العلاقة بين الله والإنسان

الدرس ١٦ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. علاقة الإنسان بالله - السماء

    هل كان القصد من الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح هو تحقيق الهدف الأول لخلق الإنسان أي أن يكون له علاقة وشركة واتحاد مع الله؟

    نعم بالتأكيد، أن الله محبَّة، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى": وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. (١يو٤: ٨ (و(١يو٤: (١٦، إذ إن الله هو الجمع المفرد والوحدة الجامعة وليس الوحدة البسيطة، وفي محبَّته العظيمة خلق الإنسان، ولم يخلقه كعبد ذليل، أو كخادم يسقي نباتات الحديقة ويعتني بالحيوانات، بل على العكس تماماً، فقد أعطى الله آدم سلطاناً أن يسود على الخليقة بأكملها وجعله تاجاً للخليقة، كما جاء في سفر "التكوين": فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. ٢٨وَبَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: «أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ وَأَخْضِعُوهَا وَتَسَلَّطُوا عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى كُلِّ حَيَوَانٍ يَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». (تك١: ٢٧-٢٨)، وأراد الله أن يكون للإنسان شركة وعلاقة معه، كي يستطيع أن يسعده ويحييه بذاته، فيصير الله مصدراً لحياة الإنسان، ويستمتع الإنسان بالشركة والمحبَّة في علاقته بأخيه الإنسان، ويستمتع بالطبيعة الرائعة التي خلقها الله لأجله.

  2. ولكن الإنسان، ممثلاُ في آدم وحواء، فقد الشركة والعلاقة مع الله، من خلال سقوطه وخطيًّته ورفضه للعلاقة مع الله واختياره الاستقلال والانفصال عنه، عندما كسر الوصيَّة والقانون الإلهي (تك٢: (١٧-١٦، حيث اختار الإنسان، ممثلاً في آدم وحواء، أن "يرفع كرسيًّه ويصير مثل العليّ" أي الله، مثلما فعل إبليس، فتعالى وتكبَّر على الله، كما جاء في سفر "إشعياء": (إش١٤:١٢-١٥(.

    وبالتالي، فقد الإنسان السلطان الذي أعطاه الله له على الخليقة بأكملها، وصار بينه وبينها صراعاً، فلم يعد لديه قدرة على السيطرة عليها، لذلك، أخبره الله بأن "شوكاً وحسكاً تنبت لك، وبعرق وجهك تأكل خبزك". (تك٣: (١٩-١٧، كما أخبر الله حواء بأنه "تكثيراً أكثّر أتعاب حبلك") تك٣: (١٦، فصارت الطبيعة لا تطيع الإنسان، لأن الإنسان لم يعُد في علاقة وشركة مع الله، فالإنسان فقد السلطان الذي أعطاه الله له على الخليقة نتيجة لفقدانه علاقته مع الله.

    ورغم ما فعله الإنسان من تمرد واختياره للاستقلال والانفصال عن الله، إلا أن الله استمر في محبَّته للإنسان الذي خلقه على صورته، فالله لم يغضب من الإنسان بل من أجله، لذلك، أعدَّ خطة الفداء الخلاص في شخص الرب يسوع المسيح، ليستعيد ويسترد الإنسان إليه من جديد، ويسترجع الهدف الأول من خلق الإنسان، لقد منحنا الله فرصة ثانية لاسترداد واستعادة علاقتنا به، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان، وعلاقتنا بالخليقة التي خلقها الله، وهذا هو جوهر الفداء الإلهي، فالفداء هو العمل الإلهي لاستعادة المشيئة الإلهية الصالحة للبشر، لأن محبَّة الله مملوءة جوداً وإحساناً من نحو الإنسان، ويريد ان يعيده إلى مكانته الأولى وأفضل منها، فهذا هو هدف الفداء، "إنما الله يفدي نفسي من يد الهاوية"، كما جاء في سفر "المزامير":١٥إِنَّمَا ٱللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ ٱلْهَاوِيَةِ لِأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلَاهْ. (مز٤٩: (١٥، فالإنسان قد ألقى بنفسه إلى الهاوية، وقد مدّ الله يده إليه لينقذه منها، ويستعيده ويسترده لنفسه مرة أخرى، حيث فقد الإنسان الشركة والعلاقة مع الله، وصار مذنباً وتحت دينونة خطيَّة، وصارت طبيعته فاسدة شريرة، ويميل لفعل الشرور ويحب الشر ويستلذ بها، ولا يستطيع أن يُحب الخير، وحتى عندما يختار الخير لا يستطيع أن يفعله، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ١٤فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ خطيَّة. ١٥لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. ١٦فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. ١٧فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا، بَلِ خطيَّة السَّاكِنَةُ فِيَّ. ١٨فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. ١٩لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. ٢٠فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ خطيَّة السَّاكِنَةُ فِيَّ.٢١إِذاً أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. (رو٧:١٤-٢١(.

  3. والمقصود بـ (الفداء الإلهي) هو أن الله قد قام بإصلاح ومعالجة الثلاث مشكلات التي عانى منها الإنسان: وهي (الانفصال عن الله، وأنه صار مذنباً، وفاسداً)، كي يستعيد ويسترد الله الإنسان للقصد الأول من خلقه، وهو: المحبَّة والشركة مع الله والاستمتاع والتلذذ به، أي أن يكون الإنسان ابناً وليس عبداً، إذ إن الله يتصف بالأبوَّة، وبالتالي توجد البنوَّة، وقد خلق الله الإنسان ليكون على صورة الابن، ليكون ابناً مخلوقاً من الله، بينما في الذات الإلهية فالابن غير مخلوق، فهو في ذات الجوهر الإلهي أي الرب يسوع المسيح، حيث التنوع دون انقسام، ولكن الإنسان مخلوق على صورة الله ليكون ابناً يستمتع بالبنوَّة ويعيش فيها.

    هل كان من الممكن معالجة مشكلات الإنسان الثلاث، أي أنه صار منفصلاً عن الله ومذنباً وفاسداً، دون اللجوء إلى الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح؟

    إن الانسان الذي صار يعاني من هذه المشكلات الثلاث، كان في أمس الحاجة إلى من يتمِّم عمل المصالحة مع الله، وإلى من يأخذ بيده ويضعها في يد الله من جديد، ليعود الإنسان إلى الله، مُلقياً بنفسه في حضنه، مستمتعاً بأبوَّته وبصلاحه وجوده وإحسانه، فلم تكن الوصايا والأحكام والشرائع التي أعطيت للإنسان قادرة على حل جوهر مشكلته، بل أظهرت عمق عجز الإنسان وضاعفت إدراكه بتلك المشكلة، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية":٢٠لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ خطيَّة. (رو٣: ٢٠)، لذلك، كان لا بُدَّ من تدخل إلهي لإنقاذ الإنسان من الهلاك، وهي عطيَّة من الله نقبلها بالإيمان بالرب يسوع المسيح المخلِّص الفادي، كما يقول بولس في رسالته إلى"أفسس":٨لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. ٩لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.(أف٢: ٨-٩)، إذ إن إله الفداء هو إله المحبَّة الأبدية، هو الإله الذي فسَّر لنا قصده من خلق الإنسان، ودفع ثمن خلاصنا بنفسه على الصليب، كما يدفع الأب ثمن إصلاح ما أفسده ابنه من نفقته الخاصة، نتيجة محبته الفائقة له، فرغم أن الإنسان قد فعل خطيَّة وارتكب المعاصي والآثام والشرور، إلا أن الله لا يزال يمنحه المحبة طوال الوقت، وقام بعمل الفداء والخلاص، ليستفيد منه كل من يؤمن ويقبل ذلك العمل، تماماً كما يقوم الأب بإعطاء كليته أو قلبه لابنه المريض من أجل إنقاذ حياته لكي يحيا، فلو لم يكن ذلك الشخص أب لما أعطى كليته أو قلبه لإنقاذ حياة ابنه، كذلك الله الذي أحب الخليقة التي صنعها، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا":١٦لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.(يو٣: ١٦)، فالله أب وليس سيداً قاسياً يستمتع بتعذيب الخليقة والانتقام منها، ولو كان الله كذلك لما أعتبر موجوداً، لأنه بذلك يكون إله ناقص ومشوَّه وصنعة أيدي البشر، فهم يفكرون على هذا النحو، بينما الإله الحقيقيّ هو إله كامل مملوء محبَّة تجاه خليقته، فما أطيب الرب، كما جاء في سفر "المزامير":٨ذُوقُوا وَٱنْظُرُوا مَا أَطْيَبَ ٱلرَّبَّ ! طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلْمُتَوَكِّلِ عَلَيْهِ. (مز٣٤: (٨.

  4. إذا كان الله قد أتمّ عمل الفداء من أجل أن يُعيد الإنسان إلى صورته الأولى، فلماذا لا تزال هناك أمراض وتشوّهات وأمور مفزعة تحدث في حياتنا؟

    إن عمل الفداء الذي صنعه الرب يسوع المسيح على الصليب قد تمّ بالفعل، لكنَّ نتائجه لم تتحقّق بعد لكل البشر بصورة كاملة، فطبيعة الإنسان لا زالت ساقطة، إذ إن غالبية البشر لايزالون بعيدين تماماً عن الله، ولا يريدون الله في حياتهم، بل إن أكثر من نصف سكان الأرض يخدمون إبليس، ويعبدون الشر والشرير أي إبليس، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس":٤الَّذِينَ فِيهِمْ إِلَهُ هَذَا الدَّهْرِ قَدْ أَعْمَى أَذْهَانَ غَيْرِ الْمُؤْمِنِينَ، لِئَلاَّ تُضِيءَ لَهُمْ إِنَارَةُ إِنْجِيلِ مَجْدِ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ.(٢كو٤:٤)، ولهذا السبب، فإن الخليقة لاتزال ساقطة، ومع أن الرب يسوع المسيح قد افتدى البشرية الساقطة بعمله على الصليب وقيامته، إلَّا أن هذا الفداء يُعطي الفرصة لمن يقبله، بالإيمان، لمن يطلب الله بإخلاص وصدق ويبحث عنه ويريد الخلاص والنجاة، ولا يخشى أن يتهمه الناس بالجنون، فالباحث عن الحق والحقيقة صار له طريقاً ممهداً للعودة إلى حضن الله، وبما أن الذين قبلوا الفداء الإلهي يشكلون قلة قليلة من البشر، فإن تلك القلة من البشر لا تستطيع تغيير طبيعة هذا العالم الساقط الفاسد، حيث إن "الخليقة تئن وتتمخض"، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢٢فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ.(رو٨: ٢٢)، لأنها تشعر بالألم والوجع الناتجين من فساد الطبيعة البشرية

  5. ومع ذلك، فإن طريق التوبة والعودة إلى الله لا يزال مفتوحاً أمام الجميع، فنحن كثيراً ما نرى شعوباً اختارت وقررت أن تتوب من شرورها، وعندما رجعت إلى الله وطلبت وجهه تغيَّرت طبيعتها الفاسدة الشريرة، وهذا هو الوعد الإلهي، كما جاء في سفر "أخبار الأيام الثاني": ١٤فَإِذَا تَوَاضَعَ شَعْبِي الَّذِينَ دُعِيَ اسْمِي عَلَيْهِمْ وَصَلُّوا وَطَلَبُوا وَجْهِي وَرَجَعُوا عَنْ طُرُقِهِمِ الرَّدِيئَةِ فَإِنِّي أَسْمَعُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَغْفِرُ خَطِيَّتَهُمْ وَأُبْرِئُ أَرْضَهُمْ.(٢أخ٧: ١٤(، فنحن نسمع أخباراً عن حدوث نهضات في جزر بعيدة، تاب شعبها وعاد إلى حضن الله، وكسر الأوثان، وترك العبادات الباطلة، والخطايا كالزنى وغيرها، وطلبوا الله بكل قلوبهم، فنالوا بركات التوبة والإيمان، فتحولت ينابيع المياه السامة أو المالحة إلى ينابيع عذبة صالحة للشرب، وعادت الأسماك بكثرة إلى شواطئهم، ودبَّت الحياة في الشُعب المرجانية من جديد بعدما ذبلت وجفَّت، وذلك لأن هناك علاقة مباشرة بين الإنسان والطبيعة، فقد خلق الله الإنسان لكي يصير تاجاً لهذه الخليقة، فالإنسان ينبغي عليه أن يستعيد علاقته وشركته مع الله ومع أخيه الإنسان في هذا العالم الساقط الفاسد، ويتصالح مع الله ويحب جميع البشر، ولكنَّه لن يكون موضع محبَّة من الجميع، وهذا أمر طبيعي، فقد اضطهد العالم القديسين وقتلهم بسبب المحبَّة التي أظهروها للناس، فالعالم الشرير لا يريد أن يتصف الإنسان بالمحبَّة والبِرّ والقداسة، بل يريد أن يُظهر الجميع الكراهية والشر والفساد ليكونوا على شاكلته، وينبغي علينا كمؤمنين ان لا نشاكل هذا الدهر، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ٢وَلَا تُشَاكِلُوا هَذَا ٱلدَّهْرَ ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ ، لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ ٱللهِ: ٱلصَّالِحَةُ ٱلْمَرْضِيَّةُ ٱلْكَامِلَةُ .(رو١٢: ٢).

  6. لماذا يرفض البعض من الناس محبَّة الله حين يُظهرها لهم المؤمنون الذين اختبروا تلك المحبَّة في عمل الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح؟

    لأن الإنسان الذي يُظهر المحبَّة في مقابل عدم محبَّة الآخرين له يؤدي ذلك إلى إظهار شرهم وفسادهم، لذلك، فهم يريدون أن يطفوا النور، لأن ذلك النور يُظهر ويفضح قبحهم وفسادهم، كما يقول الرب يسوع في حديثه مع (نيقوديموس) عضو مجلس السنهدريم، في إنجيل "يوحنا": ١٩وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. ٢٠لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. ٢١وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ».(يو٣: ١٩-٢١)، لذلك، فإن الشر يضطهد الخير، والأشرار يضطهدون القديسين والأبرار طوال الوقت، ويرغبون في قتلهم والتخلص منهم، لإسكات صوت الحق، وهذا ما فعلوه مع الرب يسوع المسيح، حيث يقول الرب يسوع لنساء أورشليم عندما لطموا وبكوا وناحوا عليه وهم يقتادوه إلى الصلب، ما معناه "إذا كانوا قد فعلوا معي أنا هذا، فكم بالحري سيفعلون معكم"، كما جاء في إنجيل "لوقا":٣١لأَنَّهُ إِنْ كَانُوا بِالْعُودِ الرَّطْبِ يَفْعَلُونَ هَذَا فَمَاذَا يَكُونُ بِالْيَابِسِ؟».(لو٢٣: (٣١، وكما يقول داود في سفر "المزامير": ١٢ٱلشِّرِّيرُ يَتَفَكَّرُ ضِدَّ ٱلصِّدِّيقِ وَيُحَرِّقُ عَلَيْهِ أَسْنَانَهُ .(مز٣٧: ١٢(، فالإنسان يعيش اليوم في عالم ساقط، وقد اختارت غالبية البشر الطريق الآخر طريق التمرد والاستقلال والانفصال عن الله، وبالتالي، لن يفتدي الله البشرية إلَّا بعودة الرب يسوع المسيح في المجيء الثاني له في أواخر الدهور، ونحن نؤمن تماماً بهذه الحقيقة، أن الرب يسوع المسيح سيأتي وسينهي هذا السفر وهذه الحقبة من تاريخ البشرية ليفتح تاريخاً جديداً، كما يعلن الرب يسوع نفسه في إنجيل "متى": ٢٧فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ. (مت١٦: (١٢.

  7. هل يذكر لنا الكتاب المقدس أن القانون الإلهي المطلق قد تم تطبيقه على كل من آدم وحواء عندما كسروا الوصيَّة الإلهية، أم أن ما حدث كان مجرد لعنة دون تطبيق واضح لهذا القانون؟

    لقد كان قانوناً إلهياً وليس مجرَّد لعنة، وقد ذكر لنا الكتاب المقدس نتائج اختيار الإنسان لكسر الوصيَّة والقانون الإلهي وفعل الخطيَّة وهي الانفصال عن الله والموت الروحي، ومن هذه النتائج المذكورة أيضاً أثر ذلك على الطبيعة والأرض والإنسان ذاته أي آدم وحواء أولاً ثم بقيَّة البشر بعد ذلك في الأجيال التالية لهما، فالله لم يلعن آدم وحواء ولم يلعن الأرض، كما جاء في سفر "التكوين":١٣فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِلْمَرْأَةِ: «مَا هَذَا الَّذِي فَعَلْتِ؟» فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ: «الْحَيَّةُ غَرَّتْنِي فَأَكَلْتُ». ١٤فَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ لِلْحَيَّةِ: «لأَنَّكِ فَعَلْتِ هَذَا مَلْعُونَةٌ أَنْتِ مِنْ جَمِيعِ الْبَهَائِمِ وَمِنْ جَمِيعِ وُحُوشِ الْبَرِّيَّةِ. عَلَى بَطْنِكِ تَسْعِينَ وَتُرَاباً تَأْكُلِينَ كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِكِ. (تك٣: ١٣-١٤)، فالله هنا يعاقب الحية وليس الإنسان، ويضيف سفر "التكوين":١٥وَأَضَعُ عَدَاوَةً بَيْنَكِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ نَسْلِكِ وَنَسْلِهَا. هُوَ يَسْحَقُ رَأْسَكِ وَأَنْتِ تَسْحَقِينَ عَقِبَهُ». (تك٣: ١٥)، وهنا يتحدث الكتاب المقدس عن نبوَّة مجيء الرب يسوع المسيح، حيث إن نسل المرأة (المسيح) يسحق رأس الحيَّة (إبليس)، ومن نتائج الانفصال عن الله: تكثير أتعاب حبل المرأة وولادتها، وأن الأرض تعطي آدم والإنسان عامة خيرها ويأكل خبزه بـ "تعبه وعرق وجهه"، لأنها ملعونة بسببه، و"تنبت له شوكاً وحسكاً"، ويأكل خبزه بعرقه ومجهوده. (تك٣: (١٩-١٦

  8. إلى أين تذهب الروح البشرية بعد الموت الجسدي للإنسان وانتهاء حياته على الأرض؟

    ليس لدينا وصفاً تفصيلياً في الكتاب المقدس عن المكان الذي تذهب إليه الروح البشرية بعد الموت الجسدي، ولكن لدينا بعض الأسماء التي لم تذكر إلَّا قليلاً، وهي تعطينا بعض الملامح التي نستطيع أن نفهم من خلالها، وهي: (الفردوس - الجحيم - بيت الآب).

    فقد استخدم المسيح كلمة (الفردوس) وهو مُعلقاً على الصليب في حديثه مع أحد اللصَّين المصلوبين معه، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٣٩وَكَانَ وَاحِدٌ مِنَ الْمُذْنِبَيْنِ الْمُعَلَّقَيْنِ يُجَدِّفُ عَلَيْهِ قَائِلاً: «إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَخَلِّصْ نَفْسَكَ وَإِيَّانَا!» ٤٠فَانْتَهَرَهُ الآخَرُ قَائِلاً: «أَوَلاَ أَنْتَ تَخَافُ اللهَ إِذْ أَنْتَ تَحْتَ هَذَا الْحُكْمِ بِعَيْنِهِ؟ ٤١أَمَّا نَحْنُ فَبِعَدْلٍ لأَنَّنَا نَنَالُ اسْتِحْقَاقَ مَا فَعَلْنَا وَأَمَّا هَذَا فَلَمْ يَفْعَلْ شَيْئاً لَيْسَ فِي مَحَلِّهِ». ٤٢ثُمَّ قَالَ لِيَسُوعَ: «اذْكُرْنِي يَا رَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». ٤٣فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ». (لو٢٣: ٣٩-٤٣)، وبالتالي، فإنه عندما وضع جسد الرب يسوع المسيح في القبر، ذهب هو إلى الفردوس في ذلك اليوم وليس بعد ثلاثة أيام، وقد ذهب معه أيضاً أحد اللصَّين المصلوبين معه، لأنه ألقى بنفسه في رحمة الله، وآمن بالرب يسوع المسيح ربَّاً ومخلِّصاً، ولو في آخر لحظة من عمره.

  9. وقد قدَّم لنا الرب يسوع (مثل الغني ولعازر)، حيث كان (لعازر) رجل فقير يستعطي طعامه، بينما (الغني) لا يريد أن يُعطيه ليأكل، كما جاء في إنجيل "لوقا": ١٩«كَانَ إِنْسَانٌ غَنِيٌّ وَكَانَ يَلْبَسُ الأُرْجُوانَ وَالْبَزَّ وَهُوَ يَتَنَعَّمُ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَفِّهاً. ٢٠وَكَانَ مِسْكِينٌ اسْمُهُ لِعَازَرُ الَّذِي طُرِحَ عِنْدَ بَابِهِ مَضْرُوباً بِالْقُرُوحِ ٢١وَيَشْتَهِي أَنْ يَشْبَعَ مِنَ الْفُتَاتِ السَّاقِطِ مِنْ مَائِدَةِ الْغَنِيِّ بَلْ كَانَتِ الْكِلاَبُ تَأْتِي وَتَلْحَسُ قُرُوحَهُ.(لو١٦: ١٩-٢١)، وعندما مات لعازر حملته الملائكة إلى حضن إبراهيم، إلى موضع الراحة والتعزية، بينما الغني الرجل الشرير، الذي لم يشفق على المسكين، وعاش في كبرياء، لم تحمله الملائكة بالطبع، ورفع عينيه فوجد نفسه في الهاوية في العذاب والجحيم، كما يضيف إنجيل "لوقا":٢٢فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ. وَمَاتَ الْغَنِيُّ أَيْضاً وَدُفِنَ ٢٣فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فِي الْهَاوِيَةِ وَهُوَ فِي الْعَذَابِ وَرَأَى إِبْرَاهِيمَ مِنْ بَعِيدٍ وَلِعَازَرَ فِي حِضْنِهِ ٢٤فَنَادَى: يَا أَبِي إِبْرَاهِيمُ ارْحَمْنِي وَأَرْسِلْ لِعَازَرَ لِيَبُلَّ طَرَفَ إِصْبَعِهِ بِمَاءٍ وَيُبَرِّدَ لِسَانِي لأَنِّي مُعَذَّبٌ فِي هَذَا اللهِيبِ. ٢٥فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: يَا ابْنِي اذْكُرْ أَنَّكَ اسْتَوْفَيْتَ خَيْرَاتِكَ فِي حَيَاتِكَ وَكَذَلِكَ لِعَازَرُ الْبَلاَيَا. وَالآنَ هُوَ يَتَعَزَّى وَأَنْتَ تَتَعَذَّبُ. (لو١٦: ٢٢-٢٥).

  10. إذن، فنحن حين نغادر هذه الحياة تذهب أرواحنا إلى أحد الموضعين: موضع الراحة الذي أطلق عليه المسيح تسمية (الفردوس) حيث التعزية في محضر الله الآب والرب يسوع المسيح والآباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب والقديسين، أو إلى (الجحيم)، وهو موضع عذاب لكل من هو منفصل ومستقل وبعيد عن الله في حياته على الأرض، فيصير روحاً هائمة مثقَّلة بخطاياها وبشرورها، ومحرومة من التعزية، ومحرومة من محضر الله، وتعيش في ظلمة شديدة أبدية، وتستعيد الذكريات الأليمة البشعة لآثامها، كما يقول الرب يسوع في (مثل الوزنات) في إنجيل"متى":٣٠وَﭐلْعَبْدُ الْبَطَّالُ اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. (مت٢٥:٣٠( و(لو١٣:٢٨(.

    ويتحدث الكتاب المقدس أيضاً عن مكان آخر أطلق عليه اسم (بيت الآب)، حيث يخبر الرب يسوع المسيح التلاميذ الاثني عشر أنه "سيذهب ليُعد لهم مكاناً ومتى أعده سيأتي ويأخذهم إليه ليكونوا معاً"، كما جاء في إنجيل "يوحنا":١«لاَ تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ. أَنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ فَآمِنُوا بِي. ٢فِي بَيْتِ أَبِي مَنَازِلُ كَثِيرَةٌ وَإِلاَّ فَإِنِّي كُنْتُ قَدْ قُلْتُ لَكُمْ. أَنَا أَمْضِي لأُعِدَّ لَكُمْ مَكَاناً ٣وَإِنْ مَضَيْتُ وَأَعْدَدْتُ لَكُمْ مَكَاناً آتِي أَيْضاً وَآخُذُكُمْ إِلَيَّ حَتَّى حَيْثُ أَكُونُ أَنَا تَكُونُونَ أَنْتُمْ أَيْضاً ٤وَتَعْلَمُونَ حَيْثُ أَنَا أَذْهَبُ وَتَعْلَمُونَ الطَّرِيقَ». (يو١٤: (٤-١، ويخبرنا الكتاب المقدس أن الرب يسوع المسيح سيأتي في اليوم الأخير ليدين الأحياء والأموات، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "تيموثاوس":١أَنَا أُنَاشِدُكَ إِذاً أَمَامَ اللهِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الْعَتِيدِ أَنْ يَدِينَ الأَحْيَاءَ وَالأَمْوَاتَ، عِنْدَ ظُهُورِهِ وَمَلَكُوتِهِ. (٢تي٤: ١) و(أع١٠: ٤٢).

  11. ويصف بولس الرسول مشهد اليوم الأخير بأننا "سنتغير في لحظة وفي طرفة عين، وسيقوم الأموات عديمي فساد ليكونوا مع الرب يسوع المسيح"، كما جاء في رسالته الأولى إلى "كورنثوس":٥١هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ ٥٢فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. ٥٣لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. (١كو١٥: ٥١-٥٣)، كما أننا سنلبس أجساداً نورانية روحانية، حيث يضيف بولس الرسول عن طبيعة الجسد المقام من الموت: ٤٤يُزْرَعُ جِسْماً حَيَوَانِيّاً وَيُقَامُ جِسْماً رُوحَانِيّاً. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ. (١كو١٥: ٤٤)، وسيعطي البحر الذين ابتلعهم، كما يقول يوحنا الحبيب في سفر "الرؤيا": ١٣وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. (رؤ٢٠: ١٣)، إذن، وسيقوم الناس الذين ماتوا جسدياً وأيضاً روحياً للدينونة لانفصالهم عن الله، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا":٢٨لاَ تَتَعَجَّبُوا مِنْ هَذَا فَإِنَّهُ تَأْتِي سَاعَةٌ فِيهَا يَسْمَعُ جَمِيعُ الَّذِينَ فِي الْقُبُورِ صَوْتَهُ ٢٩فَيَخْرُجُ الَّذِينَ فَعَلُوا الصَّالِحَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الْحَيَاةِ وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَى قِيَامَةِ الدَّيْنُونَةِ. (يو٥: ٢٨-٢٩).

  12. ما هو موقف القديسين الذين أحبُّوا الله وعاشوا معه في شركة وعلاقة دائمة، هل سيقفون هم أيضاً أمام كرسيّ المسيح في اليوم الأخير؟

    نعم، بالتأكيد، سيقفون أمام كرسي المسيح في اليوم الأخير، ليس من أجل الدينونة، كما يقول الرب يسوع في إنجيل يوحنا:١٨اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لَا يُدَانُ، وَٱلَّذِي لَا يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِٱسْمِ ٱبْنِ ٱللهِ ٱلْوَحِيدِ. (يو٣: ١٨)، بل من أجل أن يكافئ المسيح الأبرار بحسب تعبهم فينالوا المكافأة والإكليل، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس":٧إِذاً لَيْسَ الْغَارِسُ شَيْئاً وَلاَ السَّاقِي، بَلِ اللهُ الَّذِي يُنْمِي. ٨وَالْغَارِسُ وَالسَّاقِي هُمَا وَاحِدٌ، وَلَكِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ سَيَأْخُذُ أُجْرَتَهُ بِحَسَبِ تَعَبِهِ. (١كو٣: ٧-٨)، لذلك، فإن نتيجة قبول الإنسان لعمل المسيح في الفداء والخلاص على الصليب هي رفع دينونة خطيَّة عن الإنسان، لأن الرب يسوع قد حمل خطايانا بدلاً منَّا، كما جاء في رسالة بطرس الرسول الأولى:٢٤الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (١بط٢: ٢٤)، فصرنا نستمتع بعلاقة وشركة مع الله، وفي الوقت ذاته، عاش بعض الناس مع الله على الأرض في محبَّة وخدمة وعطاء وبذل وتضحية لأجل الآخرين، والبعض الآخر عاشوا مستمتعين بالشركة والعلاقة مع الله وكانت لهم علاقة طيبة مع الآخرين، لكنَّهم لم يسعوا إلى البذل والعطاء والتضحية للآخرين، إذن، فليس من العدل أن يتساوى الطرفين ويعيشان بنفس المقدار دون تمييز، لذلك، ففي يوم الدينونة "سيكافأ الناس بحسب تعبهم"، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "متى":٢٧فَإِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ سَوْفَ يَأْتِي فِي مَجْدِ أَبِيهِ مَعَ مَلاَئِكَتِهِ وَحِينَئِذٍ يُجَازِي كُلَّ وَاحِدٍ حَسَبَ عَمَلِهِ.(مت١٦: ٢٧)، وكذلك يقول الرب يسوع كما جاء في سفر "الرؤيا":١٢«وَهَا أَنَا آتِي سَرِيعاً وَأُجْرَتِي مَعِي لِأُجَازِيَ كُلَّ وَاحِدٍ كَمَا يَكُونُ عَمَلُهُ.(رؤ٢٢: ١٢).

  13. إذن، فالإنسان ينال الحياة الأبدية يإيمانه بعمل الرب يسوع المسيح في الفداء والخلاص، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": ٨لِأَنَّكُمْ بِٱلنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِٱلْإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ ٱللهِ. (أف٢: ٨)، وبقبوله للبدل مع المسيح، حيث أخذ مكاننا وأعطانا مكانه، كما جاء في رسالة بطرس الرسول الأولى: ٢٤ٱلَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى ٱلْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ ٱلْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. ٱلَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ.(١بط٢: ٢٤)، فقد حمل المسيح خطايانا ورفعت عنَّا لنستعيد العلاقة والشركة مع الله، ولكن هناك مكافأة خاصة لتعب المحبَّة والعطاء والبذل الذي قدمه بعض الناس من أجل الآخرين ومن أجل خلاصهم وربح النفوس ومن أجل الله، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": ١٠لِأَنَّ ٱللهَ لَيْسَ بِظَالِمٍ حَتَّى يَنْسَى عَمَلَكُمْ وَتَعَبَ ٱلْمَحَبَّةِ ٱلَّتِي أَظْهَرْتُمُوهَا نَحْوَ ٱسْمِهِ، إِذْ قَدْ خَدَمْتُمُ ٱلْقِدِّيسِينَ وَتَخْدِمُونَهُمْ (عب٦: ١٠)، وهذا هو العدل الإلهي، وتلك المكافأة قد أطلق عليه الكتاب تسمية (أكاليل)، مثل: (إكليل البر)، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "تيموثاوس":٨ وَأَخِيرًا قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ ٱلْبِرِّ ، ٱلَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذَلِكَ ٱلْيَوْمِ، ٱلرَّبُّ ٱلدَّيَّانُ ٱلْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ ٱلَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضًا. (٢تي٤: ٨)، و(إكليل الحياة)، كما جاء في رسالة "يعقوب":١٢طُوبَى لِلرَّجُلِ ٱلَّذِي يَحْتَمِلُ ٱلتَّجْرِبَةَ، لِأَنَّهُ إِذَا تَزَكَّى يَنَالُ «إِكْلِيلَ ٱلْحَيَاةِ» ٱلَّذِي وَعَدَ بِهِ ٱلرَّبُّ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ. (يع١: ١٢)، و(إكليل المجد)، كما جاء في رسالة بطرس الرسول الأولى: ٤ وَمَتَى ظَهَرَ رَئِيسُ ٱلرُّعَاةِ تَنَالُونَ إِكْلِيلَ ٱلْمَجْدِ ٱلَّذِي لَا ييَبْلَى.١بط٥: ٤)، وهي أسماء لا يسوغ للإنسان أن ينطق بها ولا يتخيلها عقل بشري.

  14. ما هو موقف غير المؤمنين الذين ماتوا جسدياً وذهبوا إلى الجحيم في اليوم الأخير؟

    سيقوم الرب يسوع - الديَّان العادل - بإدانة غير المؤمنين على ما فعلوه من شرور تجاه بعضهم البعض، فالإنسان غير المؤمن يذهب بعد موته الجسدي إلى موضع العذاب أي الجحيم، لأنه اختار أن ينفصل ويستقل عن الله ويبتعد عنه فهو لا يريده، وهذا نتيجة اختياره وقراره الشخصي وموقفه تجاه الله، أما فيما يتعلق بما ارتكبه وفعله في حق الآخرين، مثل قادة الحروب الذين تسببوا في مقتل الآلاف والملايين من البشر، فأولئك لهم دينونة أكبر لأنهم ارتكبوا أعمالاً شريرة، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا": ١٩ وَهَذِهِ هِيَ ٱلدَّيْنُونَةُ: إِنَّ ٱلنُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَأَحَبَّ ٱلنَّاسُ ٱلظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ ٱلنُّورِ، لِأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً.(يو٣: ١٩)، أمَّا البعض من الناس الذين لم يقبلوا الله واختاروا بإرادتهم الانفصال عنه، مع أنهم لم يؤذوا أحداً من الناس، فإنهم مع ذلك يكون مصيرهم العذاب الأبدي في الجحيم بعيدين عن الله ومحرومون من محضره، ولكن حالتهم تختلف عن حالة شخص سفاح وقاتل ومعتدي على النساء، لأنه سيدان بسبب أعماله الشريرة تجاه البشر.

  15. وبذلك، فإنه تبعاً لموقف الإنسان من الله بالقبول أو الرفض يذهب الإنسان إلى أحد الموضعين: (الفردوس أو الجحيم)، فمن كانوا مع الله وقدَّموا التضحية والبذل والعطاء من أجل الله والناس سينالون مكافأة وأكاليل، بينما من اختاروا العيش بعيدين عن الله سيدانون حسب أعمالهم الشريرة التي فعلوها تجاه الآخرين، لذلك، ففي يوم الدين يوم الحساب، فإن حالة البعض من الناس ستكون أكثر احتمالاً من غيرهم، رغم أنهم جميعاً سيكونون في الجحيم، كما يقول الرب يسوع عندما وبَّخ مدن كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم على عدم إيمانهم به في إنجيل "متى": ٢١«وَيْلٌ لَكِ يَا كُورَزِينُ! وَيْلٌ لَكِ يَا بَيْتَ صَيْدَا! لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي صُورَ وَصَيْدَاءَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكُمَا لَتَابَتَا قَدِيماً فِي الْمُسُوحِ وَالرَّمَادِ. ٢٢وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ صُورَ وَصَيْدَاءَ تَكُونُ لَهُمَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكُمَا. ٢٣وَأَنْتِ يَا كَفْرَنَاحُومَ الْمُرْتَفِعَةَ إِلَى السَّمَاءِ سَتُهْبَطِينَ إِلَى الْهَاوِيَةِ. لأَنَّهُ لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ. ٢٤وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ». (مت١١: ٢١-٢٤) و(لو١٠: ١٣-١٥).

  16. هل جميع الخطايا متساوية في نظر الله من حيث طبيعتها وأثرها، أم أن هناك تمييزًا في درجاتها ومسؤولية فاعلها أمام عدالة الله؟

    هناك فرق بين موقف الإنسان تجاه الله وموقف الإنسان تجاه الناس، حيث يتحدد موقف الإنسان تجاه الله من خلال أمرين: من حيث إنه يريده أو لا يريده، فمع الله هو لا يغضب من الإنسان سواء فعل خطايا كثيرة أم قليلة تجاه الله، حيث يتوقف الأمر على إيمان الإنسان به، وأنه يريده ويحبه، ويضع يده في يد الله، ويسلِّم له حياته، ويعيش معه في علاقة وشركة ومُصالحة دائمة أم لا، وبالتالي، فمع الله ليس هناك خطايا كبيرة وخطايا صغيرة، بينما الأمر يختلف تماماً فيما يتعلق بموقف الإنسان تجاه الآخرين من الناس، ففي هذه الحالة تختلف الخطايا في أحجامها وأعدادها، مثل: الزنى، والسرقة، والدمار، والهدم، والاغتصاب، والنصب، وسوف يحاسبون عليه في يوم الدين والدينونة أمام كرسيّ الرب يسوع المسيح، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس":١٠لِأَنَّهُ لَابُدَّ أَنَّنَا جَمِيعًا نُظْهَرُ أَمَامَ كُرْسِيِّ ٱلْمَسِيحِ، لِيَنَالَ كُلُّ وَاحِدٍ مَا كَانَ بِٱلْجَسَدِ بِحَسَبِ مَا صَنَعَ، خَيْرًا كَانَ أَمْ شَرًّا. (٢كو٥: ١٠(، لذلك، فإن عمل وارتكاب الخطايا يحدث فرقاً كبيراً في علاقة الإنسان مع الآخرين من الناس، ولا يحدث فرقاً في علاقة الإنسان مع الله، لذلك، فهناك فرق بين الموضع الذي يذهب إليه الإنسان بعد موته الجسدي وانتهاء حياته على الأرض سواء الفردوس أو الجحيم، وهذا يعبر عن موقف الإنسان تجاه الله، وبين يوم الدين يوم الدينونة يوم الحساب وهذا يعبر عن أعمال الإنسان الشريرة تجاه الناس، بينما يكافأ الأبرار والقديسين وينالون المكافأة والأكاليل من أجل تعب محبَّتهم من أجل الله والناس، بينما يُدان الأشرار حسب خطاياهم وأعمالهم الشريرة تجاه الناس، وتكون حالة البعض من الناس الذين ارتكبوا الخطايا أكثر احتمالاً من حالة البعض الآخر، كما ذكرنا في حالة مُدن كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم. (مت١١: ٢١-٢٤) و(لو١٠: ١٣-١٥).

  17. إذا كان الإنسان بعد الموت يعيش كروح لا كجسد، فكيف قال المسيح إنه لن يشرب من نتاج الكرمة (الخمر) إلا في ملكوت الله؟ هل يعني ذلك أن هناك شربًا ماديًا في العالم الروحي؟

    إن قول الرب يسوع بأنه "لن أشرب من نتاج الكرمة إلَّا عندما أشربه جديداً في ملكوت أبي" هو تعبير مجازي، فعندما نقرأ في إنجيل لوقا أصحاح (٢٢) فهو يتحدث عن أن هذا هو آخر فصح سيأكله مع التلاميذ: ١٤وَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ اتَّكَأَ وَالاِثْنَا عَشَرَ رَسُولاً مَعَهُ ١٥وَقَالَ لَهُمْ: «شَهْوَةً اشْتَهَيْتُ أَنْ آكُلَ هَذَا الْفِصْحَ مَعَكُمْ قَبْلَ أَنْ أَتَأَلَّمَ ١٦لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ آكُلُ مِنْهُ بَعْدُ حَتَّى يُكْمَلَ فِي مَلَكُوتِ اللهِ».(لو٢٢: ١٥-١٦)، والمعنى المقصود هنا (حتى يكتمل في ملكوت الله)، فذلك كان آخر فصح يأكله المسيح مع التلاميذ إلى أن تُكتمل الصورة، ويضيف "لوقا":١٧ثُمَّ تَنَاوَلَ كَأْساً وَشَكَرَ وَقَالَ: «خُذُوا هَذِهِ وَاقْتَسِمُوهَا بَيْنَكُمْ ١٨لأَنِّي أَقُولُ لَكُمْ: إِنِّي لاَ أَشْرَبُ مِنْ نِتَاجِ الْكَرْمَةِ حَتَّى يَأْتِيَ مَلَكُوتُ اللهِ» (لو٢٢: ١٧-١٨)، فليس المقصود أننا سنأكل ونشرب ونتزوج في السماء، فالرب يسوع المسيح يقول: "في السماء لا يزوَّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون كملائكة الله"، كما جاء في إنجيل "متى":٣٠لأَنَّهُمْ فِي الْقِيَامَةِ لاَ يُزَوِّجُونَ وَلاَ يَتَزَوَّجُونَ بَلْ يَكُونُونَ كَمَلاَئِكَةِ اللَّهِ فِي السَّمَاءِ.(مت٢٢:٣٠)، فالملائكة ليس لهم أجساد مادية، وكذلك نحن في السماء.

  18. ويقول بولس الرسول "لحماً ودماً لا يرث ملكوت الله"، كما جاء في رسالته الأولى إلى "كورنثوس":٥٠فَأَقُولُ هَذَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ: إِنَّ لَحْماً وَدَماً لاَ يَقْدِرَانِ أَنْ يَرِثَا مَلَكُوتَ اللهِ وَلاَ يَرِثُ الْفَسَادُ عَدَمَ الْفَسَادِ.(١كو١٥: (٥٠، وقد خصص بولس الرسول فقرة كبيرة في أصحاح (١٥)، ليتحدث عن طبيعة جسد الإنسان بعد القيامة، حيث يقول إن أجسادنا الحالية قابلة للفساد ولكنها ترث عدم فساد، وأننا سنتغير في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، ويلبس الفساد عدم فساد والمائت عدم موت، وكما لبسنا أجساداً حيوانية مادية سنلبس أجساداً روحانية نورانية، كما يقول في رسالته الأولى "إلى كورنثوس":٤٢هَكَذَا أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. ٤٣يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضُعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ.٤٤يُزْرَعُ جِسْماً حَيَوَانِيّاً وَيُقَامُ جِسْماً رُوحَانِيّاً. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ. (١كو١٥: ٤٢-٤٤).

    ثم يضيف بولس في رسالته الأولى إلى "كورنثوس":٥١هُوَذَا سِرٌّ أَقُولُهُ لَكُمْ: لاَ نَرْقُدُ كُلُّنَا، وَلَكِنَّنَا كُلَّنَا نَتَغَيَّرُ ٥٢فِي لَحْظَةٍ فِي طَرْفَةِ عَيْنٍ عِنْدَ الْبُوقِ الأَخِيرِ. فَإِنَّهُ سَيُبَوَّقُ فَيُقَامُ الأَمْوَاتُ عَدِيمِي فَسَادٍ وَنَحْنُ نَتَغَيَّرُ. ٥٣لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. ٥٤وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ». (١كو١٥: ٥١-٥٤)، فنحن سنلبس أجساداً روحانية نورانية لأننا سنعيش في عالم روحي أبدي، ولذلك، يقول يوحنا الحبيب "لأننا سنراه كما هو" في رسالته الأولى:٢أَيُّهَا ٱلْأَحِبَّاءُ، ٱلْآنَ نَحْنُ أَوْلَادُ ٱللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لِأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. (١يو٣: ٢)، فنحن لا نعلم ماذا سيكون شكلنا وهيئتنا، ولكننا بالتأكيد لن نكون كما نحن الآن هنا على الأرض، لأننا سنرى الله بالعيان، ولذلك، ينبغي أن نكون على صورته ومجده، كي نستطيع أن نراه كما هو، وهذا ما نعلمه إلى الآن.

  19. ما الذي يعلنه لنا الكتاب المقدس عن مصير الأرض في اليوم الأخير؟

    يخبرنا بطرس الرسول أنه" ستنحل العناصر محترقة بنار"، كما جاء في رسالته الثانية:١٠وَلَكِنْ سَيَأْتِي كَلِصٍّ فِي اللَّيْلِ، يَوْمُ الرَّبِّ، الَّذِي فِيهِ تَزُولُ السَّمَاوَاتُ بِضَجِيجٍ، وَتَنْحَلُّ الْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً، وَتَحْتَرِقُ الأَرْضُ وَالْمَصْنُوعَاتُ الَّتِي فِيهَا. ١١فَبِمَا أَنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَنْحَلُّ، أَيَّ أُنَاسٍ يَجِبُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ فِي سِيرَةٍ مُقَدَّسَةٍ وَتَقْوَى؟ ١٢مُنْتَظِرِينَ وَطَالِبِينَ سُرْعَةَ مَجِيءِ يَوْمِ الرَّبِّ، الَّذِي بِهِ تَنْحَلُّ السَّمَاوَاتُ مُلْتَهِبَةً، وَالْعَنَاصِرُ مُحْتَرِقَةً تَذُوبُ. ١٣وَلَكِنَّنَا بِحَسَبِ وَعْدِهِ نَنْتَظِرُ سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، يَسْكُنُ فِيهَا الْبِرُّ.(٢بط٣: ١٠-١٣)، وهذا قبل اكتشاف انقسام الذرَّة وتفتتها، حيث يصف بطرس الرسول تفتت الذرَّة، فالعنصر سينحل مُحترقاً بنار، وهو مشهد يمثل احتراق قنبلة ذرَّية، حيث تنحل العناصر وتتحول إلى طاقة وتفقد معنى وجودها، فهذا العالم المادي سيحترق بنار، وستنحل العناصر جميعها، وتزول السماوات الأرض، ويصبح هناك سماوات جديدة وأرض جديدة يسكن فيها البِرّ، ولكنها ليست مادية، لأن بولس الرسول يتحدث عن الفاسد الذي سيلبس عدم فساد والمائت الذي سيلبس عدم موت، ويتحدث أيضاً عن أجساد نورانية روحانية بديلاً عن الأجساد المادية الحيوانية.(١كو١٥: ٤٢-٥٠).

  20. فالله روح، ونحن نريد أن نعيش معه في عالمه الروحي الأبدي، ونستمتع بمحضره وجهاً لوجه، فالله هو أجمل ما في السماء، لأن أجمل الأشياء التي يستمتع بها الإنسان المؤمن على الأرض هي علاقته بالله، فالسماء ما هي إلا علاقة الإنسان المؤمن الأبدية بالله، ورؤيته له بالعيان والاستماع إليه، وأن يوجد في محضره وينبهر به، فالذي ليس له علاقة مع الله أثناء حياته الأرضية لا يمكن أن يُدرك ويفهم هذه المشاعر، لأنه ميِّت روحياً، والسعادة بالنسبة له هي مجرَّد طعام وشراب وعلاقات جنسية، لذلك، يرغب فقط في أن تكون السماء على هذا النحو، كما اعتاد هو في حياته الأرضية، فذلك العالم الأبدي الذي يمثل اللازمن واللانهاية لا يمكن أن يوجد إلَّا في عالم روحي مطلق، في علاقة أبدية مع خالق هذا الوجود مع الله ذاته، فالسماء هي الله.

    اختار آدم وحواء الانفصال عن الله بكسر الوصيَّة والقانون الإلهي بالأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، فلماذا تتحمل الأجيال التالية من البشر جميعهم مسؤولية خطيَّة آدم وحواء، دون أن يكون لنا حرية الاختيار كما كان لهما؟ وهل يتعارض ذلك مع عدل الله؟

  21. عند محاولة تطبيق هذا الرأي عملياً لا يمكن حدوثه، فلا يمكن أن يتم صُنع جنة لكل شخص يولد ليعيش بها ويتم إعادة المشهد ذاته ويُسمح له بحرية الاختيار، فلنا أن نتخيل عدد الجنات المطلوبة لتحقيق ذلك الأمر، فهذه النظرية غير قابلة للتطبيق عملياً، فمن المستحيل أن كل شخص يولد ويأتي إلى هذا العالم يُعطى نفس الفرصة التي أعطيت لكل من آدم وحواء للاختيار الحر، ونضعه في جنة مستقلة وحده، ليجتاز التجربة وينجح أو يسقط، إذن، فهذه الفكرة عملياً غير ممكنة وغير قابلة للتطبيق وغير صحيحة على الإطلاق.

    والسؤال المطروح: هل الله بظالم لأنه أعطى الفرصة لآدم وحواء حصرياً دون أن يعطيها لبقية البشر من الأجيال التالية لهما؟ والإجابة هي أن الله ليس بظالم، ولنقرأ سوياً في الكتاب المقدس لنعرف كيف تحدث عن هذا الموضوع، حيث يقول بولس الرسول أنه "بإنسان واحد دخلت خطيَّة إلى العالم"، كما جاء في رسالته إلى "رومية": ١٢مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ ٱلْخَطِيَّةُ إِلَى ٱلْعَالَمِ، وَبِٱلْخَطِيَّةِ ٱلْمَوْتُ، وَهَكَذَا ٱجْتَازَ ٱلْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ ٱلنَّاسِ، إِذْ أَخْطَأَ ٱلْجَمِيعُ.(رو٥: ١٢)، وهذا الإنسان الواحد ممثلاً في آدم وحواء معاً، كما يخبرنا سفر "التكوين": ٢٤لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.(تك٢: ٢٤) و(مت١٩: ٥-٦) و(مر١٠: ٧-٩)، ويرى بعض الناس أننا كنا بالفعل ممثلين جميعاً في شخص آدم وحواء، وقد فعلا ما كنا سوف نفعله، فهما يمثلانا جميعاً.

  22. أما فيما يتعلق بالسؤال الخاص عن سبب تحمل الأجيال التالية من البشر لمسؤولية خطيَّة آدم وحواء واختيارهم الانفصال عن الله، رغم أننا لم نكن ممثلين في شخص آدم وحواء، فالكتاب المقدس بالفعل لم يذكر أننا كنا ممثلين في شخص آدم وحواء، وكما اتفقنا فإن "أجرة (نتيجة) الخطيَّة هي موت"، وليس عقاب الخطيَّة موت، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢٣لِأَنَّ أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ ٱللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو٦: ٢٣)، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع"، فليس أدم وحده من أخطأ، فقد نال كل إنسان فرصة للاختيار، وقد اختار خطيَّة والانفصال عن الله، مع الفارق في أن فرصة آدم وحواء كانت أفضل بكثير من فرصنا جميعاً، إذ لم يكن هناك وجود للخطيَّة في ذلك الوقت، ولكننا نظل غير متساوين في طبيعة الفرصة، لأننا قد ولدنا خارج جنة عدن، ولم نكن نعيش في محضر الله، بل صرنا بعيدين عن الله، وعلينا أن نعود إليه، بينما آدم عندما خلقه الله خلقه في علاقة وشركة معه، فكان من السهل عليه أن يظل في علاقة مع الله، مقارنة بمن هم خارج العلاقة والشركة مع الله مثلنا جميعاً.

  23. وهذا بدوره يُعيدنا إلى عمل الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح، فالله قد صنع الفداء ليعطينا فرصة متكافئة مرَّة أخرى وذلك لجميع البشر، لذلك، قرر الله أن ينزل بنفسه إلى الأرض ليفتدينا، فجعل الطريق ممهداً للعودة، وكل ما علينا فعله هو أن نصدِّق ونؤمن ونقبل عمل الفداء والبدل، ونقيم عهداً مع الرب يسوع المسيح لننال النجاة والخلاص والحياة الأبدية، فمن خلال عمل الرب يسوع المسيح على الصليب صار الخلاص أكثر سهولة من حالة آدم وحواء، وجعل العلاقة والشركة أكثر قوة وحميمية مع الله مما كان عليه آدم وحواء مع الله، فالإنسان المؤمن يستطيع اليوم أن يمتلئ من الروح القدس، وصار من حقه أن يرى رؤى، كما جاء في سفر "يوئيل": ٢٨«وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَماً وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. (يؤ٢: ٢٨)، وقد تحققت هذه النبوَّة في يوم الخمسين، كما جاء في سفر "أعمال الرسل":١ وَلَمَّا حَضَرَ يَوْمُ الْخَمْسِينَ كَانَ الْجَمِيعُ مَعاً بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ ٢وَصَارَ بَغْتَةً مِنَ السَّمَاءِ صَوْتٌ كَمَا مِنْ هُبُوبِ رِيحٍ عَاصِفَةٍ وَمَلأَ كُلَّ الْبَيْتِ حَيْثُ كَانُوا جَالِسِينَ ٣وَظَهَرَتْ لَهُمْ أَلْسِنَةٌ مُنْقَسِمَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نَارٍ وَاسْتَقَرَّتْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ. ٤وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا.(أع٢: ١-٤)، فلم يعد من حق الإنسان أن يسير ويتحدث قليلاً مع الله ويتبادلان التحية فحسب، كما كان يفعل آدم وحواء في جنة عدن، بل أيضاً يستطيع الإنسان المؤمن أن يدخل إلى أعماق الله، فنحن نعيش لفترة قصيرة هنا على الأرض (حوالي سبعين سنة)، وبعد الانتقال إلى العالم الروحي الأبدي نكون في محضر الله، لنوجد معه في عرشه ومجده إلى أبد الآبدين، فالفداء الإلهي لم يقتصر على إصلاح ما أفسده كل من آدم وحواء بسقوطهما في الخطيَّة، ولم يكتفِ بتمهيد طريق العودة إلى الله فحسب، بل أيضاً أعطانا امتيازاً فائقاً: أن نعيش في شركة وعلاقة أبدية مع الله في عالمه الروحي، حيث كانت خطة الله أن يعيش آدم وحواء على الأرض للأبد، فكل ما هو مطلوب من الإنسان أن يقبل عمل المسيح الخلاصي، الذي فيه أخذ مكاننا وأعطانا مكانه، فيما يُعرف بـ البدل أو البدلية.

  24. هل البشر ورثوا خطيَّة آدم وحواء، خاصة وأننا قد نشأنا على تعليم كتابي يقول: ٥هَأَنَذَا بِٱلْإِثْمِ صُوِّرْتُ، وَبِٱلْخَطِيَّةِ حَبِلَتْ بِي أُمِّي. (مز٥١: ٥)، فهل هذا يعني أننا نحمل في طبيعتنا البشرية آثار السقوط ونتائجه منذ الولادة؟

    ليس صحيحاً، فبعض الناس يعتقدون خطأ أن الإنسان يُولد حاملاً خطيَّة في جيناته الوراثية، وأن إحدى الجينات الوراثية يُطلق عليها تسمية خطيَّة آدم، فحين تمّ فكّ شيفرة الجينات الوراثية للإنسان، لم يُكتشف فيها ما يشير إلى وجود خطيَّة موروثة بيولوجيًا، ولا ما يُثبت أن الميل الجنسي المثلي مثلًا مسجّل وراثيًا في إحدى الجينات، أو أن هذا الشخص لديه جنسية مثلية، بينما ذاك الشخص لديه جنسية غير مثلية، وفي الحقيقة هي عبارة عن اضطرابات نفسية، فلا توجد جينات وراثية أخلاقية، والجينات Genes هي التي تحمل المعلومات التي تحدد الصفات الوراثية للإنسان، وهي مصنوعة من الحمض النووي DNA، وتوجد داخل الكروموسومات Chromosomesالموجودة داخل نواة الخلية Nucleus، فالإنسان يحتوي على بلايين الخلايا، مثل: خلايا العيون، والأذن، والعظام، والأعصاب، والعضلات، والأمعاء، ويختلف شكل الخلية بينما تظل النواة واحدة، والكروموسومات هي الخيوط التي تحمل الجينات الوراثية أي البصمة الوراثية الخاصة بكل إنسان، وهي المعادلات التي تحمل تفاصيل الإنسان، مثل: الطول، والعرض، ولون العينين، ولون الشعر، موضوعة في شكل كود Code أي شيفرة داخل الكروموسومات.

  25. وهذا يثبت بلا أدنى شك وجود الله الخالق، وبالتالي، لا يوجد جين وراثي مسؤول عن الخطيَّة أوالأخلاق، فعلى سبيل المثال، إذا كان والد أحد الأبناء لصاً، وصار الابن لصاً كأبيه فيما بعد، فلا يعني ذلك وجود جين وراثي مسؤول عن السرقة مثلاً، بل إن العوامل الأخرى، مثل: التربية، والأخلاق، والبيئة الاجتماعية المُحيطة بالابن هي التي جعلته لصاً مثل أبيه، أما الطباع، مثل كون الإنسان هادئاً أو عصبياً، فليس لها علاقة بالأخلاق ولا ترتبط بها، فكم من أشخاص يتّسمون بالهدوء لكن أخلاقهم سيئة للغاية، وفي المقابل قد نجد أشخاصاً عصبيين يتمتعون بأخلاق نبيلة وحميدة، ولذلك، لا توجد جينات مسؤولة عن الأخلاق؛ فالسلوك الأخلاقي ليس موروثًا بيولوجيًا، بل هو نتيجة لاختيارات الإنسان الواعية المكتسبة والتي يقررها بنفسه، فلا يوجد جين مسؤول عن الأنانية أو الكبرياء، فهذه صفات مكتسبة من خلال قرارات وسلوكيات الإنسان في الحياة، وهي تشكل بدورها الشخصية المكتسبة التي يبنيها للإنسان بعد ولادته، لذلك، فعندما يُولد الإنسان فإنه يُولد في عالم ساقط بعيداً عن محضر الرب، لأن فرصة بقية البشر تختلف عن فرصة كل من آدم وحواء، اللذين عاشا في محضر الرب، ولذلك أراد الله أن يُعطينا فرصة متكافئة ويعيدنا مرة أخرى إلى محضره، لينقذنا من الهلاك والضياع والموت الروحي الأبدي، لأن "الله لا يُسَرّ بموت الشرير، بل أن يرجع الشرير عن طرقه فيحيا"، كما جاء في سفر "حزقيال": ١١قُلْ لَهُمْ: حَيٌّ أَنَا، يَقُولُ ٱلسَّيِّدُ ٱلرَّبُّ، إِنِّي لَا أُسَرُّ بِمَوْتِ ٱلشِّرِّيرِ، بَلْ بِأَنْ يَرْجِعَ ٱلشِّرِّيرُ عَنْ طَرِيقِهِ وَيَحْيَا. اِرْجِعُوا، ٱرْجِعُوا عَنْ طُرُقِكُمُ ٱلرَّدِيئَةِ! فَلِمَاذَا تَمُوتُونَ يَا بَيْتَ إِسْرَائِيلَ؟ (حز٣٣: ١١)، فالله من أجل محبَّته العظيمة لم يترك الإنسان لمصيره المظلم الأبدي في الجحيم، بل أراد أن ينقذه بنفسه، لذلك، كان من الضروري تجسد الله في شخص الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا":١٦لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.(يو٣: ١٦)، وبالتالي، فإن خطيَّة آدم وحواء غير متوارثة عبر الأجيال التالية لهما، بل لها تأثير على حياة الإنسان بسبب أنه صار بعيداً عن محضر الرب، حيث سيُولد كل إنسان بعيداً عنه في هذا العالم.

  26. هل يمكننا أن نفترض، ولو نظرياً، أنه لو وُضع أحدنا في موضع آدم وحواء، لربما لم يكن ليختار السقوط في الخطيَّة أو كسر الوصيَّة والقانون الإلهي؟

    نعم ممكن، فإن وجود مبدأ حرية الاختيار وحرية الارادة يجعل نسبة الاحتمالات متساوية ٥٠% لكل احتمال سواء أكان نعم أو لا، فعلى سبيل المثال، لو ذهب أحد الأشخاص للإدلاء بصوته في استفتاء شعبي أو انتخابات عامة بالدولة، إذن، سيكون هناك احتمالان وهما أن يصوِّت بـ نعم أو يصوِّت بـ لا، وهو ما يُعادل نسبة ٥٠% لكل منهما، ولكن قد يتضح أن ٧٠% من الناس أيدوا رأياً ما، بينما ٣٠% اختاروا الرأي الآخر، لأن عددًا أكبر كان مقتنعًا بالاتجاه الأول، لكن السؤال يظل مطروحًا: هل كان يمكن لشخص آخر غير آدم أن يتخذ قرارًا مختلفًا ؟ والإجابة هي نعم، كان من الممكن أن يختار غير ما اختاره آدم، ومع ذلك، فإن احتمالية دخول الخطيَّة إلى العالم كانت ستظل قائمة، لأن كل من يأتي بعده يمتلك الإرادة الحرة ذاتها، وكان من الممكن أن يسقط أيضاً، وبالتالي، ليس هناك احتمالية شبهة ظلم في ذلك الأمر، بحجة أننا لم نعطى الفرصة ذاتها للاختيار الحر، بالإضافة إلى أن الله قد قام بعمل الفداء في شخص الرب يسوع المسيح ليُعطي لنا فرصة أخرى للعودة إلى الشركة والعلاقة معه كما كان أدم وحواء قبل سقوطهما في خطيَّة، ولذلك، فلا مبرر لهذا السؤال نتيجة عمل الرب يسوع المسيح على الصليب.

  27. هل يُفهم من قول بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية": فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضاً. (غلاطية٦: ٧ب)، أن سلوك الإنسان سواء بحسب الجسد أو بحسب الروح يعود عليه بنتائج حتمية؟ وهل ينطبق هذا المبدأ أيضاً في حالة ارتكاب خطيَّة تجاه الآخرين، بحيث يتأذى فاعلها بالمثل في حياته الأرضية، أم يكون له عذاب أبدي فحسب دون تبعات زمنية؟

    هذه إحدى القوانين الإلهية المطلقة بيولوجياً وروحياً، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية": ٧ لاَ تَضِلُّوا! اللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضاً. ٨ لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً.٩ فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. (غلاطية٦: ٧-٩)، وهذا القانون موجود في مجال الزراعة، فمن يزرع قمحاً يحصد قمحاً أيضاً وليس بطاطس، ومن يزرع عنباً يحصد عنباً وليس ثمر المانجو، ويخبرنا بولس الرسول أن لهذا القانون معنى روحي، فما يزرعه الإنسان يحصده أيضاً، ولكن كثيراً ما يؤثر الإنسان فيمن حوله من الناس، والعكس صحيح، فكثيراً ما يؤثر المحيطون بالإنسان فيه أيضاً، فقد يؤذي الإنسان شخصاً آخر، وذلك الشخص الآخر هو الذي يحصد، فعلى المستوى الروحي، في علاقة الإنسان مع الله حيث آمن به، وقِبل أن يعيش معه في شركة وعلاقة محبَّة، وكذلك آمن بالرب يسوع المسيح وقِبل فداءه على الصليب، فإنه سيحصد ما زرعه من إيمان وقبول للرب وعمله، والحصاد هو نتاج الفداء والبدالية من بِرّ وغفران وقداسة ومُصالحة وبنوَّة لله، أمَّا إذا رفض الإنسان الإيمان بالله، وأخبره أنه "بمعرفة طرقك لا أُسر"، كما جاء في سفر "أيوب": ١٤فَيَقُولُونَ لِلهِ: ٱبْعُدْ عَنَّا، وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لَا نُسَرُّ. (أي٢١: ١٤)، فإنه سيحصد ما زرعه من دينونة وبُعد وحرمان أبديّ من محضر الرب، وبالنسبة لعلاقة الإنسان بالآخرين، فإذا زرع الإنسان في علاقاته الإنسانية محبة ومودة تجاه الآخرين، سيحصد محبة متبادلة من الناس، ولكن ليس من جميع الناس، وكلما أحب الإنسان أكبر عدد من الناس، سيبادله أولئك الناس المحبة، ولكن أيضاً ليس جميع الناس، فالرب يسوع المسيح أحب الناس جميعاً، ولكن أحبه البعض منهم، وأبغضه الكثيرون، حيث طالب الكثير من الشعب بصلب المسيح تماشياً مع رغبة رؤساء الكهنة.

  28. إذن، هذا القانون، في علاقة الإنسان مع الله، هو قانون مطلق وصحيح، فلا أحد يستطيع أن يتدخل ويفسد علاقة الإنسان مع الله، فالزرع والحصاد مع الله يتم وفقاً للقانون الإلهي المطلق، أمَّا فيما يتعلق بعلاقة الإنسان بالآخرين، فإن هذا القانون يعتبر صحيحاً بشكل عام، ولكنَّه ليس صحيحاً دائماً من جهة الآخرين، فكلما أحب الإنسان الآخرين أحبوه كنتيجة لمحبته لهم، وقد يحب الإنسان الآخرين ولا يبادلوه المحبة ذاتها، لأن لهم أيضاً زرع وحصاد، فقد يشعرون بالغيرة منه، ويقابلوا محبته بأعمال شريرة، فليس هذا من نتاج محبته للآخرين، ولكن قد يكون لدى الآخرين معاناة من مشكلات وأزمات نفسية، وبالتالي، فمن الممكن أن يكونوا مصدراً للأذى، ولكن في جميع الأحوال، فإن الإنسان الذي زرع المحبة يجني أيضاً ثمرها، حتى وإن لم يبادله الناس تلك المحبة، حيث يجني سلام، وفرح، وأمان، وراحة، لأن قلبه نقي وطاهر، ويشعر بالرضى عن نفسه، أما في الحالة الأخرى، فحين يزرع الإنسان كراهية سيحصد كراهية، حتى وإن لم يبادله الناس تلك الكراهية، ويشعر دائماً بالانزعاج، والكآبة، والخوف، وعدم الراحة، إذ إنه وفقاُ للقانون الإلهي المطلق، الذي ينفذ نفسه بنفسه، فقد يكون الإنسان مصدراً لعون وإنقاذ الآخرين فيصلي من أجلهم ويباركهم، أو قد يكون مصدراً لأذى الآخرين والنيل منهم بشتى الطرق، لأننا نؤثر في بعضنا البعض تأثيراً كبيراً.

اعرِضها كقائد مجموعة — الدرس نفسه، بإعدادٍ للّقاء

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ١٥ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً