الخطية - الحياة الأبدية

Lesson 13 of 31 · من حقك تفهم

  1. الخطيَّة – الحياة الأبدية

    ما هو المقصود بكلمة خطيَّة؟

    تعني كلمة خطيَّة عدم إصابة الهدف، أي أن الإنسان لم يفعل الصواب، بل فعل الخطأ، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ. (رو3:23(، وجاء في رسالة "يعقوب" الرسول: فَمَنْ يَعْرِفُ أَنْ يَعْمَلَ حَسَنًا وَلَا يَعْمَلُ، فَذَلِكَ خَطِيَّةٌ لَهُ. (يع4:17(، ولمعرفة ما هو الخطأ علينا أن نعرف أولاً ما هو الصواب، ونتساءل: ما هو القانون الصحيح الذي وضعه الله وكسره الإنسان وتعدى عليه فصارت تلك هي الخطيَّة، فالخطية هي تعدي أيضاً على وصايا الرب، كما جاء في رسالة يوحنا الرسول الأولى: كُلُّ مَنْ يَفْعَلُ الْخَطِيَّةَ يَفْعَلُ التَّعَدِّيَ أَيْضاً. وَالْخَطِيَّةُ هِيَ التَّعَدِّي، وينبغي أن نفرق بين كلمتي (الخطيَّة) بأداة التعريف (أل) أي الطبيعة الساقطة لدى الإنسان و(الخطايا) التي هي جمع كلمة (خطيَّة) مثل: الكذب أو السرقة...إلخ، فما هو الصواب؟ وما هو القانون الأدبي الأخلاقي الذي وضعه الله؟ والإجابة: هو قانون المحبَّة، وهذه المحبَّة ليست فكرة بشرية، بل مستمدة من طبيعة الله ذاتها "فالله محبة" لذلك وضع هذا القانون، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى": وَمَنْ لاَ يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ اللهَ، لأَنَّ اللهَ مَحَبَّةٌ. (1يو4:8(، وكذلك: وَنَحْنُ قَدْ عَرَفْنَا وَصَدَّقْنَا المحبَّة الَّتِي لِلَّهِ فِينَا. اللهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي المحبَّة يَثْبُتْ فِي اللهِ وَاللهُ فِيهِ. (1يو4:16)، وكذلك، فإن "المحبَّة" هي أولى ثمر الروح القدس، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ.(غل5:22-23)، فالعلاقات أساسها المحبَّة والحُب، والمحبة هي قانون مطلق واحد، فمعنى أن نحب هو أن نريد الخير للآخرين ونقدمه لهم ونضحِّي من أجلهم، وهذه المحبَّة تهدف إلى الوحدة والإتحاد مع الله ومع الآخرين من البشر، فالمحبَّة تجمع وتوحِّد الناس بعضهم مع بعض، وفي علاقة الزواج، نجد أن الحُب يجعل كلٌ من المُحب والمحبوب واحداً أي الزوج والزوجة، كما جاء في سفر "التكوين": لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.(تك2 :24)، ويؤكِّد الرب يسوع على تلك الحقيقة باعتبارها وصية إلهية في إنجيل "متى": وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ، بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». (مت19 :5-6) و(مر10 :7-9) و(أف5 :31).

  2. فمثلاً، فحين يحب الرجل زوجته، هذا يعني أنه يسعى لأن يتّحد بها، ليصيرا الاثنين واحدًا، حيث يرغب في إسعادها ويضحِّي بنفسه من أجلها، فالمحبَّة تصنع الوحدة والإتحاد على الفور، فعندما خلق الله الإنسان، قال له: "أنا أحبك، وأريد أن أكون في شركة معك"، لكنه ترك للإنسان حرية الاختيار، فإذا أراد الإنسان أن يحب الله، فإنه يتحد به، ويعيش في شركة وعلاقة محبة معه تؤدي إلى الوحدة والإتحاد بينهما، فقد خلق الله لآدم (أي الإنسان) "معيناً نظيراً" وهي حواء لتكون شريكة حياة، يحبها وتحبه ويكون الاثنان جسداً واحداً، كما جاء في سفر "التكوين": وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ».(تك2 :18)، فجعل الرب آدم يدخل في نوم عميق، وصنع من أحد أضلاعه امرأة له: فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْماً. وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. فَقَالَ آدَمُ: «هَذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». (تك2 :21-23)، إذ إن قانون العلاقة بين الله والإنسان، وبين الإنسان والإنسان يُعد قانوناً واحداً هو (القانون الأخلاقي)، والقانون الأخلاقي يقوم على المحبَّة، فإذا قام الإنسان بكسر قانون ووصية المحبَّة، وعلى سبيل المثال، خان الزوج زوجته، تكون النتيجة هي كسر الوحدة والإتحاد الذي كان بينه وبينها، لأنه جعلها زوجة تعيسة، فيحدث الانفصال الروحي بينهما على الفور، وهذا هو المعنى الحقيقي الذي لا يدركه ويفهمه الكثير من الناس أن هذا هو الاختيار الأخلاقي الأدبي الرئيسي، فخطايا مثل: السرقة والغش والكذب والنفاق لا تُعد الخطيَّة الأصلية للإنسان، بل هي نتائج ومظاهر فرعية ثانوية، فالأصل يكمن في كسر وانقطاع المحبَّة والشركة والعلاقة والوحدة والإتحاد مع الله، وهذا ما حدث في جنة عدن، فلم يعمل آدم وحواء خطيَّة القتل أو الزنى أو السرقة أو شهادة الزور أو الكذب على الإطلاق.

  3. إذن، ما الذي حدث في جنة عدن؟، ما حدث هو أن الله قد خلق آدم في شركة وعلاقة معه، حيث كان الله وآدم في علاقة محبَّة مع بعضهما البعض، وصنع الله لآدم زوجة هي حواء ليحبها وتحبه ويحبان الله ويعيشون جميعاً في حالة سلام ووئام، وبما أن الله لا يجبر الإنسان أن يحبه ويعيش معه في شركة وعلاقة دون إرادته الحرة واختياره، لذا، قام الله بوضع شجرة تسمى شجرة معرفة الخير والشر في جنة عدن، أي الاختيار بين الخير أو الشر، فلا تعني المعرفة هنا أنه عندما يأكل منها آدم فإنه سيعلم الخير، فقد كان يعرف الخير، وكذلك الشر ولكنه لم يفعله بعد.

    هل معرفة آدم وحواء الخير والشر بعد الأكل من الشجرة تعني أن أعينهما انفتحت فقط على عريهما؟ وما التفسير الصحيح لذلك؟

    ليس صحيحاً، فلقد فُتحت أعينهما وعلما بعُريهما، عندما عملا الخطيَّة وكسرا الوصيَّة الإلهية بعدم الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، فليست (الشجرة) هي من فتحت أعينهما، بل (الخطيَّة) هي من فعلت ذلك، وبالطبع، لم تفتح أعينهما على معرفة الخير أو الشر، بل فتحت أعينهما ليرى آدم وحواء خزيهما وعارهما، الذي جاء نتيجة سقوطهما وعملهما للخطية، إذ إن الشجرة لا تفتح عيون البشر، بل الاختيار هو الذي تسبب فيما حدث، ودعونا نراجع القصة مرة أخرى بشكل واضح، لقد خلق الله آدم ليكون في علاقة محبة وشركة معه، وعلمنا أن القانون الأخلاقي - قانون المحبَّة - يقوم على مبدأ الإرادة الحرة، حيث تتطلب المحبَّة الحقيقية حرية الاختيار، وهذا ما فعله الله، فالله يحب الإنسان (آدم)، وأوجده في علاقة محبة، لكنَّ المحبَّة لا تأتي عن طريق الإجبار، بل بالاختيار الحُر، فإن لم يختار الإنسان المحبَّة بكامل إرادته الحُرة، فلا يصح أن نطلق عليها هذه التسمية، فالله قد وضع الشجرة، وأوصى آدم بعدم الأكل من ثمرها لئلا يموت، وأكل منها آدم وقبله حواء بإغواء من الحيَّة (إبليس)، وبالتالي، يعلن آدم - بهذا الاختيار - أنه يريد الاستقلال والانفصال عن الله وعدم الإتحاد به، فهو يريد الحرية الكاملة المطلقة، ويريد أن يصير كالله أي ندَّا لله، وهذا ما جعل آدم وحواء يرغبان في معرفة الخير والشر، كما جاء في سفر "التكوين": فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». (تك3 :4-5)، لقد أراد آدم وزوجته حواء أن يصبحا مثل الله ويستقلان عن الله ويصيران ندَّاً له، وهذه هي الخطيَّة الحقيقية، والتي تعني كسر قانون المحبَّة واختيار الأنانية وعدم المحبَّة وحب الذات والاستقلال ورفض الإتحاد بالله، والسؤال الهام: هل اختيار الإنسان أن يستقل وينفصل عن الله بسبب خطيَّته يستحق أن تكون نتيجته الموت؟ وهل الموت هو نوع من الانتقام الإلهي بسبب استقلال الإنسان عنه؟ أم أن الموت جاء نتيجة أنانية الإنسان وعدم محبته وانفصاله عن الله؟

  4. ما النماذج التوضيحية التي تُظهر تأثير الخطيَّة في حياة الإنسان؟

    على سبيل المثال، يشبه الأمر أحد الأجهزة الحديثة الذي تعمل بالطاقة الكهربائية حينما تتصل بمصدر الطاقة، فإذا قمنا بفصل هذا المصدر الكهربائي عن الجهاز، فسوف يستمر في العمل لفترة قصيرة جداً إذا كان مزوداً ببطارية، وإلَّا فسوف يتوقف عن العمل على الفور، فهو لم يعاقبه أحد، بل تم فصله عن مصدر الطاقة ومصدر الحياة، فحينما ينفصل الإنسان عن مصدر الحياة - أي الله - يموت، فالموت هنا نتيجة طبيعية حتمية وليس عقاباً أو قسوة، فلا يصح أن يحدث غير ذلك.

    مثال توضيحي آخر حول فكرة الانفصال والاستقلال عن الله باعتباره مصدر حياة الإنسان، حيث نشبِّه الإنسان بـ (الكرة الأرضية) والله بـ (الشمس)، فنحن نعلم أن الأرض تدور حول الشمس، وتستمد نورها وطاقتها وحياتها من الشمس، فإذا خرجت الأرض عن مدارها، وقررت أن تستقل وتصبح نجمًا بذاتها، فهل تُضيء؟ بالطبع لا، ولن تستطيع أن تصير شمساً، وإذا حدث واستقلت الأرض عن الشمس وتوقفت عن الدوران حولها، فإن النتيجة الطبيعية الحتمية هي زوال الحياة عنها، لأن الشمس هي مصدر الضوء والدفء والحياة بالنسبة للأرض، فالكلورفيل Chlorophyll هو الصبغة الخضراء الموجودة في أوراق النباتات وهو المسؤول الرئيسي عن عملية التمثيل الضوئي، وهو يمتص الضوء من أشعة الشمس محولاً إياه إلى طاقة كيميائية تستخدم لتحويل ثاني أكسد الكربون والماء إلى جلوكوز وهو مصدر طاقة للنبات كما يطلق الأوكسجين كناتج ثانوي، فبدون الشمس لا يعمل الكلوروفيل، وبدونه لا تستطيع النباتات إنتاج الغذاء أو الأوكسجين، فالشمس هي مصدر الحياة للنباتات، والكلوروفيل هو الوسيط الذي يترجم هذه الحياة إلى طاقة مفيدة، كما يعتبر ضوء وأشعة الشمس مصدراً للدفء ويساعد في تحريك دورة الحياة على الأرض.

  5. وبالمثل، فإذا استقل وانفصل الإنسان عن مصدر الحياة وهو الله حتماً سيموت، فحينما خلق الله الإنسان أخبره الله أنه مصدر حياته، كما جاء في إنجيل "يوحنا": فِيهِ كَانَتِ الْحَيَاةُ، وَالْحَيَاةُ كَانَتْ نُورَ النَّاسِ.(يو1 :4)، وكذلك، جاء في سفر "التثنية": إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلتَصِقُ بِهِ لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ وَالذِي يُطِيلُ أَيَّامَكَ لِتَسْكُنَ عَلى الأَرْضِ التِي حَلفَ الرَّبُّ لآِبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا».(تث20:30(، فعندما يحب الإنسان الله ينبغي عليه أن يلتصق ويتحد به، والسبب وراء اتحادنا به أنه مصدر الحياة، ولكن إذا رفض الإنسان محبة الله واستقل وانفصل عنه، فالنتيجة الطبيعية هي الموت، ولكنَّه ليس الموت الجسدي Physical، ولهذا، لم يمت آدم وحواء جسدياً بدنياً وبيولوجياً، فلم يكن الأمر كما لو تناولا سُماً فسقطا على الأرض موتى، فالمقصود بالموت في هذه الآية: "لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ"(تك2:17) هو الموت الروحي الأخلاقي، وليس الموت البيولوجي، لأنهما قد انفصلا عن مصدر الحياة الروحي وهو الله، كما انفصلا عن مصدر الأخلاق وهو المحبَّة، فلم يعد لدى آدم وحواء القدرة على الحُب، بل وامتد ذلك إلى أبنائهما، إذ قتل قايين أخيه هابيل، كما يقول سفر "التكوين": وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ.(تك4:8)، لأن المحبَّة ماتت، وظهرت الأنانية ومحبة الذات والاستقلال والانفصال عن الله فصارت خطيَّة، وبالتالي، مات آدم وحواء روحياً لابتعادهما عن مصدر الحياة وهو الله، وأخلاقياً لابتعادهما عن مصدر المحبَّة، وبما أن الكيان الجسدي البدني البيولوجي للإنسان يستمد قوته من الحياة الروحية، إذن، فقد صار للإنسان عُمر محدد يقضيه على الأرض ويموت، وصارت الحياة فاسدة ومليئة بالأمراض تؤدي إلى موت البشر، لذا، فقد نتج الموت الجسدي البدني البيولوجي عن الموت الروحي والموت الأخلاقي أي الفساد الأخلاقي.

  6. إذن فالخطيَّة: هي قرار الإنسان بالأنانية وحب الذات وعدم المحبَّة، ورفض الوحدة والإتحاد والشركة والعلاقة مع الله، واختيار الاستقلال والانفصال عنه، وفقاً لمبدأ الإرادة الحرة وحرية الاختيار، ونتيجة الخطيَّة هي الموت الروحي عن مصدر الحياة وهو الله، ثم الموت الأخلاقي عن مصدر المحبَّة أي الفساد الأخلاقي، فينتج الموت الجسدي البدني البيولوجي، إذ إنه بسبب الخطيَّة صار هناك تحديد وتقييد لعُمر الإنسان على الأرض وانتشرت الأمراض التي تسبب موت الإنسان، وهذا معناه أن الله قد خلق الإنسان كي يعيش مدى الحياة في الأساس، وتؤدي الخطيَّة إلى الموت الجسدي البيولوجي بسبب حدوث فساد للنظام البيولوجي للإنسان نتيجة الموت الروحي والأخلاقي له، فالخليقة تئن وتتمخض بسبب شر الإنسان، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": لأَنَّ الْخَلِيقَةَ نَفْسَهَا أَيْضاً سَتُعْتَقُ مِنْ عُبُودِيَّةِ الْفَسَادِ إِلَى حُرِّيَّةِ مَجْدِ أَوْلاَدِ اللهِ. فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ.(رو8:21-22(، ويقول بولس أيضاً: مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَأَنَّمَا بِإِنْسَانٍ وَاحِدٍ دَخَلَتِ الخطيَّة إِلَى الْعَالَمِ وَبِالخطيَّة الْمَوْتُ وَهَكَذَا اجْتَازَ الْمَوْتُ إِلَى جَمِيعِ النَّاسِ إِذْ أَخْطَأَ الْجَمِيعُ.(رو5:12)، فقد أفسد الإنسان الطبيعة، حيث يكرر العلماء دائماً أن الإنسان قد تسبب في ثقب طبقة (الأوزون) التي تمتص الأشعة فوق البنفسجية الصادرة من الشمس وهي أشعة ضارة بصحة الإنسان والكائنات الحية عموماً، كما أضر الإنسان بـ (الغابات) من خلال قطع الأشجار وإزالتها، ففسد (النظام المثالي للخليقة) الذي وضعه الله، فصار هناك موت جسدي بيولوجي، فالموت - الذي هو نتيجة الخطيَّة - له ثلاثة مراحل، هي: الموت الروحي والموت الأخلاقي والموت الجسدي البيولوجي، ولكن الموت المادي الجسدي لا يحدث كنتيجة مباشرة للخطيَّة، بل الإنسان الذي يستقل وينفصل عن الله يموت روحياً، وهذا هو المقصود بـ "موتاً تموت" (تك2 :17).

  7. ما هو المقصود بالموت الروحي للإنسان والذي ينتج عن الخطيَّة؟

    المقصود بالموت الروحي هو أن الإنسان عبارة عن كائن روحي يتألف من: (نفس وروح وجسد)، فالله قد خلق الروح كي تتصل وتشبع وتعيش وتستنير به، ولكن عندما تنفصل وتستقل الروح عن خالقها ومصدر حياتها تفقد قوتها وينطفئ نورها وضياؤها، ويعيش الإنسان في ظلام روحي، وانطفاء نور الروح ينتج عنه فساد أخلاقي داخل نفس الإنسان، مما ينتج عنه أيضاً تعفن وفساد بيولوجي لجسد الإنسان، فالنتيجة الروحية تؤدي إلى النتيجة النفسية الأخلاقية، والتي بدورها تؤدي إلى النتيجة الجسدية البيولوجية، إذ إن الإنسان عبارة عن ثلاث دوائر: (روح ونفس وجسد)، فالروح قد خلقت للاتصال بالله، والنفس قد خلقت للاتصال بأخيها الإنسان والله، والجسد قد خلق للاتصال بالعالم المادي من حولنا.

    فإذا انفصلت واستقلت الروح، انطفأ نورها الذي مصدره الله، والنور مصدر الحياة الروحية، إذ إن الله كائن روحي وهو مصدر الحياة الروحية، وحينها تفسد النفس البشرية، ولذلك عندما انفصل واستقل آدم وحواء عن الله روحياً انفتحت أعينهما وشعروا بالخزي والعار والخجل ورأوا أنهما عريانين، وشعر آدم بالخوف وأختبأ، فلم يكن يشعر بالخوف من قبل، لأنه عندما عمل الخطيَّة شعر بالخوف على الفور، كما جاء في سفر "التكوين": وَسَمِعَا صَوْتَ الرَّبِّ الإِلَهِ مَاشِياً فِي الْجَنَّةِ عِنْدَ هُبُوبِ رِيحِ النَّهَارِ فَاخْتَبَأَ آدَمُ وَامْرَأَتُهُ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ الإِلَهِ فِي وَسَطِ شَجَرِ الْجَنَّةِ. فَنَادَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ: «أَيْنَ أَنْتَ؟». فَقَالَ: «سَمِعْتُ صَوْتَكَ فِي الْجَنَّةِ فَخَشِيتُ لأَنِّي عُرْيَانٌ فَاخْتَبَأْتُ». فَقَالَ: «مَنْ أَعْلَمَكَ أَنَّكَ عُرْيَانٌ؟ هَلْ أَكَلْتَ مِنَ الشَّجَرَةِ الَّتِي أَوْصَيْتُكَ أَنْ لاَ تَأْكُلَ مِنْهَا؟» (تك3 :8-11)، فقد شعر آدم بالعار وتغيرت نفسيته واهتزت، عندما انطفأ النور الذي كان يضئ روحه، فغالبية البشر يعيشون في حالة من الخوف، فالخوف هو نتيجة "عدم التكمُّل في المحبَّة"، حيث إن "المحبَّة الكاملة تطرح الخوف إلى خارج"، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى": لاَ خَوْفَ فِي المحبَّة، بَلِ المحبَّة الْكَامِلَةُ تَطْرَحُ الْخَوْفَ إِلَى خَارِجٍ لأَنَّ الْخَوْفَ لَهُ عَذَابٌ. وَأَمَّا مَنْ خَافَ فَلَمْ يَتَكَمَّلْ فِي المحبَّة. (1يو4:18(.

  8. فعندما يعيش الإنسان وصية الله التي هي المحبَّة مع الله والناس فلا يشعر بالخوف على الإطلاق، فالحب الكامل لله والناس "يطرح الخوف إلى خارج"، فأولى المشاعر التي انتابت آدم - عندما عمل الخطيَّة وكسر وصيَّة المحبَّة - هو شعوره بالخوف، كما شعر بالخزي والعار، فالخوف علامة على كسر وصيَّة المحبَّة والاستقلال والانفصال عن الله، ولكن من كان في "ظل القدير" لا يشعر بالخوف، كما جاء في سفر "المزامير": اَلسَّاكِنُ فِي سِتْرِ الْعَلِيِّ فِي ظِلِّ الْقَدِيرِ يَبِيتُ. أَقُولُ لِلرَّبِّ: مَلْجَإِي وَحِصْنِي. إِلَهِي فَأَتَّكِلُ عَلَيْهِ. لأَنَّهُ يُنَجِّيكَ مِنْ فَخِّ الصَّيَّادِ وَمِنَ الْوَبَإِ الْخَطِرِ. بِخَوَافِيهِ يُظَلِّلُكَ وَتَحْتَ أَجْنِحَتِهِ تَحْتَمِي. تُرْسٌ وَمِجَنٌّ حَقُّهُ. لاَ تَخْشَى مِنْ خَوْفِ اللَّيْلِ وَلاَ مِنْ سَهْمٍ يَطِيرُ فِي النَّهَارِ. (مز91 :1-5)، ويقول داود: اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. (مز23:1-4)، ويقول أيضاً: اَلرَّبُّ نُورِي وَخَلاَصِي مِمَّنْ أَخَافُ؟ الرَّبُّ حِصْنُ حَيَاتِي مِمَّنْ أَرْتَعِبُ؟ (مز27:1(، فالذي يعيش ويحيا في ظلال الرب لا يشعر بالخوف من أحد، ولكن إذا اختار الإنسان الاستقلال والانفصال عن الله حتماً سيشعر بالخوف من الله، رغم أنه يحب الإنسان، كما سيشعر الإنسان بالخوف من نفسه، والخوف من الناس لأنه لا يحب الناس، والخوف من الظروف المحيطة به، لأنه سيكون حينها أضعف من الظروف، ولكن، بينما الشركة وعلاقة محبة مع الله، تزيل أي خوف من الظروف لأن الأنسان يكون حينها أقوى من تلك الظروف.

  9. ما هو الموت الأبدي؟

    يتحدث العهد الجديد عن (الموت الثاني)، فعندما يموت الإنسان جسدياً وبيولوجياً، تنطلق روحه إلى العالم الروحي، فإذا كان على الأرض منفصلاً ومستقلاً عن الله، سيظل منفصلاً ومستقلاً عن الله، وهذا هو الموت الأبدي، كما جاء في سفر "الرؤيا": مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي». (رؤ2 :11)، ويقول يوحنا اللاهوتي أيضاً: وَرَأَيْتُ الأَمْوَاتَ صِغَاراً وَكِبَاراً وَاقِفِينَ أَمَامَ اللهِ، وَانْفَتَحَتْ أَسْفَارٌ. وَانْفَتَحَ سِفْرٌ آخَرُ هُوَ سِفْرُ الْحَيَاةِ، وَدِينَ الأَمْوَاتُ مِمَّا هُوَ مَكْتُوبٌ فِي الأَسْفَارِ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ. وَسَلَّمَ الْبَحْرُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِ، وَسَلَّمَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ الأَمْوَاتَ الَّذِينَ فِيهِمَا. وَدِينُوا كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ أَعْمَالِهِ. وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هَذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوباً فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. (رؤ20:12-15(، وكذلك: ثُمَّ قَالَ لِي: «قَدْ تَمَّ! أَنَا هُوَ الأَلِفُ وَالْيَاءُ، الْبِدَايَةُ وَالنِّهَايَةُ. أَنَا أُعْطِي الْعَطْشَانَ مِنْ يَنْبُوعِ مَاءِ الْحَيَاةِ مَجَّاناً. مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلَهاً وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْناً. وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي».(رؤ21:6-8(، فحين يستقل وينفصل الإنسان عن الله وهو لا يزال على الأرض، فقد مات روحياً أي انطفأت روحه، لأنه فقد قوة الحياة الروحية، فلا توجد شركة ولا علاقة محبة مع الله، ولا يستطيع الإنسان حينها أن يرى أو يسمع أو يشعر أو يتلذذ بالله، بينما حين يعقد معه المصالحة التي أعطاها لنا الرب بيسوع المسيح، يعود الإنسان فيرى ويسمع ويشعر ويتلذذ بالله فيحيا مرة أخرى، كما يقول "داود": وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ.(مز37:4(، فهو مصدر الحياة الروحية، فتعود الشركة وعلاقة المحبَّة والحديث المتبادل بين الإنسان والله، فالحُب هو الشركة، والشركة هي أن الله والإنسان يتحدثان ويشعران ويعيشان كلاهما من أجل بعضهما البعض.

  10. هل معرفة مراحل الخطية تعني إمكانية تحديد المصير الأبدي (الحياة الأبدية أو الموت الأبدي) أثناء الحياة على الأرض؟

    إن الحقيقة الجوهرية التي ينبغي علينا أن نفهمها، هي أن الإنسان كائن روحي مخلوق من الله، فالروح التي داخل الإنسان هي كائن أبدي نفخها الله فيه، بينما جسد الإنسان ليس كائناً أبدياً، فهو من تراب وإلى التراب يعود، كما جاء في سفر "التكوين": بِعَرَقِ وَجْهِكَ تَأْكُلُ خُبْزاً حَتَّى تَعُودَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُخِذْتَ مِنْهَا. لأَنَّكَ تُرَابٌ وَإِلَى تُرَابٍ تَعُودُ».(تك3:19( و(جا3:19-20(، بينما تظل الروح التي في الإنسان كياناً أبدياً، فإذا اخترنا الاستقلال والانفصال عن الله يصير هذا الكيان الروحي الأبدي الذي داخلنا جميعاً نحن البشر مظلماً وميتاً، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتاً بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا.(أف2:1)، وبرغم أننا نأكل ونشرب ونتحرك جسديًا، لكن في الحقيقة نحن ميتون روحيًا بالذنوب والخطايا، وعندما يموت الإنسان جسدياً وبيولوجياً ويدفن، فإلى أين تذهب روح هذا الإنسان عندما تصعد وتنتقل إلى العالم الروحي؟ بالطبع، ستذهب الروح بعيداً عن الله وتظل هكذا إلى الأبد، إذا كان الإنسان قد عاش ومات وهو مستقل ومنفصل وبعيد عن الله وانتقل إلى العالم الأبدي على تلك الصورة، وهذا هو ما نسميه (الجحيم) أي البعد والانفصال والحرمان الأبدي من الله، فالإنسان الذي يعيش منفصلاً وبعيدًا عن الله في حياته الأرضية، قد يشغل نفسه ويجد تسلية بمختلف أنواع الملذات والأمور الدنيوية: من طعام وشراب ونوم وجري ولعب والذهاب إلى دور السينما وغيرها من الأمور، ولكن، عندما تنتقل روحه إلى العالم الروحي الأبدي ستكون في مكان مُظلم أبدي، بعيداً عن الرب، كما جاء في إنجيل "متى": والعبد الْبَطَّالُ اطْرَحُوهُ إِلَى الظُّلْمَةِ الْخَارِجِيَّةِ هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.(مت25 :30)، ولا تستطيع الروح حينها أن تفعل شيئاً مطلقاً كما اعتاد الإنسان في حياته الأرضية، وهذا هو العذاب والموت الأبدي.

  11. كيف يُفسَّر ما ورد في الكتاب المقدس عن العذاب الأبدي مثل صرير الأسنان وبحيرة النار والكبريت؟

    إن تعبيرات مثل: "صرير الأسنان" و"بحيرة النار والكبريت"، وغيرها، هي تعبيرات بشرية عن العذاب والموت الأبدي، فالعذاب والجحيم هو انفصال واستقلال روح الإنسان بعيداً عن الحياة الروحية، بعيداً عن الله، بعيداً عن مصدر السعادة الحقيقية، وقد يتساءل البعض: كيف تكون هناك نار وظلمة معًا؟ في الحقيقة، هذه تعبيرات بشرية تساعدنا على فهم العذاب الأبدي، فالنار - كما نعرفها ماديًا - تحتاج إلى مادة لتحرقها، لكننا هناك لن نكون لحمًا ودمًا، إذاً، فالنار ليست نارًا حرفية بالمعنى المادي، لكنها تصوير للعذاب والآلام الداخلية، كأنها نار تأكل في الكيان الروحي للإنسان، أما تعبير "صرير الأسنان" الذي ذكره الرب يسوع:"...هُنَاكَ يَكُونُ الْبُكَاءُ وَصَرِيرُ الأَسْنَانِ.(مت22 :13)، فهو تعبير مجازي، لأن صرير الأسنان هو ناتج عن الشعور البرودة الشديدة التي تجعل الإنسان يشعر بالرعشة، بينما النار تجعل الإنسان يصرخ من لهيبها، لذلك، فهو تعبير عن الندم والحزن والكآبة وخيبة الأمل وانعدام كل رجاء، لأنه لن يوجد مهرب ولا خلاص في ذلك الحين، هذا هو ما يُسمّى بـ (الهلاك الأبدي)، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "تسالونيكي": فِي نَارِ لَهِيبٍ، مُعْطِياً نَقْمَةً لِلَّذِينَ لاَ يَعْرِفُونَ اللهَ وَالَّذِينَ لاَ يُطِيعُونَ إِنْجِيلَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِينَ سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ مِنْ وَجْهِ الرَّبِّ وَمِنْ مَجْدِ قُوَّتِهِ.(2تس1:8-9).

  12. وهناك عدة تعبيرات مرادفة "للهلاك الأبدي" في العهد الجديد، مثل: النار الأبدية، الموت الثاني، الدينونة الأبدية، العذاب الأبدي، جهنم.

    ما هو المصير الأبدي الذي ينتظر الإنسان المؤمن الذي له شركة وعلاقة محبة مع الله؟

    إذا كان الإنسان وهو لا يزال على الأرض يعيش مع الرب وروحه تتصل بالله وله شركة وعلاقة محبة معه، تماماً كما لو كان أحد الأجهزة الحديثة التي تعمل بالكهرباء وتم توصيله بمصدر للطاقة الكهربائية، فإن الجهاز سيُضاء ويعمل ويستقبل صورة ربنا، ويسمع الإنسان كلامه ويعيش معه ويهنأ به ويكونان في شركة وعلاقة محبة، فيجد الأنسان الراحة والأمان الحقيقي ويتصالح مع نفسه ومع الناس من حوله فيحيا، وحين يموت هذا الإنسان جسديًا وبيولوجياً وينتهي عُمره، سواء بسبب مرض أو حادث، وانتقل من هذا العالم إلى العالم الآخر، تذهب روحه إلى حيث الرب، وتعيش معه إلى أبد الآبدين، لذلك، يقول الرب يسوع بكل وضوح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإِلَهَ الْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ الْمَسِيحَ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ. (يو17:3)، ويقول أيضاً: لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. (يو3:16(، ويقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. (رو6:23(، فالحياة الأبدية تبدأ من هنا على الأرض وليس بعد الموت الجسدي البيولوجي، من خلال معرفة الإنسان بالله واتصاله به والدخول معه في شركة وعلاقة محبة، كل ذلك يجعل الإنسان يعيش الحياة الأبدية أي الحياة التي لا تنتهي، وعشرة الإنسان مع الرب لا يقطعها الموت الجسدي البيولوجي، بل يجعلها أعظم، حيث إن الإنسان هنا يرى ويسمع الرب بالروح وبالإيمان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "العبرانيين":وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى.(عب11:1(، ويقول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس":لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعَيَانِ.(2كو5:7(.

  13. وفي العالم الروحي الأبدي، سيرى الإنسان الله ويسمعه ويستمتع به بالعيان ووجهاً لوجه، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": فَإِنَّنَا نَنْظُرُ الآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ لَكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. الآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ الْمَعْرِفَةِ لَكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ. (1كو13:12(، وجاء أيضاً في رسالة "يوحنا الأولى": أَيُّهَا الأَحِبَّاءُ، الآنَ نَحْنُ أَوْلاَدُ اللهِ، وَلَمْ يُظْهَرْ بَعْدُ مَاذَا سَنَكُونُ. وَلَكِنْ نَعْلَمُ أَنَّهُ إِذَا أُظْهِرَ نَكُونُ مِثْلَهُ، لأَنَّنَا سَنَرَاهُ كَمَا هُوَ. (1يو3:2)، ويقول الرب يسوع في الموعظة على الجبل في إنجيل "متى": طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّهَ. (مت5 :8)، ومن مرادفات (الحياة الأبدية):"ملكوت السماوات"، كما يقول أيضاً: «طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. (مت5:3)، و"ملكوت الله"، كما يؤكد الرب يسوع في إنجيل "لوقا": وَرَفَعَ عَيْنَيْهِ إِلَى تَلاَمِيذِهِ وَقَالَ: «طُوبَاكُمْ أَيُّهَا الْمَسَاكِينُ لأَنَّ لَكُمْ مَلَكُوتَ اللهِ. (لو6:20(، و"الميراث الأبدي"، كما جاء في رسالة "بطرس الأولى": لِمِيرَاثٍ لاَ يَفْنَى وَلاَ يَتَدَنَّسُ وَلاَ يَضْمَحِلُّ، مَحْفُوظٌ فِي السَّمَاوَاتِ لأَجْلِكُمْ. (1بط1:4).

    وعلى ذلك، فالحياة الأبدية أو الهلاك الأبدي يتعلقان بروح الإنسان، فحين تتصل الروح بالله تستنير وتحيا، وحين تنفصل عن الله تنطفئ وتموت، فنحن أموات بالذنوب والخطايا، التي تفصلنا عن الله، ونحن أحياء عندما نتصالح مع الله وندخل في شركة وعلاقة محبة متبادلة معه، لنعود فنحيا ونعيش معه في محبة أبدية، كما يقول "إرميا": تَرَاءَى لِي الرب مِنْ بَعِيدٍ: «وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرحمة. (إر31 :3).

  14. هل تقوم علاقة الإنسان بالله على الخوف من الدينونة، أم على المحبة التي تقوده إلى الاتحاد معه؟

    إن العلاقة التي تقوم على الخوف هي ليست علاقة محبَّة على الإطلاق، فالقانون الإلهي هو قانون المحبة:" وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ألله، لِأَنَّ الله مَحَبَّةٌ. (1يو4:8)، و(1يو4:16(، فنحن كمسيحيين لم نبتدع هذا القانون، بل وجدناه في الكتاب المقدس الموحى به من قِبل الله، فعندما سألوا الفريسيُّون الرب يسوع المسيح: ما هو القانون الإلهي؟ وما هي الوصية الأولى والعظمى؟، فكلمة وصية هنا تعني القانون Law The، كما جاء في إنجيل "متى": أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعاً وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ نَامُوسِيٌّ لِيُجَرِّبَهُ: «يَا مُعَلِّمُ أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ». (مت22:34-40)، وهي وصية مكتوبة في العهد القديم في سفر "التثنية": فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. (تث6:5(، وكذلك في سفر "اللاويين". (لا19:18).

  15. هل أكل آدم وحواء من شجرة معرفة الخير والشر قاد فعلاً إلى معرفتهما للخير والشر؟

    حسناً، لنقرأ الآيات من سفر "التكوين"، ونرى ما تخبرنا به من معانٍ: فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ. فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. (تك3:6-7)، حيث تقول الآية: "فانفتحت أعينهما وعلما أنهما عريانين"، وليس "انفتحت أعينهما وعرفا الخير والشر"، فلم تحدث النتيجة التي ذكرتها الحية (إبليس) لحواء، بل حدثت النتيجة التي ذكرها الله، حيث شعر آدم بالخزي والعار والخوف نتيجة عمل الخطية وكسر الوصية والقانون الإلهي قانون المحبة، فقد أخبرت الحية حواء أنه عندما تأكل هي وآدم من الشجرة يصيران كالله عارفين الخير والشر، وهذا ما لم يحدث على الإطلاق.

    فقد جاء في سفر "التكوين": فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ».(تك3 :4)، حيث فهم الكثيرين من الناس هذه الآية بشكل خاطئ يناقض الحقيقة، معتبرين أن كلام إبليس هو الكلام الصحيح، فقد كان آدم وحواء يعيشان في دائرة الخير، وكانا يعرفان الخير حقاً كاختبار عملي، فالخير هو المحبَّة الحقيقية، إذ عاشا في شركة وعلاقة محبة واتحاد مع الله ومع بعضهما البعض، وأوكل الله لآدم مسؤولية الاعتناء بالخليقة من حيوانات وطيور ونباتات وغيرها في جنة عدن "ليعملها ويحفظها": وَأَخَذَ الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ وَوَضَعَهُ فِي جَنَّةِ عَدْنٍ لِيَعْمَلَهَا وَيَحْفَظَهَا.(تك2:15(، وعندما خلق الله الحيوانات والطيور أحضرها إلى آدم ليُعطي لها أسماء: وَجَبَلَ الرَّبُّ الإِلَهُ مِنَ الأَرْضِ كُلَّ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ وَكُلَّ طُيُورِ السَّمَاءِ فَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ لِيَرَى مَاذَا يَدْعُوهَا وَكُلُّ مَا دَعَا بِهِ آدَمُ ذَاتَ نَفْسٍ حَيَّةٍ فَهُوَ اسْمُهَا. فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِيناً نَظِيرَهُ. (تك2:19-20(.

  16. إذن، فقد عاش آدم وحواء في محبة وشركة مع بعضهما البعض ومع الله في علاقة يومية حميمة، وكانا عارفين للخير ويعيشانه لزمن طويل، ولم يعرفا الشر، لأنهما لم يفعلاه بعد، ولكنهما أخيراً فعلا الشر وكسرا وصية الله وأكلا من ثمر الشجرة التي أوصى الله بعدم الأكل من ثمرها، فلم يكن ما فعلاه هو اكتساب معرفة للخير والشر، بل السقوط في الخطيَّة واختيار الانفصال والاستقلال عن الله مصدر حياة الإنسان، عن طريق اتخاذ قرار خاطئ، فالذي ذكر أنه بالأكل من ثمر الشجرة سيعرفان الخير والشر هي الحيَّة (إبليس) وليس الله، إذ كانت الحية أحيل جميع حيوانات البرية، كما جاء في سفر "التكوين": وَكَانَتِ الْحَيَّةُ أَحْيَلَ جَمِيعِ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ الَّتِي عَمِلَهَا الرَّبُّ الإِلَهُ فَقَالَتْ لِلْمَرْأَةِ: «أَحَقّاً قَالَ اللهُ لاَ تَأْكُلاَ مِنْ كُلِّ شَجَرِ الْجَنَّةِ؟» (تك3:1(، فخدعت وأغوت الحيَّة حوَّاء، فأكلت من الشجرة وأعطت لآدم فأكل: فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ. (تك3 :6).

    فحين ذكرت الحيَّة لحوَّاء أنهما بالأكل من ثمر الشجرة سيصيران كالله عارفين الخير والشر، كما جاء في سفر "التكوين": فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». (تك3:4-5)، نجد أن الله قد أوصى آدم بعدم الأكل من ثمر الشجرة لئلا يموت: وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ». (تك2:16-17)، وقد أكَّدت حوَّاء هذه الوصيَّة: فَقَالَتِ الْمَرْأَةُ لِلْحَيَّةِ: «مِنْ ثَمَرِ شَجَرِ الْجَنَّةِ نَأْكُلُ وَأَمَّا ثَمَرُ الشَّجَرَةِ الَّتِي فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ فَقَالَ اللهُ: لاَ تَأْكُلاَ مِنْهُ وَلاَ تَمَسَّاهُ لِئَلَّا تَمُوتَا».(تك3:2-3(، فلم يخبر الله آدم أن الأكل من ثمر الشجرة سيمنحه معرفة الشر، بل حذره أن الأكل من ثمرها هو عمل الخطيَّة وعمل الشر، والذي ينتج عنه الموت الروحي، وبهذا، اختار آدم الانفصال والاستقلال عن الله، كما يقول أيوب: فَيَقُولُونَ لِلَّهِ: ابْعُدْ عَنَّا. وَبِمَعْرِفَةِ طُرُقِكَ لاَ نُسَرُّ. (أي 21:14).

  17. أما الدليل الثاني على صحة تفسير الآية كما ذكرت، أن الإغواء والإغراء الذي دفع حوَّاء للأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر لا يكمن في منظر الشجرة أو طعم ثمرها، بل في عبارة "وتكونان كالله"، أي الاستقلال عن الله وتصيران مثل الله ونداً له: فَقَالَتِ الْحَيَّةُ لِلْمَرْأَةِ: «لَنْ تَمُوتَا! بَلِ اللهُ عَالِمٌ أَنَّهُ يَوْمَ تَأْكُلاَنِ مِنْهُ تَنْفَتِحُ أَعْيُنُكُمَا وَتَكُونَانِ كَاللهِ عَارِفَيْنِ الْخَيْرَ وَالشَّرَّ». (تك3:4-5(.

    ما المقصود بالخطيَّة في قصة سقوط آدم وحواء؟ وما الذي أدخل فكرة الخطيَّة إلى أذهانهما؟

    إن الخطيَّة هي اختيار الاستقلال والانفصال عن الله مصدر الحياة وهي الكبرياء، فالاستقلال عن الله هو كبرياء الإنسان، والذي جلب خطيَّة الكبرياء لأذهان آدم وحواء هي الحيَّة (أي إبليس)، حيث أغوت وأغرت الحيَّة حواء للأكل من ثمر الشجرة ليكونا مثل الله ونداً لله، والسؤال المطروح هنا: ما الذي استدعى فكرة الكبرياء إلى ذهن إبليس ذاته؟، لقد كان (إبليس) كائن روحي رئيس ملائكة برتبة كروب أي ملاك وروح خادمة، فهو الجمال والكمال والحكمة، حامل النور المتلألئ "زهرة بنت الصبح"، وبما أنه لديه فكر ومشاعر وإرادة حرة، بدأت فكرة الكبرياء لديه بالتكبر على الملائكة "كواكب الله"، ثم تطورت الفكرة إلى رغبته في التمرد والاستقلال عن الله ليكون معادلاً له "أصير مثل العلي"، فأصبح "شيطان" أي خصم ومقاوم وكروب ساقط، كما جاء في سفر "إشعياء": كَيْفَ سَقَطْتِ مِنَ السَّمَاءِ يَا زُهَرَةُ بِنْتَ الصُّبْحِ؟ كَيْفَ قُطِعْتَ إِلَى الأَرْضِ يَا قَاهِرَ الأُمَمِ؟ وَأَنْتَ قُلْتَ فِي قَلْبِكَ: أَصْعَدُ إِلَى السَّمَاوَاتِ. أَرْفَعُ كُرْسِيِّي فَوْقَ كَوَاكِبِ اللَّهِ وَأَجْلِسُ عَلَى جَبَلِ الاِجْتِمَاعِ فِي أَقَاصِي الشِّمَالِ. أَصْعَدُ فَوْقَ مُرْتَفَعَاتِ السَّحَابِ. أَصِيرُ مِثْلَ الْعَلِيِّ. لَكِنَّكَ انْحَدَرْتَ إِلَى الْهَاوِيَةِ إِلَى أَسَافِلِ الْجُبِّ. (إش14:12-15(، وكذلك، جاء في سفر حزقيال في الحديث عن إبليس بوصفه ملك مدينة صور: وَكَانَ إِلَيَّ كَلاَمُ الرَّبِّ: يَا ابْنَ آدَمَ، ارْفَعْ مَرْثَاةً عَلَى مَلِكِ صُورَ وَقُلْ لَهُ: هَكَذَا قَالَ السَّيِّدُ الرَّبُّ: أَنْتَ خَاتِمُ الْكَمَالِ، مَلآنٌ حِكْمَةً وَكَامِلُ الْجَمَالِ. كُنْتَ فِي عَدْنٍ جَنَّةِ اللَّهِ. كُلُّ حَجَرٍ كَرِيمٍ سِتَارَتُكَ عَقِيقٌ أَحْمَرُ وَيَاقُوتٌ أَصْفَرُ وَعَقِيقٌ أَبْيَضُ وَزَبَرْجَدٌ وَجَزْعٌ وَيَشْبٌ وَيَاقُوتٌ أَزْرَقُ وَبَهْرَمَانُ وَزُمُرُّدٌ وَذَهَبٌ. أَنْشَأُوا فِيكَ صَنْعَةَ صِيغَةِ الفُصُوصِ وَتَرْصِيعِهَا يَوْمَ خُلِقْتَ. أَنْتَ الْكَرُوبُ الْمُنْبَسِطُ الْمُظَلِّلُ. وَأَقَمْتُكَ. عَلَى جَبَلِ اللَّهِ الْمُقَدَّسِ كُنْتَ. بَيْنَ حِجَارَةِ النَّارِ تَمَشَّيْتَ. أَنْتَ كَامِلٌ فِي طُرُقِكَ مِنْ يَوْمَ خُلِقْتَ حَتَّى وُجِدَ فِيكَ إِثْمٌ. بِكَثْرَةِ تِجَارَتِكَ مَلأُوا جَوْفَكَ ظُلْماً فَأَخْطَأْتَ. فَأَطْرَحُكَ مِنْ جَبَلِ اللَّهِ وَأُبِيدُكَ أَيُّهَا الْكَرُوبُ الْمُظَلِّلُ مِنْ بَيْنِ حِجَارَةِ النَّارِ. قَدِ ارْتَفَعَ قَلْبُكَ لِبَهْجَتِكَ. أَفْسَدْتَ حِكْمَتَكَ لأَجْلِ بَهَائِكَ. سَأَطْرَحُكَ إِلَى الأَرْضِ وَأَجْعَلُكَ أَمَامَ الْمُلُوكِ لِيَنْظُرُوا إِلَيْكَ. (حز28:11-17)

  18. وبسقوط إبليس الملاك الكروب، قدَّم العرض نفسه على آدم وحواء ليتمردا ويستقل عن الله، وهي فكرة الاستقلال القائم على الكبرياء، وهي الخطيَّة التي أسقطت إبليس وحولته من رئيس ملائكة إلى رئيس الشياطين، لذلك، فإن وجود الشيء يستلزم وجود نقيضه، مثل: النور والظلمة، الصواب والخطأ، الخير والشر، الحياة والموت، الحب والأنانية، التواضع والكبرياء، فالله قد منح الكائنات الأدبية (الإنسان والملائكة بما فيهم إبليس) حرية الاختيار بين الشيء ونقيضه، حيث اختار إبليس الكبرياء فسقط في الخطيَّة، وكذلك فعلا آدم وحواء، بإغواء من الحيَّة (إبليس)، فجميع الكائنات الأدبية لها حُرية الاختيار، ولكننا نعلم عن أنفسنا أكثر ما نعلم عن الملائكة، لأننا لسنا ملائكة، فقد أخبرنا الله بما يكفينا ويلزمنا معرفته عن الملائكة، وما نعلمه هو القليل، لأنه ليس عالمنا، وحذرنا من الشيطان بسبب كبريائه وتمرده.

    وقد أخبرنا الله بطرق وخطط واستراتيجية إبليس في تجربة الإنسان والإيقاع به كي نتجنبها بأن نلبس "سلاح الله الكامل" لمواجهته ومقاومته والنصرة والغلبة عليه، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": أَخِيراً يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ، وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ. (أف6:10-18)، ويقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": لِئَلَّا يَطْمَعَ فِينَا ٱلشَّيْطَانُ، لِأَنَّنَا لَا نَجْهَلُ أَفْكَارَهُ. (2كو2:11(

View it as a group leader — the same lesson, laid out for the meeting

  1. التلمذة — completed
  2. شخصية الله — completed
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
  4. شخصية الإنسان — completed
  5. شخصية المسيح — completed
  6. الروح القدس — completed
  7. لا أنا بل المسيح — completed
  8. مبادئ العلاقة مع الله — completed
  9. الشركة مع الله — completed
  10. الكنيسة — completed
  11. المأمورية العظمى — completed
  12. الصراع الروحي — completed
  13. شفاء النفس — completed
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
  15. اختيار شريك الحياة — completed
  16. العلاقة الزوجية — completed
  17. تربية الأطفال — completed
  18. أساسيات الحياة مع الله — completed
  19. حياة الخادم — completed
  20. من حقك تفهم — you are here

من حقك تفهم — 18 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.

See the whole path