السماء
السماء
في هذه الحلقة نناقش موضوع السماء والجحيم: هل لهما طبيعة روحيّة أم ماديّة؟ لكن قبل ذلك نطرح سؤالاً أساسيَّاً وهو: كيف ستكون طبيعة أجسادنا بعد الموت وفي القيامة، بحسب ما يُعلنه لنا الكتاب المقدس؟
علينا أن نتفق على أنَّ الكتاب المقدَّس يتحدَّث بوضوح عن أن الربّ قد أعطى الإنسان من روحه،.(تك2: 7)، فقد وضع للناس أن يموتوا مرَّة (عب9: 27)، ثم يخبرنا الكتاب المقدَّس عن عودة التراب إلى التراب، أيّ الجسد البشري، قائلاً: «من التراب أخذت، وإلى التراب تعود»، وهو ما نجده في قول الربُّ لآدم بعد السقوط،.(تك3: 19، 23)، فإذن، ما يحدث بعد الموت هو أن أرواحنا هي التي تصعد إلى العالم الآخر وليس أجسادنا، كما جاء أيضاً في سفر "الجامعة": 7فَيَرْجِعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ وَتَرْجِعُ الرُّوحُ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهَا.(جا12: 7).
وحتى حين يتحدث بولس الرسول عن القيامة باعتبارها قيامة أجساد، يقوم بشرح المعنى المقصود، حيث يؤكِّد: أنَّ هذا الفاسد يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت، وأنَّه يُزرع جسماً حيوانياً ويُقام جسماً روحياً، كما جاء في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": 42هَكَذَا أَيْضاً قِيَامَةُ الأَمْوَاتِ: يُزْرَعُ فِي فَسَادٍ وَيُقَامُ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. 43يُزْرَعُ فِي هَوَانٍ وَيُقَامُ فِي مَجْدٍ. يُزْرَعُ فِي ضُعْفٍ وَيُقَامُ فِي قُوَّةٍ. 44يُزْرَعُ جِسْماً حَيَوَانِيّاً وَيُقَامُ جِسْماً رُوحَانِيّاً. يُوجَدُ جِسْمٌ حَيَوَانِيٌّ وَيُوجَدُ جِسْمٌ رُوحَانِيٌّ...53لأَنَّ هَذَا الْفَاسِدَ لاَ بُدَّ أَنْ يَلْبَسَ عَدَمَ فَسَادٍ وَهَذَا الْمَائِتَ يَلْبَسُ عَدَمَ مَوْتٍ. 54وَمَتَى لَبِسَ هَذَا الْفَاسِدُ عَدَمَ فَسَادٍ وَلَبِسَ هَذَا الْمَائِتُ عَدَمَ مَوْتٍ فَحِينَئِذٍ تَصِيرُ الْكَلِمَةُ الْمَكْتُوبَةُ: «ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ». (1كو15: 42- 54).
هل تشبه قيامتنا بأجساد روحية جسد الرب يسوع المسيح المُقام من بين الأموات؟
بالطبع لا، فجسد الرب يسوع المسيح، الذي قام من بين الأموات كان جسداً حقيقيَّاً؛ فالجسد نفسه الذي مات هو الذي قام، كما كان الحال عندما أقام الرب لعازر من الموت، فجسد الرب يسوع المسيح الذي مات هو الذي قام، إذ يقول للتلاميذ بعد قيامته: أنظروا إلى يديّ المثقوبة، أنظروا إلى جنبي المثقوب، أعطوني طعاماً وشراباً، (لو24: 36-46).
كيف استطاع جسد الرب يسوع المسيح، الذي مات وقام كما هو جسداً مادياً، أن يمُر عَبْر الحائط والأبواب المغلقة (يو20: 19، 26)؟
جدير بالذكر، أن الربَّ يسوع المسيح قبل موته وقيامته كان يقوم بمعجزات خارقة توضِّح سلطانه على الطبيعة، ومنها معجزة "المشي على الماء" في بحر الجليل، وكما كان كلما حاولوا أن يلقوا القبض عليه، كان يجتاز في وسطهم ويمضي، وقد حدث ذلك في الناصرة حيث تربى، وكذلك في الهيكل بأورشليم.
ما دلالة أن جسد الرب يسوع المسيح الذي مات هو نفسه الذي قام؟
لو لم يكن الأمر كذلك، لمَا كانت هناك قيامة، لأنَّ القيامة، بحسب ما يُعلنه لنا الكتاب المقدس تتلخص في قوله: "لن يرى فساداً"، وهي النبوَّة التي تحققت في شخص الربِّ يسوع المسيح، إذ يقول "داود" كما ورد في سفر "المزامير": 10لأَنَّكَ لَنْ تَتْرُكَ نَفْسِي فِي الْهَاوِيَةِ. لَنْ تَدَعَ تَقِيَّكَ يَرَى فَسَاداً. (مز16: 10)، لذلك فعندما دخل بطرس ويوحنا الحبيب القبر وجدا الأكفان كما هي، أمَّا الجسد فلم يكن فيها، إذ قام الجسد وخرج، فالجسد الذي قام هو نفسه الجسد الذي مات، لكنَّه تغيَّر أثناء صعوده إلى السماء، لأنَّ "لحماً ودماً لا يرثان ملكوت السماوات".
إذن، فإنَّ هذان الاثنان أيّ اللحم والدم لا يقدران أن يمكثا فوق في السماء، حيث إنَّه عالم غير مادي، وهذا هو ما سيحدث لنا أيضاً كمؤمنين، عندما يأتي الرب يسوع المسيح ثانيةً، كما يذكر الكتاب: "نحن - الأحياء - نتغيَّر في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير، ثمَّ يُقام الأموات عديمي الفساد، فالذين ماتوا في المسيح يقومون عديمي الفساد، أمَّا نحن، الذين ما زلنا أحياء، نتغيَّر إلى الجسد المُمجَّد، وهو جسد روحي وليس جسداً مادياً، لأنَّ لحماً ودماً لا يرثان ملكوت السماوات (1كو15: 50).
وعندما جاء الصدوقيّون ليسألوا الرب يسوع المسيح عن رجل تزوَّج من امرأة، ثم مات، فتزوَّجها أخوه لإقامة نسل لأخيه، بحسب شريعة موسى والنظام اليهودي المعمول به، فمات هو أيضاً، واستمر الأمر حتى تزوَّجت تلك المرأة السبعة إخوة ثم ماتت هي أيضاً، فسألوه: في السماء، لأيّ واحد منهم ستكون الزوجة؟ فأجابهم السيد المسيح: أنتم مخطئون، في السماء لا يزوَّجون ولا يتزوَّجون، بل يكونون كملائكة الله. (مت22: 23-33)، إذن، حتى عند القيامة، فإن أرواحنا، عندما نموت اليوم، تصعد إلى السماء بلا أجساد، وفي اليوم الأخير، حين نلبس الأجساد، وهي للأموات الذين يقومون عديمي الفساد، سنلبس أجساداً نورانية كالملائكة، وليست أجساداً من لحم ودم.
يخبرنا الكتاب المقدَّس أنَّه عند القيامة سنلبس، كمؤمنين، أجساداً روحية نورانية ملائكية، فهل يشمل ذلك جميع البشر، الأبرار والأشرار على حد سواء؟
هذا الأمر يختص بالأبرار فقط، فاليوم، أيّ شخص يموت، يذهب فوراً، إمَّا إلى الفردوس، أو إلى موضع العذاب، ولا توجد منطقة وسط بين الفردوس والجحيم، فبعد موت الإنسان مباشرة، تذهب روحه إلى مكانها على الفور، كما قال الرب يسوع المسيح للص المعلَّق على الصليب ناحية اليمين بعد إعلان إيمانه: «اليوم تكون معي في الفردوس». (لو23: 39-43)، فالفردوس هو مكان سماوي وليس مكان مادي، وأرواحنا ستبقي هناك مع الرب يسوع المسيح.
هل يُعَد الجحيم حقيقة مادية يعلنها الكتاب المقدَّس بوضوح، من خلال وصفه بالنار وصرير الأسنان (مت13: 42) والدود الذي لا يموت (مر9: 43-44)، وهي أوصاف يستحيل الجمع بينها، أمْ إنَّها مُجرَّد صور رمزية؟
يقول الرب يسوع المسيح عند تفسيره لمَثل (الحنطة والزوان)، كما جاء في إنجيل "متى": 41يُرْسِلُ ابْنُ الإِنْسَانِ مَلاَئِكَتَهُ فَيَجْمَعُونَ مِنْ مَلَكُوتِهِ جَمِيعَ الْمَعَاثِرِ وَفَاعِلِي الإِثْمِ 42وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. (مت13: 41-42)، ويقول في مَثل: (عُرس ابن الملك)، كما جاء في الإنجيل ذاته: 11فَلَمَّا دَخَلَ الْمَلِكُ لِيَنْظُرَ الْمُتَّكِئِينَ رَأَى هُنَاكَ إِنْسَاناً لَمْ يَكُنْ لاَبِساً لِبَاسَ الْعُرْسِ. 12فَقَالَ لَهُ: يَا صَاحِبُ كَيْفَ دَخَلْتَ إِلَى هُنَا وَلَيْسَ عَلَيْكَ لِبَاسُ الْعُرْسِ؟ فَسَكَتَ. 13حِينَئِذٍ قَالَ الْمَلِكُ لِلْخُدَّامِ: ارْبُطُوا رِجْلَيْهِ وَيَدَيْهِ وَخُذُوهُ وَاطْرَحُوهُ فِي الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ. (مت22: 11-13)، كما يقول في حديثه عن (العثرات)، كما جاء في إنجيل "مرقس":43وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ إِلَى النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ 44حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. (مر9: 43-44)، والمعنى المقصود بها هو الألم والعذاب، وليس شيئاً مادياً يعذّب أجساداً مادية، ولكن يبقى أن هناك عذاب.
والأمر ذاته نجده في القصة التي رواها الرب يسوع المسيح أيّ مَثل (الغني ولعازر). (لو16: 19-31). إذن، فموضع العذاب هذا أيّ الجحيم، الذي يصفه الإنسان الغني وكأنَّ جسده يتعذَّب، وهو يطلب من أبينا إبراهيم أن يرسل إليه "لعازر" لكي يبل طرف إصبعه بماء ويبرِّد لسانه، عبارة عن صورة رمزية في إطار مَثل، وليس تعبيراً عن أشياء مادية حقيقيَّة، فهو يتحدث عن الروح لا عن الجسد، فالمشترك هُنا، كما قال أبونا إبراهيم للغني: «الآن أنت تتعذَّب، وهو يتعزَّى»، فهو يتحدث عن الفرح والسعادة والعذاب، أيّ عن حالة روحية، وليس عن صورة مادية، فكل الصور المستخدمة هي صور مادية تُعبّر عن حالة العذاب.
هل يُفهم من مَثل "الغني ولعازر" (لو16: 19-31) أنَّ من يذهب إلى الجحيم قد يفاجأ بواقعاً مغايراً لمَا ورد في الكتاب المقدَّس، بحيث لا تكون جهنم كما اعتدنا أن نتصوَّرها ناراً مشتعلة (مرقس 9: 43-48)؟
مرة أخرى، إنَّ النار التي وصفها الرب يسوع المسيح في مَثل (عرس ابن الملك)، عندما يقول الملك: "اطرحوه في الظلمة الخارجية، هناك يكون البكاء وصرير الأسنان"(مت22: 11-13)، أو عندما يقول: "النار وصرير الأسنان"، كما جاء في إنجيل "متى": 42وَيَطْرَحُونَهُمْ فِي أَتُونِ النَّارِ. هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.(مت13: 42)، لا يمكن أن تُفهم حرفيَّاً، فإذا وُجد الإنسان في النار، لن يصرّ أسنانه بل سيصرخ من شدة الحرارة، لأنَّ صرير الأسنان يُعبِّر عن برودة شديدة، ولن تصبح ظلمة بل نار مشتعلة، فهي صور متضادة في ظاهرها، ولا يُراد بها أن تُؤخذ حرفياً، بل الغاية منهما واحدة وهي: الإشارة إلى العذاب، كما وصف الكتاب المقدس "السماء" في سفر الرؤيا، بأنَّها مدينة ذات شوارع من زجاج وأبواب، في حين نجد أنَّ الواقع الفعلي لا يحتوي على أبواب ولا أسوار ولا لؤلؤ، ولا بحار، ولا أسماك، ولا العديد من التفاصيل الأخرى المذكورة في تلك الصور الرمزية، إذ يقول يوحنا الحبيب، عندما يصف المدينة المقدَّسة (أورشليم الجديدة)، فإذن، هذه تعبيرات وصور مادية مادي تُستخدم لوصف السعادة والتعزية الأبديَّة، بينما في الجانب الآخر هناك الشقاء والعذاب الأبدي، إذ يتحدث الكتاب المقدَّس عن كائنات روحية وليست ماديَّة، بينما النار عبارة عن مادة.
ما الذي يستطيع أن يُعذِّب الروح، وما الذي يُسعدها؟
بادئ ذي بدء، يجب أن نفهم أن هذه مجرَّد صور رمزية، فقد زار بولس الرسول السماء ورجع، وهناك أيضاً أشخاص ماتوا وعادوا، وكان وصفهم لما رأوه متشابهاً جداً، وأنا أعرف شخصين ماتا وعادا، أحدهما مات وهو كبير والآخر مات وهو طفل صغير، وكلاهما أعرفهما جيداً في كنيستنا، فقد كان الأول كابن في الإيمان بالنسبة لي، وهو الآن طبيب يخدم في مستشفى بأسوان، والثاني أحد الخدَّام في كنيستنا، أمَّا بولس الرسول، فقد زار السماوات في زيارة خاصة، حيث يقول: أعرف إنسان أفي الجسد؟ لست أعلم أم خارج الجسد؟، ثمَّ يخبرنا قائلاً: لا أستطيع أن أصف ما رأيت، لا يسوغ لإنسان أن ينطق بها، إذ لا يوجد كلام يصف ما شاهدته، وفي رأيي أنَّه لا يوجد وصف لتلك السماء، كما أنَّه لا يوجد وصف لذلك الجحيم في كلمات، وكل ما ذُكر في الكتاب المقدس هو تعبيرات وصور مادية لوصف حالة معنوبة.
إذا كان العذاب والفرح الأبديان سيكونانً روحيَّان وليس جسديَّانً، باعتبار أنَّنا سنكون كائنات روحية، بينما نحن كبشر حسِّيّون نفهم الألم الجسدي ولا نشعر بأرواحنا كما نشعر بأجسادنا، فكيف يمكن أنْ نفهم حالة العذاب أو الفرح الروحي، بينما نحن لا ندرك إلَّا الأمور المادية؟ وهل يمكن أن يكون العذاب الروحي أشد قسوة من العذاب الجسدي؟
نستخدم الرسوم التوضيحية لفهم ما يتحدَّث عنه الكتاب المقدَّس بشأن الأبدية وأن روح الإنسان خالدة، سواء في السماء أو الجحيم، نحن غالباً ما نتصوّر الهناء والفرح الأبدي على أنَّه أكل وشرب، لكن الإنسان، كما أوضحنا سابقاً، مكوَّن من ثلاث دوائر متراكبة ومتداخلة في بعضها البعض، وهي: الروح، والنفس، والجسد، (أنظر شكل رقم1)، فما معنى أن تكون متراكبة ومتداخلة؟ يعني أن هناك نقطة تلاقي بين الروح والنفس، وأخرى بين الجسد والنفس، بينما الروح والجسد لا يندمجان في مكان واحد لكونهما ذات طبيعتين مختلفتين، فقد خلق الله النفس لتكون نقطة لقاء تربط العالم الروحي بالجسد، إذ يتعامل العالم الروحي مع الكائنات الروحية، والكائن الروحي الشهير هو الله، بينما يتعامل الجسد مع الكيان المادي أيّ العالم المادي، مثل: الطعام والشراب والملابس، وما إلى ذلك، أمَّا النفس البشرية، أيّ مشاعرنا وشخصيتنا كبشر، فلا تستطيع التعامل مباشرة مع الله، فهي تتفاعل أساساً مع الإنسان والجوانب النفسية للكيان البشري، بينما عندما نشرب النسكافيه أو الماء تنتعش أجسادنا، وليس أنفسنا.
روحروحنفسنفس
روح
روح
نفس
نفس
الله
النفس البشرية
جسدجسد العالم
جسد
جسد
(شكل رقم 1)
ماذا تعني بقولَّك إنَّ النفس تتعامل مع النفس البشرية؟
سأوضِّح المقصود بمثال: إنَّ الجسد يحب المانجو أو التفاح، بينما نفس الإنسان تحب شريك الحياة سواء رجلاً أم امرأة، فعلاقة الحُب مع الإنسان تشبع النفس، بينما المانجو لا تشبع النفس، بل تشبع الجسد، وإذا أحب الإنسان شيئاً ما، فإن ذلك ينعكس على حالته النفسية فيجعلها في حالة أفضل، فمثلاً عند الاكتئاب قد يشعر البعض بتحسُّن في حالته النفسية عند تناول الشوكولاتة أو الموز، لكن ذلك التحسُّن يكون محدوداً جداً، لأنَّه ناتج عن ارتباط جزئي بين النفس والجسد؛ إذ يؤثِّر كلٌّ منهما في الآخر، ولكن بدون اندماج كامل، فالتأثير موجود، لكنَّه ليس كلياً، وبالمثل، فإن شكل الجسد أو وجود إعاقة من عدمه قد يؤثِّر على الحالة النفسية للإنسان، فهناك من تؤدي الإعاقة إلى انكسار نفسيته، بينما نجد آخرين لديهم إعاقة ونفسياتهم مستقرة، وعلى العكس قد نجد من لا يعانون من أيّ إعاقة جسدية، ومع ذلك تكون حالتهم النفسية سيئة للغاية، فقد كان "نِيكولاس أو نِك فيوتشيك" Nick Vujicic بلا يدين ولا رجلين، وعندما جاء إلى مصر عام 2008م، وقدَّم برنامجه، تمت استضافته في برنامج «العاشرة مساءً» بقناة دريم، قالت له المذيعة: «أشعر أنَّني أنا المعوَّقة ولستَ أنت؛ فأنت تشعر بالفرح والابتهاج، بينما أنا حزينة ومكتئبة»، وهذا يوضِّح أنَّ هناك علاقة بين الجسد والنفس، لكنَّها ليست علاقة تطابق، بل ارتباطًا محدوداً، ولذلك قلنا إنَّ هناك مساحة مشتركة بينهما، وبالمثل، في العلاقة بين الروح والنفس؛ فعندما تشبع الروح بالله تنتعش النفس، كما أن تناول الطعام قد يُحسِّن الحالة النفسية قليلاً، لكن النفس تتحسَّن بصورة أعمق بكثير من خلال العلاقات الإنسانية الصحيحة، وتحزن بشدة بسبب العلاقات الإنسانية الخاطئة.
إذن، من هُنا نفهم أنَّ هناك ثلاثة أنواع من الألم وثلاثة أنواع من السعادة: هناك أشياء تُسعد الروح، وهناك أشياء تُسعد النفس، وهناك أشياء تُسعد الجسد، وكذلك، فهناك أشياء تُحزن الروح، وهناك أشياء تُحزن النفس، وهناك أشياء تُحزن الجسد، فعندما لا تكون للإنسان علاقة بالله، تكون الروح مطفأة، وحزينة، وميِّتة، وقد لا يشعر بها الإنسان، لكنَّه يشعر بفراغ داخلي دائم، وإحساس بأنَّ هناك شيئاً ناقصاً طوال الوقت ولا يعرف ما هو، فيحاول أن يُشبع ذلك الفراغ بعلاقات عاطفية أو بإنجازات مختلفة، وذلك الإحساس بالفراغ هو دليل على أنَّ الروح ليست حيَّة لأنَّها غير متصلة بالله، إذ إنَّ الروح لا تشبع إلَّا بالله، وهذا هو الشبع الحقيقي، أمَّا إذا لم يكن هناك إحساس بالفراغ الداخلي، فهذا يعني أنَّ الإنسان ليس لديه جزء فارغ داخله.
هل يمكن للإنسان أن يلجأ إلى إشباع النفس عند الشعور بالجوع الروحي؟
إن الروح لا تُشبَع بالعلاقات الإنسانية، فإذا جاع الإنسان روحياً وحاول أن يعوِّض ذلك بعلاقات إنسانية، فلن يجد الشبع الحقيقي؛ لأنَّ ما يُشبِع النفس لا يُشبِع الروح، وما يُشبِع الجسد لا يُشبِع النفس، وإنَّما يمنح قدراً ضئيلاً من التعويض بسبب تداخل هذه العناصر (كما هو موضَّح في شكل رقم 1)، لذلك، كل إنسان يشعر بأنَّ هناك شيئاً ناقصاً داخله ولا يعرف سببه، لا ينبغي أن يبحث عن التعويض في علاقاته مع الناس، بل أن يبحث عن الله، هذه التركيبة في غاية الأهمية، فعند الموت، يحدث الانفصال والقطع ما بين الجسد والنفس، وتلتحم النفس بالروح، التي تمثِّل شخصية الإنسان، فالنفس هي الشخصية، وهكذا يتكوَّن كائن روحي على مثال الله الذي له شخصية وله نفس، لكنَّه بلا جسد، فيحدث الانفصال بين الجسد والنفس، فتلتحم النفس بالروح وتذهب إلى خالقها، أمَّا الجسد فيعود إلى التراب، فاتحاد الروح بالجسد أوجد النفس، وعند انفصال الجسد تلتحم النفس بالروح، ومن هُنا نفهم أنَّ الأرواح متشابهة في طبيعتها، لكن النفوس مختلفة، لأنَّ النفس أو الشخصية هي التي تميِّز بين أرواح البشر، أمَّا الأجساد ففي النهاية تصير متشابهة، فالروح متشابهة في طبيعتها، وما يميّز الإنسان كشخصية ليس روحه، بل ما يميّزه هو شخصيته أيّ نفسه، ولا يصح أن يُقال إنِّ هذا القسيس مثلاً ذو روحانيات عالية جداً، أو إنَّ روحانيات ذاك الشخص ضعيفة أو متوسطة، أو إنَّه ليس لديه روحانيات على الإطلاق، لأنَّ هذا هي الخطأ الكبير: فأنا هو نفسي، أنا هي شخصيتي، أنا سامح، أنتَ جورج، أنتِ ماجي.
كيف نتعزَّى أو نشعر بالفرح من خلال الروح والنفس؟
إنَّ الناس الذين يعيشون على مستوى الجسد هُنا على الأرض، تكون سعادتهم محصورة في "الجسد" فقط، عن طريق تناول الطعام والشراب، والأمر ذاته ينطبق على "النفس"، فالغالبية من الناس يُعانون هُنا، لأنَّ علاقاتهم مكسورة ومجروحة، إذ يتأذون من الآخرين ويتأذى الآخرون منهم، وذلك لأنَّهم غير متصالحين مع الله، فاقدون الانتماء للإله العظيم، ويفتقدون المحبَّة الإلهية غير المشروطة، فيسعون لتعويض ذلك بالحًب البشري، لكن الحُب البشري حُب مشروط ولا يُشبع النفس، فمَا يُشبع النفس حقًا هو الحُب القادم من الروح، فإذا كانت النفس منفتحة والروح حيّة، فالروح تدخل إلى النفس وتشبعها، ومع ذلك، تظل العلاقات الإنسانية هامة جداً، فالبُعد الإنساني هاماً لدى الله، فقد سأل الفريسيون الربَّ يسوع المسيح عن (الوصية العظمى)، فأجاب: تحب الرب إلهك وتحب قريبك كنفسك، فلا يمكن أن تحبَّ الله الذي لا تراه، وأنت تبغض أخاك الذي تراه، ولذلك، لا يمكن فصل هذين العنصرين "الروح والنفس" عن بعضهما البعض، فالانفصال لا يحدث بين الروح والنفس، بل يحدث بين النفس والجسد عند الموت، وهذا هو الانفصال الحقيقي، وعندما نغادر هذا العالم، ندرك أنَّ الجسد قد انتهى وكل الأمور المادية زالت، فلا يتبقى إلَّا العالم الروحي فقط، فإذا كانت كل سعادة الإنسان مرتبطة بالأشياء المادية، فإنَّها تختفي، ويظل للإنسان ما له من ذكريات أليمة من الحياة، تمثل النفس، إضافة إلى الخطايا والآثام التي ارتكبها في حق نفسه والله والناس، والخطيّة، كما نعرف، تُنتج موتاً وتُنتج عذاباً، فيعيش الإنسان حينئذٍ مع عذاب الضمير؛ إذ يستيقظ الضمير وتفيق الروح، لأنَّ الضمير كامن في الروح، فيبدأ بتذكير الإنسان بكل ما ارتكبه من خطايا وآثام ومصائب في حق نفسه والناس والله، وهذا هو العذاب الحقيقي: عذاب الخطيّة، وهو عذاب أبدي شديد الإيلام، فآلام النفس على الأرض أشد بكثير من آلام الجسد، حتى إنَّ كثيرين من الذين يعانون من أمراضاً نفسية يتمنّون لو كانت أمراضهم جسدية، لأنَّ آلام النفس أصعب بما لا يُقارن بآلام الجسد.
أمَّا الإنسان في حياته الحاضرة هنا على الأرض، فغالباً ما يكون مخدَّراً، لأنَّ روحه تكون مُطفأة ومنغمساً في الجسد، ولكن حين يُطفأ سلطان الجسد وتُنير الروح، ويكون للإنسان علاقة حقيقية بالله ويشبع بها، يصبح قادراً على احتمال آلام الجسد بصورة لا تُقارن، وهذا ما يقوله الكتاب المقدَّس: 14رُوحُ الإِنْسَانِ تَحْتَمِلُ مَرَضَهُ أَمَّا الرُّوحُ الْمَكْسُورَةُ فَمَنْ يَحْمِلُهَا؟ (أم18: 14)، فالروح والنفس قادرتان على احتمال الجسد المكسور، أمَّا الروح والنفس المكسورتان، فلا يستطيع الجسد أن يحتملهما، لأنَّ ثقلهما أشد من ثقل الجسد، وعندما ينفصل الإنسان عن الجسد ويدخل إلى العالم الروحي، سواء إلى السماء أو إلى الجحيم، يكون حينئذٍ في حالة وجود روحي خالص، وفي حالة الابتعاد عن الله يكون هذا الابتعاد أبدياً، ولذلك يطلق الكتاب المقدَّس على هذه الحالة تسمية (الظلمة)، فمن يكون في السماء هو في النور، ومن يكون في الجحيم هو في الظلمة، ففي هذا الوضع يجد الإنسان نفسه مع الشر الذي صنعه، ومع كبريائه وأنانيَّته وفساده الذي عاش فيه، ويُعدّ الألم النفسي أشد إيلاماً من الموت الجسدي؛ إذ إنَّ انكسار النفس قد يدفع بعض الناس إلى الانتحار، ومن هُنا يُفهم العذاب بوصفه عذاب الخطيَّة ذاتها، وعذاب الانفصال عن الله، وفي المقابل، يُفهَم الشبع الحقيقي على أنَّه الشبع بالله نفسه، فالجحيم هو الذي فيه (الحرمان والخطيَّة).
ما المقصود بـكلمة "الحرمان" عندما يذهب الإنسان غير المؤمن إلى الجحيم؟
لكي نفهم معنى "الحرمان"، يجدر بنا أن نبدأ بشرح الجانب الإيجابي، إذ إنَّ هذا هو الفاصل الحقيقي بين الجحيم والسماء، ففي السماء يكون الله نفسه جل جلاله؛ هناك يكون حضور الله، ويكون الإنسان معه، وقد قال الرب يسوع المسيح للص اليمين: «الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ».(لو23: 43)، فالفردوس هو مكان وجود السيد المسيح، وبعد القيامة الأخيرة يُعبَّر عنه بـ (بيت الآب)، أو بالحياة في (حضن الآب)، أمَّا من لا يعرف الله، فلن يستطيع أن يفهم معنى هذه السعادة، ولن يدركها على الإطلاق، بينما من يعرف الله يفهم ويدرك ما أقوله، فالإنسان، وهو بعدُ في هذا العالم، عندما يتقابل مع الله ويقبل الله في قلبه، يشرق داخله نور، وهو ما يُعبَّر عنه بعبارة: «كنت أعمى والآن أبصر»، وهو ما ذكره المولود أعمى للفريسيِّين، فالمؤمن يعلن: "وجدتها، وجدت الحياة"، كما يُطلق عليها تسمية "الخليقة الجديدة"، وهي أيضاً الولادة من جديد، فقد وصف الكثير من الناس ممن قابلوا الله مشاعرهم قائلين: شعرتُ كأنَّني أسير فوق السحاب، لا على الأرض، لأنَّني تقابلت مع الله وأنا ما زلت في الجسد، فمن يتقابل مع الله لقاءاً روحياً ويقبل الله في حياته، ويحل الرب يسوع المسيح فيه بالإيمان، ويحدث له هذا اللقاء الحيّ مع الله، حينئذٍ يختبر فرحاً وسعادةً وهناءً وسلاماً يفوق الوصف، وجميع الذين نسمَعهم وهم يتحدثون عن اختباراتهم، عندما تابوا ورجعوا إلى الرب، يردِّدون الكلمات ذاتها؛ من الشرق والغرب، ومن مختلف الشعوب والثقافات، ومع ذلك، فإنَّ هذا الاختبار لا يُقارَن بشيء منظور، فالمؤمن لا يرى الله بعينيه بل يشعر به بروحه، لذلك فهو طفلٍ صغير في ملكوت السماوات، ويحيا في شركةٍ وعلاقة محبَّة دائمة مع الله، ومن حينٍ إلى آخر، قد يختبر المؤمن لقاءً فائقًا للطبيعة مع الرب، أثناء الصلاة مثلًا، إذ يتراءى الله له ويحلّ عليه بقوة، فيشعر بفرحٍ عميق ونشوةٍ لا تُوصَف، وقد حدث ذلك في حياتي عدة مرَّات، كما سمعت أنَّها حدثت في حياة أشخاص كثيرين جداً، وهو أمر لا يُقارن بأيّ شيء تصفه الكلمات، وأجمل بكثير جداً من الزواج والطعام والشراب.
فمن لم يقابل الله لا يعرف معنى السعادة الحقيقية والفرح الحقيقي، لأنَّ روحه قد صارت ميَّتة بسبب الخطيَّة، إذ يقول بولس الرسول: "إذ كنتم أموات بالذنوب والخطايا"، فالإنسان المنفصل عن الله لا يعرف معنى السعادة الحقيقية والفرح الحقيقي، والله رائع بما لا يُوصف من كلمات، ومقابلته مُبهجة ومُفرحة بما لا يُوصف من كلمات، فالإنسان يشعر بالسعادة مع من يحبّه بحسب طبيعة ذلك الشخص؛ فإن كان محبوباً، وجميلاً، ولذيذاً، يستمتع الإنسان بالوجود معه، أمَّا إنْ كان ثقيل الظلّ أو قاسياً، ساخراً منه، فقد يستمتع بالوجود معه، ولكنَّه في كل مرَّة يسأل نفسه: "لست أدري ما الذي أحبه فيه"، أمَّا الله فهو الجمال والكمال بكل معانيهما، لذا فإن دخوله حياة الإنسان هو اختبار لا يُوصف، المقابلات الشخصية التي بين المؤمن والله تمنح فرحاً لا يُوصف، بحيث يتمنى الإنسان أن يتوقف الزمن، غير أنَّ الله لا يُكمِل ذلك اللقاء إلى نهايته، لأنَّه يعلم أنَّ الإنسان قد يموت من الفرح، إذ لا يحتمل جسده روعة ذلك اللقاء.
أنت تصف مشاعرك لأنَّك قد اختبرت تلك المقابلة مع الله، ولكن كيف يمكن لإحدى الأمهات أن تجعل طفلها يحقق أمراً ما بدون أن توضِّحه له بطريقة يفهمها، بدلاً من أن تقول له: "إذا فعلت ذلك، ستحصل على نتيجة مبهرة، وستشعر بأحاسيس رائعة"، إذ قد يردُّ قائلاً: "لا أفهم ما تقولين"؟
حسناً، ولكن الابن يستطيع أن يرى مشاعر الفرح في عينيّ أمِّه، وهي تصلي في خلوتها مع الله، حيث يشرق وجهها نوراً، فالناس يدركون ذلك من وجه المؤمن، كما حدث عندما نزل موسى من جبل سيناء، بعد لقائه بالله وكان وجهه يلمع، يرى الناس هذه السعادة في عيون المؤمنين؛ فهي سعادة لا تُقارن بوجبة من اللحوم أو الحمام المشوي، ولا بكأس خمر، لأنَّ السعادة الناتجة عن تناول ذلك الطعام الفاخر ليست سعادة وقتيّة فحسب، بل سعادة دونيّة أيضاً، أمَّا السعادة الأبديّة فهي الله ذاته، فما الذي يجعل السماء جميلة؟ إنَّه الله، فنحن سنكون كائنات روحيّة هناك، فلا حاجة لنا للطعام أو الشراب، ولا للزواج أو الإنجاب، إذ إنَّ وصف السماء الوارد في سفر الرؤيا يعد وصفاً رؤيوياَ، بينما يركّز باقي الكتاب المقدّس على التسبيح والتمجيد والشركة مع الله، أمَّا الفقراء، الذين اختبروا الاستمتاع الحقيقي بالله، فيفهمون هذا الكلام، ويدركون أنَّ المكافأة الحقيقية في السماء ليست أنَّنا سنصير أغنياء، إذ لا معنى للمال هناك، فنحن لسنا لحماً ودَمَاً، ولا احتياج لامتلاك أشياء أرضيّة كالسيارات، بل الحياة هناك هي شبع بالله ذاته، لأنَّ "لحماً ودماً لا يرثان ملكوت السماوات، وقد أوضح الرب يسوع المسيح أن المؤمنين الذين سيذهبون إلى السماء: يكونون كملائكة الله في السماء، لا يزوَّجون ولا يتزوَّجون، وذلك في حديثه مع الصدوقيِّين، لأنَّ الزواج والتناسل يرتبطان بالجسد، بينما الحياة الأبدية لا تقوم على هذا النظام، إذ لا يكون هناك رجل وامرأة، بل «يكونون كملائكة الله في السماء»، وهو تصريح واضح من فم السيد المسيح نفسه، هذه هي السعادة الأبديّة، التي من يذوق عربونها هُنا يشتاق إليها وإلى الرب هناك، ولذلك يعبّر بولس الرسول عن هذا الاشتياق، كما جاء في رسالته إلى "فيلبِّي": 23فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاِثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. (في1: 23)، فلم يقل إنَّ له اشتهاء أن ينطلق ليكون في الجنة، بل ليكون مع الرب يسوع المسيح له كل المجد.
هل تبدأ الحياة الأبدية من هُنا على الأرض؟ وهل نستطيع، ونحن بعدُ في هذا العالم، أن نتذوَّق ولو شيئاً يسيراً ممَّا هو في السماء؟
نعم بالطبع، فإنَّ عربون الحياة الأبدية يبدأ من هُنا، ومن لا يكون له العربون هُنا على الأرض، فلن يذهب إلى السماء، ولن يراها، وهو ما يُعرف أيضاً بالدخول إلى "ملكوت الله أو ملكوت السماوات"، فالحياةُ الأبديةُ هي أنْ نعرفَ الله، إذ يقول الرب يسوع المسيح في صلاته، كما ورد في إنجيل "يوحنا": 3وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ.(يو17: 3)، لذلك نحن نذوق الحياةَ الأبديةَ هُنا منذ الآن، ومن لم يذُق العربون هُنا، فليس له حياة أبدية، وسيذهب إلى الجحيم، إذن، السماءُ هي الله ذاته، فما الذي يوجد في السماء؟ يوجد بها الشبعُ بالله، والمحبَّةُ المطلقةُ الكاملةُ مع الله ومع أولاده، وليست السماءُ حالةَ سكونٍ أو جمود، بل هي شركةٌ حيّةٌ، يوجد بها اللهُ والقديسون والملائكة، وكذلك المدينةُ الفاضلةُ التي لا دموعَ فيها ولا حزنَ ولا بكاءَ ولا ألمَ ولا مرضَ ولا موتَ ولا خوفَ، بل فرحٌ وابتِهاجٌ دائم، كما جاء في سفر "الرؤيا": 1ثُمَّ رَأَيْتُ سَمَاءً جَدِيدَةً وَأَرْضاً جَدِيدَةً، لأَنَّ السَّمَاءَ الأُولَى وَالأَرْضَ الأُولَى مَضَتَا، وَالْبَحْرُ لاَ يُوجَدُ فِي مَا بَعْدُ. 2وَأَنَا يُوحَنَّا رَأَيْتُ الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةَ نَازِلَةً مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ اللهِ مُهَيَّأَةً كَعَرُوسٍ مُزَيَّنَةٍ لِرَجُلِهَا. 3وَسَمِعْتُ صَوْتاً عَظِيماً مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْباً. وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهاً لَهُمْ. 4وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». (رؤ21: 1-4).
ألا يستحق المؤمن، الذي حرم نفسه هُنا على الأرض، وهو لا يفعل الخطيَّة ولا ينظر لامرأة، ولا يسرق، ويراعي ضميره، ويتحمّل المشقّات، ويسير بحسب ما يعلّمه الكتاب المقدَّس، أن يذهب إلى السماء ليستمتع قليلاً؟
إن المؤمن لا يمارس الزنى هُنا على الأرض لأجل أن يمارسه هناك في السماء، ولا يشرب الخمر هُنا لأجل أن يشربه أو يسكر هناك، فإذا كان هذا الفعل خطيَّة في الحياة الدنيا على الأرض، فهل يصبح أمراً مسموحاً به في السماء وفي محضر الله؟ّ! بالطبع لا، فالله لا يختبر المؤمن ليعرف مدى طاعته، فهذا ليس اختباراً، فإذا كانت النجاسة خطيَّة، والسُكر خطيَّة، والعربدة خطيَّة، وقلة الأدب خطيَّة، والمسخرة خطيَّة، فلن تصبح تلك الأمور مقبولة وصحيحة في السماء على الإطلاق، فعندما يعلن الله أن هذه الأفعال خطيَّة فهي خطيَّة دائماً، ولا يمكن أن تعتبر خطيَّة مؤقتة إلى حين أو في وقت معيَّن، ثم يسمح بها الله بعد ذلك، فالحقّ لا يكون محدوداً بزمان أو مكان، ولا يتحوَّل من باطل إلى حق، ولا من حق إلى باطل، لا توجد فكرة تقول إن شيئاً خاطئاً يصبح صحيحاً عندما يُكمَل، أو أن شيئاً صحيحاً يصبح خاطئًا عند الإكمال؛ فهذا أمر غير موجود لا في الدنيا ولا في أيَّ تفكير منطقي يمكن أن يتصوَّره الإنسان، وبادئ ذي بدء، فإنَّ (السماء) هي عالم روحي وليست من لحم ودم، إذ يوجد الله فيها، أمَّا (الجحيم)، فما عيبه؟ إن الله غير موجود فيه، إذن، فالجحيم هو الحرمان من الله، والحرمان من المحبَّة، والحرمان من الأمان، والحرمان من الأبوَّة الإلهية. وليس الأمر أنَّ الإنسان لا يسكر، ولا يزني، ولا يلهو، ولا يمارس تسلية كلعب الشطرنج، ولا يشاهد أفلاماً، وكأنَّ لا شيء يشغل به وقته، فالزمن هناك أبدي، وليس ذلك فراغاً قاتلاً فحسب، بل حالة يطلب فيها غير المؤمن الموت ولا يُوجد؛ يطلب الموت ويُتمنّى أن يكون نهاية، لكنَّه لا يكون نهاية أبداً، كما جاء في سفر "الرؤيا": 6وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ سَيَطْلُبُ النَّاسُ الْمَوْتَ وَلاَ يَجِدُونَهُ، وَيَرْغَبُونَ أَنْ يَمُوتُوا فَيَهْرُبُ الْمَوْتُ مِنْهُمْ. (رؤ9: 6)
كما لا يمكن لمن في الجحيم أن يقوموا بالترفيه عن أنفسهم ولو قليلاً، إذ لا توجد علاقات إنسانية، حيث يتوهَّم البعض أنَّ الأمر أشبه بحفلٍ تُشغَّل فيه الموسيقى ويجتمع الناس للرقص والأكل معاً، لكن هذا غير صحيح، فلا توجد علاقات إنسانية هناك، ولا شيء على الإطلاق؛ فكلُّ إنسان يكون وحده، جالساً في الظلمة إلى الأبد مع ذكرياته الآثمة، إذ لا علاقات إنسانية، ولا محبَّة، فمن رفض المحبَّة هُنا، لا يمكنه أن يحب هناك، ومن لم يعرف أن يحب الله والناس هُنا، لا يمكنه أن يحب هناك، ولا يوجد من يعزّي أو يواسي الآخر؛ فلا شيء هناك، بل فراغٌ كامل، وهذا مؤلمٌ للغاية.
هل يُعقَل أن يُعاقَب الإنسان عقاباً أبدياً بسبب اختيار خاطئ في حياته الأرضية المحدودة؟ وإذا كانت السماء تُوصَف بالفرح الأبدي، أفلا يكون الفناء كافياً كعقاب بدلاً من العذاب الأبدي في الجحيم؟
إن القوانين التي وضعها الله هي قوانين مطلقة، فما المقصود بكلمة "مطلقة"؟ أيّ إنَّها ليست عقاباً، بل نتيجة، فلا يوجد عقاب فيما قلته، فالله لا يعاقب أحداً، ولا يمد يده على أحد، بل يقول للإنسان: "جعلت قدامك الحياة والموت، البركة واللعنة، فاختر الحياة لتحيا، إذ تحب الرب إلهك وتلتصق به"، أمَّا الإنسان غير المؤمن، فهو الذي يقول: "لقد اخترتُ أنني لا أريد الله"، فهل يُعقَل بعد الموت أن يقول الرب له ستعيش معي؟! أو أن يُطالَب الله بإفنائه لأنَّه حُرم من السعادة الأبدية؟! بالطبع لا، فإنَّ هذا المخلوق الذي خلقه الله هو كائن أبدي، فكيف يمكن إفناؤه؟! لقد خلقه الله أبديَّاً، وإفناؤه بمثابة إفناء لكائن روحي، وهل سُمِع يوماً عن ملاكٍ يفنى؟! وهل الملائكة الذين سقطوا قد فَنوا؟! إنَّ المطالبة بالفناء هي مطالبة بما يتعارض مع طبيعة الكائن ذاته؛ فالمادة تفنى، أمَّا الكائن الروحي المخلوق من الله، مثل الملائكة الذين سقطوا، فلا يفنى، وهكذا يقف الإنسان أمام اختيار أبدي؛ ففي هذه الحياة يختار الأبدية إذ عرف وسمع، كما أنَّ "الذين بلا ناموس هم ناموس لأنفسهم"، فالإنسان الذي يختار اختياراً خاطئاً يجني نتيجة اختياره ويتحمَّل مسؤوليته؛ فهذا اختياره هو، فإذا قال: "اخترتُ أنني لا أريد الله، فسيكون من دونه"، وأنا لا أتحدث عن "عقاب"، بل عن "نتيجة"، ومن هُنا كان الخلاف الجوهري: هل قوانين الله عقاب أم نتيجة؟ والجواب أنَّها نتيجة، لأنَّ "ما يزرعه الإنسان إيَّاه يحصد أيضاً"، وهذا هو القانون الإلهي، ولذلك يختلف العذاب من شخص إلى آخر حسب حجم الخطيَّة التي ارتكبها.
هل الجحيم كله ليس متساوياً للجميع؟
نعم بالطبع، فليس كل من في الجحيم على مستوى واحد من العذاب، وذلك بحسب حجم الخطيّة التي ارتكبها؛ فهناك وضع يُحتمل عن وضع، وهذا ما يقوله الرب يسوع المسيح عند إرساله للتلاميذ ليكرزوا بملكوت الله أنَّ المدينة أو القرية التي ترفض الإيمان ستكون لـ"سدوم وعمورة" حالة أكثر احتمالاً منها يوم الدينونة، وهناك حقيقتان ذكرتهما وهما: "الحرمان والخطية"، فكل الذين في الجحيم جميعاً متشابهون في كونهم بدون الله، لأنَّهم لا يريدون الله، إذ يقول الأشرار غير المؤمنين: "بمعرفة طرقك لا نُسرّ"، فلقد عاش الإنسان غير المؤمن حياته من دون الله، قائلاً له: "لا أريدك، دعني أعيش حياتي بحرّيتي"، فمن يقول إنَّه لم يعرف الله، يعني بذلك أنَّه لا يريده، ففي أعماقه يعرف أن الله موجود، ولم يُبحث عنه، ولم يُعثر عليه، ليس لعدم القدرة، بل لعدم الرغبة فيه، فهو لا يريده، إذ يريد أن يعيش مستقلاً، مثل "الابن الضال" الذي قال لأبيه: "وداعاً"، وبالتالي، فقد اختار الإنسان أنَّه لا يريد الله، ولذلك يكون الجزء الأول من الجحيم هو الحرمان من الله، إذ لم يكن الله هو اختياره، وهذا الجانب يشترك فيه الجميع، أمَّا الجزء الثاني الذي يجنيه فهو الخطيَّة، ومن أجل ذلك فقد أوضحت أمرين يتعلِّقان بالجحيم وهُما: (الحرمان والخطية).
فالإنسان، يرتكب معاصي؛ يؤذي الناس، يعتدي عليهم، يظلمهم، يكذب عليهم، وقد يزني، وتظل هذه الخطيّة باقية ملازمة له ما دام الرب يسوع المسيح لم يحملها عنه، فقد حمل الخطيَّة بدلاً منَّا كمؤمنين من خلال الكفَّارة، بينما الإنسان غير المؤمن ما يزال يحمل خطاياه على كتفيه، فتظل الخطيّة ملازمة للإنسان، فيعيش معها، فتكون سبباً لعذابه، فالخطيّة تجعل الإنسان يجلس مع ضميره، وضميره يوجعه ويؤنّبه، ربما يحاول الإنسان التخفيف أو اللجوء إلى مسكّنات هُنا على الأرض، لكن في الجحيم لا وجود لأيّ مسكّنات، فيجد الإنسان نفسه وحيداً مع ذكريات آثمة فقط، بلا أيّ ذكريات أخرى تواسيه، فبحسب حجم ما ارتكبه من خطايا، يكون حجم العذاب الذي يقاسيه، فهو بيسكِّن ضميره هُنا من خلال تبرير أفعاله بأنْ يقول لنفسه: "من أجل الامبراطورية العظمى، من أجل الوطن، من أجل الكرامة"، ولكن هناك يستيقظ ضمير الإنسان الخاطي، فما أتحدَّث عنه هو عذاب يفوق النار، وقد يتصوَّر البعض أنَّ العذاب سيكون ناراً حقيقية، لكن الواقع أنَّه لا توجد نار ولا دود هناك، فالله لا ينتقم من الخُطاة، ولا يعاقبهم؛ فالعذاب الذي يختبره الإنسان هو نتيجة طبيعية لأفعاله وخطاياه، لأنَّ "ما يزرعه الإنسان إيَّاه يحصد"(غل6: 7)، فهذه هي القوانين الإلهية المُطلقة، فالحياة الأبديَّة هي معرفة الآب السماوي والرب يسوع المسيح (يو17: 3).
فلماذا لا يتعرَّض الأشخاص الذين سيذهبون إلى السماء للعذاب بسبب خطاياهم؟ السبب هو الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح، إذْ أنَّ خطاياهم قد أُخذت عنهم، فلا يحملونها على أكتافهم، وبماذا سيستمتعون؟ سيستمتعون بالله، وهو أروع من في هذا الوجود، على سبيل المثال، يمكن الاستمتاع بصحبة شخص عزيز ومحبوب، مثل الزوجة، التي هي إنسانة عظيمة جداً، وأستمتع بوقتي معها، لكنَّ ذلك يظل محدوداً مقارنة بعظمة ومتعة التواصل مع الله، ففي هذه الحياة هُنا على الأرض، يكون الإنسان المؤمن مع الله، والله غير حدود، ويصير الاثنان لبعضهما البعض، ويراه وجهاً لوجه، ويصير مثله على طبيعته الأبدية، ويكون معه إلى أبد الآبدين، ما أعظم هذا المجد وهذه السعادة والفرح الأبدي، وما أشدّ الشقاء في الجهة الأخرى، لأنَّ الإنسان غير المؤمن محروماً من كل هذا، ولا يقتصر الأمر على الحرمان فحسب، بل يعيش وحيداً مع خطيَّته التي صنعها طوال حياته.
إذا كان الشيطان، قبل سقوطه، ملاكًا من الكروبيم وكان يعاين الله ويعيش ذلك الجمال والمجد الموجودين في السماء، فكيف استطاع أن يعصي الله ويقرِّر أن يختار طريقًا آخر؟ وهل يعني ذلك أنَّ السماء لم تكن مُبهجة إلى الحد الذي يجعله يتمسَّك بها ولا يفكّر في عصيان الله؟
بما أنَّ الشيطان كان يعاين الله والمجد السماوي، ورغم ذلك فقد قرَّر أن ينفصل ويستقل عن الرب، لذلك لم تكن له فرصة للتوبة، فقد قال الشيطان في داخله: لماذا أظل تابعاً لله؟ فأراد أن يصير مثل الله، ولهذا السبب صار ساقطاً، وكان الشيطان يعرف ويدرك جيداً أنَّ لاختياره الانفصال عن الله نتيجة ينبغي أن يتحملها، لأنَّ الاختيار يفترض معرفة مسبقة، فما الذي فعله إبليس؟ لقد طمع في صلاح الله، وقال في داخله: «أرفع كرسيّي وأكون كالله، مساوياً لله»، و"لماذا لا أكون أنا الأعظم؟"، وهكذا ضحّى إبليس بالجمال والمجد، وهذا ما يفعله البشر أيضاً هُنا على الأرض؛ إذ يكون أمام الإنسان أن يستمتع بالله، لكن كبرياءه يمنعه من أنْ يعيش معه، فقد كان آدم وحواء مستمتعين بالله بحسب محدودية الجسد البشري، غير أنَّ الإغراء ذاته قد تكرَّر، وهو: «أكون كالله»، إن كبرياء الإنسان وكبرياء إبليس هو ما يقوده إلى الهلاك، وإلى اليوم ما زال كبرياء الإنسان هو السبب في ضياعه.
إذا كان الجحيم هو الانفصال عن الله، وكانت الخطيَّة التي يحملها الإنسان هي التي تعذّبه، فلماذا يوجد الجحيم إذن طالما أنَّها لم تُخلق للبشر (مت25: 41)؟
إنَّ شخصاً مثل هتلر، بما ارتكبه من أفعال مؤذية للبشر في الحرب العالمية الثانية (1939 - 1945م)، لا يمكن أن يتساوى على الإطلاق بشخص آخر بسيط، ولكنَّه قد عاش بعيداً عن الله، غير مهتم به، وكانت أقصى خطيَّة ارتكبها هي أنَّه كان يحلف أو يتلفظ بألفاظ غير لائقة، فلا يمكن أنْ يكون العذاب متساوياً في كلتا الحالتين، وفي الوقت نفسه، فالرب رحيم، ولا يمد يده ليعاقب الناس، وبالفعل فإنَّ البُحيَّرة المتقدة بالنار والكبريت، والنار الأبدية مُعدَّة لإبليس وملائكته (مت25: 41)، (رؤ20: 10).
إذا كان إبليس وملائكته وكل الذين تبعوه سينالون العذاب، فكيف يتعذَّب الشيطان بالحرمان من الله، وهو الذي قرَّر واختار بإرادته أن يستقل عنه، رغم أنَّه رأى الجمال والمجد السماوي؟
إن إبليس في الجحيم منذ سقوطه، وفي ظل هذا السقوط يسعى إلى الانتقام من الله من خلال البشرية، إذ يعلم أنَّ أغلى ما لدى الله هو الإنسان، فيحاول أن يأخذ البشر معه إلى الجحيم، لأنَّه يعرف أنَّ البشر هم موضوع محبَّة الله، والله يريدهم معه في السماء، لذلك يريد إبليس أن يكسر قلب الله عليهم، وهذه هي القصة كلها: قصة الحب والكراهية؛ فالله يحب، وإبليس يكره، والابتعاد عن الله هو الجحيم بعينه، ومن هُنا، تبدأ السماء من الآن، ويبدأ الجحيم أيضاً، كعربون لكل إنسان، فكل من وثق بالله وأحبَّه، مهما كانت خلفيته أو دينه أو فكره، يستمتع بمحضر الله في حياته الحاضرة هُنا على الأرض، وعند موته ينتقل فوراً إلى موضع حضور الله ليختبر التمتع به بصورة غير محدودة، بعدما كان يختبره هُنا بصورة محدودة، والعكس صحيح، فإنَّ كل من يعيش بعيداً عن الله، مهما كان غنياً أو فقيراً، لا يكون سعيداً؛ كما أنَّ السعادة والتعاسة لا ترتبطان بالظروف المادية، بل بعلاقة الإنسان بالله، فالإنسان قد يعيش التعاسة هُنا ويستطيع احتمالها مؤقتاً، لأنَّ دورة الحياة البيولوجية - كالطعام والشراب والنوم والاستيقاظ - تخفِّف من حدَّتها، ولكن عند توقف هذه الدورة تتحوَّل تلك التعاسة إلى تعاسة لا نهائية، وبالمثل، فإن السعادة التي يختبرها الإنسان مع الله هُنا تتحوَّل - عند انتقاله إلى العالم الأبدي - إلى سعادة لا نهائية، لأنَّ الإنسان ينتقل إلى العالم اللانهائي، لذلك توجد سعادة لانهائية وتعاسة لانهائية.
يخبرنا الكتاب المقدس بأنَّنا في القيامة سنصير مثل ملائكة الله (مت22: 30)، فهل يعني ذلك أننا سنصير مثل الملائكة؟ وهل هم أفضل منَّا في شيء؟ ولماذا لا نصير نحن كيانًا مختلفًا؟
على العكس تماماً، حيث يقول الكتاب المقدَّس أن الملائكة هم أرواح خادمة للبشر لكي نرث الخلاص، فطبيعة الإنسان وشكله وجسده ستصبح كملائكة الله، إذ سينتقل من العالم المادي، العالم الجسدي المكوَّن من اللحم والدم، إلى طبيعة روحية، فيصير كملائكة الله، ولهذا، عندما كان يسوع يتحدث عن الزواج، أوضح أنَّه لا يوجد زواج في السماء، لأنَّ الوجود في ذلك العالم الروحي ليس لحماُ ودَمَاً، فأجسادنا ستصير مثل أجساد الملائكة وذات طبيعة روحية، وبسبب تلك الطبيعة الروحية سنقدر أن نرى الله ونعاينه، فالعين البشرية لا تستطيع أن ترى الله، لأنًّها عين مادية، أمَّا حين تتحوَّل إلى عين روحية، مثل عيون الملائكة، فإنَّها ترى الجلال الإلهي والنور الأبدي، وهكذا تتحوَّل الطبيعة المادية التي نعيش فيها الآن إلى طبيعة ملائكية، أيّ أجساد نورانية، وسنكون أعظم من الملائكة، لذلك سنكون مثل الرب لأنَّنا سنراه كما هو، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: 2أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. (1يو3: 2).
هل سيكون جزء من متعة السماء أن يكون للإنسان وقت للمعرفة والمقابلة مع الآخرين، مثل لقاء بولس الرسول والتحدث معه، أو مقابلة أشخاص يحبهم لمعرفة أكثر عن تعاملات الله معهم، بحيث تتاح له الفرصة للقاء الإخوة والأخوات الذين رآهم والذين لم يرهُم بعد، والتحدث معهم؟
نعم بالتأكيد، ولذلك رسمت هذا في الرسم التوضيحي الذي يشتمل على:(الله وأولاده)، وهذه هي المدينة الفاضلة، فنحن إذن سنعرف كما عُرفنا، فنحن نعرف بعض المعرفة عن الله هُنا على الأرض، وهذه المعرفة ممتعة للغاية، خصوصاً عندما تتعلَّق بالله، لأنَّ هذه أروع معرفة يمكن أنْ ينالها الإنسان، فالحياة عبارة عن علاقة، والعلاقة حب، وأروع علاقة هي العلاقة بالله، وكلما ازداد الإنسان معرفة، ازداد استمتاعه به، فالله يقول: "انت تعرف بعض المعرفة"، فالإنسان يعرف بعض المعرفة هُنا لأنَّه محدود، لكنَّه يُعرف بكامله من قِبل الله، الذي يعرفه معرفة تامة تشمل أعماق همساته ومشاعره، وليس عدد شعرات رأسه، كما يُقال: "سأعرف كما عُرفت"، أي سأنال المعرفة الكاملة التي تُشبع كل احتياجاتي، وأروع معرفة هناك هي أن أعرفه هو، وأن أفهم أبعاد حبه ورحمته وجماله وجلاله، والأبدية متاحة للإنسان ليكتشف الله بكماله وجلاله، وبما أنَّ الله غير محدود، فإنَّ هذه الأبدية هي أبدية غير محدودة، مما يجعلها ممتعة للغاية.
Before you gather the group
This lesson is 29 of 31 in “من حقك تفهم” — and the group will not take it in without what comes before it.
- 1Begin with a short review of the previous lesson, not with the new material.
- 2Ask the Study Companion which questions this lesson usually raises.
- 3Leave the practical summary until last, and turn it into a single step for each person.
“The Life of the Servant” (course nineteen) is the course set apart for training leaders.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — 2 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path