أسئلة عن الفداء (٢)
من حقك نفهم
أسئلة عن الفداء (٢)
تحدثنا سابقًا عن خطيَّة آدم وحواء وانكسار العلاقة مع الله، وأن الموت الروحي هو نتيجة الخطيَّة لا عقوبتها. وفي هذه الحلقة نناقش عمل الفداء لإصلاح ما فسد. لكن يبقى سؤال طرحناه: كيف نفهم وحدة المحبَّة بين الإنسان والله، مع أن الله عظيم، ومتعالٍ، والإنسان ضعيف، ومحدود؟ فهل يعني ذلك رفع الإنسان لمستوى الله، أم خفض جلال الله إلى مستوى الإنسان؟
في البداية يجب أن ننتبه إلى وجود فارق كبير بين الكائن اللامحدود والكائن المحدود، فالله شخص غير محدود، وطبيعته روحية لا تحتوي على مادة على الإطلاق، الله كائن روحي لا نهائي، بينما الإنسان كائن محدود Finite لأنه مخلوق، لكنه كائن روحي لأن به روح من الله وليس روح الله، فالله قد أعطانا روحاً، كما جاء في سفر "التكوين": ٧وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ تُرَاباً مِنَ الأَرْضِ وَنَفَخَ فِي أَنْفِهِ نَسَمَةَ حَيَاةٍ. فَصَارَ آدَمُ نَفْساً حَيَّةً. (تك٢: (٧، والانسان مخلوق على صورة الله، كما يخبرنا السفر ذاته: ٢٧فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك١:(٢٧، ويؤكد سفر "أيوب" هذا المعنى بقوله: ٤رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي. (أي٣٣: (٤، ونقرأ في سفر "زكريا": ١وَحْيُ كَلاَمِ الرَّبِّ عَلَى إِسْرَائِيلَ. يَقُولُ الرَّبُّ بَاسِطُ السَّمَاوَاتِ وَمُؤَسِّسُ الأَرْضِ وَجَابِلُ رُوحِ الإِنْسَانِ فِي دَاخِلِهِ. (زك١٢: (١، فوجود الروح بداخل الإنسان هو ما يميَّزه عن الحيوان، ولذلك، فنحن البشر كائنات خالدة، لأن الروح تخلد بعد الموت حيث تعود إلى خالقها، ويخبرنا سليمان في سفر "الجامعة": ٧فَيَرْجِعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ وَتَرْجِعُ الرُّوحُ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهَا. (جا١٢: (٧، بينما الحيوان كائن بيولوجي (كائن حي) لكنَّه من تراب فقط، كما ورد في سفر "التكوين": ٢٤وَقَالَ اللهُ: «لِتُخْرِجِ الأَرْضُ ذَوَاتِ أَنْفُسٍ حَيَّةٍ كَجِنْسِهَا: بَهَائِمَ وَمَا يَدِبُّ وَوُحُوشَ أَرْضٍ كَأَجْنَاسِهَا». وَكَانَ كَذَلِكَ. ٢٥فَعَمِلَ اللهُ وُحُوشَ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا وَالْبَهَائِمَ كَأَجْنَاسِهَا وَجَمِيعَ دَبَّابَاتِ الأَرْضِ كَأَجْنَاسِهَا. وَرَأَى اللهُ ذَلِكَ أَنَّهُ حَسَنٌ. (تك١: (٢٥-٢٤، لذلك، فعندما يموت الحيوان يعود ثانية إلى التراب، فليس له صفة الخلود، فهو كائن وقتي زمني، فلا وجود لحيوانات مثل: الكلب أو الدب في السماء، بل الملائكة وأجناد السماوات.
إن المحبة تربط بين الإنسان والله، لأن "الله محبَّة"، كما يقول يوحنا في رسالته الأولى: ٨وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ الله، لِأَنَّ الله مَحَبَّةٌ) .١يو٤: (٨، فالكمال هو المحبَّة، ولا يمكن أن يكون الكمال هو الأنانية، التي هي نقيض المحبَّة، فالمحبَّة هي أسمي قيمة في كل ما هو أخلاقي وأدبي، والمحبَّة هي أن يريد الإنسان الخير للآخر ويعطيه الخير، وأن يضحِّي من أجله، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية": ٩فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. ١٠فَإِذاً حَسْبَمَا لَنَا فُرْصَةٌ فَلْنَعْمَلِ الْخَيْرَ لِلْجَمِيعِ، وَلاَ سِيَّمَا لأَهْلِ الإِيمَانِ.(غل٦: (١٧، فالمُحب يشتاق إلى التوحُّد بمن يحب ليكون بجواره ومعه دائماً، فعلى سبيل المثال، فالرجل الذي يحب امرأة يذهب للزواج منها، والوالدان اللذان يحبان ابنهما (أو ابنتهما) يربيانه في حضنهما ويحملانه على أكتافهما، فالحب هو علاقة التصاق بين طرفين، وأعمق علاقة إنسانية هي علاقة الزواج بين الزوج والزوجة، حيث يحب الرجل امرأته وتحب المرأة رجلها فيلتصقا معاً فيصيرا الاثنان جسداً واحداً، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٤لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً. (تك٢: (٢٤، فالرجل والمرأة محدودان في كيانهما الجسدي وعندما يتحداًن يصيران جسداً واحداً، ولكن الله روح وليس جسد، لذلك، فعندما يحب الإنسان الله فإنه يحبه بقلبه وليس بجسده، وعندما يتواصل الإنسان مع الله ويعبده فإنه يعبده بروحه وليس بجسده، حيث يقول الرب يسوع المسيح للمرأة السامرية: ٢٣وَلَكِنْ تَأْتِي سَاعَةٌ وَهِيَ الآنَ حِينَ السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ لأَنَّ الآبَ طَالِبٌ مِثْلَ هَؤُلاَءِ السَّاجِدِينَ لَهُ. ٢٤اَللَّهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا». (يو٤: (٢٤-٢٣، وبما أن الله روح فلا فرق لديه إذا رفع الإنسان المؤمن يديه إلى فوق أو ضمَّهما إلى صدره، أو إذا كان راكعاً أو واقفاً أثناء الصلاة والعبادة، لأن هذه مجرد تعبيرات جسدية بشرية لا تُحدث فرقاً لدى الله لأنه ليس جسداً بل روح، ولكن الله لا يحتاج أن يسجد له الإنسان المؤمن بالجسد، ولكن قد يحتاج الإنسان إلى مزيد من الخشوع إلى الله، لذلك، فهو يستخدم الركوع على الركبتين، وهذا يعبر عن التواضع أمام الله، ويمثل تعبيراً جسدياً عمَّا في قلب الإنسان تجاه الله، وقد يستطيع الإنسان التواضع أمام الله دون ركوع، وقد يركع الإنسان وهو في منتهى الكبرياء والتعالي، فهذا الأمر يخص الإنسان وليس الله، لأن ذلك لا يُحدث فرقاً لديه، فالله روح والعبادة والسجود لله هي أمور روحية.
فعندما يدخل الإنسان في شركة وعلاقة محبَّة مع الله، يحدث التصاق والتحام بينه وبين الله على مستوى الروح، حيث يحدث لقاء وتواصل بين الله الكائن اللانهائي اللامحدود والإنسان المحدود في طبيعتهما الروحية المشتركة، ولهذا السبب، تحيا روح الإنسان عندما يتواصل مع الله ويتلامس روحياً مع الروح الإلهية، فالروح تستنير ويضيئ مصباحها، كما جاء في سفر "إشعياء": ١قُومِي اسْتَنِيرِي لأَنَّهُ قَدْ جَاءَ نُورُكِ وَمَجْدُ الرَّبِّ أَشْرَقَ عَلَيْكِ. (إش٦٠: (١، ويقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": ١٢ثُمَّ كَلَّمَهُمْ يَسُوعُ أَيْضاً قَائِلاً: «أَنَا هُوَ نُورُ الْعَالَمِ. مَنْ يَتْبَعْنِي فلاَ يَمْشِي فِي الظُّلْمَةِ، بَلْ يَكُونُ لَهُ نُورُ الْحَيَاةِ». (يو٨: (١٢و(يو١: (٩، ولكن عندما تنفصل روح الإنسان عن الله ينطفئ النور، فالخطيَّة هي الانفصال عن الله التي تنتج موتاً، فقد مات آدم وحواء روحياً وليس جسدياً عندما أكلا من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، ثم ماتا أدبياً وأخلاقياً وأخيراً ماتاً جسدياً وبدنياً، وهذه هي المراحل الثلاث للموت والانفصال عن الله، إذن، فإن علاقة المحبَّة مع الله تتمثل في تواصل الإنسان مع الله، وليس في أن يعمل الانسان أعمالاً حسنة يريدها الله ليشعر الله بالسعادة تجاه الإنسان كما يظن بعض الناس، فهذه ليست علاقة محبَّة، بل كخادم يتلقى أوامر من صاحب المنزل ليفعلها ويقوم بها، فليست علاقة الإنسان بالله عبارة عن علاقة بين خادم أو عبد وبين الله الذي يصدر له الأوامر فيفعلها، لأن الكتاب المقدس كلمة الله لا تخبرنا بذلك على الإطلاق.
هل تَقوم علاقة الله بالإنسان على العطاء من جانب واحد، بحيث يكون الله دائمًا هو المُعطي والإنسان مُجرَّد مُستقبِل دون أن يكون له أي دور؟
نعم، يقتصر دور الإنسان في كونه مُستقبِلاً ومتلقياً، حيث إن الإنسان لا يستطيع أن يضيف إلى الله الكامل في ذاته، فعندما يدخل الإنسان في علاقة محبَّة مع الله يكون الإنسان هو الطرف المستفيد وليس الله، في حين يتلذَّذ ويبتهج الله بعلاقته بالإنسان، الذي خلقه على صورته وشبهه، كما جاء في سفر "صفنيا": ١٧الرَّبُّ إِلَهُكِ فِي وَسَطِكِ جَبَّارٌ يُخَلِّصُ. يَبْتَهِجُ بِكِ فَرَحاً. يَسْكُتُ فِي مَحَبَّتِهِ. يَبْتَهِجُ بِكِ بِتَرَنُّمٍ». (صف٣: (١٧، فالله كائن غير محدود ولانهائي ومكتفي في ذاته، وعندما يخلق الإنسان لا يمثل ذلك إضافة إليه، فتكون النتيجة أنه يظل لانهائياً أيضاً، ( ١ )، فلو كان خلق الله للإنسان قد أضاف لله شيئاً جديداً لكان الله غير كامل، إذ لم تضيف علاقة الله بالإنسان شيئاً جديداً لم يكن لديه ولم يتصف به، لأن لديه علاقة محبَّة وشبع في ذاته داخل الدائرة الإلهية، التي هي الثالوث المقدس: (الآب والابن والروح القدس)، فالإنسان هو من يحتاج إلى العلاقة مع الله وليس العكس، فعندما يحب الإنسان الله فهو يستمتع ويتلذذ به، لأن محبَّة الإنسان لله تجعله يستقبل محبَّة الله له، كما يقول داود في سفر "المزامير": ٤وَتَلَذَّذْ بِٱلرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. (مز٣٧: (٤، فعندما يتحدث الإنسان إلى الله فإنه يستمتع بذلك ويستمتع أكثر حين يستمع الله للإنسان ويجيبه ويتحدث إليه، وهذا عكس ما يعتقده بعض الناس من أن الله لا يجيب الإنسان، لأنه لا يمتلك علاقة مع الله، بل كل ما يفعله الإنسان هو أنه يطلب ويستجيب الله لطلبات الإنسان فقط، فهذه ليست علاقة على الإطلاق، فالله كائن حي خلق الإنسان على صورته وشبهه من أجل أن يكون بينه وبين الإنسان علاقة محبَّة وشركة دائمة أبديَّة، وهذا ما رأيناه في قصة (آدم وحواء)، حيث كان الله يأتي ليزورهم عند هبوب الريح ليطمئن عليهما (تك٣: (٩-٨ويتحدث إليهما ويسألهما عن أحوالهما.
هل يصح أن نتحدّث عن الله بهذه البساطة، ونحن نتكلّم عن خالق الكون، ثم نتصوّره يتجوّل مع آدم وحواء ويحادثهما كأنه يقول: "كيف حالك يا آدم"؟
ليس المقصود أن الله يتجوَّل بمعنى أنه يسير على رجليه، بل يدخل إلى عالم الإنسان المحدود ليتعامل معه، فيضم الله الإنسان إلى عالمه غير المحدود واللانهائي، فالأبدية هي عالم غير محدود، فالله يفعل ذلك لأنه يحب الإنسان الذي خلقه على صورته، فعلى سبيل المثال، هناك أب أنجب طفلاً صغيراً لا يستطيع التكلُّم ولا السير بعد، فعندما يتبوَّل على نفسه، فحينها ينحني الأب نحوه بحنان ويحمله ويقوم بتنظيفه وتغيير ملابسه المبتلَّة، فالكبير هو الذي ينزل لمستوى الصغير كي يستطيع التعامل معه، وهذا لا يقلل من شأن وقدر الكبير ولا يغيِّر منه، بل على العكس يزيد ويرفع من شأنه وقدره، فالتواضع أعظم من الكبرياء، لأن التواضع هو الكمال، لأنه ما هو المقصود بالكبرياء؟ الكبرياء هو أن شخصاً ما لديه نقص، لذلك، فهو يمارس الكبرياء لتعويض ذلك النقص الذي يعاني منه، فينتفخ ليظهر أكبر من حجمه وقدره الحقيقي، بينما التواضع يعني أن الشخص كامل في ذاته وينزل إلى مستوى الصغير والأقل شأناً ليستطيع أن يشبع احتياجاته، لذلك، فإن علاقة المحبَّة التي تربط بين الإنسان والله هي التي تمنح الإنسان الفرصة للوحدة والاتحاد مع الله على المستوى الروحي، فالمحدود أي الإنسان المخلوق هو الذي يلتصق بالله الخالق غير المحدود، وهذا هو مفهوم الأبدية، فالسماء تعني أن روح الإنسان المحدود ستذهب إلى الله في عالم روحي أبدي، ويحيا الإنسان إلى الأبد، بمعنى أن الإنسان ينطلق من المحدود إلى اللامحدود، بينما الحيوان تنقصه هذه الميزة، لأنه لا يمتلك البعد الروحي ليستطيع التواصل مع الله، ويقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": ٣وَهَذِهِ هِيَ الحياة الأبدية: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ ٱلْإِلَهَ الحقيقي وَحْدَكَ وَيَسُوعَ المسيح الذي أَرْسَلْتَهُ (يو١٧:٣).
إذا كان شخص الرب يسوع قد حمل خطايانا ليُعيد علاقتنا بالله، ألا يبدو ما احتمله من ألم ومهانة كأنه عقاب وصبّ لغضب الله عليه؟ وكيف يُهان الله المتجسّد بينما يُستقبل رؤساء البشر بكل تكريم؟
جاء المسيح لإصلاح فساد الطبيعة البشرية وإعادته لله مرة أخرى، لأن الإنسان لا يستطيع أن يفعل ذلك بنفسه، لذلك، فهو يحتاج إلى قوَّة إلهية لإصلاحه، والإصلاح يتطلب انتزاع المرض الإنساني والقلب الشرير، وإعطاءه قلباً نقياً، وهذه هي صلاة داود في سفر "المزامير": ١٠ قَلْباً نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي. (مز٥١: (١٠، فداود يصلي إلى الرب لكي يخلق فيه قلباً نقياً وليس لأجل إصلاح قلبه القديم الذي صار فاسداً، فالإنسان يحتاج إلى قلب جديد من خلال عملية جراحية لزرع قلب Heart Transplant، وليس ترقيعاً للقلب القديم الفاسد، كما ينزع الله القلب الحجر ويستبدله بقلب لحم، كما جاء في سفر "حزقيال": ٢٦وَأُعْطِيكُمْ قَلْبًا جَدِيدًا، وَأَجْعَلُ رُوحًا جَدِيدَةً فِي دَاخِلِكُمْ، وَأَنْزِعُ قَلْبَ ٱلْحَجَرِ مِنْ لَحْمِكُمْ وَأُعْطِيكُمْ قَلْبَ لَحْمٍ.(حز٣٦: (٢٦، لذلك، فإن الكتاب المقدس في العهد الجديد يتحدث عن "خليقة جديدة" أي إعادة خلق الإنسان بقدرة إلهية، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": ١٧إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأشياء العتيقة قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الكل قَدْ صَارَ جَدِيدًا.(٢كو٥: (١٧
أما بالنسبة لزيارة الملوك ورؤساء الدول إلى بلادنا، وكنتيجة للمخاوف من العمليات الإرهابية وعدم قدرتهم على حماية أنفسهم بأنفسهم، فهم يحتاجون إلى الموكب الكبير والتشريفة والحرس من أجل حمايتهم، كما أن من يعاني من النقص يعمل على إخفائه وتعويضه من خلال مظاهر العظمة والقوة البشرية، بينما الله لا يحتاج إلى كل تلك الأمور البشرية، لذلك، يتنبأ العهد القديم عن مجيء الرب يسوع المسيح، حيث يقول في سفر "زكريا": ٩اِبْتَهِجِي جِدًّا يَا ابنة صِهْيَوْنَ، ٱهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ، وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ٱبْنِ أَتَانٍ.(زك٩: (٩، فالمسيح عند دخوله إلى مدينة أورشليم كان راكباً على حمار وليس على فرس أو حصان في صورة وديعة ومتواضعة، حيث تحققت النبوَّة في العهد الجديد، كما جاء في إنجيل "متى": ٤فَكَانَ هَذَا كُلُّهُ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِالنَّبِيِّ: ٥«قُولُوا لاِبْنَةِ صِهْيَوْنَ: هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِيكِ وَدِيعاً رَاكِباً عَلَى أَتَانٍ وَجَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ».(مت٢١: (٥، وقام الشعب بوضع ثيابهم وسعف النخيل أمام الرب يسوع المسيح، كما يضيف إنجيل "متى": ٨وَالْجَمْعُ الأَكْثَرُ فَرَشُوا ثِيَابَهُمْ فِي الطَّرِيقِ. وَآخَرُونَ قَطَعُوا أَغْصَاناً مِنَ الشَّجَرِ وَفَرَشُوهَا فِي الطَّرِيقِ. (مت٢١: (٨، وهذا يؤكد التواضع الإلهي، فالله يريدنا أن نسلك بالتواضع لا بالكبرياء، فالحل للمتكبِّر هو أن يتواضع وليس أن يُزاد كبرياء، فعلى سبيل المثال، إذا كان شخص متكبِّر فلا يصح أن يأتي إليه الآخر بمزيد من الكبرياء ليكسر كبرياءه، لأن هذا لن يحل المشكلة، بل أن يأتي إليه بتواضع، لذلك، كان مجيء الرب يسوع المسيح المسيَّا المنتظر إلى العالم في مشهد بسيط ومتواضع لهزيمة كبرياء الإنسان، وليس في موكب عظيم مثل الملوك الأرضيين جالساً على كرسي العرش.
أيهما يجذب نظر الإنسان ويؤثر فيه ويبهره أكثر: رؤية الله المتكبِّر المتسلط ذو السلطان في الكون كله آتياً في جلال مهوب، أم في صورة متواضعة فقيرة؟
لقد مزج الرب يسوع المسيح في مجيئه الصورتين مع بعضهما البعض مزجاً هائلاً، حيث مزج الجلال والبهاء والمجد بالتواضع والبساطة، وتتضح مظاهر الجلال والبهاء والمجد لدى الرب يسوع المسيح فيما يلي: -
أولاً: عندما أقام (لعازر) من الأموات رغم مرور أربعة أيام على دفنه في القبر، حيث طلب منه أن يخرج فخرج من القبر، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٤٣وَلَمَّا قَالَ هَذَا صَرَخَ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ: «لِعَازَرُ هَلُمَّ خَارِجاً» ٤٤فَخَرَجَ الْمَيْتُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاَهُ مَرْبُوطَاتٌ بِأَقْمِطَةٍ وَوَجْهُهُ مَلْفُوفٌ بِمِنْدِيلٍ. فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «حُلُّوهُ وَدَعُوهُ يَذْهَبْ». (يو١١: (٤٤-٤٣.
ثانياً: عندما قام بإسكات وتهدئة العاصفة والريح، فأمرها أن تسكت فسكتت، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٣وَلَمَّا دَخَلَ السَّفِينَةَ تَبِعَهُ تَلاَمِيذُهُ. ٢٤وَإِذَا اضْطِرَابٌ عَظِيمٌ قَدْ حَدَثَ فِي الْبَحْرِ حَتَّى غَطَّتِ الأَمْوَاجُ السَّفِينَةَ وَكَانَ هُوَ نَائِماً. ٢٥فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَأَيْقَظُوهُ قَائِلِينَ: «يَا سَيِّدُ نَجِّنَا فَإِنَّنَا نَهْلِكُ!» ٢٦فَقَالَ لَهُمْ: «مَا بَالُكُمْ خَائِفِينَ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟» ثُمَّ قَامَ وَانْتَهَرَ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ فَصَارَ هُدُوءٌ عَظِيمٌ. ٢٧فَتَعَجَّبَ النَّاسُ قَائِلِينَ: «أَيُّ إِنْسَانٍ هَذَا! فَإِنَّ الرِّيَاحَ وَالْبَحْرَ جَمِيعاً تُطِيعُهُ».
(مت٨: -٢٣٢٧ (و(مر٤: (٤١-٣٥و(لو٨: (٢٥-٢٢
فقد جاء المسيح في صورة متواضعة ليُظهر مجد الله، فالله العليّ متواضع، فهو أظهر لنا صفتيّ الله باعتباره عليّ أي عالي ومتواضع في ذات الوقت، فالعلوّ ليس معناه التكبُّر والكبرياء، والجلوس على كرسي عظيم ومرتفع، ليست هذه هي العظمة، ولكن العظمة أن يقوم الشخص بخدمة الآخرين، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "متى": ٢٨كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».(مت٢٠: (٢٨و(مر١٠: (٤٥، حيث إن المحبَّة والتواضع يمثلان القيم العليا وليس الأنانية والكبرياء، وتكمن مشكلة الإنسان في كونه أناني ومتكبِّر، لذلك كان العلاج الإلهي هو المحبة والتواضع، وقد رأيناه في شخص الرب يسوع المسيح في أجمل وأوضح صورة، حيث قال للتلاميذ أن الأعظم والأكبر هو من يخدم الآخرين، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٢٤وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ أَيْضاً مُشَاجَرَةٌ مَنْ مِنْهُمْ يُظَنُّ أَنَّهُ يَكُونُ أَكْبَرَ. ٢٥فَقَالَ لَهُمْ: «مُلُوكُ الأُمَمِ يَسُودُونَهُمْ وَالْمُتَسَلِّطُونَ عَلَيْهِمْ يُدْعَوْنَ مُحْسِنِينَ. ٢٦وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَيْسَ هَكَذَا، بَلِ الْكَبِيرُ فِيكُمْ لِيَكُنْ كَالأَصْغَرِ وَالْمُتَقَدِّمُ كَالْخَادِمِ. ٢٧لأَنْ مَنْ هُوَ أَكْبَرُ؟ أَلَّذِي يَتَّكِئُ أَمِ الَّذِي يَخْدِمُ؟ أَلَيْسَ الَّذِي يَتَّكِئُ؟ وَلَكِنِّي أَنَا بَيْنَكُمْ كَالَّذِي يَخْدِمُ. (لو٢٢: (٢٧-٢٤، فالرب يسوع المسيح هو مثالاً لنا نتعلم منه قيمة التواضع وعدم الكبرياء، فمن بين خدمة الرب يسوع أنه جاء لإصلاح قيم بشرية فاسدة، كما أظهر قوته السرمدية ولاهوته من خلال صُنع الآيات والعجائب وسلطانه في غفران الخطايا، فلم يمتلك نبياً سلطاناً لغفران الخطايا على الإطلاق.
تخبرنا أن أعمال السيد المسيح تشهد لألوهيته، فهل كانت هذه الأعمال كافية لإثبات ذلك؟ فالمعجزات ليست أمرًا جديدًا، إذ نقرأ في العهد القديم عن أنبياء أقاموا موتى وصنعوا آيات وعجائب، فماذا أضاف الرب يسوع المسيح ما يميّزه عن غيره باعتباره إله؟
إن الأنبياء الذين جاءوا في العهد القديم وصنعوا آيات لم يصنعوا ذلك الكم الهائل والتنوع الكبير من الآيات والعجائب التي أجراها وصنعها الرب يسوع المسيح، ونحن نعلم القليل جداً عمَّا صنعه الرب يسوع أثناء خدمته الأرضية، حيث إن "جميع الذين لمسوه نالوا شفاء"، كما جاء في إنجيل "متى": ٣٦وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَلْمِسُوا هُدْبَ ثَوْبِهِ فَقَطْ. فَجَمِيعُ ٱلَّذِينَ لَمَسُوهُ نَالُوا ٱلشِّفَاء.(مت١٤: (٣٦، فلم يكتب عن شخص أو نبي مثلما كتب عن الرب يسوع المسيح، فلم يشبع أحد الجموع وهم خمسة آلاف رجل ما عدا النساء والأطفال، ومرة أخرى أشبع أربعة ألاف رجل ما عدا النساء والأطفال، وأقام الموتى، وصنع شفاءات، وغيرها الكثير من آيات ومعجزات، فذلك الكم والتنوع من الآيات والمعجزات الذي صنعه الرب يسوع المسيح لا مثيل له على الإطلاق.
فلم يقل أحدهم:" من رآني فقد رأى الآب"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٩قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَانًا هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلْآبَ، فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ: أَرِنَا ٱلْآبَ؟ (يو١٤: (٩، ولم يقل أحدهم: أَنَا وَٱلْآبُ وَاحِدٌ). يو١٠: (٣٠، ولم يعطِ أحد غفراناً للخطايا قائلاً: "مغفورة لكَ خطاياك"، كما جاء في إنجيل "مرقس": ٣وَجَاءُوا إِلَيْهِ مُقَدِّمِينَ مَفْلُوجاً يَحْمِلُهُ أَرْبَعَةٌ. ٤وَإِذْ لَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ مِنْ أَجْلِ الْجَمْعِ كَشَفُوا السَّقْفَ حَيْثُ كَانَ. وَبَعْدَ مَا نَقَبُوهُ دَلَّوُا السَّرِيرَ الَّذِي كَانَ الْمَفْلُوجُ مُضْطَجِعاً عَلَيْهِ. ٥فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ». (مر٢: ٣-٥).
وليؤكد ويثبت الرب يسوع المسيح قدرته السرمدية ولاهوته وسلطانه على مغفرة الخطايا قال للمفلوج: "قم وامش"، فقام المفلوج وسار دليلاً على أنه غفرت له خطاياه، كما جاء في إنجيل "مرقس": ١٠وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لاِبْنِ الإِنْسَانِ سُلْطَاناً عَلَى الأَرْضِ أَنْ يَغْفِرَ الْخَطَايَا». قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: ١١«لَكَ أَقُولُ قُمْ وَاحْمِلْ سَرِيرَكَ وَاذْهَبْ إِلَى بَيْتِكَ». ١٢فَقَامَ لِلْوَقْتِ وَحَمَلَ السَّرِيرَ وَخَرَجَ قُدَّامَ الْكُلِّ حَتَّى بُهِتَ الْجَمِيعُ وَمَجَّدُوا اللَّهَ قَائِلِينَ: «مَا رَأَيْنَا مِثْلَ هَذَا قَطُّ!». (مر٢:١٠-١٢)، فهو يقدم برهاناً على صدق كلامه في الحال، ويصنع المعجزات أمام الجموع والشهود العيان، لأن المعجزة ينبغي أن تصنع على مرأى ومسمع من الناس في وجود شهود عيان وإلَّا لن تصبح معجزة. وحتى معجزة التجلي على الجبل كان مع الرب يسوع ثلاثة من تلاميذه وهم: (بطرس ويعقوب ويوحنا)، كما جاء في إنجيل "متى": ١وَبَعْدَ سِتَّةِ أَيَّامٍ أَخَذَ يَسُوعُ بُطْرُسَ وَيَعْقُوبَ وَيُوحَنَّا أَخَاهُ وَصَعِدَ بِهِمْ إِلَى جَبَلٍ عَالٍ مُنْفَرِدِينَ. ٢وَتَغَيَّرَتْ هَيْئَتُهُ قُدَّامَهُمْ وَأَضَاءَ وَجْهُهُ كَالشَّمْسِ وَصَارَتْ ثِيَابُهُ بَيْضَاءَ كَالنُّورِ. ٣وَإِذَا مُوسَى وَإِيلِيَّا قَدْ ظَهَرَا لَهُمْ يَتَكَلَّمَانِ مَعَهُ. (مت١٧: ٣-١).
فهذا ما قاله الرب يسوع عن نفسه، فهو يقول: "أنا في الآب والآب فيَّ"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣٧إِنْ كُنْتُ لَسْتُ أَعْمَلُ أَعْمَالَ أَبِي فلاَ تُؤْمِنُوا بِي. ٣٨وَلَكِنْ إِنْ كُنْتُ أَعْمَلُ فَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا بِي فَآمِنُوا بِالأَعْمَالِ لِكَيْ تَعْرِفُوا وَتُؤْمِنُوا أَنَّ الآبَ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ».(يو١٠: ٣٧-٣٨(، فالرب يسوع المسيح يخبر الجميع أن ما صنعه لم يصنعه أحد من قبله، رغم أن بعض الأنبياء قاموا بعمل آيات ومعجزات ولكن ليس بهذا القدر والكم والتنوع، وهو يعلن أنه الله، لذلك، فقد أظهر مجده، ولكن بتواضع شديد ليرفع من شأن وقيمة التواضع، وقد ذكر كثيراً أنه الله المتجسِّد، حينما قال لفيليبس: "من رآني فقد رأي الآب، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٨قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». ٩قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟ (يو١٤: ٨-٩)، ويقول المسيح أيضاً:٣٠أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». (يو١٠: (٣٠.
هل يعني كون الرب يسوع المسيح هو إعلان الله الكامل أن له جوهر الله ذاته؟ وهل يكفي كونه مُعلِنًا لله ليكون هو الله؟؟
لقد فهم اليهود من كلام الرب يسوع المسيح أنه بالفعل مساوياً ومعادلاً لله في أكثر من موضع بالأناجيل الأربعة، لذلك طلبوا أن يصلبوه بهذه التهمة، قائلين له: "وانت إنسان تجعل نفسك إله"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣١فَتَنَاوَلَ الْيَهُودُ أَيْضاً حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. ٣٢فَقَالَ يَسُوعُ: «أَعْمَالاً كَثِيرَةً حَسَنَةً أَرَيْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ أَبِي - بِسَبَبِ أَيِّ عَمَلٍ مِنْهَا تَرْجُمُونَنِي؟» ٣٣أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَسْنَا نَرْجُمُكَ لأَجْلِ عَمَلٍ حَسَنٍ، بَلْ لأَجْلِ تَجْدِيفٍ فَإِنَّكَ وَأَنْتَ إِنْسَانٌ تَجْعَلُ نَفْسَكَ إِلَهاً» (يو١٠: (٣٣-٣١، وأيضاً ١٧فَأَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «أَبِي يَعْمَلُ حَتَّى الآنَ وَأَنَا أَعْمَلُ». ١٨فَمِنْ أَجْلِ هَذَا كَانَ الْيَهُودُ يَطْلُبُونَ أَكْثَرَ أَنْ يَقْتُلُوهُ لأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضِ السَّبْتَ فَقَطْ، بَلْ قَالَ أَيْضاً إِنَّ اللَّهَ أَبُوهُ مُعَادِلاً نَفْسَهُ بِاللَّهِ. (يو٥: ١٧-١٨)، ثم يعلن الرب يسوع المسيح أن إبراهيم قد تمنى أن يراه فرأه وفرح فرحاً عظيماً، فأخبروه بأنه مازال لم يكمل خمسين عاماً فمن المستحيل أن يكون قد رأى إبراهيم وذلك نتيجة الفارق الزمني الكبير بينهما حوالي ألفين عام، وبذلك يؤكد المسيح أزليته بوصفه الله: ٥٦أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ».، فأجابوا:٥٧فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» (يو٨:٥٦-٥٧)، ويضيف "يوحنا": ٥٨قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ». ٥٩فَرَفَعُوا حِجَارَةً لِيَرْجُمُوهُ. أَمَّا يَسُوعُ فَاخْتَفَى وَخَرَجَ مِنَ الْهَيْكَلِ مُجْتَازاً فِي وَسْطِهِمْ وَمَضَى هَكَذَا. (يو٨: ٥٨-٥٩)، فالذي يبلغ من العمر ثلاثين عاماً هو يسوع ابن الإنسان والجسد، أما المسيح ابن الله والكلمة فهو أزلي وكائن قبل إبراهيم.
ثم نصل إلى مشهد محاكمة المسيح من قبل رؤساء الكهنة، حيث يؤكد لهم يسوع أنه المسيح وابن الله، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٤فَاحْتَاطَ بِهِ الْيَهُودُ وَقَالُوا لَهُ: «إِلَى مَتَى تُعَلِّقُ أَنْفُسَنَا؟ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ الْمَسِيحَ فَقُلْ لَنَا جَهْراً». ٢٥أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «إِنِّي قُلْتُ لَكُمْ وَلَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ. اَلأَعْمَالُ الَّتِي أَنَا أَعْمَلُهَا بِاسْمِ أَبِي هِيَ تَشْهَدُ لِي. (يو١٠: ٢٤-٢٥)، ثم إقتادوا المسيح إلى الوالي الروماني بيلاطس البنطي الذي حاول إنقاذ المسيح وقام بجلده كي يعفو عنه لأن الذي يُحكم عليه بالصلب لا يُجلد، لكنّ اليهود طلبوا منه أن يُصلب أيضاً، وبينما رأى بيلاطس أن المسيح ليس به علة لكي يقتل أخبره اليهود أنه جدّف وحسب الناموس يستحق الموت، كما يخبرنا يوحنا الحبيب: ٦فَلَمَّا رَآهُ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالْخُدَّامُ صَرَخُوا: «اصْلِبْهُ! اصْلِبْهُ!» قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «خُذُوهُ أَنْتُمْ وَاصْلِبُوهُ لأَنِّي لَسْتُ أَجِدُ فِيهِ عِلَّةً». ٧أَجَابَهُ الْيَهُودُ: «لَنَا نَامُوسٌ وَحَسَبَ نَامُوسِنَا يَجِبُ أَنْ يَمُوتَ لأَنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ ابْنَ اللَّهِ». (يو١٩:٦-٧)، وهذا يُعد تحقيقاً لنبوَّة إشعياء: ٦لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْناً، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ السَّلاَمِ. (إش٩: (٦، إذ تخبرنا نبوَّة إشعياء أن ذلك الطفل يسوع هو إله قدير وأب أبدي ورئيس السلام.
كيف يمكن للجموع من الشعب أن تعاين ذلك الكم الهائل من الآيات والمعجزات التي أجراها الرب يسوع المسيح دون أن يقودهم ذلك إلى إيمان حقيقي؟ وهل هذا يدفعنا إلى التشكيك في طبيعة المعجزة ذاتها؟
ليس هناك أدنى شك في طبيعة المعجزة، ولكن عدم تجاوب وإيمان أولئك الجموع من اليهود يُظهر شرَّهم، فقد أرادوا أن يجعلوا الرب يسوع المسيح ملكاً عليهم، حيث إنهم اعتبروه وزارة صحة متنقلة، لأنه يشفي جميع المرضى، واعتبروه وزارة شؤون اجتماعية متنقلة لأنه يهتم بالفقراء والنساء والمهمَّشين، وكذلك اعتبروه وزارة اقتصاد وتموين متنقلة لأنه يشبع ويطعم آلاف الجموع من الناس بخمسة خبزات وسمكتين فقط، فلم يعد لديهم مشكلة فقر ولا مشكلة مرض، لذلك، فقد أرادوه ملكاً أرضياً، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٥وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. (يو٦:١٥)، فمملكة الرب يسوع "ليست من هذا العالم"، كما يؤكد في حديثه مع الحاكم الروماني بيلاطس البنطي: ٣٦أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». ٣٧فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». (يو١٨:٣٦-٣٧).
فعندما رفض الرب يسوع أن يصبح ملكاً أرضياً انصرف الجموع من الناس من حوله، كما جاء في إنجيل يوحنا: ٦٦مِنْ هَذَا الْوَقْتِ رَجَعَ كَثِيرُونَ مِنْ تلاَمِيذِهِ إِلَى الْوَرَاءِ وَلَمْ يَعُودُوا يَمْشُونَ مَعَهُ. ٦٧فَقَالَ يَسُوعُ لِلاِثْنَيْ عَشَرَ: «أَلَعَلَّكُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً تُرِيدُونَ أَنْ تَمْضُوا؟» ٦٨فَأَجَابَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: «يَا رَبُّ إِلَى مَنْ نَذْهَبُ؟ كلاَمُ الْحَيَاةِ الأَبَدِيَّةِ عِنْدَكَ ٦٩وَنَحْنُ قَدْ آمَنَّا وَعَرَفْنَا أَنَّكَ أَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ الْحَيِّ». (يو٦: (٦٩-٦٦، فاليهود قد فهموا أن المسيَّا المنتظر سوف يأتي ليملك ويصير ملكاً أرضياً وقائداً عسكرياً، بينما الرب يسوع يرفض ذلك الأمر، لذا فقد ظنوا بأنه ليس المسيَّا الذي ينتظروه ويريدوه فطالبوا بصلبه، لأنهم ببساطة لم يقرأوا نبوّات إشعياء التي تؤكد أن المسيَّا المنتظر سيأتي مخلصاً وفادياً وليس ملكاً أرضياً أو قائداً عسكرياً، كما جاء في سفر "إشعياء": ٦كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ٧ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. (إش٥٣: ٦-٧)، ثم يضيف "إشعياء": ١٠أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. (إش٥٣: ١٠)، فقد رأى اليهود في الرب يسوع، من خلال صنعه للآيات والمعجزات أنه المسيَّا وذلك في بداية الأمر، ولكن عندما رفض أن يكون ملكاً أرضياً اعتقدوا خطأ أنه ليس المسيَّا المنتظر
إن كان المسيح الله المتجسِّد قد جاء ليحيا بيننا ويُصلح فساد الطبيعة البشرية ويمنحنا قلباً نقياً، فلماذا اختار أن يحمل في ذاته ذلك القلب البشري المريض؟
يقول الله في العهد القديم: "أنزعُ قلبَ الحجر وأعطيهم قلبَ لحم"، كما جاء في سفر "حزقيال": ١٩وَأُعْطِيهِمْ قَلْبًا وَاحِدًا، وَأَجْعَلُ فِي دَاخِلِكُمْ رُوحًا جَدِيدًا، وَأَنْزِعُ قَلْبَ ٱلْحَجَرِ مِنْ لَحْمِهِمْ وَأُعْطِيهِمْ قَلْبَ لَحْمٍ. (حز١١: (١٩ و(حز٣٦: (٢٦، فعلى سبيل المثال، إذا كان أحد الأباء لديه ابن يُعاني من فشل في وظائف القلب Heart Failure، فمن الممكن عمل ترقيع للصمام أو الشريان التاجي، ولكن عندما يتلف ذلك القلب تماماً، فحينها ينبغي أن يتم إجراء عملية جراحية لتغيير واستبدال القلب التالف بقلب آخر سليم كي يحيا المريض، فلن يكون هناك قلبان في جسد واحد، وبالتالي، يجب إزالة العضو المريض من جسد الإنسان واستبداله بعضو سليم، فلا يصح وضع العضو السليم بجانب العضو المريض التالف، وهذا ما نطلق عليه اسم (الاستبدال)، فعند حدوث فشل كلوي لابن أحد الآباء فعلى الفور يعطي الأب ابنه إحدى كليتيه كي يحيا الابن، كما أنه في حالة تلف قلب الابن، فإن الأب لأنه يحب ابنه لن يتردد في إعطاء قلبه لابنه إذا كان ذلك هو الحل الوحيد لإنقاذه من الموت، فالأب يضحِّي بنفسه من أجل ابنه، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": ١٦لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يو٣: (١٦، إذن، فالأب الصالح المُحب لابنه يضحِّي بنفسه من أجله، وبالمثل فالإله الصالح يضحِّي بنفسه من أجل الإنسان الذي أحبه وخلقه على صورته وشبهه كي ينقذه من الهلاك والدينونة الأبدية، وكل من الأب الصالح والإله الصالح لم يكن لديهما طرق أخرى بديلة لما قدماه من تضحية وعطاء وبذل، تماماً كما ذكرنا من قبل أنه لا يوجد قانون إلهي آخر أفضل من الذي قد وضعه الله، فالله كامل ومقنع في كل ما يفعله ويقوله لنا.
هل من الضروري أن يتم عمل الفداء في شخص برئ وبار عبر الإهانة والقسوة والإذلال؟
إن جريمة الصلب تُظهر لنا شر وفساد الإنسان، فالموت عن طريق الصلب كان موجوداً وكان يتم باعتباره تنفيذاً لحكم الإعدام، ولكن الفرق في تلك المرَّة أنه تم في شخص برئ وبار، وهذا ما كان يحدث طوال الوقت منذ قديم الأزل وسيستمر في الحدوث إلى نهاية التاريخ فقد يسجن أو يُعدم شخص برئ، ولكننا نرى أن صلب المسيح كان ينطوي على إهانة وإذلال وقسوة وافتراء غير عاديين، لأنه اشتمل على جلد وصلب معاً، وطبقاً للقانون الروماني في ذلك الوقت، فإن من يتم جلده لا يُصلب، ولذلك قرر الحاكم الروماني (بيلاطس البنطي) أن ينقذ الرب يسوع المسيح من أيدي اليهود فرغب في جلده كي يصرفه ويطلقه، حيث قال لهم: "أنا لا أرى به علة للموت"، فرغب في تأديبه عن طريق الجلد فقط دون الصلب وكرر كلامه ثلاث مرَّات، كما جاء في إنجيل "لوقا": ١٣فَدَعَا بِيلاَطُسُ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالْعُظَمَاءَ وَالشَّعْبَ ١٤وَقَالَ لَهُمْ: «قَدْ قَدَّمْتُمْ إِلَيَّ هَذَا الإِنْسَانَ كَمَنْ يُفْسِدُ الشَّعْبَ. وَهَا أَنَا قَدْ فَحَصْتُ قُدَّامَكُمْ وَلَمْ أَجِدْ فِي هَذَا الإِنْسَانِ عِلَّةً مِمَّا تَشْتَكُونَ بِهِ عَلَيْهِ. ١٥وَلاَ هِيرُودُسُ أَيْضاً لأَنِّي أَرْسَلْتُكُمْ إِلَيْهِ. وَهَا لاَ شَيْءَ يَسْتَحِقُّ الْمَوْتَ صُنِعَ مِنْهُ. ١٦فَأَنَا أُؤَدِّبُهُ وَأُطْلِقُهُ». (لو٢٣: ١٣-١٦)، فهو يرى أنه برئ وأن اليهود يلصقون به تهمة دون إثبات أو دليل، ولكنهم أصروا على صلب المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٠وَلَكِنَّ رُؤَسَاءَ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخَ حَرَّضُوا الْجُمُوعَ عَلَى أَنْ يَطْلُبُوا بَارَابَاسَ وَيُهْلِكُوا يَسُوعَ. ٢١فَسَأَلَ الْوَالِي: «مَنْ مِنَ الاِثْنَيْنِ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟» فَقَالُوا: «بَارَابَاسَ». ٢٢قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «فَمَاذَا أَفْعَلُ بِيَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» قَالَ لَهُ الْجَمِيعُ: «لِيُصْلَبْ!» ٢٣فَقَالَ الْوَالِي: «وَأَيَّ شَرٍّ عَمِلَ؟» فَكَانُوا يَزْدَادُونَ صُرَاخاً قَائِلِينَ: «لِيُصْلَبْ!» (مت٢٧: ٢٠-٢٣).
فلم يقاوم الرب يسوع المسيح شرَّهم وسمح بكل تلك الأمور، لأنه جاء من أجل عمل الفداء وتقديم نفسه كفارة لخطايانا بموته على الصليب، كما يقول عند إلقاء القبض عليه في إنجيل "متى": ٥١وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ. ٥٢فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! ٥٣أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ ٥٤فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟».(مت٢٦: ٥١-٥٤)، فجميع الأمور التي حدثت من إهانة وضرب وإذلال قبل صلبه تُظهر لنا شر الإنسان وبشاعته وفساده، لذلك يقول: "أدان الخطيَّة في الجسد"، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٣لأَنَّهُ مَا كَانَ النَّامُوسُ عَاجِزاً عَنْهُ فِي مَا كَانَ ضَعِيفاً بِالْجَسَدِ فَاللَّهُ إِذْ أَرْسَلَ ابْنَهُ فِي شِبْهِ جَسَدِ الخطيَّة وَلأَجْلِ الخطيَّة دَانَ الخطيَّة فِي الْجَسَدِ (رو٨: ٣)، فالصليب يظهر لنا فساد البشرية وحقد رجال الدين، لأن الجموع من الناس قد التفَّت حول المسيح وأحبَّته وتركتهم، لذلك، فقد "أسلموه حسداً"، كما يقول بيلاطس البنطي في إنجيل "متى": ١٧فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» ١٨لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً. (مت٢٧: ١٧-١٨) و(مر١٥: ٨-١٠)، كما يظهر الصليب لنا كيف أن الحاكم الروماني بيلاطس تحت ضغط اليهود قد أسلم شخصاً بريئاً وباراً للموت والصلب وغسل يديه، وسمح لليهود أن يفعلوا ما يريدون بالرب يسوع، فهو ليس حاكماً عادلاً، لكنه أراد أن يحافظ على كرسي الحكم، كما يقول في إنجيل "متى": ٢٤فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ». ٢٥فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». ٢٦حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. (مت٢٧: ٢٤-٢٦)، وبالتالي يُظهر الصليب ظلم الناس وقساوتهم وشهادتهم الزور، فالصليب تجسيد وتعرية لفساد الإنسان البعيد عن الله من المتدينين رجال الدين اليهودي كالكتبة والفريسين، والرومان عبدة الأوثان، فالجميع فاسدين، إذن، فإن مشهد الصليب هو من صنعة أيدي الناس، بينما سمح الله بحدوثه فقط ليظهر لنا شر وفساد الإنسان فنرى حقيقة ما يفعله الإنسان في الآخرين من شرور من اعتداء على الكرامة أو الشرف، سواء كان ذلك في الشخص البريء البار أو في المجرم الشرير، فكل ما يحدث في العالم من شرور قد تجسَّد على الصليب في لحظة من الزمن.
لماذا لم يكن هناك اختيار أو حل آخر أمام الله لتحقيق الفداء بديلاً عن الصليب؟
الله لم يكن أمامه اختيار آخر غير أنه يضع نفسه من أجل الإنسان ليعيده إليه مرة أخرى، فمشكلة الإنسان تكمن في الخطيَّة وهي المرض الذي يعاني منه الإنسان ويحتاج إلى علاج، فقد أحدثت الخطيَّة أمرين هما: جعلت الإنسان مذنباً وفاسداً، والمقصود بكلمة مذنب أي أنه يحمل على ظهره حملاً ثقيلاً أفسد طبيعته أي صار قلبه فاسداً وشريراً، وهذه هي مشكلة الإنسان الأساسية، وليس للإنسان دواءاً أو علاجاً من هذا الداء والمرض غير أن يحمل شخص الخطيَّة بدلاً منه، حيث يحمل الذنب والفساد معاً، فينبغي أن يتم وضع الذنب والفساد على شخص وليس في الهواء، فالخطيَّة مثل الفيروس الذي يعيش داخل الخلية، وهذه هي فكرة الفداء التي ذكرت في ناموس العهد القديم، حيث إن من يرتكب خطيَّة كان عليه أن يقدِّم حَمَل صحيح وبلا عيب ويأخذه إلى المذبح ويضع يده عليه ويعترف بخطاياه لتنقل الخطيَّة على ذلك الحمل، ثم يقوم بذبحه، وبذلك يكون قد نقلت عنه خطيته، كما جاء في سفر "اللاويين": ٢٧«وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنْ عَامَّةِ الأَرْضِ سَهْواً بِعَمَلِهِ وَاحِدَةً مِنْ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا وَأَثِمَ ٢٨ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَنْزاً مِنَ الْمَعْزِ أُنْثَى صَحِيحَةً عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ. ٢٩وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ ذَبِيحَةِ الخطيَّة وَيَذْبَحُ ذَبِيحَةَ الخطيَّة فِي مَوْضِعِ الْمُحْرَقَةِ. ٣٠وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِهَا بِإِصْبَعِهِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ وَيَصُبُّ سَائِرَ دَمِهَا إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. ٣١وَجَمِيعَ شَحْمِهَا يَنْزِعُهُ كَمَا نُزِعَ الشَّحْمُ عَنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ رَائِحَةَ سُرُورٍ لِلرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ فَيُصْفَحُ عَنْهُ. (لا٤:٢٧-٣١(، لذلك يجب أن تُنقل الخطيَّة على أحد وليس في الهواء لكي تتحقق نتيجتها وهي موت الحمل او الخروف، أمَّا غير ذلك فلن تكون نتيجة الخطيَّة هي موت، ففكرة الفداء تقوم على أن شخص يفتدي شخص آخر ويحل محله، وهو ما يُعرف بـ البديل Substitution، تماماً مثل فكرة أن شخصاً بريئاً يحل محل سجين في سجن، فالسجين يأخذ مكان الشخص البريء خارج أسوار السجن ويصير حراً طليقاً، ولكن الحمل أو الخروف لا يستطيع أن يأخذ مكان الإنسان، بل الإنسان هو الذي يقدر أن يأخذ مكان الإنسان ويحمل خطيَّته وليس الله، لذلك، نقل المسيح خطيَّة الإنسان عليه، لأن الذبيحة الحيوانية مثل الحمل في العهد القديم لم تكن قادرة على أن تزيل وتمحو جوهر مشكلة الإنسان وهي الخطيَّة، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": ٤لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. (عب١٠:٤(، ويضيف كاتب الرسالة: فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأولاد فِي اللحم والدم ٱشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بالموت ذَاكَ الذي لَهُ سُلْطَانُ الموت، أَيْ إِبْلِيسَ (عب٢: ١٤)، ويقول "إشعياء": ٦كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش٥٣: ٦)، فقد "جعل نفسه ذبيحة إثم" كما يضيف "إشعياء": ١٠أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. (إش٥٣: ١٠)، فصار المسيح هو الشخص الذي نضع أيدينا عليه ونعترف بخطايانا، وبالتالي، تنتقل خطايانا عليه، فيتم محو الذنب والفساد معاً، فالمسيح يأخذ من الإنسان قلب الحجر القلب الفاسد الشرير ويعطيه قلب لحم نقي، فهو البار ونحن الخطأة، يأخذ مكاننا ويعطينا مكانه، يأخذ خطيتنا ويعطينا برِّه، يأخذ فسادنا ويعطينا قداسته، فهي عملية بدل.
إذن، فالمشكلة الإنسانية هي الخطيَّة، والخطيَّة تحتاج الى بديل ليحملها عن الإنسان، فيبرأ منها، ويحدث أنه في اللحظة التي يأخذ فيها الرب يسوع المسيح فساد الطبيعة البشرية، يأخذ الإنسان طبيعة جديدة، وفي اللحظة التي يأخذ فيها الرب يسوع المسيح الذنب من الإنسان، يأخذ الإنسان تبريراً، لذلك، فالمسيح بعمله في الفداء يعطي لنا نعمتين:
أولاً: التبرير، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢٤مُتَبَرِّرِينَ مَجَّانًا بِنِعْمَتِهِ بالفداء الذي بِيَسُوعَ المسيح (رو٣: ٢٤).
ثانياً: القداسة، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": ٣٠وَمِنْهُ أَنْتُمْ بالمسيح يَسُوعَ، الذي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ الله وَبِرًّا وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً) ١كو١: ٣٠).
فالفداء أعطى الإنسان البر بدلاً من الذنب، وأعطى الإنسان القداسة بدلاً من الطبيعة الفاسدة في ذات الوقت، فلو كانت المشكلة في غفران الخطايا والذنب لكان ذلك يعني أن الفساد لا يعد مشكلة ويمكن للإنسان أن يرتكب خطايا عديدة طالما أن هناك غفران للخطايا، وهذه هي الكارثة، لأن الشر سيزيد ويملأ الكون، ولذا من الضروري علاج ذنب وفساد الإنسان في ذات الوقت، فالرب يسوع المسيح يقول للمرأة الزانية: "ولا أنا أدينك" ولكن في ذات الوقت يقول لها: "إذهبي ولا تخطئي"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٠فَلَمَّا انْتَصَبَ يَسُوعُ وَلَمْ يَنْظُرْ أَحَداً سِوَى الْمَرْأَةِ قَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ أَيْنَ هُمْ أُولَئِكَ الْمُشْتَكُونَ عَلَيْكِ؟ أَمَا دَانَكِ أَحَدٌ؟» ١١فَقَالَتْ: «لاَ أَحَدَ يَا سَيِّدُ». فَقَالَ لَهَا يَسُوعُ: «ولاَ أَنَا أَدِينُكِ. اذْهَبِي وَلاَ تُخْطِئِي أَيْضاً». (يو٨: ١٠-١١)، فتحولت من عاهرة إلى قديسة.
هل يعد أمراً منطقياً أن يتحمَّل ويحمل شخص بار وبرئ خطيَّة شخص آخر خاطي بدافع المحبَّة ليمنحه الخلاص والنجاة؟
لا يقدر أن يتحمَّل شخص خاطي خطيَّة شخص خاطي آخر، لأن كلاهما يحمل حملاً ثقيلاً على عاتقه، ولكن من لا يحمل حملاً ثقيلاً على عاتقه هو الوحيد الذي يمكنه أن يحمل خطايا غيره من البشر، فالمحاكم البشرية تتبع القوانين الوضعية، ونحن لا نتحدث هنا عن عقوبة، فالقانون الإلهي لا يمحو العقوبة (أي نتيجة الخطيَّة)، بل يمحو الجُرم (أي الخطيَّة ذاتها)، مثل: خطيَّة القتل أو الزنى، حيث يحملها الرب يسوع في عمل الفداء ويتحمَّل نتيجتها وهي الموت، لذلك يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٢١لِأَنَّهُ جَعَلَ الذي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا ، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ الله فِيهِ .(٢كو٥: ٢١)، فالرب يسوع قد محا الخطيَّة لتحقيق العدالة الإلهية، وليس عقوبة الخطيَّة كما يظن البعض من الناس، وهذا هو جوهر عمل الفداء الذي تم التعبير عنه في العهد القديم بتقديم حَمَل أو خروف ووضع يد الإنسان الخاطئ عليه لتنتقل خطيَّته إلى ذلك الحَمَل أو الخروف وتتحقق نتيجة الخطيَّة وهي موت الحيوان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢٣لِأَنَّ أُجْرَةَ الخطية هِيَ مَوْتٌ ، وَأَمَّا هِبَةُ الله فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بالمسيح يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو٦: ٢٣).
هل يُمكن القول إن فكرة الذبيحة نشأت منذ فجر التاريخ كمحاولة للإنسان من أجل إرضاء الآلهة، نتيجة خوفه من الموت وغضب قوى الطبيعة التي شعر أنها قد تُهلكه في أية لحظة، فرأى في تقديم الذبائح وسيلة لاسترضاء الآلهة؟
لقد جسَّد الله لنا فكرة الذبيحة في العهد القديم، وكانت هناك عدة أنواع من الذبائح وهي: الخطيَّة، والإثم، والمحرقة، والشكر، والسلامة، فعندما يرتكب الإنسان خطيَّة ما، فعليه تقديم ذبيحة الخطيَّة وهي حَمَل أو خروف ويضع يده عليه ويعترف بخطيَّته فتنتقل الخطيَّة إلى ذلك الحَمَل ثم يذبحه، فكان الله يقوم بإعداد وتجهيز البشرية لجوهر الفداء في شخص الرب يسوع المسيح، فلكي يتم محو الخطيَّة كان يجب أن يتم وضعها على حَمَل وليس في الهواء أو على أحد الرفوف، وبما أن الذبيحة الحيوانية لا تعادل الإنسان، جاء الرب يسوع ليكون هو الحَمَل الذي يرفع خطايا العالم، كما يشهد يوحنا المعمدان: ٢٩وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.(يو١: ٢٩) و(يو١: ٣٦)، فلا يمكن أن يرتكب إنسان جُرماً ما ويتحمَّل شخص آخر عقوبة ما فعله، فليست هذه هي العدالة، فالمسيح لم يحمل العقوبة أو الحكم بل حمل الخطيَّة ذاتها، كما يقول "إشعياء": ٦كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش٥٣: ٦)، فالمسيح حمل هو نفسه في جسده خطايانا وليس عقوبة الخطيَّة، كما يقول بطرس الرسول في رسالته الأولى: ٢٤ٱلَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الخشبة، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الخطايا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الذي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ (١بط٢: ٢٤)، ويقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٢١لِأَنَّهُ جَعَلَ الذي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا ، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ الله فِيهِ (٢كو٥: ٢١)، وهو ما يُعرف بـ البديل أو البدلية بمعنى أن المسيح أخذ مكاننا وأعطانا مكانه، أخذ ما لنا وأعطانا ما له، فحمل خطايا البشرية وأعطى البشرية بِرّاً وقداسة وقلباً جديداً وطبيعة جديدة تكره الخطيَّة ولا ترغب في العيش بها وترفضها نتيجة حضور المسيح وسكنى الله داخل الإنسان المؤمن، ففي العمليات الجراحية التي تجرى لإزالة الأورام يستطيع الطبيب الجرَّاح أن يستأصل ويزيل الورم ويضعه في سلة القمامة، بينما عند علاج الخطيَّة يتطلب الأمر أن يتم محوها وإزالتها ووضعها في شخص ما وليس في الهواء ولا على أحد الرفوف.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ١٣ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً