أسئلة عن الفداء (3)

Lesson 19 of 31 · من حقك تفهم

  1. أسئلة عن الفداء (3)

    لماذا انتظر الله آلاف السنين للفداء، بينما كان يمكن التدخل منذ سقوط آدم لتجنب معاناة البشرية، علماً أن خطة الفداء كانت محددة منذ الأزل؟

    يمكن الإجابة على الجزء الأول من السؤال حين نقرأ أن "المسيح قدَّم نفسه للآب بروح أزليّ"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": 14فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ المسيح، الذي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلهِ بِلَا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا الله الحي !(عب9: (14، والمقصود هُنا أن الفداء والكفَّارة قد حدثا بالفعل منذ سقوط آدم وحواء في الخطيَّة، ولذلك، عندما تاب كل من آدم وحواء قبِل الله توبتهما بناء على كفارة المسيح، وهي تفهم ضمنياً عندما صنع لهما الرب أقمصة من جلد لستر عورتهما، كما جاء في سفر "التكوين": 21وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.(تك3: 21)، وكذلك عندما "آمن إبراهيم حُسب له براً"، كما يضيف السفر ذاته: 6فَآمَنَ بالرب فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا .(تك15: 6)، وأيضاً، عندما يقول داود في سفر "المزامير": 1طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. 2طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ. (مز32: 1-2)، فلم يحسب له الرب خطيَّة بناءً على عمل الفداء الذي تم بالفعل، إذ قُدِّمت الكفَّارة بروح أزليّ لتغطي البشرية جميعها.

  2. أمَّا إجابة الجزء الثاني من السؤال فتدور حول سبب حدوث الفداء والكفَّارة في ذلك الوقت من التاريخ، حيث يقول الكتاب المقدس أنه في "ملء الزمان جاء ابن الإنسان"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": 4وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزمان، أَرْسَلَ الله ابنه مَوْلُودًا مِنِ امرأة، مَوْلُودًا تَحْتَ الناموس. (غل4:4)، ويمكن تشبيه الزمن بدائرة، فقد (جاء المسيح في ملء الزمان) أي في مركز الزمن، و(قدم نفسه بروح أزليّ) أي أنه قد غطَّى بكفَّارته جميع من كانوا قبله، كما أنه قد جاء في لحظة من التاريخ مما يسمح باستمرار تأثير عمله الكفَّاري على الصليب لجميع من جاءوا بعده، فلا ينتهي عمله بنهاية الأيام التي قضاها على الأرض.

    إذن، فلدينا نقطتان هامتان هما فيما يتعلق بزمن مجيء الرب يسوع المسيح

  3. أزلية واستمرارية عمل المسيح الكفاري.

    وثانياً: استعداد البشرية لاستقبال ذلك العمل الإلهي.

    إذ إنه قبل ذلك التاريخ كانت قدرة البشرية على تسجيل تاريخها من خلال عمليات التدويِن والحفظ ضعيفة للغاية، بجانب أنه لم يكن هنا طرق كافية تسمح بانتشار الحقيقة عبر العالم، ولذلك، كان عصر الإمبراطورية الرومانية هو أفضل وأنسب العصور القديمة لمجيء المسيح، حيث احتلت جميع الدول المُطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، وتم إنشاء الطرق والمُدن وخطوط الملاحة والسفر، ولكن ذلك لم يكن هناك سوى الحروب والتدمير وكل ما لا يحفظ ويضمن للشيء البقاء والاستمرارية عبر العصور، فقد أزالت ومحت كل الحضارات التي سبقتها مثل الحضارة المصرية التي تبقى منها القليل من السجلات والوثائق المبعثرة.

    إذا كنا نفكر بنفس المبدأ وهو أزليِّة واستمرارية عمل المسيح الكفَّاري واستعدادات البشرية لاستقبال الفداء الإلهي، فلماذا لم يأتِ المسيح في عصر التكنولوجيا الحديثة، حيث ينتشر الخبر بضغطة زر واحدة فيذاع في كل الدنيا؟

    إذا جاء المسيح في القرن الـ20م أي عصر التكنولوجيا الحديثة، سيكون مجيئه في وقت متأخر جداً، بينما يستطيع المجيء من ألفيّ سنة قبل انتشار التكنولوجيا ونحتفظ أيضاً بإنجيله وكلمته كما هي لدينا الآن في الكتاب المقدس، حيث إن مجيئه في ذلك الوقت يمثل قيمة كبيرة جداً، إذ جاء في أبدر لحظة في التاريخ تحقق استمرارية ما فعله، وأبدر لحظة في التاريخ تكون البشرية فيها في حالة استعداد تام، فقد اتفقنا سوياً أن مجيء الرب يسوع يهدف إلى إعلان النور (المعرفة) عن: (من هو الله الكامل الحقيقي)، و(من هو الإنسان الكامل الحقيقي)، بجانب تحقيق (الفداء) الذي قدَّمه المسيح بروح أزليّ لدى الله (عب9: 14) ليكون ملموساً وواضحاً للبشرية كلها، فذلك كان أفضل وقت في التاريخ لمجيء المسيح، وأبدر وقت في التاريخ في زمن الإمبراطورية الرومانية، التي سيطرت على منطقة حوض البحر المتوسط بأكملها، واستقرت لأطول فترة زمنية، لكن ما قبل هذا كان عبارة عن حروب وامبراطوريات تسقط وتنهار وتدوم لفترة زمنية قليلة، حيث تدمِّر وتمحو الدول الكبيرة ما قبلها من دول وحضارات، لذلك، فقد كان الاحتفاظ بالعهد القديم أمراً صعباً للغاية، وبالكاد تم الاحتفاظ بأسفاره لليهود فقط ولم يخرج إلى العالم، ثم تمت ترجمته قبل مجيء الرب يسوع المسيح، وهي الترجمة المعروفة بـ (الترجمة السبعينية) حوالي 250 ق.م بمدينة الإسكندرية في مصر في ذلك العصر الذهبي، وذلك استعداداً لمجيء المسيح، فصار العهد القديم مُتاحاً للقراءة باللغة اليونانية، التي هي لغة الحضارة والثقافة في ذلك الوقت في جزء كبير من العالم، والتي استخدمها الرومان أنفسهم، بمعنى أنهم احتفظوا باللغة اليونانية والحضارة اليونانية بينما ظلت لغة الدولة الرسمية هي اللغة اللاتينية، رغم وجود اللغة الآرامية واللغة العبرية في ذلك الوقت، لذلك فقد كان ذلك الزمن التاريخي هو أنسب وأفضل وقت لمجيء المسيح إلى العالم من حيث استمرارية ما يقوم به، وأن ينتشر الإنجيل في كل أرجاء العالم، فقد كانت هناك طرق معبَّدة وخطوط ملاحية للبواخر لا نظير لها مكّنت الكنيسة من السفر من مكان إلى آخر، فقد كان هناك تمهيد تاريخي لمجيء المسيح التاريخي.

  4. ماذا لو جاء المسيح للفداء في وقت مبكر، للحد من الشر المتسارع، علماً بأن الخليقة كلها تئن وتنتظر الخلاص بسبب فساد الطبيعة البشرية بعد ابتعاد الإنسان عن الله؟

    لم يترك الله نفسه بلا شاهد في جميع الفترات التاريخية، وهذا ما نراه في العهد القديم، فقد كان هناك أنبياء وصوت إلهي بشكل مستمر، وذلك لدعوة الشعوب للرجوع إلى الله، وليس شعب إسرائيل فحسب، بل أيضاً للشعوب الأخرى، وذلك ما نجده في قصة (يونان) وشعب مدينة (نينوى) الواقعة في مملكة آشور قديماً (العراق حالياً)، فمدينة نينوى بأكملها تتوب وترجع إلى الله بمناداة نبي وهو يونان، كما جاء في سفره: 1ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً: 2«قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا». 3فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلَّهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. 4فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَنَادَى: «بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً تَنْقَلِبُ نِينَوَى». 5فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللَّهِ وَنَادُوا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحاً مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. 6وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. 7وَنُودِيَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ، وَلاَ الْبَهَائِمُ، وَلاَ الْبَقَرُ، وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئاً. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. 8وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ وَيَصْرُخُوا إِلَى اللَّهِ بِشِدَّةٍ وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ (يون3: 1-8).

  5. فالله لم يترك البشرية يوماً ما، إذ لم يترك نفسه بلا شاهد عبر التاريخ، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": 16الَّذِي فِي الأَجْيَالِ الْمَاضِيَةِ تَرَكَ جَمِيعَ الأُمَمِ يَسْلُكُونَ فِي طُرُقِهِمْ - 17مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ - وَهُوَ يَفْعَلُ خَيْراً يُعْطِينَا مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَاراً وَأَزْمِنَةً مُثْمِرَةً وَيَمْلأُ قُلُوبَنَا طَعَاماً وَسُرُوراً». (أع14: (17-16، كما أعطى لشعبه كلمته المقدسة - في العهد القديم - وصارت سراجاً لأرجل الناس ونوراً لطريقهم، كما جاء في سفر "المزامير" 105سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي.(مز119: 105)، وقد أهدت كلمة الرب الكثير من البشر، وتنبأ الأنبياء في العهد القديم على العديد من مدن العالم وليس على إسرائيل فحسب، مثل: نبوَّات من جهة كل من: دمشق، آرام، مصر، مواب، عمُّون، آدوم، فلسطين، صور، صيدا، بابل، نينوى، قيدار، عيلام ، كما نرى في أسفار: إشعياء، إرميا، حزقيال، عاموس، ناحوم، صفنيا، فالله يرسل كلمته للشعوب وللأمم عبر الأجيال ولم يترك نفسه بلا شاهد، بجانب شهادة الضمير البشري في قلب الإنسان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": 14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً (رو2: 14-15).

  6. كيف أعدَّ الله البشرية لقبول فكرة الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح؟

    وهذا هو الجزء الثاني من إجابة السؤال الخاص بزمن مجيء الرب يسوع المسيح وهو الأكثر أهمية، أي مدى الاستعداد البشري لقبول فكرة الفداء، فلم يكن ممكناً أن يأتي الرب يسوع قبل أن يُعد الله الشعب من خلال الناموس والشرائع والأحكام التي وضعها في العهد القديم، بالإضافة إلى النبوَّات المتعددة عن مجيء المسيَّا المنتظر، وهو ليس أحد الأنبياء بل أعلى وأسمي من الأنبياء بكثير جداً، فلا يمكن أن يتساوى الرب يسوع المسيح ابن الله مع إيليا أو أليشع، فالتمهيد لمجيء الرب يسوع المسيح كان ضرورياً وهاماً للغاية، حيث وضع الله الناموس من أجل إعداد وتجهيز البشرية لمجيء الرب يسوع، ويجيب بولس الرسول عن سبب وضع الله للناموس، كما جاء في رسالته إلى "غلاطية": 19فَلِمَاذَا النَّامُوسُ؟ قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ وُعِدَ لَهُ، مُرَتَّباً بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ. (غل3: 19)، فالناموس كان مؤدبنا للمسيح، كما يوضِّح بولس الرسول في الرسالة ذاتها: 24إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. 25وَلَكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإِيمَانُ لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ. (غل3: 24-25).

  7. فقد أظهر الناموس عدم قدرة الإنسان على حل مشكلته بنفسه، بل أنه يحتاج إلى تدخل إلهي، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": 20لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الخطيَّة. (رو3: 20)، وأظهر لنا الناموس أيضاً أن الإنسان لا يستطيع إظهار برَّه الشخصي الذاتي، كما يؤكد بولس الرسول في الرسالة ذاتها: 23إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ. (رو3: 23)، والإنسان لا يستطيع إصلاح العوج الذي به، كما ورد في سفر "الجامعة": 15اَلْأَعْوَجُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَٱلنَّقْصُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ. (جا1: 15)، ولا يمكن للإنسان أن يحيا في طرق الله المستقيمة، كما يقول داود في صلاته في سفر "المزامير": 4طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي. (مز25: 4)، ولا يمكنه أن يحفظ الوصايا الإلهية جميعها، كما ورد في رسالة "يعقوب": 10لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ ٱلنَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الكل. (يع2: 10)، فقد انتظر الله ذلك الزمن الطويل قبل أن يتمم عمل الفداء في شخص الرب يسوع المسيح وذلك ليبرهن للإنسان أنه مهما حاول أن يلتزم بعمل الوصايا فهو لن يستطيع على الإطلاق.

  8. فالناموس يؤكد عدم قدرة الإنسان على حفظ الوصايا لأنه يرتكب الخطيَّة، والحل في تقديم ذبيحة كفارية في كل مرة يخطئ فيها الإنسان، كما جاء في سفر "اللاويين": 11لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. (لا17:11( و(عب9: (22، وحتى من قبل وضع الناموس في زمن إبراهيم، نرى أنه صنع مذبحاً ليقدم ابنه اسحاق كما طلب منه الرب، ثم طلب منه ملاك الرب أن يرفع يده عن ابنه، وقدم عِوضاً عنه ذبيحة، كما جاء في سفر "التكوين": 9 فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. 10ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. 11فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ إِبْرَاهِيمُ». فَقَالَ: «هَئَنَذَا» 12فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئاً لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». 13فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكاً فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضاً عَنِ ابْنِهِ. (تك22: 9-13)، وأيضاً عند إخوتنا المسلمين، يُقال: "وفديناه بذبح عظيم"، وليس: وفديناه بعفو عظيم.

  9. إذن، فقد أعدَّ اللهَ ذاكرة البشرية لقبول فكرة أن الإنسان يحتاج إلى تقديم ذبيحة كفَّارية عن خطاياه، وليس إلى عفو، وذلك من خلال الناموس بداية من إبراهيم إلى وقت مجيء المسيح، وبالتالي، حين جاء المسيَّا المنتظر كان الإنسان قد أدرك من خلال اختباره الطويل أنه غير قادر على نوال الخلاص بنفسه، لأنه يحتاج إلى مُخلِّص وليس إلى نبيّ، فقد جاء أنبياء كثيرون وتكلَّموا بكلمة الله، وقدَّم الإنسان ذبائح حيوانية كفَّارية، ولكنها لم تقدر أن تحل محل البشر الخطأة، لذلك، كان الإنسان بحاجة إلى مُخلِّص فادي، وليس إلى مزيد من الوصايا والشرائع والأحكام، ولهذا السبب، عندما جاء الرب يسوع المسيح لم يأتِ بوصايا وشرائع وأحكام، بل أتى بحياة جديدة ولم يأتِ بدين جديد، فالمسيحية ليست ديانة جديدة، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": 10اَلسَّارِقُ لَا يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. (يو10:10).

    هل يمكن اعتبار صلب المسيح البريء حدثًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا، حدث في زمن محدد ليُعلن محبة الله ويُعيد العلاقة بينه وبين الإنسان، رغم رفض اليهود له ورغبتهم في ملك أرضي، بينما هو المخلّص الروحي؟

  10. هذه هي النظرة التاريخية الإنسانية، ولكن الرب يسوع المسيح قد تنبأ للتلاميذ مرات عديدة بأنه سيتم إلقاء القبض عليه وصلبه وذلك قبل أن يتم ذلك بكثير، فقد أراد اليهود أن يلقوا القبض عليه مرات كثيرة، ولكنهم لم يستطيعوا ونجا الرب يسوع من بينهم لأن ساعته لم تأت بعد، وكان يستطيع أن ينجو إلى النهاية لو أراد ذلك، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 30فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. (يو7: 30)، فالرب يسوع المسيح الذي صنع الآيات والمعجزات العديدة يستطيع أن ينجو من القبض عليه ومن صلبه إذا أراد ذلك، فالذي سار على الماء وسط البحر يستطيع أن ينجو من القبض عليه بسهولة، كما جاء في إنجيل "متى": 24وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمْوَاجِ. لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. 25وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ. 26فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ خَيَالٌ». وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! 27فَلِلْوَقْتِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا». (مت14: 24-27) و(مر6: 45-52) و(يو6: 16-21)، ولكن الرب يسوع المسيح قد جاء لفداء وخلاص البشرية، ولذلك، عندما جاءوا لإلقاء القبض عليه، سألهم الرب يسوع: من تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري، فقال لهم: أنا هو، فرجعوا وسقطوا على الأرض، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 3فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّاماً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. 4فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» 5أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. 6فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ» رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ.7فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». 8أَجَابَ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ». 9لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداً». (يو18: 3-9)، وحين أخرج بطرس الخنجر وضرب عبد رئيس الكهنة، قال له الرب يسوع: أعد سيفك إلى غمده، وأخبره بأنه يستطيع أن يطلب من الآب اثنيّ عشر جيشاً من الملائكة لحمايته، كما ورد في إنجيل "متى": 50فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا صَاحِبُ لِمَاذَا جِئْتَ؟» حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوُا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. 51وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ. 52فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! 53أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ 54فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟». (مت26: 50-54).

  11. فقد كان صلب الرب يسوع المسيح حدثاً تاريخياً له مبرراته المنطقية وهي:

    أولاً: حسد اليهود له، كما يقول الحاكم الروماني بيلاطس البنطي في إنجيل "متى": 17فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» 18لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً. (مت27: 17-18).

    ثانياً: رفض اليهود له، فقد أرادوه ملكاً أرضياً، بينما هو جاء مخلِّصاً روحياً، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 15وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. (يو6:15)، فمملكة الرب يسوع "ليست من هذا العالم"، كما يؤكد في حديثه مع الحاكم الروماني بيلاطس البنطي: 36أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». 37فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». (يو18:36-37)، فأسلمه اليهود للرومان الذين خوفاً من ثورة اليهود قاموا بصلبه، كما جاء في إنجيل "متى": 24فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ». 25فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». 26حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. (مت27: 24-26)، فقد كان الرب يسوع المسيح يستطيع أن ينجو بنفسه ولم ينج وأسلم نفسه طواعية لتحقيق عمل الفداء والخلاص الذي جاء من أجله.

  12. لماذا لا تُعتبر قصة صلب المسيح مجرد حدث تاريخي كبقية الذين ماتوا من أجل مبادئهم مثل سقراط، ولماذا اعتبرت الجماعة المسيحية الأولى أن المسيح إلهًا، هل لتعلّيه وتمييز إيمانهم عن اليهود؟

    لم يعلن سقراط أنه إله، ولم يقدِّم نفسه ذبيحة لتحقيق الفداء ولم يرفض أن يكون ملكاً أرضياً كما فعل الرب يسوع المسيح، بينما أعلن المسيح أنه الله المتجسِّد وأعلن ألوهيته مراراً وتكراراً، فنحن كمسيحيين لم نقم بادِّعاء ألوهية المسيح، بل هو الذي أعلن لنا ذلك بشكل واضح، كما تشهد بذلك نصوص الكتاب المقدس، حيث يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 30أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». (يو10: 30)، ويقول أيضاً: "من رآني فقد رأى الآب" كما جاء في الإنجيل ذاته: 8قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». 9قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟ (يو14: 8-9)، فلا يستطيع نبي أن يعلن ما أعلنه الرب يسوع عن نفسه، كما نرى الإعلان ذاته عن ألوهية المسيح عندما تأكد توما أن المسيح قد قام من الأموات، فقال له: "ربي وإلهي"، فلم يقل له المسيح أنه ليس ربه وليس إلهه، بل أن صمت المسيح يعني قبوله الإعلان عن طبيعته الإلهية، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 26وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ». 27ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، بَلْ مُؤْمِناً». 28أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلَهِي». 29قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا». (يو20: 26-29).

  13. فقد أعلن المسيح ألوهيته مراراً وتكراراً، كما أنه أوضح أنه جاء ليموت ليفدي ويخلص البشرية وليس ليملك مُلكاً أرضياً، فقد أراد اليهود أن يقيموه ملكاً فانصرف عنهم، (يو6:15)، وفي المحاكمة مع الحاكم الروماني بيلاطس البنطي قال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ" (يو18:36)، ولم يدافع عن نفسه لأنه أمام بيلاطس، كما جاء في إنجيل "متى": 11فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ». 12وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. 13فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» 14فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّاً. (مت27: 11-14)، فقد جاء كي يموت ويحقق الفداء الإلهي لخلاص البشرية، وتنبأ إشعياء عن صلب المسيح، حيث يقول: 4لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اللَّهِ وَمَذْلُولاً. 5وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. 6كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. 7ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. (إش53: 4-7)، فالرب يسوع المسيح جعل نفسه ذبيحة إثم، وسكب للموت نفسه وحمل خطيَّة كثيرين، كما يضيف "إشعياء": 10أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. 11مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. 12لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خطيَّة كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. (إش53: 10-12).

  14. كيف أعلن الرب يسوع المسيح أنه سيلقى القبض عليه ويصلب ويقوم في اليوم الثالث، وكيف كان رد فعل التلاميذ؟

    لقد أخبر الرب يسوع المسيح التلاميذ الاثني عشر مراراً وتكراراً أن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس ويقتل ويقوم في اليوم الثالث، وقد انتهره بطرس، ولكن المسيح طلب منه أن يبتعد عنه ووصفه بالشيطان وبأنه معثرة له، كما جاء في إنجيل "متى": 21مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. 22فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!» 23فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ». (مت16: 21-23)، فنصوص الإنجيل واضحة وتشهد عن إصرار الرب يسوع على أن يموت، لأنه جاء إلى العالم من أجل تحقيق الفداء الإلهي، فهو لم يأتِ ليملك مُلكاً أرضياً، بل ليخلِّص البشر من خطاياهم وليس من الرومان والحكم الروماني، فهو ليس منجِّي سياسي، حيث يعتقد اليهود أن المسيَّا المنتظر هو مُخلِّص سياسي لهم ولايزالون ينتظرونه إلى الآن، بينما جاء المسيح مُخلِّصاً روحياً، لأن الخطيَّة هي مشكلة روحية، كما يقول ملاك الرب ليوسف زوج القديسة مريم العذراء في الحلم في إنجيل "متى": 21فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».(مت1: 21).

  15. كما أنه من بين نتائج عمل المسيح الكفاري على الصليب أن يستعيد الإنسان علاقته الروحية مع الله من جديد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": 10لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. (رو5: (10، وأن يستعيد الإنسان إنسانيته وليس ليستعيد حريته السياسية، فالحرية السياسية هي نتاج الحرية الروحية وليست سبباً للحرية الروحية، لأن الحرية السياسية لا تؤدي إلى الحرية الروحية، كما أن الحرية الاقتصادية لا تؤدي إلى الخلاص الأبدي، لكن الخلاص الروحي هو الذي يؤدي إلى حرية سياسية ويؤدي إلى حرية اجتماعية، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا": 32وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يو8: 32)، ويقول أيضاً: 36فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا .(يو8: 36)، وهذا ما حدث بالفعل، وهذا ما فعلته المسيحية في العالم بأكمله كنتيجة للنهضة الروحية وليس كسبب للنهضة الروحية.

    هل كانت الجماعة المسيحية الأولى بحاجة إلى رمز تاريخي أي صلب المسيح وقيامته لكي تلتف حوله ومن ثم تصبح جماعة؟

    لقد سجَّل المؤرخين المدنيين secular تلك الأحداث التاريخية المتعلقة بمجيء المسيح وصلبه وقيامته في عهد الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، حيث صنع المسيح العديد من الآيات والعجائب، وهي قصة تاريخية تم تسجيلها وتوثيقها في سجلات التاريخ، فلا يستطيع أحد أن يدَعي أنها لم تحدث، فقيامة الرب يسوع المسيح هي قصة حقيقية شاهدها خمسمائة شخص وماتوا من أجلها وفي سبيلها، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": 3فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ 4وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ 5وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ. 6وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ ماِئَةِ أَخٍ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ. وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. (1كو15: 3-6)، إذن، لا يستطيع أحد أن يقوم بتأليف واختراع رواية من أجل أن يكون له هوية معينة ويموت من أجل تلك الرواية التي قام بتأليفها، فلا يمكن أن يموت أحد من أجل كذبة، بل قد يموت من أجل خدعة خُدع بها من قبل شخص ما، فقد يفعل ذلك شخص أو اثنان فقط، ولكن أن يموت خمسمائة شخص في سبيل حقيقة قيامة الرب يسوع فإن هذا يؤكد صدق تلك الحقيقة.

  16. فكتابات بولس الرسول يتم تدريسها ضمن أقسام الفلسفة بكبرى الجامعات في العالم، لما تحمله رسائله من عمق فلسفي يعكس فلسفة الكتابة وفلسفة الفكر الإنساني، فقد استشهد بولس الرسول في سبيل حقيقة يقينية إذ رأى الرب يسوع المُقام من الأموات، والذي اعترضه وهو في طريقه إلى دمشق، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": 1أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّداً وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ 2وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ إِلَى الْجَمَاعَاتِ حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاساً مِنَ الطَّرِيقِ رِجَالاً أَوْ نِسَاءً يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. 3وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ 4فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتاً قَائِلاً لَهُ: «شَاوُلُ شَاوُلُ لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» 5فَسَأَلَهُ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ». 6فَسَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُم وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ». (أع9: 1-6)، كما يخبرنا بولس الرسول أنه قد زار السماء، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": 1إِنَّهُ لاَ يُوافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ. فَإِنِّي آتِي إِلَى مَنَاظِرِ الرَّبِّ وَإِعْلاَنَاتِهِ. 2أَعْرِفُ إِنْسَاناً فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هَذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. 3وَأَعْرِفُ هَذَا الإِنْسَانَ. أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. 4أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا. (2كو12: 1-4)، فقصة قيامة الرب يسوع هي حقيقة يقينية مؤكدة، فقد استشهد من أجلها بولس الرسول وجميع الرسل، وقام بولس الرسول بزرع كنائس عديدة خلال رحلاته التبشيرية الثلاث، حيث كرز في آسيا الصغرى (تركيا حالياً) وقبرص ومقدونية واليونان وإيطاليا، وغيرها، مثل كنائس: غلاطية، وأنطاكيا بيسيدية، وأفسس، وكولوسي، وفيليبي، وتسالونيكي، وكورنثوس، وغيرها، وقد غيَّر تاريخ العالم بأكمله بشهادته وكرازته.

  17. كيف ترد على الادِّعاء القائل بأن الرب يسوع المسيح قد جاء برسالة مختلفة، وأن بولس الرسول هو من أسس المسيحية بصورتها المعروفة لنا اليوم؟

    لو كان بولس الرسول هو الذي أسس المسيحية، إذن، لصار كلامه يختلف عمَّا جاء في الأناجيل الأربعة التي لم يكتبها، فقد كتب متى (إنجيل متى) وهو من التلاميذ الاثني عشر، كما جاء في إنجيل "متى": 9وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: «أتبعني». فَقَامَ وَتَبِعَهُ. (مت9:9)، وقد كتب يوحنا (إنجيل يوحنا) وهو تلميذ الرب يسوع المسيح الذي كان في حضنه، كما جاء في إنجيل "يوحنا":23وَكَانَ مُتَّكِئاً فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. (يو13: 23)، وقد كتب لوقا (إنجيل لوقا) وقد كان رفيقاً لبولس الرسول في رحلاته التبشيرية الثانية والثالثة ورحلة روما، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "كولوسي": 14يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ. (كو4: 14)، حيث اتفقت رسائل بولس مع إنجيل لوقا رفيقه، وقد كتب مرقس (إنجيل مرقس) وهو ابن مريم أخت برنابا، وقد كان مرافقاً لبولس في رحلته التبشيرية الأولى، ولكنَّه فارقه ثم رجع فيما بعد، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": 25وَرَجَعَ بَرْنَابَا وَشَاوُلُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَا كَمَّلاَ الْخِدْمَةَ وَأَخَذَا مَعَهُمَا يُوحَنَّا الْمُلَقَّبَ مَرْقُسَ. (أع12: 25) و(أع15: 37-41)، كما كان من العاملين مع بولس الرسول، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": 10يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ ٱلْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ٱبْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الذي أَخَذْتُمْ لِأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَٱقْبَلُوهُ. (كو4: 10)، ومرقس أيضاً كان تلميذاً لبطرس الرسول، وقد كتب إنجيله نقلاً عنه، وقد دعاه بطرس ابنه أي ابنه الروحي، كما جاء في رسالة بطرس الأولى: 13تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلَّتِي فِي بَابِلَ المختارة مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ أبني. (1بط5: 13) والذي رافق القصة بأكملها من أولها إلى آخرها، ولم يكن هناك أي نوع من التناقض أو الاختلاف بين الأناجيل الأربعة والرسائل، فلا ينكر أي منهم لا الصليب ولا القيامة ولا الفداء ولا الكفَّارة ولا الغفران، وبالتالي، إذ لا يوجد أي تناقض في الفكر اللاهوتي - ولو ضئيل - رغم وجود عدد كبير من الأسفار والرسائل، حتى أن رسالة العبرانيين التي لم يكتبها بولس الرسول تُعدّ أكبر شهادة عن من هو المسيح وعن عمل الفداء والكفارة، وعن الفرق بين العهد القديم والعهد الجديد، ولذلك نقول إن من لديه أي ادِّعاء فعليه إثباته، بدلاً من أن يردد ادِّعاءات وكلام مرسل دون أي دليل أو برهان.

  18. هل صارت المسيحية أقل قبولاً لدى البعض من أفكار وديانات أخرى تفترض أن الإنسان إذا أحب الله وعمل أعمالاً صالحة يمكن أن يكون مقبولاً لديه مهما كان دينه أو فكره، حيث إن المسيحية تحصر طريق القبول لدى الله في شخص الرب يسوع المسيح وحده (يو14: 6)؟

    لا، فالأمر ليس كما يتم الترويج له في فكر العصر الجديد New Age والذي يقول إن: "كل الطرق تؤدي إلى روما"، وهو تيار فكري روحي ظهر في النصف الثاني من القرن الـ20م خصوصاً في الغرب ويمزج بين عناصر من ديانات وفلسفات مختلفة (بوذية، هندوسية، غنوصية، صوفية، وعلم النفس الحديث)، فالديانات الأخرى - في معظمها - تؤكد أن طريقها وحده هو الصحيح دون سواه، أمَّا في المسيحية فالأمر يختلف، فنحن نؤمن بما أعلنه بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": 14لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ 15الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً. (رو2: 14-15)، فنحن لدينا هذا القانون: (الذين بلا ناموس هم ناموس لأنفسهم)، والمقصود هنا أن الشخص الذي لم يصل إليه هذا الإعلان الإلهي وهذه الحقيقة والحق الكتابي وهذا الإنجيل قبل مجيء المسيح أو بعد مجيء المسيح، يتعامل معه الله بناءً على الضمير الداخلي والناموس الداخلي، والمقصود هنا الضمير المُطلق الذي يُشعر الإنسان بالارتياح أو بعدم الارتياح في أمر من الأمور، وهو عكس الضمير النسبي الذي يسمح للإنسان بتبني فكرة خاطئة قد تكون نابعة من عقيدة دينية معينة، فعلى سبيل المثال، نجد أن جميع الديانات تتحدث عن مجموعة من المبادئ والشرائع التي تتكوَّن من الأوامر والنواهي أي افعل ولا تفعل، مثل: (لا تقتل، لا تزني، صلي، صُم)، بينما قلب الإنسان يبحث ويطلب ويحتاج إلى الله، فالإنسان لا يحتاج أن يكون صالحاً فحسب، بل يحتاج إلى الله ذاته إلى شخص ينتمي إليه، إلى من هو أعظم ليخبره: من يكون؟ ولماذا وُجِد في هذا العالم؟ وما الهدف من خلقه؟ هل خُلق بقصد إلهي؟ أم جاء نتيجة عمليات التطور عن القرد طبقاً لنظرية النشوء والارتقاء لداروين؟

  19. إذن، فالإنسان يبحث عن الله عن الأبدية، لأن الله "جعل الأبدية في قلوبهم"، كما جاء في سفر "الجامعة": 11صَنَعَ الكل حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأبدية فِي قَلْبِهِمِ، ٱلَّتِي بِلَاهَا لَا يُدْرِكُ الإنسان العمل الذي يَعْمَلُهُ الله مِنَ البداية إِلَى النهاية .(جا3: 11)، ففي قلب الإنسان بحث دائم عن الأبدية، ولعل أبلغ مثال على ذلك هو أن أعظم ما بناه قدماء المصريين كان المقابر وذلك من أجل الأبدية والخلود، فالله قد جعل في قلب الإنسان وفي داخله فكرة البحث عن الأبدية والخلود، وهذه الأبدية لا تتحقق إلَّا في شخص الله ذاته، فإذا كان الإنسان أميناً ومخلصاً وصادقاً مع ذاته سيدرك حتماً أن اشتياقه إلى الأبدية والخلود لا يتحقق إلَّا باتحاده مع الله، وحيث إنه يفعل أوامر ونواهي عقيدته أو دينه ولا يجد الله، لذلك سيبحث الإنسان عن الله، لأن راحة الإنسان هي أن يجد الله لتكون له شركة وعلاقة محبة معه، كما جاء في سفر "إرميا": 13وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ .(إر29: 13)، فمن يبحث عن الله بصدق في أي مكان في العالم فإنه حتماً سيجد الله، لأن الله عن كل واحد منا ليس ببعيد، كما يقول بولس الرسول للوثنيين في أثينا، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": 27لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً.(أع17: 27). فإذن، ففي أعماق الإنسان ناموس كما يقول بولس الرسول "هم ناموس لأنفسهم" (رو2: 14-15)، فالمحبة الإلهية هي محبَّة غير مشروطة، فالله يحب الإنسان طوال الوقت حتى وإن كان الإنسان خاطي وحتى إن كان الإنسان لا يحب الله ولا يريده، لأن "الله محبة"(1يو4: 8) ، ومحبة الله فعل وليست رد فعل لمحبة الإنسان له، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: 19نَحْنُ نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا.(1يو4: 19)، فالله لا يحب من يحبه ولا يكره من يكرهه، وهذا ما يعلِّمه الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": 46لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ 47وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ 48فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ. (مت5: 46-48)، فالله كامل ومحبته كاملة وغير مشروطة، بينما علاقة الله مع الإنسان هي علاقة مشروطة برغبة الإنسان وقبوله لله.

  20. ماذا لو كان الإنسان راغباً في إقامة علاقة وشركة مع الله، ولكنه غير قادر على فهم وإدراك طبيعة الله؟

    إذا كان الإنسان راغباً في معرفة الله وإقامة شركة وعلاقة معه حتى وإن لم يكن قادراً على فهم طبيعة الله بعد، فإنه عندما يبحث عن الله بصدق وإخلاص فإنه حتماً سيجده، كما جاء في سفر "إرميا": 13وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ .(إر29: 13) ، فأيَّا كانت خلفية ذلك الإنسان، وسواء عاش قبل مجيء المسيح أو بعد مجيئه، فإنه سيجد الله، فمن يريد أن يجد الله فعليه أن يتبع هاتين الطريقتين: (الإيمان والمحبَّة)، أي أن يؤمن الإنسان بأن الله موجود فيطلبه وبالتالي سيجده، لأن تعريف الإيمان هو أن "الله موجود ويجازي الذين يطلبونه"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": 6وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الذي يَأْتِي إِلَى ٱللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الذين يَطْلُبُونَهُ. (عب11: 6)، وعندما يجد الإنسان الله فهو يحبه، لأن الله محبوب، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى"

    نَحْنُ نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا .(1يو4: 19)، وحينها يكون للإنسان علاقة حقيقية مع الله، بغض النظر عن دينه أو خلفيته، لأن المسيح مات من أجل البشرية بأكملها، حيث قدَّم نفسه بروح أزليّ، كما يقول كاتب رسالة "العبرانيين": 14فَكَمْ بالحري يَكُونُ دَمُ ٱلْمَسِيحِ، الذي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلهِ بِلَا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا الله الحي !(عب9: 14)، فدم المسيح وكفَّارته تُغطي كل من يؤمن به ويقبل عمله على الصليب وتغفر له خطاياه، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": 7ٱلَّذِي فِيهِ لَنَا الفداء بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الخطايا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ (أف1: 7) و(كو1: 14) (1يو1: 7)، وذلك حتى وإن لم يعترف الإنسان بفمه بالرب يسوع المسيح، بسبب أنه لا يعلم ولم يصل إليه الإعلان الإلهي، ولكنَّه اعترف بنعمة وفضل الله، لأنه افتدى الإنسان، وهذا ما يؤكده العهد القديم بقوله "الذي يفدي نفسي"، كما جاء في سفر "المزامير": 15إِنَّمَا الله يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الهاوية لِأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلَاهْ. (مز49: 15)، وكذلك جاء في سفر "إشعياء": 22قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. ارْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. (إش44: 22).

  21. فمن يسير في الطريق الذي أعده الله يمكنه أن يصل إلى معرفة الحق حتى وإن لم يكن يعلم أن الرب يسوع المسيح هو الذي أسس ذلك الطريق فهو الطريق والحق والحياة (يو14: 6)

    فالقانون الإلهي هو نور (أي معرفة) وحرية، وبقدر النور الذي يصل إلى الإنسان تتم محاسبته، فإذا كان لدي الإنسان القليل من النور وتصرَّف بحسبه يكون قد سلك بما لديه من استنارة ومعرفة، وإذا عرف الإنسان الحقيقة بأكملها أو جزءاً منها وقبلها، فقد قبل النور الحقيقي لا الظلمة، وأيَّاً كان ما يؤمن به الإنسان سواء أكان مسيحياً أو غير مسيحي، فإن قام بأعمال صالحة محاولاً أن يتبرر بها فتلك الأعمال لا تبرره أمام الله، لأن التبرير لا يتحقق إلَّا بالنعمة التي لنا في الرب يسوع المسيح، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": 8لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. (أف2: 8)، فالنعمة هي التي تجعل الإنسان يتجاوب مع الله من خلال: (الإيمان والمحبَّة)، وهذا ما يعلنه لنا الكتاب المقدس: "غاية الوصية هي المحبَّة من قلب طاهر، وإيمان بلا رياء، فالإيمان والمحبَّة هُما الركيزتان الأساسيتان لعلاقتنا مع الله.

  22. هل القول بأن أي إنسان يؤمن بالله يمكنه دخول السماء دون معرفة كاملة بالحق الكتابي أو الإقرار بالمسيح كمخلِّص، يُضعف أو يهدم فكرة أن المسيحية هي الطريق الوحيد للخلاص؟

    إن الرب يسوع المسيح لم يؤسس ما يمكن تسميته بـ (الدين المسيحي)، بل كان اللقب الذي تم إطلاقه على أتباعه هو (تلاميذ المسيح)، إشارة إلى أنهم يتعلّمون من المسيح ويسلكون على مثاله، كما جاء في إنجيل "متى": 24حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. (مت16:24) و(مر8:34) و(لو9: 23)، وظلَّ هذا اللقب مُستخدماً حتى زمن ما قبل كنيسة أنطاكيا (سوريا)، ثم أطلقوا عليهم تسمية (مسيحيين)، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": 26فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجتمعا فِي ٱلْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعًا غَفِيرًا. وَدُعِيَ التلاميذ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلًا. (أع11: 26)، فحتى زمن كنيسة أنطاكيا لم تكن هناك تسمية مسيحيين، ولكن الناس أطلقوا عليهم لقب (مسيحيين) إذ رأوهم يتحدثون عن المسيح لأنهم تلاميذه، فالمسيحية تعني أن يصير المؤمن تلميذاً لشخص اسمه المسيح، وأن يكون له علاقة وشركة مع الله، وأن يسير وراء الرب، ويرى جماله، ويحبه ويتعلَّق به ويعيش معه وله وليس لنفسه، إذ ينكر نفسه ويصلب جسده عن شهواته (مت16: 24).

  23. ما هي الثوابت الأساسية للإيمان المسيحي، وهل هو دين بأركان واضحة، أم يعتمد على أمور روحية وعلاقة شخصية بين الإنسان والله؟

    تعني كلمة (دين) ممارسات وشكل وعبادة وقوانين ونظم، وهذا لا ينطبق على الإيمان المسيحي، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": 14إِذْ مَحَا الصك الذي عَلَيْنَا فِي الفرائض، الذي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الوسط مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بالصليب. (كو2: 14) ، بينما ينطبق ذلك على اليهودية، لأنها تحتوي على (ناموس الوصايا) كما جاء في سفر الخروج (خر20: 1-17) وسفر التثنية (تث5: 6-21) وتحتوي أيضاً على (ناموس الذبائح)، وهي: ذبيحة المُحرقة والتقدمة والسلامة والخطيَّة والإثم، كما جاء في سفر اللاويين (الأصحاحات1-7)، وكذلك يوجد (ناموس القانون الوضعي) الذي يتحدث عن أحوال، مثل: قتل الإنسان لإنسان آخر أو لبهيمة، والسرقة، والتعدي بالضرب، وتكسير الأسنان، فقد وضعت هذه القوانين والنظم والشرائع لتأسيس دولة لشعب إسرائيل، كما جاء في سفر "اللاويين":17وَإِذَا أَمَاتَ أَحَدٌ إِنْسَاناً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. 18وَمَنْ أَمَاتَ بَهِيمَةً يُعَوِّضُ عَنْهَا نَفْساً بِنَفْسٍ. 19وَإِذَا أَحْدَثَ إِنْسَانٌ فِي قَرِيبِهِ عَيْباً فَكَمَا فَعَلَ كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِهِ. 20كَسْرٌ بِكَسْرٍ وَعَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. كَمَا أَحْدَثَ عَيْباً فِي الْإِنْسَانِ كَذَلِكَ يُحْدَثُ فِيهِ. 21مَنْ قَتَلَ بَهِيمَةً يُعَوِّضُ عَنْهَا وَمَنْ قَتَلَ إِنْسَاناً يُقْتَلْ. 22حُكْمٌ وَاحِدٌ يَكُونُ لَكُمْ. الْغَرِيبُ يَكُونُ كَالْوَطَنِيِّ. إِنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ». (لا24: 17-22).

  24. ولكن الرب يسوع المسيح لم يأتِ بقوانين وشرائع وأحكام، بل وضع مبادئ أساسية للحياة المسيحية في (الموعظة على الجبل)، حيث يؤكد على محبَّة الأعداء، كما جاء في إنجيل "متى": 43«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. 44وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ (مت5: 43-44)، وعندما يعطي الإنسان صدقة فلا يقدمها أمام الناس، بل في الخفاء، كما ورد في الإنجيل ذاته:1«احْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ وَإِلا فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. 2فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! 3وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ 4لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. (مت6: 1-4)، وعندما يصوم الإنسان، فينبغي ألَّا يبدو عليه علامات الصوم بوجه عابس أمام الناس، كما نقرأ:16«وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. 17وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ 18لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. (مت6: 16-18).

  25. فقد تحدث الرب يسوع المسيح عن مجموعة من المبادئ الأساسية في الإيمان المسيحي، تحدث عن القيم والعلاقة، وعن أهمية النقاء والطهارة الداخلية وليس الخارجية، كما يضيف إنجيل "متى": 25وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ اخْتِطَافاً وَدَعَارَةً! 26أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً. 27وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. 28هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً، وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً! (مت23: 25-28)، فقد تغيَّر المفهوم، ففي العهد القديم كانت العبادة في هيكل أورشليم وهو موضع بيت الله، بينما في العهد الجديد صرنا نحن المؤمنين هيكل الله وبيت الله وروح الله ساكن فينا، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى " كورنثوس": 16أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ الله، وَرُوحُ ٱللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ (1كو3: 16).

    إذا كانت الأمور الروحية في المسيحية رائعة وتؤدي لعلاقة محبّة مع الله، فلماذا لا توجد شرائع واضحة تقود الفكر والجسد، خاصة وأن بعض الناس يرون الإيمان غير راسخ لغياب نظم محددة؟

  26. إن غاية الإيمان المسيحي هي إقامة علاقة حقيقية بين الإنسان والله، فهو لا يقوم على شرائع ونظم وقوانين، وقد جاء الرب يسوع المسيح ليُعيد علاقة الإنسان مع الله من جديد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": 10لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ.(رو5: (10 ، ليستطيع الإنسان أن يجد الله وأن يسكن الله في داخله، فيتغيَّر الإنسان ويصير خليقة جديدة، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": 17إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ : الأشياء ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الكل قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (2كو5: 17)، وحينها يستطيع الإنسان أن يرى الله الحي بالإيمان، كما يقول الرب يسوع في (الموعظة على الجبل) كما جاء في إنجيل "متى": 8طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ القلب، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ الله. (مت5: 8)، ويستطيع الإنسان التحدث إلى الله ويستمع إليه، كما جاء في سفر "إشعياء": 24وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ. (إش65: 24)، فيستمتع ويتلذذ به، كما يقول داود في سفر "المزامير": 4وَتَلَذَّذْ بالرب فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. (مز37: 4)، فيملأه الله بحضوره، حيث يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 23أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلَامِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا. (يو14: 23).

  27. فإذن، جوهر الإيمان المسيحي يكمن في إقامة علاقة حيَّة وحقيقية مع الله، فقد سأل الفريسيُّون الرب يسوع المسيح عن ما هي الوصية العظمى، فأجاب: تحب الرب إلهك وتحب قريبك، كما جاء في إنجيل "متى": 34أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعاً 35وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ نَامُوسِيٌّ لِيُجَرِّبَهُ: 36«يَا مُعَلِّمُ أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟» 37فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. 38هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. 39وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. 40بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ». (مت22 :34-40)، وقد وردت هذه الوصية في العهد القديم في سفر "التثنية": 5فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. (تث6: 5)، وكذلك في سفر "اللاويين":18لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ. (لا19:18). حيث وضع مُطلق الوصية ووضع الخطوط العريضة وهي المحبَّة، أي "تحب الرب إلهك من كل قلبك ونفسك وفكرك"، وهذه هي العلاقة مع الله، وفيما يتعلق بالآخرين من الناس، فعلى الإنسان أن يحب جميع الناس إلى أن يصل بمحبَّته ورحمته وإحسانه إلى الذين لا يحبوه ويكرهوه ويحتقروه، وهذا هو المقصود بالقريب، فليس القريب هو ابن العم أو الأخ أو الزوج أو الزوجة أو من يتفق مع الإنسان في الإيمان فحسب، وحكى الرب يسوع (قصة السامري الصالح)، كما جاء في إنجيل "لوقا": 29وَأَمَّا هُوَ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ سَأَلَ يَسُوعَ: «وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟» 30فَأَجَابَ يَسُوعُ: «إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. 31فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِناً نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. 32وَكَذَلِكَ لاَوِيٌّ أَيْضاً إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. 33وَلَكِنَّ سَامِرِيّاً مُسَافِراً جَاءَ إِلَيْهِ وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ 34فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتاً وَخَمْراً وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُقٍ وَاعْتَنَى بِهِ. 35وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ. 36فَأَيُّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيباً لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟» 37فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضاً وَاصْنَعْ هَكَذَا». (لو10:27-37).

  28. فقد وضع الرب يسوع المسيح قانون الحياة أي علاقة المحبَّة بين الإنسان والله وبين الإنسان وأخيه الإنسان، فعلاقة الإنسان مع الله يمكن ممارستها عن طريق الصلاة، وقراءة كلمته المقدسة في الكتاب المقدس، والتعبُّد إلى الله مع جماعة المؤمنين بالكنيسة أي مع إخوة الإيمان، والمؤمن يذهب إلى التعبُّد - من تلقاء نفسه - بدافع داخلي نابع من قلبه ومحبَّته، وليس نوعاً من ممارسة الشرائع المفروضة عليه كما في الديانات الأخرى، فليس المطلوب القيام بأعمال لإرضاء الله، بل ممارسة الحياة الروحية الحقيقية، حيث إن الإنسان كائن حي يمارس الحياة، فتقوم الحياة في الإيمان المسيحي على مبدأ أن الإنسان يبحث ويطلب الله ومن ثمَّ فهو يجده، والله يجد الإنسان في المقابل، فيصير الإنسان كائناً حيَّاُ بالمعنى الروحي، ولأن الإنسان كائن حي فهو قادر على ممارسة الحياة الحقيقية وهي الحديث إلى الله أي الصلاة، فلا يصلي الإنسان لإرضاء الله، أو للحصول على مكافأة وتجميع نقاط لإرضائه، بل لأن الإنسان المؤمن له علاقة حية وشخصية مع الله فهو يتحدث إليه (إش65: 24) فمثلاً، يتحدث الرجل المتزوج إلى زوجته لأنه يحبها وليس لإرضائها ولا خوفاً من غضبها منه، فإن تحدث الرجل إلى زوجته لأجل إرضائها فلا يمكن اعتبار ذلك علاقة حقيقية، ولكنَّه يتحدث إليها ويجلس ويخرج معها لأنه يحبها، فالمحبة تجعل الإنسان يُعطي ويتحدث ويستمتع بعلاقة حقيقية، لأن المحبة هي مصدر العلاقة وليست العلاقة هي مصدر المحبة، وعلى ذلك، يقوم الإنسان بالصلاة والصوم والذهاب إلى الكنيسة ويحب الآخرين، فمن خلال علاقة الإنسان الحية مع الله والآخر يستطيع الإنسان ممارسة الحياة الحقيقية.

  29. ما هي الآيات والأمثلة الكتابية التي تشير إلى سعي الإنسان في البحث عن الله وطلبه، وفي المقابل مبادرة الله للقاء الإنسان وإيجاده؟

    عندما يبحث الإنسان عن الله فإنه حتماً سيجده، أو بمعنى آخر يجد الله من يطلبه بصدق وإخلاص، وقد استخدم الرب يسوع المسيح عدَّة عبارات تعبر عن هذا المعنى: حيث يقول: "وجدت خروفي الضال"، وذلك في (مثل الخروف الضال)، كما جاء في إنجيل "لوقا": 1وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ والخطأة يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ. 2فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: «هَذَا يَقْبَلُ خطأة وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ». 3فَكَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ: 4«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ 5وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحاً 6وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلاً لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ. 7أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ». (لو15: 1-7).

    ويقول الرب يسوع المسيح أيضاً: "ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد"، وذلك في (مثل الابن الضال)، فقد عاد الابن لبيت أبيه بعد مغادرته له وإنفاق حصته في مال أبيه، كما جاء في إنجيل "لوقا": 20فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. 21فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. 22فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ وَاجْعَلُوا خَاتَماً فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ 23وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ 24لأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ. (لو15: 20-24).

  30. إذا افترضنا أن المؤمنين ذوي الشفافية الروحية العالية يستطيعون إقامة علاقة حقيقية مع الله، فماذا عن الذين يفتقدون هذه الشفافية ولا توجد لديهم شرائع واضحة، ويعتمدون فقط على ما يتلقونه من الله ليطبقوه؟

    من هو المؤمن في المسيحية؟ هو الذي تعرَّف على الله، هو الذي قبل المسيح في قلبه، حيث يقول الرب يسوع المسيح في صلاته قبل إلقاء القبض عليه، كما جاء في إنجيل "يوحنا": 3وَهَذِهِ هِيَ الحياة الأبدية: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإله ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ المسيح الذي أَرْسَلْتَهُ .(يو17: 3)، والمؤمن هو الذي وُلدت بينه وبين الله علاقة حيَّة وحقيقية، حيث يولد ولادة جديدة كطفل صغير، حيث يقول الرب يسوع المسيح لنيقوديموس، كما جاء في الإنجيل ذاته: 3فَقَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ». (يو3: 3)، وهو الذي يتمتع بحياة جديدة، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": 17إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأشياء ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الكل قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (2كو5: 17)، ولكن ذلك الطفل المولود حي ويريد أن يشرب ويأكل وينام، كما أنه لديه احتياجات ومتطلبات الحياة الروحية، فهو يريد أن يصلي فيصلي لمدة خمس أو عشر دقائق بحسب قدرته، ويريد أن يأكل، فيجد غذاءه في كلمة الرب، إذ إن كلمة الرب هي طعام المؤمن، كما جاء في سفر "إرميا": 16وُجِدَ كَلَامُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلَامُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، لِأَنِّي دُعِيتُ باسمك يَا رَبُّ إِلَهَ الجنود. (إر15: 16) و(حز3: 1-3) و(يو6: 35)، وكلمة الرب هي سراج لرجليّ المؤمن ونور لطريقه، كما جاء في سفر "المزامير": 105سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي. (مز119: 105)، وبما أن المؤمن يحب الرب يسوع المسيح، فهو يريد أن يستمع إلى كلمته فيقرأ الإنجيل بمحبة عميقة، لأنه يحتوي على أقوال وأعمال المسيح، فيرى حياته أثناء خدمته الأرضية، فقد كان المؤمن في البداية يقرأ الإنجيل ولا يفهمه جيداً، وبعد أن صارت له علاقة حقيقية وحيَّة مع الله أمكنه فهم كلمته المقدسة بشكل أكبر، فينمو ويكبر تدريجياً في علاقته مع الله ويصلي إليه كثيراً، ويتعمَّق في قراءة الكتاب المقدس ويزداد فهمه له، ويرغب في أن يكون له شركة مع إخوة الإيمان، فيذهب إلى الكنيسة ويحضر الاجتماعات والصلاة الجماعية، فيمارس الحياة الروحية الحقيقية.

  31. إذا كان قانون الدولة فاسد، فكيف يمكن للمسيحي التعامل معه؟

    ينبغي معارضة أي قانون فاسد، فإن كان القانون يقر بـ (العبودية) فيجب المناداة بحرية العبيد، كما يقول بولس الرسول إلى "غلاطية": 28لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي المسيح يَسُوعَ. (غل3: 28)، وإن كان القانون يدعو لـ (المحاباة) فيجب المطالبة بإلغائه، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": 11لِأَنْ لَيْسَ عِنْدَ الله مُحَابَاةٌ. (رو2: 11)، ومع ذلك، ينبغي الالتزام والخضوع لنظام الدولة، مع المناداة بالعدالة والحق، فقد سأل الفريسيُّون الرب يسوع المسيح عن إعطاء الجزية لقيصر، كما جاء في إنجيل "متى": 15حِينَئِذٍ ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. 16فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلاَمِيذَهُمْ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللَّهِ بِالْحَقِّ وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ. 17فَقُلْ لَنَا مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟» 18فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: «لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟ 19أَرُونِي مُعَامَلَةَ الْجِزْيَةِ». فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً. 20فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» 21قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ». 22فَلَمَّا سَمِعُوا تَعَجَّبُوا وَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا. (مت22: 15-22)، ويقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": 1لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلَاطِينِ ٱلْفَائِقَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلَّا مِنَ الله، والسلاطين الكائنة هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ ٱللهِ. (رو13: 1).

  32. فمن واجب المسيحي أن يُعلن الحق ويشير إلى الخطأ، لأن المؤمن هو ضمير المجتمع، فإذا نص القانون على أمر غير عادل مثل (ختان الإناث) يرفضه المؤمن لأنه يُعد جريمة واعتداء جنسي، وحرمان للمرأة من حقها في الحياة، بينما يسمح بختان الذكور لأن ذلك مفيد صحياً بالنسبة لهم، لذلك، ينبغي الوقوف في وجه القوانين الظالمة الفاسدة وضد المحاباة، وفي الوقت ذاته يتم الخضوع لنظام الدولة، فالمسيح لم يأتٍ ليضع قوانين أو ليؤسس دولة ما، ولكنه جاء لفداء وخلاص البشرية فهو مُخِّلص روحي، فالنهضة الروحية هي التي تؤدي إلى التغييِر الاجتماعي للمجتمعات والشعوب، كما حدث في كوريا الجنوبية والبرازيل والصين، فالنور يضيئ في الظلمة فيغيِّر المجتمعات تدريجياً، فقد تغيَّرت الإمبراطورية الرومانية التي كانت معروفة بالقسوة عندما آمنت بالمسيحية، إذ انهارت الإمبراطورية بينما تغيرت القيم، وقد تغيَّرت قيم المجتمع الغربي بأكمله نتيجة لتبنيه القيم والمبادئ المسيحية، واليوم ابتدأ المجتمع الغربي في الانهيار نتيجة ابتعاده عن الله والإيمان الحقيقي، فانقسمت الأسرة وتشرَّد الأبناء وظهرت البدع والهرطقات، التي تتسبب في انهيار الحضارة الاوروبية لأنها تركت القيم المسيحية القائمة على مبادئ وتعاليم الكتاب المقدس كلمة الله.

  33. من يسير على الطريق الصحيح سيجد الله، لكن ماذا لو جاء شخص بعد المسيح وقال إن الله محبّة والعلاقة معه أهم ما في الوجود، فتبعَه بعض الناس وساروا وراءه؟

    لا علم لي بأن هناك شخص قد أتى بعد الرب يسوع المسيح وقال مثل هذه الأقوال التي تعبر عن المحبَّة الإلهية، فالكثير من البشر لم يسمعوا عن الرب يسوع المسيح وهذا لا يُعد رفضاً له بل عدم معرفة واستنارة وظلمة فكرية وروحية، وأمّا كل من عرف المسيح والحق الكتابي من خارج نصوص الإنجيل كلمة الله المقدسة، كانت معرفته مشوَّهة وناقصة وغير صحيحة ولذلك رفضوا المسيح ولم يقبلوه، بينما من يعرف الرب يسوع المسيح من خلال نصوص الإنجيل وكان يبحث عن الله بصدق فسيقبل المسيح ويقبل عمله الكفاري الخلاصي على الصليب، لأنه ببساطة وجد ما كان يبحث عنه ويشتاق إليه وهو: المحبَّة والشركة والعلاقة مع الله والعشق الإلهي، لذلك، فمن ينادي بهذه المبادئ ليس نبياً جديداً بل هو يكرر الرسالة ذاتها، والمؤمن الحقيقي يتبع الرسالة الأصيلة التي جاء بها الرب يسوع المسيح، فمن يبحث عن الله بصدق سيجده حتماً، إذن، فالأمر الأساسي هو البحث المُخلص الصادق عن الله، وصولاً إلى علاقة حقيقية معه، والمحبَّة في جوهرها مبدأ وليست ديناً، والمؤمن لا يبحث عن المحبَّة، بل عن الله مصدر المحبَّة والحياة، فالله محبة (1يو4: 8) ، ومن يبحث عن المحبَّة في حد ذاتها فلن يجدها، بينما من يبحث عن الله إله المحبَّة فسيجده ويعانقه الله ويحتضنه، فقد تعيق المبادئ الإنسان عن الوصول إلى الحق الكتابي، حيث توجد العديد من المبادئ التي تتعارض مع جوهر المحبَّة والعلاقة الشخصية مع الله، وبالتالي، لن يتمكن الإنسان من الوصول إلى ما يشتاق إليه ويبحث عنه من خلال تلك المبادئ، ولكن قلب الإنسان هو الذي يمكنه أن يبحث بصدق عن الله ويجده، كما جاء في سفر "إرميا":13وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ) .إر29: 13).

View it as a group leader — the same lesson, laid out for the meeting

  1. التلمذة — completed
  2. شخصية الله — completed
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
  4. شخصية الإنسان — completed
  5. شخصية المسيح — completed
  6. الروح القدس — completed
  7. لا أنا بل المسيح — completed
  8. مبادئ العلاقة مع الله — completed
  9. الشركة مع الله — completed
  10. الكنيسة — completed
  11. المأمورية العظمى — completed
  12. الصراع الروحي — completed
  13. شفاء النفس — completed
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
  15. اختيار شريك الحياة — completed
  16. العلاقة الزوجية — completed
  17. تربية الأطفال — completed
  18. أساسيات الحياة مع الله — completed
  19. حياة الخادم — completed
  20. من حقك تفهم — you are here

من حقك تفهم — 12 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.

See the whole path