الدينونة - المصالحة مع الله
الدينونة – المصالحة مع الله
تحدثنا في الحلقة السابقة عن قصة آدم وحواء وسقوط الإنسان في الخطيَّة، وتطرقنا إلى موضوع الحساب في يوم الدينونة، فقد اعتدنا منذ طفولتنا أن نخشى ذلك اليوم الأخير، حيث "البحيرة المتقدة بنار وكبريت"، كما جاء في سفر "الرؤيا":وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي».(رؤ21:8)، وأن جوهر الدينونة - نتيجة الخطيَّة - يتمثل فقط في الانفصال الأبديّ عن الله، بدون عذابٌ جسدي، لذلك، هناك من يرى أنه يستمتع بالخطيَّة وبفعل الخطايا بعيداً عن الله في حياته الأرضية، وليس لديه مشكلة أن يبقى وحيداً في العالم الروحي، إذا كان ذلك هو العذاب الأبديّ، فما رأيُّك؟
ليس المقصود بالعذاب الأبدي أنه عذاب جسدي بالمعنى الحرفي، فلن يوجد من يحرق ويشوي بالنار كل من ارتكبوا الخطيَّة، أو من يكيل لهم الضربات والصفعات، أو من يمرر سيخاً في آذانهم، فالله لن يكون حاضراً في الجحيم ليمارس ألواناً من العذاب تجاه الخطأة، كما أن "البحيرة المتقدة بنار وكبريت" لم تكن أصلاً مُعدَّة للإنسان الخاطئ، بل لإبليس وملائكته، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "متى":«ثُمَّ يَقُولُ أَيْضاً لِلَّذِينَ عَنِ الْيَسَارِ: اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لِإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ. (مت25:41)، فمن يتبع مثال إبليس سيذهب إلى النار الأبدية، فقد أراد إبليس (زهرة بنت الصبح) أن يرفع كرسيه ويكون معادلاً لله، كما جاء في سفر "إشعياء": (إش14:12-15(.
فليس هناك من يقوم بتعذيب الإنسان الخاطئ في الدينونة الأبدية، فلم يضع الله القانون المطلق لينتقم من الإنسان ويعاقبه، لأنه قانون ينفِّذ نفسه بنفسه دون تدخل خارجي، فقد أوصى الله آدم كما جاء في سفر "التكوين": وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».(تك2:17)، فلم يمت آدم وحواء جسدياً على الفور عندما أكلا من ثمر الشجرة، بل ماتا روحياً وشعرا بالخزي والعار والعُري، ولم يعد لهما وجوداً في محضر الرب، وفقدا الشركة والعلاقة معه في جنة عدن، لذلك، عندما يموت الإنسان جسدياً بيولوجياً ويذهب إلى العالم الآخر، فمن البديهيّ أنه سيذهب إلى حيث لا وجود لمحضر الرب، طالما أنه كان منفصلاً ومستقلاً عن الله في حياته الأرضية، وسيذهب إلى الدينونة الأبدية ومعه خطيَّته، إذن، فمن الذي يعذبه حينها؟ خطيَّة الإنسان هي التي تعذبه، فالسُم الذي تناوله يمزِّق أمعائه، والفساد الذي عاش فيه أولاً سيعيش فيه ثانياً وإلى الأبد وسط خطاياه التي ارتكبها، فهذا هو "الدود الذي لا يموت"، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "مرقس": وَإِنْ أَعْثَرَتْكَ يَدُكَ فَاقْطَعْهَا. خَيْرٌ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ الْحَيَاةَ أَقْطَعَ مِنْ أَنْ تَكُونَ لَكَ يَدَانِ وَتَمْضِيَ إِلَى جَهَنَّمَ إِلَى النَّارِ الَّتِي لاَ تُطْفَأُ حَيْثُ دُودُهُمْ لاَ يَمُوتُ وَالنَّارُ لاَ تُطْفَأُ. (مر9 :43-44)، لذلك فإن "الشر هو الذي يُميت الشرير"، كما جاء في سفر "المزامير": الشَّرُّ يُمِيتُ الشِّرِّيرَ وَمُبْغِضُو الصِّدِّيقِ يُعَاقَبُونَ. (مز34:21(، كما أن الخطيَّة خاطئة جداً وفاسدة وهي التي تدين الإنسان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": فَهَلْ صَارَ لِي الصَّالِحُ مَوْتاً؟ حَاشَا! بَلِ الخطيَّة. لِكَيْ تَظْهَرَ خطيَّة مُنْشِئَةً لِي بِالصَّالِحِ مَوْتاً لِكَيْ تَصِيرَ الخطيَّة خَاطِئَةً جِدّاً بِالْوَصِيَّةِ. (رو7:13(.
فعلى سبيل المثال، إن الشخص الذي ارتكب جُرماً ويقع سجيناً داخل زنزانة، فهو يشعر أنه يعيش في جحيم داخلي، رغم أنه لا أحد يقوم بضربه وصفعه، ولكنَّه إذ يجلس وحيداً مثقلاً بذكريات خطاياه، وقد بدأ ضميره في الاستيقاظ، فهو يشعر وكأنه في جحيم، فقد انتهى مفعول جميع المسكنات والمهدئات والمنومات، التي كان الإنسان الخاطئ يتناولها كي يسكت صوت ضميره، فلا يؤنبه ولا يؤلمه، لكنَّ ضميره قد استيقظ وتحرك من سباته، وروحه وعينيه قد انفتحتا على الحقيقة وأحسّ بالظلمة التي يعيش فيها بسبب خطاياه السابقة، فالخطيَّة تدين فاعلها وتعذبه، فهي الأفعال الشريرة التي ارتكبها الإنسان الخاطئ في حق نفسه وفي حق الآخرين من الناس من حوله، بالإضافة إلى أن هذا الإنسان سيكون محروماً من محضر الرب ومعيته، فذلك الإنسان الخاطئ اعتاد أن يجد تسلية لنفسه في حياته الأرضية، أما في دينونته الأبدية فلن يجد مصدراً للسعادة أو المتعة، فلا توجد محبة ولا توجد حياة، وسيطلب الموت ولن يجد له طريقاً، ولن يجد لعذابه الأبدي نهاية، وكل ذلك لا يتم بأيدي الله، فهو ليس له علاقة بهذا الأمر، لأنه يحب الإنسان ولن يعذبه ويكيل له الضربات والصفعات.
لماذا لم يتدخل الله في إرادة آدم وحواء ليمنعهما من كسر القانون والوصيَّة الإلهية بعدم الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، طالما أن الله يعلم علماً مسبقاً بما سيفعلانه لأنه كُلِّيّ المعرفة؟
لو كان الله قد تدخل في إرادة آدم وحواء ومنعهما من عمل الخطيَّة والأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، فحينها لن يظل آدم كائن أدبي أخلاقي مخلوق على صورة الله، كما جاء في سفر "التكوين": وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك1:26-27)، فالإنسان لديه حرية إرادة وحرية اختيار مُعطاة من قبل الله، ويتحمل مسؤولية اختياراته وقراراته، وإن لم يكن الإنسان كذلك، فإنه سيتحول إلى حيوان ناطق، كما جاء في سفر "التثنية": «اُنْظُرْ. قَدْ جَعَلتُ اليَوْمَ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ، وَالخَيْرَ، وَالمَوْتَ، وَالشَّرَّ. (تث30:15(، وكذلك: أُشْهِدُ عَليْكُمُ اليَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلتُ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالمَوْتَ. البَرَكَةَ وَاللعْنَةَ. فَاخْتَرِ الحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ. (تث30:19(، فالله قد صنع الأرض كلها من أجل الإنسان وليس من أجله هو، فلو تدخل الله - باعتبار أنه يرى المستقبل - في الحاضر الذي نعيشه، فإن الله يحول بين الإنسان وتنفيذ إرادته، وبالتالي يتحول الإنسان إلى مجرد مسخة أو دمية وعروسة ماريونت يحركها كيفما يشاء دون إرادة منه، فالله رأى ما سوف يفعله آدم من قبل أن يفعله، لذلك، أعدَّ له خطة الفداء والبديل الذي يُصلح ما قد أفسده آدم بعمل الخطيَّة وكسر الوصيَّة، فهناك العديد من المؤمنين الذين نالوا الفداء والخلاص الإلهي في العهدين القديم والجديد، وعاشوا مع الله واستمتعوا به وانتقلوا إلى الفردوس ويعيشون في سعادة وهناء ليس له أول ولا آخر.
فلو لم يخلق الله الإنسان، لأنه يعلم مسبقاً بسقوط آدم في الخطيَّة، وبأن هذا السقوط سيؤدي إلى هلاك بعض الناس ونجاة البعض الآخر إلى الحياة الأبدية، لكان بذلك قد حرم الكثيرين من الناس الذين اختاروه من أن يعيشوا في معيَّته ومحضره إلى الأبد، فلا وجود للزمن في كيانه الإلهي، فليس لديه ماضٍ وحاضر ومستقبل، فالله خارج إطار الزمن، وما نعتبره نحن مستقبلاً لا يُعد كذلك بالنسبة له، فالزمن مرتبط بالمادة وهو البعد الرابع لها، طبقاً للنظرية النسبية لأينشتاين، لذلك نجد أن الأبدية - باعتبارها ليست مادة وغير خاضعة لقوانينها – فلا بداية لها ولا نهاية، لأنها تقع خارج حدود الزمن، فالعالم الروحي يقع خارج نطاق الزمن، لأنه غير مادي، ولذا تتوقف فيه الساعة، فلا يصح أن نقترح أنه كان من الأفضل لو أن الله قام بإلغاء المستقبل، طالما أنه كان يراه ويعلمه جيداً، لأن ذلك معناه أن الله لا يحب الإنسان ولا يريده، وحينها يكون قد حرمه من السعادة الأبدية.
هل يعني ذلك أن الله قد أضاف بُعداً جديداً إلى خطة الفداء وهي أنه يريد أن يحافظ على حرية الإنسان وحرية إرادته واختياراته؟
نعم بالطبع، فقد أراد الله المحافظة على خطة الفداء بأكملها، ولم يرد أن يتدخل في إرادة الإنسان الحرة واختياراته وقراراته، فلو تدخل في طبيعة الإنسان لكان قد حوله إلى حيوان ناطق، فالله خالق الإنسان والخليقة بأكملها وقد أعد خطة الفداء للمحافظة على حرية الإنسان، بينما الإنسان قد يقيِّد حرية إنسان آخر ويتحكم به، ويمنعه من اختيار مصيره الأبدي، كي يختار ما يريده، هو وقد يحرم أب ابنه من أبديته من أجل أنه يريده أن يؤمن بما يؤمن به، رغم أن الله الخالق لا يفعل هكذا، فالجبار هو من يقرر للآخرين ما يفعلون، فلا يصح ولا يحق لأحد أن يستخدم سلطته ويقهر الآخرين ويفرض إرادته عليهم ويجعل منهم مُسخاً ودمى، فهو ليس خالقاً ولا محباً، بل شخص ظالم، بينما الله كامل ويتصف بالعظمة والجلال وهو ما يجعله يحترم الإنسان، وإن لم يحترمه سيقهره لأنه مجرد شيء ضئيل جداً في هذا الكون ولذا يحترمه، فالله قد خلق الإنسان واحترمه ومنحه حرية الإرادة والاختيار، ووضع القوانين التي تدير منظومة الحياة والكون وهو يحترم تلك القوانين ولا يتجاوزها، لأن قوانين الله كاملة وصالحة ولا تقبل التغيير أو التعديل، فالله لا يغيِّر قانون كامل من أجل أن يضع قانوناً آخر عاجزاً ناقصاً، بحجة أن الإنسان قد ارتكب الخطيَّة وكسر القانون والوصية الإلهية.
بما أن الله أراد المحافظة على حرية الإرادة البشرية وحرية الاختيار لدى الإنسان، فلماذا إذن قام الله بالتدخل وذلك بحرق وتدمير مدينتيّ سدوم وعمورة (تك19 :23-26)؟
لم يتدخل الله في حرية سكان مدينتيّ (سدوم وعمورة)، بل وضع نهاية لحياتهم، ولم يختار لهم أبديتهم، فقد منحهم الله الفرصة للتوبة، ولكنَّهم رفضوها، لذلك، قام الله بتدمير مدنهم وإنهاء حياتهم رحمة بهم، كما جاء في سغر "التكوين": وَإِذْ أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ عَلَى الأَرْضِ دَخَلَ لُوطٌ إِلَى صُوغَرَ فَأَمْطَرَ الرَّبُّ عَلَى سَدُومَ وَعَمُورَةَ كِبْرِيتاً وَنَاراً مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ. وَقَلَبَ تِلْكَ الْمُدُنَ وَكُلَّ الدَّائِرَةِ وَجَمِيعَ سُكَّانِ الْمُدُنِ وَنَبَاتَ الأَرْضِ. وَنَظَرَتِ امْرَأَتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَصَارَتْ عَمُودَ مِلْحٍ! (تك19 :23-26)، فالإنسان لا يختار يوم ولادته وفي أغلب الأحيان لا يختار يوم وفاته، إلَّا إذا قرر أن ينتحر، فهذا الأمر ليس له أية علاقة بالحرية الأدبية الأخلاقية، وليس له علاقة أيضاً بتحديد مصير الإنسان الأبدي، فالله من أجل رحمته بالإنسان الخاطئ الشرير يضع نهاية لحياته، تماماً كما حدث في جنة عدن، إذ وضع الله حداً للإنسان ومنعه من أن يأكل من شجرة الحياة كي لا يحيا إلى الأبد وهو خاطي وشرير، كما جاء في سفر "التكوين": وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «هُوَذَا الإِنْسَانُ قَدْ صَارَ كَوَاحِدٍ مِنَّا عَارِفاً الْخَيْرَ وَالشَّرَّ. وَالآنَ لَعَلَّهُ يَمُدُّ يَدَهُ وَيَأْخُذُ مِنْ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ أَيْضاً وَيَأْكُلُ وَيَحْيَا إِلَى الأَبَدِ». فَأَخْرَجَهُ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنْ جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَ الأَرْضَ الَّتِي أُخِذَ مِنْهَا. فَطَرَدَ الإِنْسَانَ وَأَقَامَ شَرْقِيَّ جَنَّةِ عَدْنٍ الْكَرُوبِيمَ وَلَهِيبَ سَيْفٍ مُتَقَلِّبٍ لِحِرَاسَةِ طَرِيقِ شَجَرَةِ الْحَيَاةِ. (تك3:22-24(.
على سبيل المثال، لو أن هناك قاتل سفاح شرير لا يموت ويحيا إلى الأبد على الأرض، لكان قد نشر الفساد والموت في كل مكان، لذلك، فالله بدافع الرحمة به وبالآخرين من الناس وضع حداً لحياته وأماته، فبعدما امتد عًمر الإنسان لمئات السنين حوالي 900 أو 800 سنة، حيث عاش آدم 930 سنة (تك5:5(، وعاش متوشالح ابن أخنوخ 969 سنة (تك5:27(، وعاش نوح 950 سنة (تك9:29)، جعل الله سنوات حياة الإنسان على الأرض لا تتجاوز 120 سنة، وهي مهلة ما قبل الطوفان أيضاً، لأن شر الإنسان قد زاد كثيراً، كما جاء في سفر "التكوين": فَقَالَ الرَّبُّ: «لاَ يَدِينُ رُوحِي فِي الإِنْسَانِ إِلَى الأَبَدِ. لِزَيَغَانِهِ هُوَ بَشَرٌ وَتَكُونُ أَيَّامُهُ مِئَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً».(تك6 :3)، ثم تناقص عُمر الإنسان إلى 70 أو 80 سنة في زمن "موسى" كما جاء في سفر المزامير(صلاة موسى): أَيَّامُ سِنِينَا هِيَ سَبْعُونَ سَنَةً وَإِنْ كَانَتْ مَعَ الْقُوَّةِ فَثَمَانُونَ سَنَةً وَأَفْخَرُهَا تَعَبٌ وَبَلِيَّةٌ لأَنَّهَا تُقْرَضُ سَرِيعاً فَنَطِيرُ.(مز90 :10)، فعندما وضع الله حداً لعُمر الإنسان وسنوات حياته الجسدية البيولوجية على الأرض لم يتأثر القانون الأدبي الاخلاقي بذلك، ولم تتأثر حرية الإنسان وحرية إرادته واختياره، بل ظلت كما هي.
لماذا وضع الله قانون المحبَّة كأساس للقانون الأدبي الأخلاقي تقوم عليه العلاقة بين الإنسان والله وبين الإنسان والإنسان؟
وضع الله قانون المحبَّة باعتباره القانون الأدبي الأخلاقي، لأن المحبَّة لا تصنع شراً بالقريب، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": المحبَّة لاَ تَصْنَعُ شَرّاً لِلْقَرِيبِ فَالمحبَّة هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ.(رو13:10(، فالوصية الأولى والعظمى أن يحب الإنسان الرب الإله بكل كيانه، كما جاء في سفر "التثنية": فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ.(تث6:5(، وأن يحب الإنسان قريبه مثل نفسه، كما جاء في سفر "اللاويين": لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ. (لا19:18(، وقد أكَّد الرب يسوع على وصية محبة الله ومحبة القريب، كما جاء في إنجيل "متى": فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ».(مت22:37-40(، فطالما أن الإنسان يحب الآخر فسيقول له الصدق ولن يكذب عليه أو يخدعه، ومن يحب أيضاً لن يشتهي الآخر، فعندما يشتهي رجلٌ فتاة، إذن، فهو لا يحبها على الإطلاق، لأنه يراها عبارة عن قطعة من اللحم ويريد أن يلتهمها، فالمحبَّة نقيض للشهوة، فلا تستقيم المحبَّة مع ارتكاب خطايا مثل: القتل، والزنى، والسرقة، والكذب والشهادة الزور، والاشتهاء، كما جاء في (الوصايا العشر) وهي أربعة وصايا تخص علاقة الإنسان بالله، وستة وصايا تخص علاقة الإنسان بالآخر، كما جاء في سفر "الخروج": أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ لِتَطُولَ أَيَّامُكَ عَلَى الأَرْضِ الَّتِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلَهُكَ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَزْنِ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ عَلَى قَرِيبِكَ شَهَادَةَ زُورٍ. لاَ تَشْتَهِ بَيْتَ قَرِيبِكَ. لاَ تَشْتَهِ امْرَأَةَ قَرِيبِكَ، وَلاَ عَبْدَهُ، وَلاَ أَمَتَهُ، وَلاَ ثَوْرَهُ وَلاَ حِمَارَهُ وَلاَ شَيْئاً مِمَّا لِقَرِيبِكَ». (خر20:12-17(، و(تث5:7-21)، فعندما يختار الإنسان المحبَّة مع الله والناس، فهو لا يصنع شراً بالقريب، بينما إذا اختار عدم المحبَّة سيفعل كل الشرور والخطايا من كذب، وخداع، واشتهاء كي يمتلك الآخر، وقتل كي يتخلص من الآخر، وغيرة لو كان الآخر أفضل منه، وكبرياء كي يبدو أنه أفضل من الآخر، فكل الخطايا هي نتيجة غياب المحبَّة.
ما الفرق بين كلمة الخطيَّة وكلمة الخطايا؟
إن الخطيَّة هي اختياري لعدم المحبَّة والاستقلال والكبرياء والأنانية، أي غياب وانعدام الحب والتواضع، ونتيجة لهذا الاختيار، يرتكب الإنسان جميع الخطايا الاخرى: فيقتل، ويزني، ويسرق، ويكذب ويشهد زوراً، ويشتهي، فهذه الخطايا هي نتيجة الخطيَّة الأصلية وهي خطيَّة عدم المحبَّة والأنانية والكبرياء، لذلك، لا يوجد لدى الله فرقاً بين خطيَّة كبيرة وأخرى صغيرة، ولكن يوجد هذا الاختلاف فقط في علاقة الإنسان بالآخر، لأن إيذاء القريب بسرقته لا يُعادل إيذاء القريب بقتله، ولهذا، فالله يريد أن يعالج جذور المشكلة الإنسانية وهي الخطيَّة وكسر قانون المحبَّة، يريد أن يعالج السبب (الخطيَّة) قبل أن يعالج النتائج (الخطايا)، فعلى سبيل المثال، أنا كطبيب عندما أستقبل حالة شخص مريض يعاني من الإسهال والقيء وارتفاع في درجة حرارة الجسم، أطلب منه وضع كمَّادات ماء وأصف له دواء خافضاً للحرارة ومضاداً للغثيان والقيء والإسهال، لكنني بهذه الطريقة لم أعالج السبب الحقيقي للمرض، بل قمت فقط بتسكين وتخفيف الأعراض المصاحبة له، لأنه ينبغي أن أكتشف حالته من خلال التشخيص الدقيق.
وإذا اكتشفت من خلال التشخيص أن المريض يعاني من تسمم غذائي، فسأصف له على الفور دواء مضاداً للتسمم ومطهِّراً للمعدة، وإلَّا قد يموت هذا المريض، ولن يتوقف الاسهال والقيء، بينما إذا كان التشخيص أن المريض قد تناول مادة الزرنيخ مثلاً، فيجب أن أجري له غسيلاً للمعدة، فالمسكنات التي قمت بوصفها للمريض في البداية كانت علاجاً لأعراض المرض Signs& Symptoms، وليست علاجاً لأسباب المرض ذاته، وبالتالي، تلك المسكنات لم يكن لها تأثير الشفاء المطلوب، وكذلك الخطيَّة، إذا أردنا الشفاء الحقيقي، فعلينا أن نبدأ بعلاج (السبب) وهو (الخطيَّة الأصلية)، وليس فقط النتائج المترتب عليها أي (الخطايا)، حينها يتوقف الإنسان عن فعل (الخطايا) نتيجة لشفائه من (الخطيَّة) ذاتها.
لذا، ينبغي إزالة ومحو الخطيَّة واستبدالها بالمحبَّة والشركة والعلاقة مع الله والناس، فعندما يتم هذا العلاج والشفاء والإصلاح الحقيقي، حتى وإن سقط الإنسان في خطيَّة ما لسببٍ أو لآخر، فإنه سيعترف بخطيَّته، ويُصلح ما قد أفسده.
فعلى سبيل المثال، إذا كذب أحد الأشخاص على آخر، فعليه أن يذهب ويعتذر له على الفور، وهذا ما يريح ضميره، لأنه قد تم علاج مشكلة الإنسان الأصلية وهي خطيَّة عدم المحبَّة، وبالتالي، لا توجد مشكلة إذا اعترف الإنسان بخطيَّته، وقام بإصلاحها وتصويبها بأن يعتذر، فهو لا يشعر بالخوف من أحد، بل يشعر بالخوف من تأنيب ضميره الحيّ اليقظ، لأن الضمير الحيّ لا يستريح في وجود الخطيَّة، فهو يرفض أن يعيش في الظُلمة والخطيَّة التي بداخله، فقد استيقظت الروح وصار الضمير حيَّاً، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى": وَهَذَا هُوَ الْخَبَرُ الَّذِي سَمِعْنَاهُ مِنْهُ وَنُخْبِرُكُمْ بِهِ: إِنَّ اللهَ نُورٌ وَلَيْسَ فِيهِ ظُلْمَةٌ الْبَتَّةَ. إِنْ قُلْنَا إِنَّ لَنَا شَرِكَةً مَعَهُ وَسَلَكْنَا فِي الظُّلْمَةِ، نَكْذِبُ وَلَسْنَا نَعْمَلُ الْحَقَّ. وَلَكِنْ إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خطيَّة. إِنْ قُلْنَا إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خطيَّة نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا. إِنِ اعْتَرَفْنَا بِخَطَايَانَا فَهُوَ أَمِينٌ وَعَادِلٌ، حَتَّى يَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَيُطَهِّرَنَا مِنْ كُلِّ إِثْمٍ. (1يو1:5-9).
لماذا وضع الله خطة الفداء؟ وما هي مشكلة الإنسان؟
تتكون خطة (الفداء الإلهي) من عدة مراحل
القانون الأخلاقي
كسر القانون الأخلاقي
الاحتياج الي النجاة
الفداء
فقد وضع الله قانوناً مطلقاً، وهو القانون الأخلاقي الأدبي أي قانون المحبة، وهذا القانون كامل ولا بديل له، فلا يجوز تبديله أو تغييره من قبل الله، لأن هذا يعني أنه لم يكن قانوناً صحيحاً وصالحاً عندما وضعه الله منذ البداية، أو أن الله قابل للتغيير، وهو لا يصح ولا يليق منطقياً وعقلانياً وروحياً أن يقال هكذا على الله كُلِّيّ القدرة خالق الكون، لقد كسر الإنسان القانون الإلهي، واختار أن يسلك في طريق عدم المحبَّة والأنانية والكبرياء والاستقلال والانفصال عن الله، بدلاً من أن يسلك في طريق المحبَّة والتواضع والشركة والعلاقة والاتحاد مع الله، والسؤال المطروح الآن هو: ما الذي حدث للإنسان بعدما كسر هذا القانون ؟ وما هو الاحتياج الحقيقي للإنسان بعد السقوط في الخطيَّة؟، وهل تمكن الفداء الإلهي من إصلاح ومعالجة جوهر المشكلة الإنسانية وأعاد إليه ما فقده من حق وشركة وعلاقة ومحبة واتحاد مع الله؟
إن كسر الإنسان للقانون الإلهي قد أدى إلى موته الروحي، مما جعل الإنسان في احتياج عميق للخلاص والنجاة، فحين اختار الإنسان الانفصال والاستقلال عن الله وكسر القانون والوصية الإلهية، ترتب على ذلك ثلاث نتائج، فقد صار الإنسان:(منفصلاً عن الله - مذنباً - فاسداً)
1- صار الإنسان منفصلاً عن الله: وجاء ذلك نتيجة اختيار الإنسان أن يستقل وينفصل عن الله رافضاً الوحدة والإتحاد به والشركة والعلاقة معه القائمة على المحبة المتبادلة بينهما، مما نتج عنه موته الروحي، كما أوصى الله أدم في سفر "التكوين": وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».(تك2:17 (، ويقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": 23لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو6:23(.
2- صار الإنسان (مذنباً): ويحمل ذنبه على كتفيه وعاتقه، فقد أنتجت الخطيَّة كثيراً من الخطايا، فقد رأينا في بداية الخليقة كيف أدى فساد القلب إلى أول جريمة قتل في التاريخ، حينما قتل قايين أخاه هابيل، كما جاء في سفر "التكوين": وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ. (تك4:8(، فقد نتج عن غياب المحبَّة المتبادلة خطايا عديدة منها الغيرة والحقد والحسد والسرقة والكذب والإساءة والقتل، وبذلك، صار الإنسان مُذنباً بسبب خطاياه، بمعنى أنه يحمل ذنوباً قد ارتكبها تجاه نفسه وتجاه الآخرين، وتلك الخطايا هي التي تدين الإنسان عند صعوده إلى العالم الروحي الأبدي.
3- صار الإنسان (فاسداً): وتعني أن الإنسان صار معتاداً ومُصراً على عمل الخطيَّة، فالذي يفعل الخطيَّة هو عبد لها، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": أَجَابَهُمْ يَسُوعُ: «ٱلْحَقَّ ٱلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَعْمَلُ ٱلْخطيَّة هُوَ عَبْدٌ لِلْخطيَّة .(يو8:34(، وقدم بولس الرسول شرحاً لهذه القضية في رسالته إلى رومية أصحاح (7)، حيث يتحدث عن "طبيعة الإنسان الفاسدة"، والإنسان العتيق، والخطيَّة الساكنة فيَّ" التي تجعل الإنسان الذي يريد أن يفعل الحُسنى يجد الشر حاضراً عنده، فالإنسان لا يريد فعل الذنوب، ولا يرغب في الشعور بالغيرة والحسد ممن هم أفضل منه، ولا يريد أن ينظر إلى فتاة ليشتهيها، حيث يقول بولس الرسول: فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الخطيَّة. لأَنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ مَا أَنَا أَفْعَلُهُ إِذْ لَسْتُ أَفْعَلُ مَا أُرِيدُهُ، بَلْ مَا أُبْغِضُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ أَفْعَلُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِنِّي أُصَادِقُ النَّامُوسَ أَنَّهُ حَسَنٌ. فَالآنَ لَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُ ذَلِكَ أَنَا، بَلِ الخطيَّة السَّاكِنَةُ فِيَّ. فَإِنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ سَاكِنٌ فِيَّ أَيْ فِي جَسَدِي شَيْءٌ صَالِحٌ. لأَنَّ الإِرَادَةَ حَاضِرَةٌ عِنْدِي وَأَمَّا أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى فَلَسْتُ أَجِدُ. لأَنِّي لَسْتُ أَفْعَلُ الصَّالِحَ الَّذِي أُرِيدُهُ، بَلِ الشَّرَّ الَّذِي لَسْتُ أُرِيدُهُ فَإِيَّاهُ أَفْعَلُ. فَإِنْ كُنْتُ مَا لَسْتُ أُرِيدُهُ إِيَّاهُ أَفْعَلُ فَلَسْتُ بَعْدُ أَفْعَلُهُ أَنَا، بَلِ الخطيَّة السَّاكِنَةُ فِيَّ. إِذاً أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي. (رو7:14-21(.
في هذا الأصحاح، لا يتحدث بولس الرسول عن نفسه هو، بل يعبِّر عن مشكلة الإنسان والبشرية بشكل عام، عن مشكلتنا نحن البشر، فهو يسلِّط الضوء على فساد الطبيعة البشرية، ومدى احتياج الإنسان إلى الفداء الإلهي، إذ إن رسالة بولس الرسول إلى رومية تُعد أكثر الرسائل التي ناقشت وشرحت سقوط الإنسان في الخطيَّة سواء من الأمم أو اليهود، ومدى احتياج الإنسان إلى نعمة الله المخلِّصة، كما يقول بولس الرسول: شِدَّةٌ وَضِيقٌ عَلَى كُلِّ نَفْسِ إِنْسَانٍ يَفْعَلُ الشَّرَّ الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. وَمَجْدٌ وَكَرَامَةٌ وَسَلاَمٌ لِكُلِّ مَنْ يَفْعَلُ الصَّلاَحَ الْيَهُودِيِّ أَوَّلاً ثُمَّ الْيُونَانِيِّ. (رو2:9-10(، وكذلك: فَمَاذَا إِذاً؟ أَنَحْنُ أَفْضَلُ؟ كَلاَّ الْبَتَّةَ! لأَنَّنَا قَدْ شَكَوْنَا أَنَّ الْيَهُودَ وَالْيُونَانِيِّينَ أَجْمَعِينَ تَحْتَ الخطيَّة كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ: «أَنَّهُ لَيْسَ بَارٌّ وَلاَ وَاحِدٌ.(رو3:9-10(، حيث يشرح لنا بولس الرسول القضية بأكملها، حتى يصل إلى ذروة شرحه في الأصحاح السابع، فيصف حالة الإنسان الواقع تحت سلطان الخطيَّة: فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ النَّامُوسَ رُوحِيٌّ وَأَمَّا أَنَا فَجَسَدِيٌّ مَبِيعٌ تَحْتَ الخطيَّة.(رو7:14(، حيث يؤكد بولس الرسول أن الإنسان الذي اختار الأنانية والكبرياء والبُعد عن الله يتصف بأنه يحمل طبيعة فاسدة بداخله، وهذا الفساد يستعبد الإنسان ويؤدي به إلى ارتكاب الذنوب والخطايا طوال الوقت، فالإنسان بهذه الطريقة هو عبد للخطيَّة "مبيع تحت الخطيَّة"، ومهما تلقى الإنسان من وصايا أو نصائح أو شرائع بما ينبغي عليه فعله أو تجنب فعله (أي افعل ولا تفعل)، فلا جدوى من ذلك على الإطلاق، لأنه في جميع الأحوال لا يستطيع أن يفعل الصواب والحُسنى، مما يجعله يدور في حلقة مفرغة لا نهاية لها.
ما هي خطوات ومراحل خطة الفداء الإلهي لإنقاذ البشرية؟
فالإنسان لديه ثلاث مشكلات، كما أشرنا سابقاً، فقد صار منفصلاً عن مصدر الحياة وهو الله، وصار تائهاً يبحث عنه ولا يستطيع أن يجده، كالأعمى الذي لا يبصر، وكالأصم الذي لا يسمع، فالله لا يزال ينادي الإنسان، ولكن الإنسان لا يسمع صوته، فصار الإنسان مذنباً يحمل خطاياه على عاتقه، ويعاني من الطبيعة الفاسدة، وقد عبَّر بولس الرسول عن هذه الحالة الإنسانية العامة في صرخة مؤلمة سجلها في رسالته إلى رومية، وهي صرخة الإنسانية بأكملها: إِذاً أَجِدُ النَّامُوسَ لِي حِينَمَا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ الْحُسْنَى أَنَّ الشَّرَّ حَاضِرٌ عِنْدِي.(رو7:21)، لذلك، ينبغي أن يعالج الله هذه المشكلات الثلاث، لكي يحل مشكلة الإنسان ويعيده مرة أخرى إلى جنة عدن، وإلى الشركة والعلاقة والإتحاد معه، وينقذ الإنسان من مشكلة الخطيَّة، التي بسببها كسر الوصية والقانون الإلهي، ليعود الإنسان محافظاً على القانون ولا يحاول كسره مرة أخرى.
إن الإنسان مذنب، ويرتكب الخطايا، ولكن، كيف يمحو الله الذنب؟، فإذا قام الله بمحو الذنب عن طريق الغفران، فهل سيتم الغفران من خلال إصدار أمر بالعفو عن الإنسان؟، إذ إن شعور الإنسان بالذنب جاء نتيجة فعله للخطيَّة، وهو يحملها على عاتقه، فكيف يسامح الله الإنسان؟ هل سيخبره الله بأنه لم يخطي؟، ولكن الإنسان خاطي بالفعل وارتكب الخطيَّة، أم يكون الغفران بأن الله لن يعاقب الإنسان؟، لكننا اتفقنا أن القانون الإلهي مُطلق وينفِّذ نفسه بنفسه، والله لا يعاقب الإنسان لأنه يحبه، إذن، فكيف سيسامح الله الإنسان على خطيَّته؟، فلا يليق أن يوقف ويبطل الله القانون الأدبي الأخلاقي الذي وضعه، لأنه إذا أبطل الله هذا القانون، سينتهي المبدأ القائل بأن "أجرة الخطيَّة هي موت" (رو6:23( أي (نتيجة الخطيَّة موت)، ومن يرتكب الخطيَّة فلن يموت، وبالتالي، يصير قانون المحبَّة قانوناً خاطئاً، وليس من الضروري أن يشعر الإنسان بالمحبَّة تجاه الله والناس لكي يعيش ويحيا، فالأنانية والكبرياء سيؤديان إلى الحياة الأبدية بدلاً من المحبَّة والتواضع، وهذا كله غير مقبول، فإبطال وإيقاف القانون الذي وضعه الله من أجل الإنسان ومن أجل خيره، لن يصب في مصلحة الإنسان ونجاته وخلاصه وإنقاذه من الخطيَّة، فعلى سبيل المثال، نفترض أن البشر قد سأموا وتضايقوا من قانون الجاذبية الأرضية، فهل معنى ذلك، أن الله ينبغي عليه أن يُبطل ذلك القانون، ومن ثم نتطاير ونرتطم بأسقف البيوت، بالطبع لا، فلا يصح أن يقوم الله بإلغاء وإبطال قانون صالح ويصب في مصلحة الإنسان من أجل أن ينقذه، فهذا غير منطقي ولا يقبله العقل، فالإنسان قد ارتكب ذنباً وهذا الذنب يحتاج إلى الغفران الإلهي، وهو نتيجة الخطيَّة التي ارتكبها.
وهذه الحالة شبيهة بوضع طفل لإصبعه في القابس الكهربائي، فحدثت له صدمة كهربية ومات، فهل يشعر والده بالضيق والغضب تجاهه ويرفض أن يقوم بدفنه، لأنه لم يلتفت ويهتم بتحذيره بعدم وضع إصبعه في القابس الكهربائي ؟ بالطبع لا، فالوالد يشعر بالحزن لأجله وليس بسببه، ونفس الموقف ينطبق على طفل حذره والده من القفز من شرفة الشقة، وإلَّا سيصاب بكسور شديدة بالجسم، ولكن الطفل قفز بالفعل رغم تحذيرات والده له، فهل يمتنع الأب عن الذهاب بالطفل إلى المستشفى لإنقاذ حياته بحجة أنه قد حذره من قبل ؟، بالطبع لا، بل سيذهب الوالد بالطفل إلى المستشفى لعلاجه على الفور، فهو لم يشعر بالحزن والغضب بسببه بل لأجله، فالمريض المكسور هو من يعاني ويحمل الذنب، ومثال ثالث، هناك شخص قاتل ومجرم ارتكب جريمة قتل بشعة وحقيقية، ولكنَّ محاميه النابغة استطاع أن يحصل له حُكماً بالبراءة من المحكمة، فخرج هذا الشخص من السجن، فهل يتلاشى لديه الشعور بالذنب حينها ؟، بالطبع لا، فلن يتلاشى شعوره بالذنب، فهو قاتل ويعلم ذلك جيداً، فخطيَّته التي ارتكبها أمام عينيه دائماً، كما يقول داود في سفر "المزامير": لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً.(مز51:3(، فمن أجل أن يسامح الله الإنسان ينبغي عليه أن يمحو الذنب وشعوره بالذنب أيضاً، أي أن يقوم الغفران الإلهي بمحو الخطيَّة ذاتها، فعندما يغفر الله للإنسان ويسامحه عن خطيَّته، فهو لا يقوم بذلك عن طريق نسيانها، فالله ليس قاضياً أو كاتب محاضر لإدانة البشر، سيقوم بتقطيعها، وهو ليس مصدرا لشعور الإنسان بالذنب كجزاء إلهي، بل الخطيَّة التي ارتكبها الإنسان هي التي تشعره بالذنب، كما أن الروح القدس روح الله الساكن فينا هو أيضاً لا يشعر الإنسان بالذنب، فالروح القدس يبكِّت الإنسان من أجل أن يتوب عن خطيَّته ولا يعود يفعلها مرة أخرى، وهو لا يشعر الإنسان بالذنب.
ما الفرق بين تبكيت الروح القدس والشعور بالذنب؟
تبكيت الروح القدس يعني إيقاظ ضمير الإنسان من أجل أن يتوب عن خطيَّته، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا": وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خطيَّة وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ. (يو16:8(، بينما الشعور بالذنب لا يؤدي إلى توبة الإنسان، فهو شعور بغيض كريه يجعله لا يطيق الحياة، فالإنسان مذنب ويحتاج إلى الغفران الإلهي، حيث شهد "يوحنا المعمدان": وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خطيَّة الْعَالَمِ.(يو1:29)، ويقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس":الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ.(أف1:7)، فهذا الغفران الإلهي يستطيع أن يزيل شعور الإنسان بالذنب عندما يمحو الخطيَّة ذاتها، كما أن الشعور بالذنب ليس عقاباً إلهياً، لأنه لو كان كذلك، فحينها يصبح القانون الأدبي الأخلاقي غير مُطلق ويكون الله هو من يعاقبنا على خطايانا، وليس القانون الذي ينفذ نفسه بنفسه، ولذلك من أجل أن يتلاشى وينتهي شعور الإنسان بالذنب ينبغي أن تُمحى الخطيَّة ذاتها، لأنها هي التي تشعر الإنسان بالذنب.
هل يمكن أن يكون هناك غفران إلهي دون أن ترفع الخطيَّة، كما فعل الرب يسوع عندما غفر للمرأة الخاطئة (لو7:48(، أو للمفلوج، (مر2:5)؟
إن الغفران الإلهي الحقيقي يكمن في محو خطيَّة الإنسان، كي لا يعود مُذنباً في عينيّ نفسه وفي عينيّ القانون الإلهي، ولنفترض جدلاً أن كل ما ذكرناه حول الغفران الإلهي غير صحيح، وأن هناك غفران يتم بعفو إلهي، تماماً كما يقوم رئيس الجمهورية أو الملك، في أحد الأعياد سواء في عيد الثورة أو عيد الجلوس على العرش أو عيد ميلاده، بإصدار عفو عام عن الخطأة، والسؤال المطروح هو: هل يمكن أن يغفر الله للخطأة بعفو إلهي دون أن ترفع الخطيَّة ذاتها التي ارتكبوها؟، بالطبع لا، وإن كان الرب يسوع قد غفر للمرأة الخاطئة والمفلوج خطاياهم، فذلك لأنه قال:" لأني فديتك"، كما جاء في سفر "إشعياء": قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. ارْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ.(إش44:22)، فمحو الذنوب والخطايا تم بعمل الفداء، والكتاب المقدس يتحدث عن الغفران الإلهي، فقد سامحنا الله لأنه قال: "لأني فديتك"، فالمقصود بالفداء هنا هو محو الخطيَّة، وينبغي لإزالة النتيجة (الذنب والشعور به) أن يتم إزالة السبب (الخطيَّة)، وهذا هو عمل الفداء، فالخطيَّة لم يعد لها وجود، ولم يعد يحملها الإنسان على عاتقه، ولم يعد هو من قام بعملها وارتكابها من الأساس، فالله قد سامحنا وغفر لنا ولم نعد مذنبين أو شاعرين بالذنب، فلسنا مدانين أو مديونين.
كيف يتم تطبيق القانون الإلهي المُطلق فيما يتعلق بالغفران الإلهي؟
إذا افترضنا جدلاً، أن الله يمنح الإنسان الغفران دون أن يمحو الخطيَّة، فماذا سيفعل في فساده في هذه الحالة؟، إذا كان الغفران عبارة عن مجرد قرار أو جرة قلم، وفي كل مرة يرتكب فيها الإنسان خطيَّة فإنه يعود ويطلب الغفران من الله، ويستجيب الله له ويغفر خطيَّته، فهذا يعني أن الخطيَّة أمراً بسيطاً وهيِّناً للغاية، ويستطيع الإنسان أن يعود ويفعلها مرة ثانية وثالثة بسهولة، لأن الله سيغفر، كما لو كان الله ملكاً أرضياً يصدر عفواً عاماً عن الخطأة في عيد جلوسه على العرش كل عام، فلو كان من الممكن أن يغفر الله بهذه الطريقة، كما يعتقد البعض على نحو خاطئ، دون أن يقوم بمعالجة مشكلة فساد الإنسان، فإن ذلك بمثابة تصريحاً بالاستمرار في فعل الخطيَّة دون قيد، غير أن الفداء والخلاص الإلهي في الإيمان المسيحي يهدف إلى تغيير طبيعة الإنسان الفاسدة بالإضافة إلى الغفران ومحو الخطيَّة، وهو العمل الذي قام به الرب يسوع على الصليب، حيث يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس":إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً. (2كو5:17(.
إذن، لو كان هذا الغفران الإلهي غفراناً بجرة قلم وسريع وشكلي، أي بقرار ملكي بصفح وعفو عام عن الخطأة، أو أن قاضياً أدان شخص وحكم عليه، ولكن الملك أصدر قراراً بالعفو عنه، وهذا ما يحدث في كثير من الدول إلى الآن، فالقاضي يحكم والأمير يعفو، ولكنه لم يُصلح ذلك الشخص المجرم أو يُغيِّر دوافعه الشريرة، فلو كان الأمر كذلك، إذن، فهذا بمثابة تصريح بالاستمرار في فعل الخطيَّة، إذ يظل فساد الإنسان كما هو دون إصلاح حقيقي يذكر، فالطبيب الذي يوصف مسكنات لأعراض المرض فقط دون أن يُعالج سبب المرض، فهو لم يعالج المريض، كمن عمل على خفض درجة حرارة المريض فقط، بينما ترك الزائدة الدودية ملتهبة وأوشكت على الانفجار، وبالتالي سيموت المريض، فهذا النوع من الغفران لا يعالج فساد الإنسان الأخلاقي الذي بداخله، مثل: الكبرياء، والأنانية، والشهوة، والشر الكامن داخله، والذي يجعله كلما رأى امرأة اشتهاها، حيث يقول الرب يسوع المسيح في الموعظة على الجبل كما جاء في إنجيل "متى": «قَدْ سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ لِلْقُدَمَاءِ: لاَ تَزْنِ. 28وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ مَنْ يَنْظُرُ إِلَى امْرَأَةٍ لِيَشْتَهِيَهَا فَقَدْ زَنَى بِهَا فِي قَلْبِهِ.(مت5:27-28(، ويقول أيضاً:19لأَنْ مِنَ الْقَلْبِ تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ زِنىً فِسْقٌ سِرْقَةٌ شَهَادَةُ زُورٍ تَجْدِيفٌ.(مت15:91)، وقد ينادي البعض عبثاً بعدم خروج الفتيات والسيدات من البيوت كحلاً لهذه المشكلة، في حين أن الإنسان الفاسد يستطيع أن يمارس الزنى بخياله وبقلبه، ومن خلال مواقع الانترنت الإباحية، فالله يريد أن يفدي الإنسان من الخطيَّة والخطايا معاً، فالفساد هو الخطيَّة، والذنوب التي تسبب الشعور بالذنب هي الخطايا.
كيف تتحقق المصالحة بين الإنسان والله في ضوء خطة الفداء الإلهي؟
لو لم تتم معالجة فساد الطبيعة البشرية، وظل الأنسان كما هو أناني ومستقل عن الله ومتكبِّر، فلن يستطيع أن يتصالح مع الله، أو تكون لديه القدرة على محبَّة الله، بل سيشعر بالخوف منه، بدلاً من أن يدنو إليه ويلتصق به، فالمحبَّة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: لاَ خَوْفَ فِي المحبَّة، بَلِ المحبَّة الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي المحبَّة.(1يو4:18)، وإذا كان الإنسان لا يستطيع أن يشعر بالمحبَّة تجاه الله، فهو لن يستطيع أن يتصالح معه أيضاً، والمسيح بعمله على الصليب صنع المصالحة بين الإنسان والله، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ. فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ. (أف2:16-17)، فإن تحقيق هدف المصالحة بين الإنسان والله سيظل بعيد المنال، ولن يسترد الإنسان الحياة الروحية والشركة والعلاقة الحميمة مع الله مرة أخرى، وحينها إذا مات الإنسان جسدياً بيولوجياً وهو منفصل عن الله سيذهب إلى الجحيم بلا أدنى شك، لأن الإنسان لم ينل العلاج الحقيقي لفساده الداخلي، بل حصل على غفران شكلي وسطحي لا يمس الطبيعة الداخلية الساقطة والفاسدة لديه.
فالفداء الإلهي يتطلب الغفران الحقيقي ومحو الذنب والشعور به عن طريق محو الخطيَّة ذاتها، وكذلك إصلاح وتغيير فساد الطبيعة البشرية، الذي نطلق عليه الخلق الجديد أو الخليقة الجديدة، وهي عملية تجديد للقلب البشري وتغيير داخلي في أعماق الإنسان وإصلاح السبب والفساد، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مضت. وذا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً.(2كو5:17)، وبالتالي، يتم انتزاع الكراهية والكبرياء من القلوب، ويحل محلها المحبَّة، فيعود الإنسان ثانية يحيا بالقانون الإلهي قانون المحبَّة، ويستطيع أن يتصالح مع الله، ويعيش معه في سلام ووئام وهناء، ويشعر بالمحبَّة مع الله والناس، إذن، فينبغي أن تحل المشكلات البشرية الثلاث معاً، والتي نتجت عن الخطيَّة وكسر الوصية والقانون الإلهي، لأنه إذا تم حل إحدى المشكلات دون حل المشكلتين الباقيتين يصبح هذا العمل كأن شيئاً لم يكن، فلكي تتم (المصالحة) وينتهي الانفصال والاستقلال عن الله، ينبغي أن يتم (الغفران) ومحو الذنب والخطيَّة، فلا يعود الإنسان (مذنباً) كما كان، ولكي يتم الغفران ينبغي بالضرورة أن يتم محو الذنب والخطيَّة ليصير الإنسان (خليقة جديدة) فيتخلص من (فساده) وطبيعته الفاسدة، وإلا فإن هذا يعتبر تصريحاً بالاستمرار في فعل الخطيَّة،
وهذا سيقودنا في النهاية إلى السؤال التالي: هل الفداء الذي صنعه المسيح على الصليب، والذي تحدث عنه طوال الوقت في الأناجيل الأربعة في العهد الجديد، وكذلك نبوَّات العهد القديم، قد عالج هذه المشكلات الثلاث أم لا؟ وهل كان هناك حلاّ آخر غير الصليب والثمن الباهظ المؤلم الذي دفعه المسيح لتحقيق الفداء أم لا؟
مشكلات الانسان الثلاث
الانفصال والاستقلال عن الله – المصالحة
مذنب – الغفران ومحو الخطية
فاسد – خلق جديد
ما المقصود بمحو الخطيَّة التي ارتكبها الإنسان؟
هذا هو جوهر الفداء الإلهي بيت القصيد والموضوع الرئيسي، والفكرة الرائعة التي أبدعها الله، والتفكير الإلهي الذي يختلف تماماً عن تفكير البشر وحساباتهم، فعلى سبيل المثال، اعتبر قدماء المصريين أنه لإصلاح خطيَّة الإنسان ينبغي عليه أن يعمل الصالح والخيرات، وفي آخر الأمر، سيتم وضع الأعمال الصالحة والخطايا كليهما في كفَّتيّ الميزان لمعرفة أيهما أكثر وأثقل من الأخرى، تماماً مثل فكرة أن الحسنات يذهبن السيئات، أي أن الأعمال الصالحة الخيِّرة تمحو الأعمال السيئة الشريرة، بينما جاء الإعلان الإلهي في شخص المسيح مُظهراً أن الغفران لا يُنال بكثرة الأعمال، بل بالفداء الذي يقدّمه الله ذاته في محبّته وعدله، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "تيطس":لاَ بِأَعْمَالٍ فِي بِرٍّ عَمِلْنَاهَا نَحْنُ، بَلْ بِمُقْتَضَى رَحْمَتِهِ - خَلَّصَنَا بِغَسْلِ الْمِيلاَدِ الثَّانِي وَتَجْدِيدِ الرُّوحِ الْقُدُسِ.(تي3 :5)، وجاء في رسالته إلى "أفسس":لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. (أف2:8-9(.
فالتفكير البشري، لأنه لا يستطيع أن يفهم ويدرك القانون الإلهي المطلق وعمق خطيَّة الإنسان وفساده، فإنه يلجأ إلى الحلول السطحية الشكلية، معتقداً أن أعماله الصالحة يمكن أن تمحو شروره، وهذا بالطبع غير صحيح، إلّا إذا كان الإنسان يتعامل مع الله كما لو كان قاضيًا يجلس ليسجّل النقاط، فيمنح نقطة على كل عمل صالح، ويخصم نقطة على كل خطيَّة، وتصبح الخطيَّة مجرد خطأً بسيطاً ولا ينتج عنها موتاً، وكأن الانفصال عن الله لا ينتج موتاً، وكأن الخطيَّة لم تَعُد خطيَّة، بل مجرد "أخطاء" نرتكبها كما نرتكب أخطاء إملائية، وفي النهاية، كأننا في امتحان، يتم تقييم الإنسان بناءً على عدد الحسنات مقارنة بالسيئات، فإن كانت الحسنات أكثر، صار ناجحاً!، ولكن الأمر ليس امتحانًا، بل هو علاقة وشركة واتحاد مع الله، فحين ننفصل عن الشركة مع الله مصدر الحياة، تكون النتيجة الطبيعية والحتمية هي "موتاً تموت"، كما أوصى الله آدم في سفر "التكوين": وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».(تك2:16-17(، وكذلك في رسالة بولس الرسول إلى "رومية":لأَنَّ أُجْرَةَ الخطيَّة هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو6 :23)، وهذا الانفصال عن الله يؤدي إلى فساد الطبيعة البشرية، فيؤذي الإنسان نفسه كما يؤذي الآخرين من حوله بالقول والفعل، ويرتكب العديد من الخطايا، فهو يكذب، ويسب، ويحلف، ويشتهي، ويزني، ويسرق، ويقتل.
لنتأمّل هذا المثال البسيط: هل إذا قتل أحدهم إنسانًا، ثم ذهب وتبنى طفلًا صغيراً، هل يعفو القاضي عن هذا القاتل المجرم؟ هل تُعَدّ هذه الحَسَنة كفّارة عن جريمة القتل ؟، بالتأكيد لا، فلن تمحو أعمال الإنسان الصالحة الخيِّرة أعماله السيئة الشريرة على الإطلاق، فليس هناك علاقة منطقية بين كفَّتيّ الميزان، وإلَّا نكون أمام محكمة ليس لها أية علاقة بالقانون المطلق، بل علاقة فقط بالقوانين البشرية الوضعية، وهذا لا يليق بالله المُحب العادل القدوس، فكيف يُعقل أن يُغفَر الله الشر الذي فعله الإنسان بشخص ما، فقط لأنه فعل خيرًا مع شخص ثالث؟! وإليكم مثال آخر: تخيلوا لو أن شخصاً فقأ عين شخصاً آخر، ثم أعطي نظارة طبية لشخص ثالث، فهل هذا يمحو الخطيَّة التي ارتكبها ذلك الشخص؟ ما العلاقة بين الأمرين؟!، إذًا، فالادّعاء بأن أعمال الإنسان الصالحة تُبرره وتستوجب غفران خطاياه هو ادعاء باطل، لأنه بهذا المنطق يصبح قانون الله الأدبي الأخلاقي بلا أي معنى، حيث تخبرنا رسالة بولس الرسول إلى "رومية": لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الخطيَّة. (رو3:20(.
فهذه الأفكار غير مقنعة وغير صحيحة ولا تتماشى ما يقوله لنا الكتاب المقدس وأفكار الله السامية والمقنعة، لأنه من غير المنطقي وغير المعقول أن يتمكن الإنسان من معرفة أن حسناته قد تخطت سيئاته في ميزان قدماء المصريين، وأما فكرة أن الأعمال الصالحة ترضي الله فهي بعيدة تماماً عن مفهوم الشركة والعلاقة مع الله، لأنها لا تحل مشكلة الإنسان ولا تعيده إلى الشركة والإتحاد مع الله، فجوهر العبادة الحقيقية هو البحث عن الله والوصول إليه ومعرفته والعيش معه في شركة وعلاقة محبة أبدية، لذلك يقول الرب في العهد القديم: "تطلبونني فتجدونني"، كما جاء في سفر "إرميا":وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.(إر29:13) و(2أخ7 :14)، وفي العهد الجديد، يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا": كُلُّ مَا يُعْطِينِي الآب فَإِلَيَّ يُقْبِلُ، وَمَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ لَا أُخْرِجْهُ خَارِجًا .(يو6:37( و(أع17:27( و(عب11:6(.
Before you gather the group
This lesson is 14 of 31 in “من حقك تفهم” — and the group will not take it in without what comes before it.
- 1Begin with a short review of the previous lesson, not with the new material.
- 2Ask the Study Companion which questions this lesson usually raises.
- 3Leave the practical summary until last, and turn it into a single step for each person.
“The Life of the Servant” (course nineteen) is the course set apart for training leaders.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — 17 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path