العلاقة مع الآخرين- الرعاية الشخصية لأعضاء المجموعة

الدرس ٩٧ من ١٢٠ · حياة الخادم

  1. العلاقة مع الآخرين

    دور راعي مجموعة التلمذة في الرعاية الشخصيَّة لأعضاء المجموعة:

    ركَّزنا في الفترة الماضية في حديثنا عن دور الراعي وكيفية قيادته للمجموعة من خلال الأركان الأربعة، فناقشنا بالتفصيل قيادة الصلاة، وقيادة المُشاركة، وقيادة التعليم، وفي الحلقة السابقة تحدَّثنا عن قيادة الخدمة، أمَّا الآن فننتقل إلى البُعد الثالث في دور خادم المجموعة، وهو: كيف يُكوِّن المجموعة وكيف يُديرها؟ ومن هنا سنتناول موضوع "الرعاية الشخصيَّة"، لا رعاية المجموعة ككلّ، إذ قلنا إنَّ من أهمِّ صفات الراعي أنَّه يرى الناس كأفراد، لا ككتلةٍ واحدة، بل ينظر إلى كلِّ شخصٍ باعتباره إنسانًا له احتياجاته وظروفه الخاصة.

    فعلى سبيل المثال، أنا أنظر إلى هذه الطاولة فأرى أربعة أشخاص مختلفين جالسين حولها، أرى كلَّ واحدٍ منهم على حدة؛ نعم، هم في النهاية مجموعة واحدة، لكنَّ هذه المجموعة مُكوَّنة من أفراد، والمسيح هو مثالنا في ذلك، إذ يقول: أنا هو الراعي الصالح، والراعي الصالح يضع نفسه عن الخراف، كما جاء في إنجيل "يوحنَّا": ١١أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. (يو١٠: ١١)، فالراعي الصالح لا ينظر إلى القطيع ككتلةٍ واحدة، بل يهتمُّ بكلِّ خروفٍ على حدة، لذلك يترك التسعة والتسعين ويذهب ليبحث عن الخروف الضال حتى يجده، إذ يقول الربُّ يسوع للكتبة والفريسيِّين في مَثَل (الخروف الضال)، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٤«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ (لو١٥: ٤)، وهو يطلب الضال، ويسترد المطرود، ويجبر الكسير، ويعصب الجريح، كما جاء في سفر "حزقيال": ١٥أَنَا أَرْعَى غَنَمِي وَأُرْبِضُهَا يَقُولُ السَّيِّدُ الرَّبُّ. ١٦وَأَطْلُبُ الضَّالَّ, وَأَسْتَرِدُّ الْمَطْرُودَ, وَأَجْبِرُ الْكَسِيرَ, وَأَعْصِبُ الْجَرِيحَ, وَأُبِيدُ السَّمِينَ وَالْقَوِيَّ, وَأَرْعَاهَا بِعَدْلٍ. (حز٣٤: ١٥- ١٦).

  2. دور راعي مجموعة التلمذة تجاه أعضاء المجموعة:

    التعرُّف عليهم - السؤال عنهم - افتقادهم - الاحتياج - الجلسات الشخصيَّة.

    ١- التعرُّف عليهم:

    ينبغي عليك - أيَّها الراعي - أن تتعرَّف على كلِّ فرد من أفراد المجموعة؛ ماذا يعني ذلك؟ يعني أن تعرفه معرفةً حقيقيَّة، تعرف شخصيَّته، وخلفيَّته، ونشأته، وصراعاته، ونقاط ضعفه، فأنت بحاجةٍ إلى أن تتعرَّف عليه جيِّدًا، إذ لن تستطيع أن تخدم شخصًا خدمةً حقيقية وأنت لا تعرفه؛ ربما تستطيع أن تُعطي إنسانًا ساندويتشًا أو هديةً، أو تُظهر له محبَّةً دون أن تعرفه معرفةً عميقة، لكن لكي ترعى إنسانًا من جوانبه المختلفة: روحيًّا، ونفسيًّا، وماديًّا، فأنت تحتاج أولًا أن تعرفه، فإذا لم تكن لديك أسئلة محدَّدة تريد أن تعرفها عن الشخص، فلن تستطيع أن تعرفه حقًّا، أقول مرةً أخرى: إذا أردتُ أن تعرف هل هو بخيل أم كريم، فمن الممكن أن تكتشف ذلك من خلال جلسةٍ واحدة، بل وتستطيع أن تُدرك إلى أيِّ درجة يميل إلى البُخل أو الكرم، وذلك من خلال بعض الاختبارات البسيطة والملاحظات العمليَّة، فمثلًا: هل دعاك إلى تناول الطعام معه؟ لكن الكرم الحقيقي يظهر أكثر عندما يكون وسط مجموعة؛ فهل يبادر بالدفع أم ينتظر أن يدفع الآخرون عنه؟ هل يتهرَّب وقت الحساب، أم يتقدَّم هو ليُسدِّد؟ هذه أمور صغيرة، لكن عندما تبحث عن إجابات لأسئلة محدَّدة تستطيع أن ترى الصورة بوضوح، أمَّا عندما لا تكون لديك أسئلة واضحة، فلن تحصل على إجابات واضحة، فالمعرفة العامَّة، كمعرفة الاسم، والعنوان، والطول، والعرض، والعُمْر، وبعض المعلومات الظاهريَّة، ليست هي المعرفة الحقيقيَّة بالشخص، لأنَّ معرفة الإنسان الحقيقيَّة تأتي من خلال الأسئلة المحدَّدة التي تكشف شخصيَّته وأعماقه.

  3. في حلقات "اختيار شريك الحياة" قمنا بإعداد ورقة عمل Sheet وهي تحتوي على مجموعة من الأسئلة تدور حول: (من أنا؟) فعندما نقول «من أنا؟» كثيرًا ما لا نستطيع أن نُجيب بوضوح، لأنَّنا لا نملك أسئلة محدَّدة عن أنفسنا، لكن عندما تضع لنفسك أسئلة دقيقة، تبدأ في أن تفهم فعلاً ما هي الأعمدة الرئيسيَّة التي تقوم عليها شخصيَّتك، وليس المقصود هنا كلَّ التفاصيل الصغيرة، لأنَّ الإنسان لديه تفاصيل كثيرة جدًا، إذ تحتوي المادة الوراثيَّة للإنسان DNA على ما يُقارب من ٣.١ بليون صفة وراثيَّة، لكنَّنا لا نبحث عن هذا الكم الهائل من التفاصيل، بل نبحث عن أعمدة الشخصيَّة، وهذه الأعمدة تُكتشف من خلال أسئلة محدَّدة تطرحها على نفسك لتعرف من أنت، وكذلك عندما تريد أن تعرف الطرف الآخر، فعليك أن تسأل نفسك، لا تسأله هو، وأنت تقوم بالتعرُّف عليه، وتلاحظه، وتسمعه، وتراه وهو يتعامل مع الآخرين، وبذلك تستطيع أن تحصل على إجابات وتعرف من هو.

    ومن بين الأمور التي أقولها لأي راعٍ لمجموعة أن يتعرّف على الشخص في بيئته الحقيقيّة، لا من خلال كلامه فقط، أي أن يذهب لزيارته في بيته، أمّا إذا كان راعيًا لمجموعة من الشباب، فإنَّ عليه أن يدخل غرفة نومه وأن يلاحظ: الصور المعلّقة، شكل السرير، ترتيب الغرفة، وهل يضع الجوارب في أحد الأدراج أم لا، وكذلك أماكن وضع الشبشب والحذاء، وهل لديه الكثير من الإخوة الذين ينامون في الغرفة ذاتها، أم أنَّ لكلٍّ منهم غرفة نوم مستقلة؟ وعندما أقول "تعرفه" فالمقصود ليس أن تدينه أو تحكم عليه، بل أن تفهمه لكي تستطيع مساعدته، بحيث عندما يتكلَّم وتستمع إليه يكون لديك خلفيَّة عن ظروف حياته، فتفهم سبب تصرفاته، فالأمر ليس مُجرَّد أسئلة محدَّدة فقط، بل أيضًا أن تذهب إليه حيث هو، وتُعاين واقعه وحياته.

  4. وهذا ما ساعد الربَّ يسوع المسيح في تعامله مع المرأة السامريَّة، إذ كشف أعماق حياتها، وقال لها إنَّها كان لها خمسة أزواج، وأنَّ الرجل الذي معها ليس زوجها، دون أن يذهب لزياتها في بيتها، ففهم عطشها الداخلي للمحبَّة والقبول، لذلك كلّمها عن الماء الحي، أي المحبَّة الإلهيَّة، والذي يشرب منه لا يعطش لحُبّ الرجال المزيّف، ومن ثمَّ فإنَّ فهم المسيح لخلفيّتها هو الذي ساعده على أن يكلِّمها باللغة التي كانت تحتاج إليها، وأن يقدِّم لها ما كانت تبحث عنه: الحُب والاحترام، برغم أنَّه يهودي وهي سامريَّة، وبرغم أنَّه رجل وهي امرأة، لقد أعطاها ما كانت تتوق إليه وتبحث عنه، فتمكَّن من مساعدتها ونقلها من الظلمة إلى النور، كما جاء في إنجيل "يوحنَّا": ١٣أَجَابَ يَسُوعُ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. ١٤وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ». ١٥قَالَتْ لَهُ الْمَرْأَةُ: «يَا سَيِّدُ أَعْطِنِي هَذَا الْمَاءَ لِكَيْ لاَ أَعْطَشَ وَلاَ آتِيَ إِلَى هُنَا لأَسْتَقِيَ». ١٦قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «ﭐذْهَبِي وَادْعِي زَوْجَكِ وَتَعَالَيْ إِلَى هَهُنَا» ١٧أَجَابَتِ الْمَرْأَةُ: «لَيْسَ لِي زَوْجٌ». قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «حَسَناً قُلْتِ لَيْسَ لِي زَوْجٌ ١٨لأَنَّهُ كَانَ لَكِ خَمْسَةُ أَزْوَاجٍ وَالَّذِي لَكِ الآنَ لَيْسَ هُوَ زَوْجَكِ. هَذَا قُلْتِ بِالصِّدْقِ». (يو٤: ١٣-١٨)

  5. إذن، عليك أن تتعرّف عليه من خلال خطوات عمليَّة واضحة: تضع أسئلة محدَّدة، وتستخدم ذلك "الشيت" كأداة للتقييم، ثمَّ تزوره في بيته، وبعد ذلك دعه يحكي لك عن نشأته، وصراعاته في طفولته؛ لأنَّ هذا هو الذي يُكوِّن الصورة الخاطئة عن نفسه وعن الله، وهنا يأتي دورك كراعٍ في مساعدته على تصحيح صورته عن الله وصورته عن نفسه، إذ إنّ صورتنا عن الله وعن أنفسنا تتكوّن في مراحل الطفولة، لأنَّنا نرى في والدينا صورة الله، ونرى أنفسنا في عيونهم وفي عيون المُعلّمين بالمدرسة، ومن شاهد حلقات "شفاء النفس" يُدرك ما أعنيه جيدًا، لذلك فمن المُهم أن تعرف هذا الجزء من حياته، لأنَّه يكشف لك كيف يرى الله، وكيف يرى نفسه.

  6. السؤال عنهم

    عليك، كراعٍ، أن تسأل عن غنمك وتفتقدها؛ اسأل عنه، ففي البداية لا بُدَّ أن تكون أنت المُبادر، أنت الذي تبدأ بالتَّواصل معه وتسأله: كيف حالك اليوم؟ ولماذا كنت حزيناً بالأمس في اجتماع المجموعة؟ لأنَّ هذا السؤال المستمر عنه يجعله يشعر بأنَّك تحبُّه وبأنَّك مُهتم به، فيستطيع أن يفتح قلبه لك، ويُدرك أنَّه ليس عبئًا عليك، بل إنَّك أنت الذي تبحث عنه، لا هو الذي يبحث عنك، فعندما يكبر الإنسان ويختار مرشدًا لحياته، فإنَّه هو الذي يذهب إليه ويطلب منه المشورة، أمَّا الراعي الحقيقي فهو الذي يسأل عن الغنم ويُبادِر برعايتها وافتقادها.

  7. افتقادهم

    كما يَفتقد راعي المجموعة أعضاء مجموعته، أي يزورها ويذهب إليها، وهناك فرق بين زيارة التعارف الأولى، وهذه ليست زيارة افتقاد، بل هي زيارة تعارف، أمّا الزيارات اللاحقة فهي زيارات افتقاد ورعاية، وبكلِّ أسف، فنحن في كنيستنا - قصر الدوبارة - باعتبارها كنيسة كبيرة، نجد أنَّ أعضاء الكنيسة تُلقي باللوم على القسِّيس راعي الكنيسة، ويعاتبونني قائلين: "أنت لا تأتي لزيارتنا يا قسِّيس"، لأنَّ دور الراعي أن يفتقد ويزور، ففي الكنائس الصغيرة يكون القسِّيس هو الذي يقوم بالزيارات، ويضع جدولًا لافتقاد جميع الأعضاء كل سنة، فإذا كان لديه مثلًا ألف عضو، فإنَّ الشخص الواحد قد تتم زيارته غالبًا مّرَّة كلِّ سنتين أو ثلاث سنوات، بحسب دورة الزيارات، وهذا هو النظام الرعوي التقليدي الذي تربَّى عليه كثيرون قديمًا، حيث كان هناك يوم مُخصَّص للزيارات، مثل يوم الأربعاء، يخصِّصه القسِّيس للافتقاد والزيارات، فيزور في ذلك اليوم بيتين أو ثلاثة، أي ما يقارب ١٥٠ زيارة في السنة تقريبًا، وبالتالي، إذا كان عدد الأعضاء ألفًا، فقد تُصبح الزيارة مَرَّة كل خمس سنوات تقريبًا. أمّا في الكنائس الكبيرة التي قد يصل عدد أعضائها إلى عشرة آلاف، مثل كنيسة قصر الدوبارة، فإنَّ الأمر يصبح أكثر تعقيدًا، وقد يطول الزمن جدًا قبل أن يصل القسِّيس إلى بعض الأشخاص، بصورة تجعل الافتقاد شبه نادر من الناحية العمليَّة.

  8. هذه هي المشكلة؛ إذ يظنّ كثيرون أنَّ القسِّيس يقوم بالزيارات عندما يفتقد أشخاصاً، بينما الكنيسة عندما يصل عدد أعضائها إلى مئتين أو ثلاثمئة عضو، لا بُدَّ أن تتحوَّل إلى مجموعات تلمذة، وهنا يصبح راعي المجموعة هو المسؤول عن الزيارة والافتقاد، وليس القسِّيس بالطبع، لأنَّ القسِّيس لا يستطيع أن يقدِّم رعاية حقيقيَّة لهذا العدد الكبير من الأشخاص، فالإنسان لا يحتاج إلى زيارة واحدة في السنة، لأنَّ هذه لا تُسمّى افتقادًا حقيقيًا؛ إذ إنَّه يمرض أكثر من مَرَّة، ويمُرُّ بظروف مختلفة، ويتزوّج مَرَّة في العُمْر، وينجح أو يتعثّر في مراحل متعدَّدة من حياته، لذلك توجد أسباب كثيرة تستدعي أن يذهب إليه الراعي، ويقف بجانبه، ويشاركه ظروفه ويفتقده، فالافتقاد الحقيقي هو الحضور والرعاية والزيارة المستمرَّة، ولذلك قيل: «مُبارك الله الذي افتقد شعبه، إذ يقول زكريا في تسبحته، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٦٧وَامْتَلأَ زَكَرِيَّا أَبُوهُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَتَنَبَّأَ قَائِلاً: ٦٨«مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ لأَنَّهُ افْتَقَدَ وَصَنَعَ فِدَاءً لِشَعْبِهِ.(لو١: ٦٧- ٦٨)، والمقصود بعبارة «افتقد شعبه» أنَّه جاء إلى شعبه، وهذا ما تحقَّق بصورة كاملة في التجسُّد؛ فالافتقاد يحمل معنى الزيارة، أي أن تذهب لتبحث عنه في بيته، وتسأل عنه في جميع ظروفه وأحواله، وتزوره في المستشفى، أو في مكان عمله، أو في أي ظرف يمُرُّ به، تذهب إليه في مشكلته، وفي ألمه ووجعه وحزنه، لكي تقف إلى جانبه وتسانده بمحبَّة ورعاية.

  9. إذن، ينبغي عليك - أيُّها الراعي - أن تعرفه جيِّدًا، وهذا الأمر لن يستغرق أكثر من يومين أو ثلاثة فقط، لكن إذا كانت لديَّ أسئلة صحيحة ومحدَّدة، ففي خلال أسابيع قليلة تستطيع أن تعرفه بصورة جيِّدة جدَّاً وذلك إذا زُرته لكي تفهم خلفيّته وظروف نشأته، وجلست معه واستمعت إلى حديثه عن حياته ونشأته، حتى دون أن يتكلّم بالتفصيل عن جراحه، فمن خلال بعض المعلومات البسيطة يمكنك أن تفهم واقعه الحقيقي، وأن تُدرك كيف ينظر إلى الله وكيف ينظر إلى نفسه.

  10. الاحتياج

    إنَّ الاحتياج الحقيقي ليس هو الاحتياج الذي يظنّه الشخص عن نفسه، بل الاحتياج الذي يراه الراعي بوضوح من خلال التقييم الصحيح والمعرفة العميقة بعضو المجموعة، فمن خلال معرفتك به، وصلاتك لأجله، وشعورك به وفهمك لشخصيته وظروفه، تستطيع أن تُميّز احتياجه الحقيقي؛ احتياجه الروحي، أن يتقابل أكثر مع الله، ويرى الله بصورة أوضح، أو أن يختبر محبّة الله ويتلامس معها في حياته، فأنت، كراعٍ، تستطيع أن ترى احتياجه الحقيقي الذي لا يعرفه هو؛ فعلى سبيل المثال، فقد يشعر بالنقص أو بالعجز أو بالجوع الداخلي، لكنَّه لا يُدرك حقيقة ما يحتاج إليه، وهنا يأتي دور الراعي، لأنَّك تنظر إلى الأمر من الخارج بصورة أوضح، بينما الشخص الموجود داخل الأزمة لا يستطيع دائمًا أن يرى حالته بوضوح، ولذلك يُسمَّى الراعي الـOverseer، أي الناظر الذي ينظر من فوق، فيرى ما لا يراه الشخص عن نفسه، وبناءً على ذلك يستطيع أن يُحدِّد احتياجه الحقيقي.

    أتذكّر أنَّه في جلسة مع أحد الخُدّام الذي تربطني به علاقة محبّة وثيقة، وكان يأتي إليّ لنتحدّث، ومع الوقت سمح لي أن أقترب أكثر من أعماقه، فبدأنا نتكلّم عن إحساسه بعدم الأمان، وأخبرته بأنَّ هذا الشعور متوقَّع نتيجة لطريقة نشأته، وطبيعة العلاقة بين والديه، وتأثير شخصيَّة الأب في تكوينه النفسي، لذلك فمن الطبيعي أن يشعر بعدم الأمان، وهذا الأمر كان يظهر بوضوح في خدمته، وفي علاقاته بالفريق الذي يخدم معه، وقد تحدَّثنا طويلًا في هذا الأمر، ثمَّ سألته: «هل تعرف ما هو احتياجك الحقيقي؟» فقال لي: «ما هو؟» فقلت له: «إنَّ احتياجك الحقيقي هو أن تختبر الله كأب لك بصورة حقيقيَّة، وأن تستمتع بأبوَّته لك، وأن تستبدل صورة الأبوَّة الأرضيَّة المحدودة بالأبوَّة الإلهيَّة الكاملة، فأنت تُعلِّم عن أبوَّة الله، وتتحدَّث عنها، وتفهمها فكريًا، لكنَّك لم تختبرها وتعيشها بعد في عمق حياتك، ولو ركَّزت في هذا الأمر، وصار الله بالفعل أباك ووليّ أمرك، فإنَّ أمورًا كثيرة جدًا في حياتك وخدمتك ستتغيَّر.

  11. هذا هو دورك كراعٍ: أن ترى احتياجه الحقيقي الذي لا يراه هو في نفسه، وأن تبحث عن الاحتياج الروحي والنفسي الكامن داخله، فقد تكون مشكلته هي الشعور بصِغَر النفس، أو العيش في المُقارنة المستمرَّة مع الآخرين؛ فهو يُقارن نفسه بالناس طوال الوقت، ولذلك يعيش في اضطراب دائم بين الغيرة والتعالي، لأنَّ الإنسان، عندما يبدأ في مقارنة نفسه بالآخرين، يدخل في حالة من التشويش: هل هو أفضل أم أقل؟ فإن ظنَّ نفسه أفضل فإنَّه يتعالى وينتفخ، وإن ظنَّ نفسه أقل امتلأ بالغيرة، لذلك فدورك كراعٍ، من خلال استماعك إليه، وملاحظتك له، وفهمك العميق لشخصيَّته ومعرفتك به، أن تكتشف احتياجه الروحي والنفسي الحقيقي، وأن تساعده في الوصول إليه، فتساعده أن يختبر المحبّة الإلهيَّة، وأن يتحرّر من روح المُقارنة، وأن يفهم أنَّنا جميعاً لسنا متشابهين، ولا يصحّ أن نُقارن أنفسنا ببعضنا بعضًا، لأنَّ الله قد خلق كلَّ إنسان بصورة فريدة، كما أنَّ فكرة المقارنة المستمرة هي فكرة شيطانيَّة مُدمّرة تربّى عليها كثيرون منذ الطفولة.

    كما أنَّ المجتمع - مع الأسف - يقوم على هذه الفكرة الخاطئة، وطوال الوقت يعيش الإنسان في مقارنة مستمرة: من هو الأفضل؟ ومن يأتي بعده؟ ومن يحتلّ المرتبة الثالثة؟ ففي الرياضة توجد الميدالية الذهبيَّة والفضيَّة والبرونزيَّة، وكلُّ شيء في هذا المجتمع مبني على المُنافسة والمُقارنة، وهذه الأمور تُدمِّر النفس البشريَّة، لكنَّ الحقيقة أنَّ كل إنسان فريد في تكوينه، ولا يوجد شخص مطابق لآخر حتى يُقارن نفسه به، ليحكم هل هو أفضل أم أقل، لذلك ينبغي أن تكتشف ما هو احتياجه الحقيقي، وما هو دورك في مساعدته على تسديد هذا الاحتياج، فهناك أمور تستطيع أن تسانده فيها بالصلاة، وترشده إلى الطريق الصحيح، وتشير له إلى الخطوات المناسبة، وأحيانًا يكون هناك احتياج مادي تستطيع أن تساعده فيه؛ فقد تشاركه مما تملك، أو تساعده في سداد مصروفات الدراسة، أو تسانده في التقدُّم إلى وظيفة مناسبة وتتابعه حتى ينجح، فالمساعدة الحقيقيَّة هي أن ترى الاحتياج الحقيقي، وأن تساعده على أن يُسدّ، روحيًا ونفسيًا وماديًا واجتماعيًا، بحسب إمكاناتك، ولذلك يقول بولس الرسول: "أعطوا فوق الطاقة، ومن تلقاء أنفسهم"، كما جاء في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٣لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ. (٢ كورنثوس ٨: ٣).

  12. لكنَّ بولس الرسول يوصينا: لا ينبغي أنْ تُعطي فوق طاقتك فتقع أنتَ في الإعواز؛ لأنِّي حينئذٍ سأبحث عن شخصٍ آخر ليسدَّ احتياجك وإعوازك، لذلك يُفضَّل أن تكون فضالتكم لإعوازهم، حتى تكون فضالتهم أيضًا لإعوازكم، كما جاء في رسالته ذاتها: ١٢لأَنَّهُ إِنْ كَانَ النَّشَاطُ مَوْجُوداً فَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى حَسَبِ مَا لِلإِنْسَانِ، لاَ عَلَى حَسَبِ مَا لَيْسَ لَهُ. ١٣فَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَيْ يَكُونَ لِلآخَرِينَ رَاحَةٌ وَلَكُمْ ضِيقٌ، ١٤بَلْ بِحَسَبِ الْمُسَاوَاةِ. لِكَيْ تَكُونَ فِي هَذَا الْوَقْتِ فُضَالَتُكُمْ لِإِعْوَازِهِمْ، كَيْ تَصِيرَ فُضَالَتُهُمْ لِإِعْوَازِكُمْ، حَتَّى تَحْصُلَ الْمُسَاوَاةُ. ١٥كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «الَّذِي جَمَعَ كَثِيراً لَمْ يُفْضِلْ، وَالَّذِي جَمَعَ قَلِيلاً لَمْ يُنْقِصْ». (٢ كو٨: ١٢-١٥)، لكنَّنا لا نفعل ذلك دائمًا؛ فنحن لسنا معطائين بحقٍّ، لا من جهة الوقت، ولا نفسيًا، ولا ماديًا، فالبحث عن الاحتياج الحقيقي، وكيفيَّة تسديد هذا الاحتياج بالمحبَّة والتواضع، لا بالتعالي، ولا بطلب أن يكون للآخر ولاءٌ لك، يُعدّ أمرًا في غاية الأهميَّة؛ وإلَّا فإنَّك تُعطي من أجل نفسك، وتُعطي بهدف كسب ولاء الآخر لك، لا من أجل محبَّتك له أو خدمته.

    حسنًا، دعونا نتوقف هنا ونُجيب على أسئلتكم، ثمَّ نستكمل الحديث عن موضوع "الرعاية" في الحلقة القادمة، ولا سيَّما "الجلسة الشخصيَّة" ودورها في المشورة، لأنَّ قضية المشورة من القضايا التي نحتاج أن نناقشها من جديد ونتحدَّث عنها بعمق، فهذا الموضوع في غاية الأهميَّة، لأنَّه يمسُّ جوهر رعاية الفرد داخل المجموعة، إذ يتحمَّل الراعي مسؤوليَّة رعاية أفراد المجموعة ويرافقهم ويهتمُّ بهم ليقودهم إلى النضوج الروحي، لكي نُحضر كلَّ إنسانٍ كاملًا في المسيح يسوع.

  13. سؤال: جناب القسيس، قد لا تكون لديَّ، كراعٍ أو كمسؤول عن خدمةٍ ما، موهبة الرعاية، وبالتالي غير مُطالبٍ بالتواصل مع جميع الأشخاص الذين أنا مسؤولٌ عنهم، ممَّا يدفعني إلى البحث عن شخصٍ آخر ليقوم بهذا الدور بدلاً منِّي، ولكنَّني أخشى أن يؤدِّي اختياري لذلك الشخص إلى تحوّله لاحقًا إلى مُنافسٍ لي، لأنَّه صار يمتلك كلَّ شيء، وصارت الناس تحبُّه وتتقرَّب إليه بشكلٍ كبير، فما رأيك في هذا التخوُّف؟

    ق.د/ سامح موريس: أشكرك على صراحتك، فإذا كنت لا تمتلك موهبة الرعاية، فلا تقوم بالرعاية، لأنَّك غالبًا لن تنجح في الاستمرار فيها، وحتى إن دفعت نفسك لفترةٍ من الوقت، فستُرهَق في النهاية ولن تستطيع أن تُكمِل، لذلك، إن كنت قائدَ مجموعةٍ مثلاً ولا تمتلك موهبة الرعاية، ثمَّ استعنت بشخصٍ ناضجٍ روحيًا داخل المجموعة لديه هذه الموهبة ليرعى أعضاء المجموعة، فهذا يُحسب لك لا عليك، لأنَّه يعكس تواضعك، وإذا أحبَّ الناس هذا الشخص أكثر منك أو اقتربوا منه بصورةٍ أكبر، فما المشكلة في ذلك؟ نحن لا نتنافس على محبَّة الناس أو على المكانة، بل نحن فريقٌ واحد نسعى إلى رعاية الناس وتحقيق مشيئة الله في حياتهم.

  14. فعلى سبيل المثال، عندما دعوتُ القسيس د/ ماهر صموئيل ليأتي ويعظ في الكنيسة، جاءني بعض الأشخاص قائلين: «ألا تخشى أن يُحبَّه الناس أكثر منك كواعظ؟ ألا تخاف من المُنافسة؟» لكنَّني كنت أفكِّر بصورةٍ مختلفة؛ فأنا أريد أن أخدم حياة الناس، وهذا الشخص لديه ما يستطيع أن يبني به حياتهم الروحيَّة، ودوري الحقيقي هو أن أبني حياتهم، لا أن أبنيهم وحدي لكي يحبُّوني أنا شخصيًا، وهذا ما أقصده دائمًا: لماذا أُعطي؟ هل أُعطي لأجل حصولي على الولاء الشخصي؟ بالطبع لا، ولذلك جاء بعض الأشخاص الواعين يشكرونني قائلين: «نشكرك لأنَّك لا تخشى على مكانتك، ولذلك تستضيف شخصًا بهذه القامة والكفاءة ليخدمنا»، والحقيقة أنَّ الناس ستحبُّك وتقدِّرك أكثر، لأنَّك تعرف كيف تضع كلَّ إنسانٍ في مكانه الصحيح، فقد أعطيت الخدمة لمن هو موهوبٌ فيها بحق.

    لذلك نحن نُفضِّل أن يكون لدى قائد المجموعة موهبة الرعاية، ولكن إن لم تكن لديه هذه الموهبة وكانت لديه موهبة الإدارة، فلا مشكلة في ذلك، بشرط أن يُحسن توظيف الأشخاص في أماكنهم الصحيحة؛ فيسمح للراعي بأن يرعى، ويسمح للمُعلِّم بأن يُعلِّم، وحين يفعل ذلك فهو يُحسن قيادة الخدمة بصورةٍ ناضجة، وقد ذكرتُ سابقًا أنَّ بعض الكنائس الكبيرة حول العالم قامت على هذا المبدأ؛ فإحدى أشهر الكنائس العالميَّة، التي بدأت صغيرة ثمَّ صارت من أكبر الكنائس وانتشرت في أماكن كثيرة، كان راعيها المؤسِّس ليس واعظًا متميِّزًا ولا مُعلِّمًا بارزًا، لكنَّه كان مُدبِّراً ناجحًا، فاستطاع أن يجمع أفضل المُرنِّمين والخدَّام، ووضع نظامًا ناجحًا ساعد الكنيسة على أن تنمو وتغزو العالم كلَّه، ومن خلال حُسن إدارته لأنَّ لديه موهبة الإدارة (المُدبِّر)، وُجد داخل الكنيسة الواعظ والمُعلِّم والمُبشِّر وغيرهم، فبُنِيت الكنيسة ونمت بصورةٍ كبيرة.

  15. في واقع الأمر، يُعَدُّ أفضل شخصٍ لقيادة المجموعة هو من يمتلك موهبة الرعاية، وإن لم يكن راعيًا، فأفضل ما يمكن أن يكونه هو مُدبِّرًا ناجحًا، لأنَّه يعرف كيف يضع كلَّ شخصٍ في موضعه الصحيح ويُسند الخدمة إلى مَن هو موهوبٌ فيها بالفعل، وعندئذٍ سيشعر الناس بالراحة والاستفادة، لذلك ينبغي ألَّا نُدخل روح المنافسة أو الغيرة إلى الخدمة، وذلك بمقاومة إبليس عدو الخير كي لا يُفسد الفكر، فالمشكلة ليست في الشخص الذي يخدم ويؤثِّر، بل في نظرة القائد نفسه إذا اعتبر أنَّ هذا الشخص أخذ مكانته أو صار محور الاهتمام بدلاً منه، وما المشكلة إن أحبَّه الناس أو تأثَّروا به؟ أليس الهدف أن يجد الناس مَن يرعاهم وينمون روحيًا، ويتعلَّمون كيف يحبُّون بعضهم بعضًا؟ القضية الأساسيَّة هنا هي: هل تريد أن تتمَّ الخدمة وتتحقَّق مشيئة الله، أم تريد أنت شخصيًا أن تكون محور كلِّ شيء؟ لأنَّ الهدف الحقيقي من الخدمة هو أن تُبنى حياة الناس ويتمدَّد ملكوت الله، لا أن يبني الإنسان لنفسه مملكةً خاصة داخل الملكوت.

قبل أن تجمع المجموعة

هذا الدرس هو ٩٧ من ١٢٠ في «حياة الخادم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.

  1. ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
  2. ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
  3. ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.

«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.

تُعرَض الصفحة الآن بإعداد قائد المجموعة. اعرِضها كدارس

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أنت هنا
  20. من حقك تفهم

حياة الخادم — ٢٣ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً