة من جلد لكل من آدم وحواء"، كما جاء في سفر "التكوين": ٢١وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا. (تكو٣: ٢١)، أي أنه تدخَّل ليعالج الموقف، وبدأ يبحث لهما عن حل، فإذن، فالله يعلم تماماً حدود الإنسان وضعفه، ويعرف محدوديته، ولذلك، أعدَّ الله مسبقًا الحلّ لنتائج الاختيار الخاطئ لكل من آدم وحواء، ولو أن الإنسان اختار الاستمرار في النور والارتباط بالله، لظلّ النور والمحبة الإلهية متاحة له، ومن هنا، نفهم أن الله لم يترك الإنسان لأنه يعلم بضعفه، بل أعدَّ له طريق الخلاص، ولذلك، عندما نتحدث عن عمل الرب يسوع المسيح في الفداء والكفَّارة نجد أنه "قدم نفسه بروح أزليّ"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": ١٤فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!(عب٩: (١٤، لقد حاول آدم وحواء أن يسترا عورتهما، حيث "خاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مآزر"، كما يخبرنا سفر "التكوين":٧فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. (تك٣: (٧، لكنها لم تكن كافية، فالله نفسه قدَّم لهما ثوبًا من جلد لا يفنى مع الشمس، في إشارة إلى الذبيحة، وإلى وجود خروف يُقدَّم، وهكذا ننتقل من هذا المشهد الرمزي إلى مفهوم الكفارة الذي يتحقق في ذبيحة المسيح الكاملة.
سؤال: لماذا لا تكفي الوصايا وحفظ الناموس في إصلاح هذا الانفصال بين الإنسان والله؟
الوصايا التي أُعطاها الله للإنسان هي ما تعرف بـ (الناموس)، والناموس جاء ليقول للإنسان: 'أنت قد فعلت الخطيَّة، ولكن إن عملت هذه الوصايا، فستحيا'، كما جاء في سفر "اللاويين": ٥فَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي الَّتِي إِذَا فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ يَحْيَا بِهَا. أَنَا الرَّبُّ. (لا١٨: (٥، ولكن لم يستطع الإنسان تنفيذ تلك الوصايا، لأن طبيعة الإنسان صارت فاسدة، وصار خطَّاء أي يميل إلى تكرار عمل الخطيَّة، لقد اختار الاستقلال عن الله، فالمشكلة لم تقتصر على الانفصال عن النور أو العيش في الظلمة، بل امتدت إلى أعماق الكيان: أصبح في داخله ميلٌ نحو الفساد، صار متكبّراً وأنانيَّاً ولا يستطيع أن يقدم المحبة وأن يكون متواضعاً بغير الرجوع إلى الله الآب والرب يسوع المسيح.
إذًا، ما يحتاج إليه الإنسان أولًا هو أن يتدخّل الله في حياته ليُغيّره، ويعيده إلي الطبيعة السليمة التي فُقدت، لكي يستطيع أن يُحب من جديد، حيث يُلبسه أقمصة من جلد وينجَّيه، كما فعل مع آدم وحواء، لأن الإنسان لم يعُد بإمكانه أن يخلّص وينجِّي نفسه، فلقد ألقى الإنسان بنفسه في النار، ولم يَعُد له رجاءٌ سوى رحمة الله وخلاصه وإنقاذه له، فالإنسان لا يحتاج فقط إلى غفران يعطي فرصة جديدة، بل إلى تغيير جذري؛ لأنه إن اكتفى بفرصة أخرى فقط، سيرتكب الخطيَّة مرارًا وتكرارًا، وهذا هو الواقع المؤلم الذي نراه في البشرية اليوم، من عنف وشر وقتل، حتى صرنا في حالات كثيرة أسوأ من الحيوانات، فالإنسان البعيد عن الله يتحوّل إلى كائن أكثر شرَّاَ من الحيوان، وأقسى منه قلباَ، وحتى الحيوان المفترس كالأسد لا يقتل حيواناً آخر كي يعذبه، بل ليأكله لإتمام دورة الحياة فقط، فحين يكون الأسد شبعاناً لا يفترس الحيوان الآخر، وإن افترسه لا يعذبه أو يذله، فالإنسان البعيد عن الله يصير أسوأ من الحيوان وهذا هو الموت الأبدي، حيث اختار الإنسان، ممثلاً في آدم وحواء، الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، وبالتالي، كانت النتيجة هي الموت، كما جاء في سفر "التكوين": ١٧وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ» (تك٢: (١٧.
كيف يشرح الكتاب المقدس أبعاد الموت ومراحله الناتجة عن فعل الخطيَّة، ولماذا يتطلّب الأمر فداءً إلهياً يخلق الإنسان من جديد فيكون له علاقة محبَّة حقيقية مع الله؟
أن الموت يحتوي على ثلاثة مراحل، وهي:
١- موت روحي: أي الانفصال والاستقلال عن الله، فإذا انفصلت روح الإنسان عن الله تنطفئ الروح بداخله، تماماً مثلما ينطفئ نور المصباح.
٢- موت أخلاقي: وهو نتيجة لهذا الانفصال، فسدت طبيعة الإنسان، فصار أنانياً، متكبّراً، يُضحّي بالآخر من أجل نفسه، وعند الاختلاف في الرأي يضحِّي بالآخر كي يسود رأيه، وهذا ما نراه حتى اليوم في المجتمعات من فساد أخلاقي وشر متزايد.
٣- موت جسدي مادي بيولوجي: إذ صار الإنسان عًرضة للفساد الجسدي، والمرض، والموت الجسدي، وصار يقتل أخاه الإنسان، ويعاني من كل مظاهر الموت المادي.
هذه هي مراحل الموت الثلاث الذي حدثت بعد سقوط آدم وحواء في الخطيَّة، فقد ماتا روحيًا في اللحظة ذاتها، وتم التعبير عن ذلك بمنعهما من الأكل من "شجرة الحياة" كعلامة على الانفصال عن الله مصدر الحياة ذاتها، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٢وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». ٢٣فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. ٢٤فَطَرَدَ الإِنْسَانَ وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ. (تك٣: ٢٢-٢٤)، وقال الله لآدم كما لو كان:" لقد اخترت أن تنفصل عني، ليكن لك طريقك وليكن لي طريقي، ولكن، إن توبت ورجعت لي سأعيد الشركة والعلاقة معك، فيضيئ النور داخلك، وأحيي روحك من جديد، فهذا هو عملي وهذه هي خطة فدائي"، ولهذا صار ضروريًا أن يأتي الفداء الإلهي، ليُعيد لنا الحياة الحقيقية، ويُخلق الإنسان من جديد، وهذا ما يسمّيه الكتاب المقدس (الخليقة الجديدة)، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ١٧إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً.(٢كو٥: (١٧، وفي هذه الخليقة الجديدة، يقوم الله بإصلاح فساد الإنسان الأخلاقي، فيُعطي الله الإنسان "قلبًا جديداً"، كما يقول داود في سفر "المزامير": ١٠قَلْباً نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.(مز٥١: (١٠، وهو ما يعرف بـ (التجديد)، ثم يعطي الله الإنسان الحياة الأبدية، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٦لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.(يو ٣: ١٦ (، وهذه الحياة الأبدية ليست على هذه الأرض، بل في السماء، فقد خلقنا الله على الأرض، بينما أفسدها الإنسان، لذلك، سيكون هناك "سماوات جديدة وأرض جديدة" كما وعد الرب، كما جاء في سفر "الرؤيا":١ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضًا جَدِيدَةً، لِأَنَّ السماء الأولى والأرض الأولى مَضَتَا، والبحر لَا يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ.(رؤ٢١: (١و(٢بط٣: (١ و(إِش٦٥: (١٧و(إش٦٦: (٢٢، وهذه هي الخطة الإلهية لإصلاح ما أفسده الإنسان.
وقد يقول بعض الناس: "لماذا لا نجعل نتائج القانون الإلهي المطلق لفعل الخطيَّة أخف وطأة؟ ولماذا لا يكون أثرها بسيطًا حتى لا نحتاج إلى هذا التدخل الإلهي؟
ولكن، إن شرب الإنسان سُمَّاً ولم يمت، فهل هذا سُم حقيقي؟ وإن اختار الأنانية ولم ينفصل عمَّن يحب، فهل هذه أنانية حقًا؟ بالطبع لا، فعلى سبيل المثال، قرر زوجان أن يسلكا بالأنانية بدلاً من المحبَّة أي بدلاً من أن يحب كل منهما الآخر، إذن، فهما سيعيشان، ولكنَّهما لن يعيشا شبه سعداء، بل تعساء تماماً، فنتيجة الأنانية هي التعاسة، ونتيجة المحبَّة هي الفرح والسعادة، ولكن إن لم تكن الخطيَّة - أي الانفصال عن الله - نتيجتها موتاً روحياً وأدبياً وأخلاقياً، فإن الشر الذي نراه في العالم لا يصح أن يكون حقيقياً، وكأن الحياة كلها تمثيلية، وهذا الشر الذي في العالم يؤكد صحة القانون الإلهي المطلق فهو ثمرة ونتيجة الانفصال عن الله، والقانون الإلهي ينبغي أن يكون:
واقعياً: يتوافق مع ما نراه ونختبره في العالم.
إن الواقع يشهد أن "أجرة الخطيَّة هي موت"(رو٦: (٢٣أي نتيجة الخطيَّة هي موت روحي وفساد أدبي وأخلاقي، كما رأيناه ونراه في أشخاص متدينين لكنهم قتلة، مثل شاول الطرسوسي قبل أن يصير بولس الرسول، حيث كان متديناً وفي تدينه يقتل القديسين باسم الله، فهم يظنون أنهم يقدمون خدمة لله، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": ٢سَيُخْرِجُونَكُمْ مِنَ الْمَجَامِعِ، بَلْ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَظُنُّ كُلُّ مَنْ يَقْتُلُكُمْ أَنَّهُ يُقَدِّمُ خِدْمَةً لِلَّهِ. ٣وَسَيَفْعَلُونَ هَذَا بِكُمْ لأَنَّهُمْ لَمْ يَعْرِفُوا الآبَ وَلاَ عَرَفُونِي.(يو١٦: ٢-٣(، وهذا يُظهر مدى انحدار الإنسان وشره، وكيف يمكن أن يخدع نفسه ويقتل أخاه باسم الدين الذي يؤمن به وبسبب تعصبه له، وبسبب كونه مختلفاً معه في العقيدة، لأن ذلك الإنسان لا يعرف كيف يحب، فالمتدين لا يستطيع أن يحب، هو يحفظ الناموس ويفعله بتفاصيله الدقيقة، ويقتل أخاه لأنه يقول: "أن الرب يسوع المسيح هو ابن الله"، فالموت الروحي والانفصال عن الله يجعل الإنسان فاسداً أخلاقياً مهما كانت درجة تدينه، وهو لا يعلم ذلك الأمر معتقداً أنه يفعل الصواب، لأنه لا يعرف كيف يحب، فالإنسان بدون الله لا يستطيع أن يحب، لأن علاقة الإنسان مع الله هي المحبة الحقيقة، وهي تجعل الإنسان قادراً أن يحب أخاه الإنسان، ولكن حينما ينفصل الإنسان عن الله مصدر الحياة والمحبة، فهو يحاول أن يسترضيه بأعماله وممارسة التدين، لكنَّه سيظل عاجزاً عن أن يحب أخاه الإنسان، ولا يستطيع أيضاً أن يكون في علاقة محبة مع الله، لأنه يخاف الله ولا يحبه، فلو أحب الإنسان الله لأحب أخاه الإنسان الذي خلقه الله أيضاً، وكما يقول يوحنا الحبيب في رسالته الأولى: ٨وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ألله ، لِأَنَّ ألله مَحَبَّةٌ.(١يو٤: (٨.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ١٤ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً