الخوف من الله
الخوف من الله
إنَّ علاقتنا مع الله أمرٌ بالغ الأهمية، غير أنَّ بعض المؤمنين ينظرون إلى عبارة "مهابة الله" على أنَّها تعني الخوف منه، خوفاً يؤدي إلى الارتعاد، ويظنُّون أنَّ الوصول إلى هذه الحالة هو الغاية المطلوبة، فهل هذا هو المطلوب فعلًا؟
إنَّ عبارتيّ "الخوف من الله" و"مخافة أو مهابة الله" متقاربتان في اللفظ، فهُما متشابهتان لكنَّهما مختلفتان في المعنى اختلافًا جوهريًا؛ إذ إنَّ «الخوف من الله» تعني أنْ يخاف الإنسان من الله، أي يخاف من عدله ومن قسوته ومن عقابه، أمَّا «مخافة الله»، التي تُرجمت كثيراً في اللغة العربية إلى «تقوى الله»، فتعني أنْ يتقي المؤمن الله ويحفظ وصاياه، والفرق بين الاثنين كبيرٌ جدًا؛ فمخافة الله، كما وردت في اللغة العبرية، تحمل في معناها فكرة: «أنَّني أرى الله»، والمقصود بها "التقوى" أي أنْ يرى المؤمن الله عظيمًا ويرى جلاله ومجده، فيمتلئ قلبه مهابةً، فالذي يهاب شخصًا لا يرتعب منه بالضرورة، وهكذا فإنَّ تقوى أو مخافة الله تعني المهابة أي أنَّ له هيبته؛ بأنَّ يكون الله عظيمًا جدًا في عينيّ المؤمن، فلا يريد أن يُحزنه أو يغضبه، أمَّا «الخوف من الله» فمعناه: أنَّ الإنسان يخاف على نفسه من غضب الله، بينما «مهابة الله» فتعني أنَّ المؤمن يُحب الله، وبالتالي فإنَّه يخاف أنْ يحزنه أو يغضبه.
إذن، فالفرق بين الاثنين كبير جدًا، إذ هُما معنيان مختلفان تمامًا، لأنَّ «الخوف من الله» يقوم على خوف الإنسان من الله والخوف على النفس منه، أي الاعتقاد أنَّ الله قد يبطش بالإنسان والإنسان يخاف من بطشه، هذا المفهوم موجود لدى بعض الناس، لكنَّه غير موجود في العهد الجديد، فلا توجد عبارة أو آية بهذا المعنى، وحتى الكلمات والعبارات الواردة في العهدين القديم والجديد تتجه غالبًا نحو معنى «تقوى الله»، وهذا ما نجده في قول الربِّ يسوع المسيح في مَثَل الكرَّامين: «لعلهم يهابونه»، وهو المَثل الذي كان موجهاً إلى رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ الشعب.
إنَّ كلمة «مهابة» تمنع الخوف من الله، فهي تجعل المؤمن يهاب الله لأنَّه عظيم جدًا في عينيه، كما قال يوسف عبارته الرائعة، حين ألحَّت عليه امرأة فوطيفار يومًا بعد يوم أن يزني معها: «كيف أصنع هذا الشر العظيم وأُخطئ إلى الله؟»، فلم يقل أنَّه سيخطئ إلى زوجها فوطيفار، فالله عظيم جدًا في عينيَّ المؤمن، ولا يمكنه أن يفعل شيئًا يُسيء إليه
فعلى سبيل المثال، هناك فرق بين ابنين مع أبيهما: أحدهما يخاف من غضب أبيه خوفًا من حرمانه من المصروف أو من أن يضربه، أمَّا الآخر فهو يُحب أباه فلا يريد أن يُحزنه أو يُغضبه، وهذا هو معنى "مهابة الله أو مخافة الله": أنْ يُحب المؤمن الله فلا يريد أن يُحزنه عليه، وذلك حين يعمل المؤمن خطيَّة فإنَّه يؤذي نفسه أو يؤذي أخاه الإنسان: كالزنى، السرقة، القتل، الشتم، أو الاعتداء على كرامة إنسان وإهانته، فإنَّ ذلك يُشوّه صورة المؤمن أو يؤدي إلى جرح مشاعر شخصًا آخر، فالله يهتم ويعتني بالشخص مُرتكب الخطيَّة وكذلك بالشخص الذي اُرتكبت الخطيَّة في حقِّه، وهو ما يُحزن قلب الله، فلا يغضب من مُرتكب الخطيَّة، بل يحزن عليه، فلو لم يكن لله مشاعر ولم يكن مُحبًّا، لمَا كان هناك معنى للعلاقة معه أو لتأثره بخطايانا، لذلك، حين يهاب المؤمن الله، فإنَّه لا يريد أنْ يُحزنه؛ بمعنى أنَّه لا يريد أنْ يجعله يحزن عليه، ولا منه، ولا أن يحزن على شخص آخر أساء إليه ذلك المؤمن، لأنَّ الله عظيم في عينيه، وهُنا يظهر الفرق بين "الخوف من الله" بمعناه القائم على الخوف، وبين "مهابة أو مخافة الله" المرتبطة بالمحبَّة، أي أنَّ المؤمن في علاقة محبَّة مع الله؛ فالمؤمن يُحبُّه، ومن محبَّته له يهابه، ونجد هذا المفهوم أيضًا في العهد القديم: "تحب الرب الهك وتتقيه وتحفظ وصاياه، تحب الرب الهك وتلتصق به"، وكذلك في العهد الجديد عندما سأل أحد الفريسيِّين الرب يسوع المسيح: "ما هي الوصية العظمى؟".
كيف نفهم صورة التأديب السريع في العهد القديم، حيث إنَّ من لم يحفظ وصيَّة الله ولم يسمع لصوته كان يتلقَّى تأديبًا مباشرًا؟ وهل يعني ذلك أنَّ المؤمن كان ينبغي أنْ يحب الرب ويخاف منه؟
مرّة أخرى، ينبغي أنْ ننتبه: هذه الوصايا مطلقة لقوانين مطلقة، وهذه القوانين لها نتائجها، والمؤمن يرى النتيجة ويجني أثرها، لكنَّه لا يمكن أنْ يُحب الله ويخافه في الوقت نفسه، فحين يُحب الإنسان شخصًا لا يخاف منه، وحين يُحبُّه يهابه ويجري نحوه، أمَّا من يخاف الإنسان منه فلا يقترب إليه ولا يجري نحوه، ومن يحبّه الإنسان ماذا يفعل؟ يجري إليه، فالربُّ يطلب منَّا أن نقترب إليه ولا نخاف منه، فعندما يخاف الإنسان من الرب فإنَّه يبتعد عنه، وعندما يُحب المؤمن الرب فإنَّه يقترب إليه.
إذا اقترب المؤمن إلى الله وارتكب خطيَّة فقد يتلقى التأديب على الفور، فهل يعني ذلك أنَّه ينبغي أنْ يخاف المؤمن من الله دائماً، لأنَّه حين يتوقف عن الخوف منه قد يعمل خطيَّة ويتلقي التأديب؟ وهل من الأفضل حينئذٍ أنْ يحافظ المؤمن على مسافة بينه وبين الله؟
لا يصحّ أن يبتعد المؤمن عن الله حتى لا تطوله يده بالتأديب؛ وهذا يشبه من يجري ويهرب من أبيه لكي لا يضربه ويؤدِّبه وذلك في إطار العائلة، والسؤال المطروح: عندما يخاف الإنسان من شخصٍ ما، هل يمنعه ذلك من الخطأ في حقه أكثر، أم عندما يحبّه؟ أيُّ قوة أشد تأثيرًا في منع المؤمن عن عمل الخطيَّة وفعل كل ما هو صالح: قوة الخوف أم قوة الحُب؟ إنَّ الحُب دائمًا أقوى؛ فعلى مستوى العمل في الشركات والمؤسسات، هل الذي يحبّ مديره يعمل بإخلاصٍ أكبر، أم الذي يخاف منه؟ إنَّ الحُب هو الدافع الأعمق، وفي البيت كذلك، الحُب أقوى من الخوف، بل وحتى في الوطن: هل يضبط الإنسان خوفه من القانون فقط، أم حبّه لبلده؟ هل يمتنع الإنسان عن إلقاء شيءٍ في الطريق خوفًا من أن يراه أحد فيدفع غرامة، أم بدافع حبّه لوطنه؟ إنَّ الحُب لا يُعَدّ الدافع الأسمى فحسب، بل هو الأقدر على التنفيذ أيضًا، فأيُّ طاقة أقدر على أن تجعل الإنسان يعيش حياةً أنقى: الحُب أم الخوف؟ يبدو أنَّ طاقة الحُب هي الأقوى؛ لذلك فإنَّ الدافع الأعظم لعدم فعل الشر أو لعدم مخالفة القانون، بل لتنفيذه بأفضل صورة هو الحُب، وقد وضع الناس القوانين والعقوبات بسبب غياب الحُب، مما أدى إلى اللجوء إلى التخويف والخوف، فالذين لا يحبّون الله يخافون منه لكي لا يرتكبون معصية، أمَّا الذي يحبُّه يكتشف أنَّه لا يحتاج إلى الخوف منه، بل يحتاج إلى أنْ يخافه، وحين يراه في جلاله وبهائه ومحبَّته الغنية له، يصبح أسير تلك المحبَّة، وتظهر أنَّ لديه طاقة كبيرة أنْ يعيش الصلاح والكمال، ويتجنب أن يُحزن قلب الله، أكثر مما يفعله الخوف منه، بالإضافة إلى أنَّه عندما يخاف الإنسان من الله، فهو في حقيقة الأمر محروم منه، أمّا عندما يحبُّه، فهو يستمتع بعلاقته بالله، فاستمتاع المؤمن بالله وبالعلاقة معه يُعطيه القدرة على أن يعيش الحياة الصالحة، بينما الخوف من الله يحرمه منه وتصير قدراته على أن يعيش الصلاح هي قدرات بشرية فقط، أمَّا عندما يحب الله ويتعلّق به، فإنَّ لديه قدرات إلهية تمكِّنه من العيش في الصلاح، إذن فماذا يفعل الإنسان ليحصل على هذا كله؟ عليه أن يتعلّق بالله، أن يلتصق به ويُحبُّه، هذا ما جاء في سفر المزامير أي الزَّبُور في العهد القديم، أمَّا في العهد الجديد، فهناك فلسفتان في التعامل مع الله: الخوف من الله يجعل الإنسان عبدًا، أمّا مهابة الله فتجعله ابنًا يعيش من خلال علاقة المحبَّة التي تربط بين المؤمن والله.
أليس في قول المؤمن عن نفسه: «أنا عبد لله» نوع من التواضع أمام مهابة الله؟
يدعونا الرب أبناءً في العهد الجديد، وليس ذلك فحسب، إذ يستطيع المؤمن أن يدعو الربَّ أباه وسيِّده أيضاً، وهو ما نجده بالفعل في الكتاب المقدَّس، فالمؤمن لديه المهابة فيرى الله سيِّده، لأنَّه الخالق القادر على كلِّ شيء، كما أنَّ المؤمن لديه علاقة محبَّة مع الله فيراه أباه، والسؤال: كيف ينظر الربُّ إلى المؤمن؟ ففي العهد الجديد، ينظر الربُّ إلى المؤمن باعتباره ابن عزيز مُكرَّم، فيستطيع الابن أن يدعوه "أبي"، كما أن الربَّ يدعونا إلى أن نناديه بـ "بابا"، ويخبرنا الكتاب المقدَّس أنَّ الروح القدس يشهد لأرواحنا أنَّنا أولاد الله، وإذا كنا أولاداً حقيقيين لله، فإنَّ الروح القدس الذي يسكن فينا يصلِّي وهو يصرخ قائلاً: "يا أبا الآب"، كما جاء في الرسالة ذاتها: 14لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَنْقَادُونَ بِرُوحِ اللهِ فَأُولَئِكَ هُمْ أَبْنَاءُ اللهِ. 15إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ، بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ!». (رو8: 14-15).
إذا تخيَّلنا بيتًا يضم أباً وابناً وأشخاصاً يعملون فيه، فإنَّ العبد ينظر إلى سيِّده وهو يخاف منه، أمّا الابن فينظر إلى أبيه وهو يهابه، فكيف يصل الإنسان إلى تلك المرحلة في علاقته مع الله، فيتحوَّل من كونه عبدًا إلى أن يصبح ابنًا؟
يخبرنا الكتاب المقدَّس بوضوح قائلاً: "لا خوف في المحبَّة، المحبَّة الكاملة تطرح الخوف الى خارج، لأنَّ الخوف له عذاب"، فالعيش تحت الخوف شعور غير مُريح على الإطلاق، إذ ينعدم الشعور بالسلام والأمان، ومن هذا المنطلق، يصعُب أن يعيش المؤمن في حالة من عدم الأمان والخوف من الله، وهو يتمتع بعلاقة مع الله مصدر الأمان الحقيقي، فمن المفترض أنَّه عندما يعيش الإنسان مع الله، يذهب الخوف من حياته، ويحل محله الطمأنينة والراحة والسلام، فلا يمكن الجمع بين الخوف والراحة معاً في الوقت ذاته، إنَّ الحُب يدفع المؤمن إلى الالتزام التام، ويجعله يتنازل عن نفسه، ويُعطي نفسه، ويكرّس نفسه، ويصبح مِلكًا لمن يُحب، والعكس صحيح.
ما رأيُك في قول البعض: إنَّ حياتنا كمسيحيين سهلة وفوضوية، باعتبار أنَّنا لا نمتلك قوانين واضحة؟
إنَّ القانون الإلهي هو المحبَّة، والتزام المحبَّة أعظم من أي التزام آخر، لأنَّها لا تعرف حدودًا في التضحية والعطاء، أمَّا بقية القوانين، فالأمر يقتصر على القيام بالواجب المطلوب من الإنسان دون الالتزام بما هو أكثر من ذلك، والحُب هو عطاء النفس، أي يُعطي المؤمن نفسه لمن يُحب، وليس مجرَّد تقديم ما في الجيب من أموال فقط، وهذا ما يظهر في المثال الذي شاهدناه في الرب يسوع المسيح، إذ "أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها"، حيث يشرح بولس الرسول مفهوم المحبَّة من خلال علاقة الرجل بزوجته، فلا تقتصر محبَّة الرجل لزوجته على مجرَّد تسديد طلباتها، بل تعني أنَّه يُعطِيها نفسه، ويصبح مِلكًا لها؛ هذا هو الحُب، لذلك فإنَّ التزامات الحُب أثمن بكثير جدًا من أي قوانين.
لو سألنا أي شخص وقلنا له: «هل تحب الله؟» سيجيبنا: «نعم، بالطبع»، فهل يعني هذا أنَّ كل الناس داخل دائرة أبناء الله؟ وإذا لم يكن الأمر كذلك، ما هي الخطوات التي تجعل الإنسان ابنًا لله؟
لا، ليس كل الناس هم أبناء الله، لأنَّه إذا أحب الإنسان الله، فهذ يعني وجود علاقة بينهما قائمة على المحبَّة، فالشخص قد يحب إنسانًا دون أن يكون له علاقة معه، فهناك من يُحب الممثلين والمشاهير إعجابًا بهم، دون أن يكون له أي علاقة معهم، لم يكلمهم يومًا ولم يقابلهم، بل يكتفي بمشاهدتهم فقط، وبالمثل هناك من يشاهد الله من بعيد، ويرى أنَّه جميل، ولكنَّه يفضِّل البقاء بعيدًا ولا يريد أن يدخل حياته، أمَّا الحب الذي نتحدَّث عنه فهو حُب يقوم على دخول الله إلى حياة الإنسان، فالله الغير محدود يقتحم حياة المؤمن، وبعض الناس تحافظ على نفسها ولا تريد علاقة مع كائن عظيم جدًا كالرب خشية أن يُبتلعوا، أمَّا الذي يُحب الله بحق فإنَّه يرغب أن يبتلِعه الله، أن يذوب فيه، أن يختفي فيه، ولتوضيح الفكرة أكثر: فالشخص المسيحي لا يُعَد كذلك لمُجرَّد أنَّه مكتوب في بطاقته الشخصية كلمة "مسيحي"، لأنَّ المسيحية هي علاقة شخصية مع الله، وطبيعة هذه العلاقة هي المحبَّة، ومن خلال هذه العلاقة يُعطى المؤمن لقب "ابن"، كما يخبرنا الكتاب المقدَّس.
إذن، ليس المسيحي هو من وُلد في عائلة مسيحية، واعتمد وهو صغير، فكُتب في الأوراق الرسمية أنَّ ديانته "مسيحي"، لكن المسيحي الحقيقي، بحسب قول بولس الرسول: «الختان ليس ختان الجسد، بل ختان القلب بالروح، ففي العهد القديم، كان الطفل يُختتن بعد ثمانية أيام من ولادته في الجسد؛ فالختان يمثِّل علامة في جسده تُظهر أنَّه رجل يهودي من هذه الديانة، ومن هذا الشعب اليهودي، ومن هذه الجماعة، وهذا ما قاله الرب يسوع المسيح لنيقوديموس، فقد قال نيقوديموس: «نعلم أنَّك أتيت من الله مُعلّمًا»، عندها بدأ يسوع الحديث بجدية قائلاً له: نيقوديموس، لكي تدخل ملكوت السماوات وتنتمي إلى العائلة السماوية، مع أنَّك فريسيّ وعضو في مجمع السنهدريم ومُعلِّم لليهود ورجل متديِّن حافظ للناموس، ثم قال له: «أنت بحاجة إلى أن تولد روحياً من فوق، تولد من الله ولادة روحية فتصير ابنًا لله»، فاستغرب نيقوديموس وقال: «كيف أستطيع أن أولد وأنا شيخ؟! هل أستطيع أن أدخل بطن أمي ثانية وأولد؟!» فأوضح له الربُّ يسوع المسيح: "ما أتحدث عنه هو ولادة روحية؛ فالمولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح هو روح"،
وقد شرح يوحنا الحبيب في انجيله مفهوم أن يكون المؤمن ابن لله، وذلك عندما يقبل الرب يسوع المسيح في قلبه رباً ومُخلِّصاً، فكلمة «رَبّ» تعني سيّدًا Lord ومَلكاً على حياة المؤمن، وقبوله مُخلِّصًا يعني الإيمان بعمل الفداء الذي تمّمه لأجلنا، إذ حمل خطايانا وفساد طبيعتنا البشرية الساقطة في جسده، فالإنسان يقبل المسيح في قلبه، وهذا القبول يعني أنَّه ارتضي أن يدخل معه في عهدٍ مقدَّس؛ أي "أنا أصير مِلكه وهو يصير مِلكي، هو يأخذ خطيَّتي وأنا آخذ برَّه، هو يأخذ ضعفي وأنا آخذ قوَّته"، فالمحبَّة هي ملكية مشتركة بين المؤمن والرب، فإذا لم يُعطِ المسيح المؤمن ممَّا عنده، فلن تكون له حياة، بل يبقى في حالة موت روحي، إذ إنَّ المسيح قد أعطاه قيامته، فصارت له قيامة المسيح وبرُّه، فلماذا إذن صار المؤمن ابناً؟ لأنَّه ينتمي للمسيح الذي هو الابن الأزلي، فليس المؤمن ابن بالطبيعة بل غريب بالطبيعة، لكنَّه صار في المسيح من العائلة الإلهية، فصار ابناً لله، لذلك تقول الآية: 12وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، 13اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللَّهِ.(يو1: 12-13)، إذًن، فالبنُوَّية هُنا تعني أنَّ المؤمن صار ابنًا لله، لأنَّه قبِل الابن المبارك، الذي حلَّ محلَّه على الصليب، وهذا هو اللقب الذي يطلقه الكتاب المقدَّس على المؤمنين في العهد الجديد، إذ يُدعون «أولاد الله».
حضرة القسيس، ما هي المميِّزات التي يتمتع بها أولاد الله؟
إنَّ قبول الرب يسوع المسيح بالإيمان في القلب يتضمن تغييراً داخلياً، فحلول المسيح بالإيمان في قلب المؤمن حاملاً خطيَّته بفدائه على الصليب يُعطيه قلباً جديداً، ويسكن المسيح بقوته وبقيامته في المؤمن، فيغيَّره من داخله إلى خارجه، فيصير لديه كنز صالح داخله، إذ يقول بولس الرسول: "لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية"، فيصير داخل المؤمن كنز إلهي، داخله المسيح، داخله قوة صليب المسيح وقيامته، وبهذا صار ابنًا لله، وهذه البنويَّة تجعل المؤمن يتحدَّث إلى الله كأب وكحبيب، فالمؤمن يحب الرب، ويهابَه، ويراه أبًا عظيمًا وإلهًا قديرًا، ويدرك أنَّه من عنده خرج وإليه سيعود، فقد رأى النور، وبدأ في تذوق طعم الحياة الجميلة مع الله، والنتيجة من هذا القبول أنَّه صار ابنًا، ليس الابن المبارك الذي هو المسيح، بل صار ابنًا لله، وغُفرت خطاياه، وصار له طبيعة جديدة بحلول المسيح في قلبه، طبيعة تكره الخطيَّة وتحب البرَّ وتصنعه، ونتيجة لذلك، أصبحت لديه علاقة حيَّة مع الله، وذاق الحياة الأبدية، فالحياة الأبدية هي أن نعرف الله، وقد بدأ يذوقها على الأرض، وهذا ما يجعله لا يرغب في عمل أي خطيَّة، التي كان يعيش فيها، ففي البداية قد يكون طعم الخطيَّة حلوًا، لكنَّه في النهاية مُرّ، أمَّا طعم محبَّة الله فهو دائم الحلاوة، وعلاقة المؤمن مع الله تجعله يستطيع أن يقول له: "بابا"، وأن يحسَّه، وأن يلمسه، وأن يسمعه، وأن يشعر بالأمان معه، فمحبَّته التي ملأت قلب المؤمن طردت الخوف إلى خارج (1يو4: 18)، فلم يَعُد الإنسان الذي قبِل المسيح وآمن به يخاف من الله، بل صار يهابه، ولم يَعُد يخاف من الناس، فقد بدأت علاقة المحبَّة بين المؤمن والله، وهي تشبه علاقة طفل مع أبيه، وكلَّما نما المؤمن في الإيمان، أدرك ورأى عظمة الله، وازداد حُبُّه له، وكلَّما رأى محبَّة الله ازداد حبه، وكلَّما رأى قدرته أكثر تعمَّقت ثقته به، وهكذا تنمو العلاقة وينمو المؤمن في النعمة والقامة والحكمة، كما كان المسيح ينمو عند الله والناس، كما جاء في إنجيل "لوقا": 52وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.(لو2: 52).
هل يجوز أن يبدأ المؤمن طريق الإيمان ثمَّ يتراجع عنه؟ هل من الممكن أن يخسر المؤمن علاقة البنويَّة مع الله، ويخسر حياته الأبدية في يوم من الأيام؟
إنَّ حياة الإنسان الأبدية أمر هام جدًا، فقد نال المؤمن لقب "ابن" عندما قبِل وآمن بالربِّ يسوع المسيح، كما يخبرنا الكتاب المقدَّس: "أعطاهم سلطان أن يصيروا أولاد الله، وأن يقولوا: "يا أبا الآب"، وأن يصلُّوا قائلين: "أبانا الذي في السماوات"، فهو ابن، ولديه علاقة بنويَّة مع الله، ولديه غفران لخطاياه، وطبيعة جديدة تمكِّنه من أن يُبغض الشر ويصنع الخير بقوة الله في داخله، هذه هدية من الله، لم يكتسبها بأعماله أو بصلاحه، بل اكتسبها بقبوله لها؛ هدية لم يدفع ثمنها، وكل ما كان عليه فعله هو أن يقبلها فقط، فعلى سبيل المثال: ذهب مريضٌ إلى الطبيب، فأخبره أنَّه يحتاج إلى عملية جراحية، فمن الذي سيُجريها؟ الطبيب لا المريض، دخل غرفة العمليات، فأجرى له الطبيب العملية، ماذا فعل المريض؟ كل ما فعله أنًّه ذهب إلى الطبيب وترك له أن يُجري تلك العملية في حياته، وهكذا صنع الله مع الإنسان؛ فلم تكن العملية الروحية مجرَّد إزالة شيء ما فقط، بل كانت إحلالًا أيضاً: خلع الإنسان العتيق وأوجد إنسانًا جديدًا، ونزع القلب القديم وأعطى قلبًا جديدًا، ليس للإنسان في ذلك فضل إلَّا أنَّه قَبِل عطية الله، أمَّا الأعمال الصالحة التي يعيشها المؤمن بعد ذلك فهي نتيجة وثمرة ما صنعه الله فيه، لذلك لا يمكن للمؤمن أن يفتخر بنفسه مُدَّعياً أنَّه أفضل من الناس، وأنَّه صار قادراً على أن يحب، وقادراً على أن يغفر، فالمؤمن الحقيقي لن يشعر بالكبرياء والتعالي، لأنَّه يعلم أنَّ الحياة الجديدة التي يعيشها إنَّما هي بنعمة الله، وهذا ما يجعله دائمًا متواضعًا ومتكلًا على نعمة الله، كما يعلم أنَّه في اللحظة التي يموت فيها وينتقل من هذا العالم يذهب إلى السماء، لأنَّ لديه ضمان الحياة الأبدية.
ما رأيك في ادِّعاء الآخرين أنَّنا، كمسيحيين، مُتكبِّرون، لأنَّنا نُعلن أنَّنا أبناء الله، بل ويعتبروننا أشدَّ تكبُّراً، حين نتحدَّث عن أنَّ لدينا ضمان الحياة الأبدية؟، إذ يسألوننا: من هو الإنسان حتى يضمن إرضاء الله إلى النهاية؟ ويستشهدون بقول الكتاب المقدَّس: «تَمِّمُوا خَلَاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ» (في2: 12).
في الكتاب المقدَّس، يقول الربُّ يسوع المسيح لنيقوديموس، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 16لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. 17لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ، بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ. 18اَلَّذِي يُؤْمِنُ بِهِ لاَ يُدَانُ وَالَّذِي لاَ يُؤْمِنُ قَدْ دِينَ لأَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ بِاسْمِ ابْنِ اللَّهِ الْوَحِيدِ. 19وَهَذِهِ هِيَ الدَّيْنُونَةُ: إِنَّ النُّورَ قَدْ جَاءَ إِلَى الْعَالَمِ وَأَحَبَّ النَّاسُ الظُّلْمَةَ أَكْثَرَ مِنَ النُّورِ لأَنَّ أَعْمَالَهُمْ كَانَتْ شِرِّيرَةً. 20لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ السَّيِّآتِ يُبْغِضُ النُّورَ وَلاَ يَأْتِي إِلَى النُّورِ لِئَلا تُوَبَّخَ أَعْمَالُهُ. 21وَأَمَّا مَنْ يَفْعَلُ الْحَقَّ فَيُقْبِلُ إِلَى النُّورِ لِكَيْ تَظْهَرَ أَعْمَالُهُ أَنَّهَا بِاللَّهِ مَعْمُولَةٌ». (يو3: 16-21)، وهناك العشرات من الآيات في الكتاب المقدَّس التي تؤكِّد على ضمان الحياة الأبدية، ويؤكِّد السيِّد المسيح ذلك قائلاً لليهود: "لكنكم لستم تؤمنون لأنَّكم لستم من خرافي كما قلت لكم خرافي تسمع صوتي وأنا أعرفها فتتبعني وأنا أعطيها حياة أبدية ولن تهلك إلى الأبد ولا يخطفها أحد من يدي".
هل يستطيع المؤمن أن يترك الرب ويرفض الاستمرار في علاقته معه؟
نعم، يستطيع، وذلك ما فعله "الابن الضال"، الذي كان يعيش في بيت أبيه وأراد أن يتركه وتركه بالفعل، إذ إنَّ له حق الاختيار، ورغم أنَّ المؤمن قد وضع له قلباً جديداً فهو يترك الرب، فحين يبتعد، لن يكون داخل النعمة وداخل ملكوت الله، أمَّا إذا كان يعيش معه كابن له، في شركة وعلاقة محبَّة معه، يكون لديه ضمان الحياة الأبدية بنسبة 100٪، أمَّا من يرفض المسيح من حياته، فإنَّ الله لا ينزع حريته، بل يظل لديه حرية الاختيار، فمن قبِل الرب قبله بحرية كاملة، وإذا جاء وقت وقرَّر أن يقول له: "لا، لا أريدك"، فلن يقول له: "لا يا حبيبي، لمرَّة واحدة تختارني فقط"، فليس كل من اعتمد يذهب إلى السماء، فالمعمودية وحدها، إذا لم تُصاحبها التوبة والإيمان، لا تضمن الخلاص، فلو أُعتمد الشخص وهو طفل، فهل تكفي هذه المعمودية لكي يذهب إلى السماء؟ لا، وهل تؤمن الكنيسة الأرثوذكسية أنَّ من اعتمد ويعيش حتى بأعمال البر، مهما كانت، سيذهب حتمًا إلى السماء؟ أيضًا لا، فلا يوجد ضمان، ولكن الضمان الحقيقي هو أن يعيش المؤمن مع الله.
هل يعني قبول المؤمن للربِّ يسوع المسيح ودخوله قلبه أنَّه صار قديسًا لا يعمل خطيَّة، مع أنَّ احتمال وقوعه في الخطيَّة وارد؟ وإذا حدث ذلك، هل يعني أنَّه صار بعيدًا عن المسيح وخارج دائرة أبناء الله؟
ليس الأمر كذلك، فنحن لا نتحدث عن الخطايا، فقد يسقط المؤمن وهو يعيش مع الرب، ولكن ذلك لا يُخرجه من علاقته معه، ففي العائلة، ماذا يفعل الأب عندما يُخطئ الابن، هل يُلقيه بعيدًا ويستبدله بآخر؟ بالطبع لا، بل عندما تتسخ ملابسه فإنَّ الأب يقوم بتنظيفه وتغيير ملابسه، وهكذا فإنَّ المؤمن لا يُستبدل لأنَّه يخطئ، بل يستمر في العلاقة ويقول لله كل يوم: "يا بابا، أنا أحبُّك ولا أريد أن أُحزن قلبك"، وعندما يُخطئ، يعترف ويقول: "أنا آسف، لم أرغب في أن أُحزنك، أنا أحبك". كما يوضِّح الكتاب المقدَّس أنَّ الصدِّيق يسقط في اليوم سبع مرَّات ويقوم". (أم24: 16، بينما الذي ليس صدِّيقاً، والذي لا يملك علاقة مع الله، فعندما يعمل خطيَّة قد يجد نفسه مُحبَّاً لتلك الخطيَّة فيستمر في عملها، أمَّا المؤمن الذي صار له علاقة حقيقية مع الله، فلم يُعَد مُحبَّاً للخطيَّة، وعندما يعملها فإنَّه يقوم ويشعر بالاشمئزاز من تصرُّفه ويتساءل: "ما هذا الفعل المشين الذي فعلته؟!"، فمثلاً، إذا كذب المؤمن، فإنَّه يذهب إلى الله ويقول: «لقد كذبت، لا أعرف لماذا فعلت ذلك؟» ثمَّ يُصلح الأمر بالاعتراف للشخص الذي كذب في حقِّه قائلاً له: «أريد أن أصحِّح الموقف، الأمس كذبت عليك والحقيقة هي كذا وكذا»، أمَّا الذي يحب الكذب، فلا يفعل ذلك، وإذا أخطأ المؤمن وشتم أحداً، يذهب إلى الله ويعترف: «ما هذا الذي قلته؟» فيرشد الله المؤمن قائلاً: «اذهب واعتذر له»، فيذهب المؤمن في اليوم التالي ويقول للشخص: «لقد قلت كلمة سخيفة جداً، وأرغب في الاعتذار لك»، فقد يشعر بالدهشة، لأنَّ غالبية الناس يشتمون غيرهم طوال اليوم ولا يعتذرون، أمَّا المؤمن الصدِّيق الذي يعيش مع الله، فعندما يسقط فإنَّه يقوم، فنحن نتحدث عن علاقة شِبَع مع الله، ونتيجة هذه العلاقة أنَّ المؤمن لا يقبل أن يعيش في الخطيَّة، وعندما يسقط يقوم على الفور، ويُصلح ما أفسده، وهو هُنا يقول لهم خبراً: أنتم أيُّها المؤمنون بالرب يسوع المسيح، الذين أصبحتم أولادًا له وتعيشون معه، أكتب إليكم لكي تعلموا أنَّ لكم حياة أبدية، ثم يُكمل حديثه قائلاً: 14وَهَذِهِ هِيَ الثِّقَةُ الَّتِي لَنَا عِنْدَهُ: أَنَّهُ إِنْ طَلَبْنَا شَيْئاً حَسَبَ مَشِيئَتِهِ يَسْمَعُ لَنَا.(1يو5: 14)، وهذا يعني أنَّ المؤمن لديه ثقة بأنَّه ابن لله وأنَّ له حياة أبدية، وعندما يطلب شيئًا وفق مشيئة الله تُستجاب طِلباته، فهو يعيش علاقة حقيقية مع الله، يسمعه ويراه، وعندما يعمل خطيَّة يكون موقفه منها واضحًا: أنَّه لا يقبل الاستمرار في الخطيَّة.
هناك بعض المؤمنون الذين يمرُّون بفترات من التوهان، وفقدان الهُويَّة، والفتور الروحي، وفقدان الدافع، فتبدو حياتهم وكأنَّها متوقفة، فهل هؤلاء المؤمنون سيذهبون إلى السماء؟ أمْ أنَّهم كانوا يوهمون أنفسهم؟
ما أعرفه جيداً هو أنَّ أولاد الله الحقيقيين، إذا ضعفوا يؤدِّبهم الله، تماماً كما يفعل الأب مع ابنه، فهو لا يعاقبه، بل يؤدِّبه ليصحِّح سلوكه ويهذِّبه، (عب12: 5-8)، فإذا رفض المؤمن التأديب، فإنَّه يصبح "نغول" أي ابناً غير شرعي، فما معنى ذلك؟ إذا حاول الله تأديبه قائلاً له: "حبيبي، لماذا تفعل هذا؟ إنَّك تضيع حياتك هكذا'، فإذا كان ردُّ المؤمن على الله: "اتركني وشأني"، يكون قد اختار أن يكون ابنًا غير شرعي، أمَّا الابن الشرعي فيقبل التأديب، لأنَّ الله لن يدينه في السماء، ولأنَّ الله لن يدينه، فينبغي أن يؤدِّبه هُنا على الأرض لأنَّه عادل، فليس لأنَّ المؤمن ابن لله يمكنه أن يفعل ما يريد، فلا يمكن لابن الله أن يعمل ما يريد هُنا على الأرض، ثمَّ يذهب معه إلى السماء، لأنَّ هذا يُعَدُّ تصريحاً بعمل الخطيَّة، فإذا بدأ الابن بعمل الخطيَّة ولم يُصلح ما أفسده، فإنَّ الله يؤدِّبه، ويُشعره بالألم دون أن يعاقبه، كما يؤدِّب الأب ابنه دون أن يؤذيه جسدياً، فقد يضربه بعصا ويقول له: "حبيبي، هذه خطيِّة، هذا يؤذيك، هذا يضيع حياتك، هذا يفقدك سلامك، وهذا يفقدك فرحك"، فإذا قبِل المؤمن التأديب، صار ابنًا حقيقياً لله وعادت روحه مستقيمة، وإذا رفض التأديب صار ابناً غير شرعي.
هل من الممكن أنْ يصل التأديب الإلهي لابن الله إلى حدِّ الموت وهلاك الجسد، لئلَّا يتمادى المؤمن أكثر في عمل الخطيَّة؟
لقد وصل الأمر في بعض الحالات إلى أن يبلغ التأديب حدَّ تسليم المؤمن ليتعرّض للتجربة من إبليس، حيث سقط شخص في خطيّة الزنا مع امرأة أبيه، وهو من أعضاء كنيسة كورنثوس واستمر في عمل تلك الخطيَّة، ولم يرِد أن يتوب ويرجع إلى الرب، وعندما علم بولس الرسول بذلك الأمر حكم في رسالته بأن يُسلَّم ذلك الشخص للشيطان، خوفاً على ذلك الشخص من أن يهلَك، وذلك بأن يُترك خارج دائرة الحماية الروحية وشركة الكنيسة، فيتعرّض لضربات قاسية من إبليس، لعلّه يتوب ويرجع إلى الرب، وذلك الرجل لم يمُت، بل تاب ورجع إلى الرب، ولهذا كتب بولس الرسول إلى كنيسة كورنثوس يطلب منهم أن يقبلوه من جديد ويُظهروا له المحبَّة، بعد أن تحقَّق الغرض من التأديب: اقبلوه ومكِّنوا له المحبَّة، لأنَّه تاب ورجع، وهكذا يتضح أنَّ الهدف من التأديب لم يكن هلاك الجسد، بل التوبة والرجوع، وعندما تاب الرجل عاد إلى شركة الكنيسة وقُبل بالمحبَّة من جديد، ولذلك يقول الكتاب المقدَّس: إن بعضكم يمرضون والبعض يموتون خوفا على حياتهم الأبدية، وذلك في سياق حديثه عن التأديب بسبب الاستهانة بعشاء الرب والأكل من الخبز والشرب من الكأس دون استحقاق.
يُشبه ذلك ما حدث في قصة "حنانيا وسفيرة"، فقد أخذهما الرب إلى السماء، لئلَّا يستمرا في العيش في الخطيَّة، فقد باعا الحقل الذي كانا يملكانه، واختلسا جزءاً من ثمنه وقدما المبلغ المتبقي كتقدمة إلى بطرس الرسول، فكان ذلك كذبًا على الله، فمات "حنانيا" وماتت زوجته "سفيرة"، إذ أخذهما الرب إلى السماء بدلاً من أن يتركهما ليضيعا، فقد كان مؤمنيْن حقيقيَّيْن، ولكنَّهما قرَّرا أن يعيشا في رياء، فأراد الله من خلال هذه القصة أن يقول للمؤمنين أمام الكنيسة كلها ما معناه: "لا للرياء، لا ينبغي أن تبدأ حياة الكنيسة بالرياء والزيف"، لذلك أخذهما الرب من العالم قبل أن يضعفا ويبتعدا، فصارت قصتهما مثالًا أمام المؤمنين، وأدَّى ذلك إلى حدوث خوف عظيم في قلوب المؤمنين، وقد قال الكتاب المقدَّس عن حنانيا وسفيرة إنَّهما مؤمنان ومن الكنيسة، وقد فعلا ما يفعله بعض الناس أحياناً، ومن خلال ذلك نرى أنَّ التأديب الإلهي قد يصل إلى المرض، أو إلى هلاك الجسد، أو حتى إلى الانتقال إلى السماء، لكي لا يهلَك المؤمن، إذ لا يريد الله أن يضيع أحدًا، والمؤمن الذي يعيش مع الله حين يبتعد عنه يعود مرَّة أخرى، لأنَّه يكتشف الفرق بين تعاسة الحياة بعيدًا عن الله، وبين شِبَع ولذَّة الحياة معه، فالاستنتاج الطبيعي أنَّ هؤلاء ينبغي أن يرجعوا، ولكن هل يرجع الجميع؟ لا يوجد لدينا هذا التأكيد، ولا ضمان لذلك، ولهذا يجب التحذير بأن: لا تستمرئ رحمة ربنا، ولذلك يقول الكتاب المقدَّس: "تمِّموا خلاصكم بخوف ورعدة"، وهُنا لا نتحدَّث عن الخوف من الله، بل عن مهابة لله، والعيش بهذه الطريقة حتى النهاية، إذ يوصي بولس الرسول تلميذه تيموثاوس : جاهد جهاد الايمان الحسن إلى النهاية، وامسك بالحياة الأبدية، ويقول الرب يسوع المسيح للتلاميذ الاثني عشر: "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلُص".
هل المقصود بقول الكتاب المقدَّس: «تَمِّمُوا خَلَاصَكُمْ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ» (في2: 12) أنَّ المؤمن قد نال خلاصًا ناقصًا يحتاج إلى أنْ يعمل عليه ليُكمِله؟ وهل تُعَدّ الأعمال الحسنة التي يفعلها المؤمن جزءًا من تتميم هذا الخلاص؟
بالطبع لا؛ فالمقصود ليس أنَّ الخلاص ناقص يحتاج الإنسان إلى أن يُكمله، بل إنَّ المعنى يشير إلى الاستمرار في طريق الخلاص والسير فيه حتى النهاية، كما في سباق ينبغي أن يُكمِلَه الإنسان إلى آخره، إذ يقول بولس الرسول: جاهدت الجهاد الحسن أكملت السعي حفظت الإيمان، ويُفهم من ذلك أنَّ المؤمن يجاهد ويحفظ الإيمان لأنَّه يعيش مع الله طوال الوقت؛ فهو يواصل السير في هذا الطريق حتى النهاية، كمن يجري في سباقٍ يعلم أنَّه يستحق أن يُكمَّل، فالمؤمن يعيش في الحياة الأبدية هُنا على الأرض، ولا يريد أن يخسرها، لأنَّ الحياة الأبدية هي العلاقة مع الله، ولذلك لا يريد أن يخسر هذه العلاقة.
أمَّا الأعمال الصالحة فهي تأتي دائمًا كنتيجةٍ للعلاقة والالتصاق بالله، ومن محبَّة المؤمن له من كل قلبه، أمَّا ما يتعلَّق بحديث "يعقوب" عن أنَّ الأعمال الحسنة تُظهر إيمان المؤمن، فيقول إنَّ "أعمالي تظهر ايماني"، فالإيمان يُنتج الأعمال الصالحة الحسنة من خلال محبَّة المؤمن لله وعلاقته به، وهذه المحبَّة هي التي تدفعه إلى التصرُّف الصحيح، وكما ذكرنا سابقًا، ليس "الخوف من الله" هو الذي يجعل المؤمن يفعل الصواب، بل "مهابة الله"، فمحبَّة الله وتقديره، والاستمتاع بالعلاقة معه، تعطي المؤمن قوةً هائلة ليرفض الشر ويصنع الخير، وينمو إلى تلك الصورة عينها، ويقتاد بالمسيح، ويتعلَّم من هذا المثال الرائع الذي غيَّر العالم من حوله، لا بسيفٍ ولا برمح، ولا بسلطانٍ بشري، بل بقوَّة حياة، وقوَّة حق، وقوَّة نور.
كيف يمكن للإنسان أن يصير ابناً لله في خطوات عملية؟
هذا الأمر في غاية البساطة، فالبساطة تكمن في أن يذهب الإنسان إلى الله بقلب تائب ومؤمن، فكلمة تائب تعني: أنَّه لا يريد أن يعيش حياته القديمة مُنفصلاً عن الله، أي يعيش بنفسه ولنفسه فقط، فالتوبة ليست مجرَّد التوقف عن عمل الخطيَّة، بل هي الرجوع إلى الله، لأنَّ الخطيَّة هي الانفصال عن الله، وهي التي تُنتج خطايا كثيرة، أمَّا التوبة فهي الرجوع إلى الله بندم على الخطايا وعلى البُعد عنه، كما في مثل الابن الضال حين قال: «أقوم وأرجع إلى أبي»، فهذه هي التوبة، ثم يقول له: "أنا خاطي، فقد أخطأت لأنَّني تركتك، وأخطأت في الأعمال التي فعلتها، لكن الخطأ الأكبر أنَّني تركتك، فكل الخطايا التي عملتها كانت نتيجة تركي لك"، إذن، التوبة هي الرجوع إلى الله، وأن يقول المؤمن له: "أريد أن أعيش معك، وأعيش لك"، لكن التوبة وحدها لا تكفي، إذ أنَّ ما يحوِّل التوبة إلى فعل هو الإيمان والتصديق أنَّ الله يحب الإنسان وبأنَّ المسيح مات بدلًا عن الإنسان وكفّر عن خطاياه، والإيمان بأنَّ توبة الإنسان ورجوعه يقبلها الله، ويضع خطيَّته على المسيح لأنَّه يحملها عنه، والتصديق بأنّه يقبله كشخص تائب، تمامًا كما لو أنَّ الابن لو لم يصدّق أنّ أباه سيقبله لما عاد، وعندما عاد وجد أباه يقبله بشكل يفوق تخيِّلاته، وهكذا عندما يرجع الإنسان إلى الله، يضمه بحضنه، ينظِّفه، يغسله، ويُلبسه ثيابًا جديدة، وتشرح قصة مّثل "الابن الضال" هذه الفكرة بأبعادها المختلفة.
إذ يحكي الرب يسوع للفريسيين والكتبة مَثَل (الابن الضال) ومثلين آخرين وهما الخروف الضال والدرهم المفقود، وذلك ردأ على تذمّرهم لأنَّه يقبل الخُطاة ويأكل معهم، فالتوبة والإيمان يشكلان خطوة واحدة متكاملة، يقوم بها المؤمن في قلبه بينه وبين الله، فينبغي أن يقرَّر كل إنسان يرغب في التوبة أن: "أقوم وأرجع إلى الله"، فيقول له: "أنا خاطي، اقبلني، أصدِّق أنَّك قبلتني، أصدِّق أنَّك سامحتني، أصدِّق أنَّه من اليوم لدي علاقة جديدة معك، أصدِّق أنَّ خطاياي مغفورة، أصدِّق أنَّك أعطيتني طبيعة جديدة، أصدِّق أنَّك تسكن في داخلي"، فإذا تاب المؤمن وصدَّق، يكون قد بدأ علاقة حقيقية مع الله، وبهذا يصبح ابنًا لله، ويشرع في ممارسة تلك العلاقة: بالصلاة، وقراءة الكتاب المقدَّس، وحضور اجتماعات الكنيسة، والتعرُّف على مؤمنين آخرين مثله يعيشون مع الله، لينمو الجميع معًا، وفي هذه الممارسة يستخدم "وسائط النعمة"، وليس "فروض الإيمان"، فهي وسائط للنمو الروحي، مثلما يحتاج الطفل حديث الولادة إلى وسائط للنمو كالرضاعة، وتغيير ملابسه، والاستحمام، واستنشاق الهواء، فهي ليست الحياة بذاتها، بل وسائط للنمو، وهكذا، يتحدَّث المؤمن إلى الله لتقوية علاقته به، ويقرأ الكتاب المقدَّس ليعرف الحق، ويذهب إلى الكنيسة للعبادة والفهم، لأنَّه طفل صغير في الإيمان، وليس للحصول على نقاط من خلال عمل الفرائض، أو القيام بأعمال صالحة تُذهب السيئات، بل لتغذية علاقة المحبَّة بين المؤمن والله، حتى تنمو وتصير مثل شجرة عظيمة تتآوى طيور السماء في أغصانها.
إذا كنت بعيدًا عن الله، وتبحث عن الحياة الأبدية، وتشعر بالعطش إلى الله، فالله يناديك، فقد خلقك لتعيش معه، وفعل ما لا يخطر على بالك لتستمتع بمحبته وبالحياة معه، فصلِّي معي في قلبك هذه الصلاة لتقدِّم توبة وإيمانًا حقيقيَّيْن وتصير ابنًا لله:
"يا رب، أتيتُ إليك بضعفي وبأشواق حقيقية، أريد أن ألقاك وأعيش معك، أريد أن أعرفك، أريد أن أنتمي إليك وأقول لك: "يا بابا"، أتيت إليك بتوبة حقيقية نادمًا على الأيام التي عشتها بعيدًا عنك وعلى الشر الذي صنعته أمام عينيك، سامحني وارحمني، أقبلني كما أنا، نظِّفني، اغسلني بدمك، وطهِّرني بحقِّك، واسكن في داخلي وغيَّرني، واجعل مني ابنًا حقيقيًا يعيش معك، يستمتع بك ويُرضيك، ويُشبع قلبك ويُفرحك بأنَّك تراه فرحانًا بك، وأعرف أنَّ محبَّتك تجعلك تحزن عليَّ ولا تغضب مني، يا رب، اقبلني، ومن اليوم فأنا ابنك، أعيش معك وأنا مِلكك، وذلك من أجل الرب يسوع المسيح الذي مات ووضع ذاته من أجلي، اسمعني وأجبني، لك الكرامة، آمين".
Before you gather the group
This lesson is 31 of 31 in “من حقك تفهم” — and the group will not take it in without what comes before it.
- 1Begin with a short review of the previous lesson, not with the new material.
- 2Ask the Study Companion which questions this lesson usually raises.
- 3Leave the practical summary until last, and turn it into a single step for each person.
“The Life of the Servant” (course nineteen) is the course set apart for training leaders.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — you have finished this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path