وحدة الثالوث
وحدة الثالوث
هل كانت الديانة المصرية القديمة - في مصر الفرعونية - تتضمن مفهوماً للتثليث يُشبه عقيدة الثالوث المقدس في الإيمان المسيحي؟
لم يكن هناك تثليثٌ في الديانة المصرية القديمة على الإطلاق، حيث نرى بوضوح مبدأ تعدد الآلهة، وليس هذا فحسب، بل أيضاً يُنسب إلى تلك الآلهة صفات بشرية مثل: الزواج والإنجاب، فالإله لديهم يتزوّج وينجب، كما في قصة (أوزوريس وإيزيس) اللذين أنجبا الإله حورس، الذي يُصوَّر كطفل ثم يكبر ويُعبَد كإله، ومع ذلك، فهذه الأسرة الإلهية ليست الوحيدة، بل هي جزء من منظومة واسعة تضم آلهة كثيرة أخرى، وبعض تلك الآلهة لا يرتبط بعلاقات زواج أو نسب، وبالتالي، لا توجد وحدة جوهرية تجمع كل هذه الآلهة، بل هي كيانات مستقلة، لا يربطها سوى التقاليد الأسطورية المختلفة، مما يُظهر التباين الكبير بينها وبين مفهوم الإله الواحد الحقيقي أي الله الواحد في الجوهر القائم في ثلاثة أقانيم متميِّزة دون استقلال.
ما رأيُّك في الادعاءات القائل بأن المقصود بالثالوث المقدس أن الله قد تزوج من القديسة مريم العذراء وأنجب منها المسيح؟
هذا هو مفهوم (الثالوث المريمي) وهو لا يمت بصلة إلى الإيمان المسيحي الحقيقي وليس الثالوث المقدس الذي نؤمن به، بل هو بدعة نشأت في أوقات متأخرة ولا أساس لها في الكتاب المقدس، ولا نؤمن بها على الإطلاق، ولا علاقة لها بتعاليمنا، فقد قاومت الكنيسة تلك الفكرة وهاجمتها، فالقديسة مريم العذراء هي إنسانة اصطفاها واختارها الله وأعدَّها ليأتي منها المسيح، وذلك بفضل تواضعها، كما ورد في إنجيل لوقا": فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي.(لو1:46-48)، حيث استخدمت القديسة مريم العذراء لفظ "أمته" وليس "زوجته"، فنحن كمسيحيين لا نؤمن بـ (الثالوث المريمي) بسبب أن ذلك يتضمن تعددية إلهية ويفترض أن الله يتزوج وينجب، بينما نؤمن كمسيحيين بأن الثالوث الذي يعلنه الكتاب المقدس هو عقيدة فريدة لا نظير لها في أية عقيدة أو فلسفة، فالكتاب المقدس يعلن عن إله واحد في ثلاثة أقانيم: الآب، والابن، والروح القدس، كما في قول المسيح في إنجيل متى ":فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ.(مت28:19-20)، فعندما نقوم بشرح (عقيدة الثالوث) نحاول أن نقرّبه للناس باستخدام صور مادية، لأن الأمثلة المادية تساعد العقل البشري المحدود على التخيُّل، غير أن المشكلة تكمن في أن هذه الصور، بالرغم من فائدتها التوضيحية الجزئية، تُفسد أحيانًا جوهر الفكرة الإلهية، لأنها لا ترقى إلى كمال الله ولا تعبِّر بدقة عن طبيعته، فعلى سبيل المثال، يُشبَّه الثالوث أحيانًا بإصبع اليد الذي يحتوي على ثلاث عُقل، أو بالإنسان المكوَّن من: (نفس وروح وجسد)، ولكن هذان التشبيهان يظلان ماديان ومحدودان، فالروح والنفس والجسد يختلفون - في طبيعتهم - عن بعضهم البعض، فعند موت الإنسان تنفصل الروح عن الجسد، مما يبيّن الفارق الجوهري بينهما، أما فيما يتعلق بالذات الإلهية، نجد أن الله لا ينفصل ولا تختلف طبيعته بين الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس، حيث يشتركون في جوهر إلهي واحد وطبيعة واحدة وصفات واحدة: المحبة، والرحمة، والقداسة، والقدرة، وسائر الصفات، فلا توجد صفة في أحد الأقانيم غير موجودة في الأقنوم الآخر، ولا يوجد بينهم ترتيب، فلا يُقال إن فيهم أوّل وثانٍ وثالث، بل يوجد تميُّز دون استقلال ودون انقسام، وهذا التميُّز داخل الوحدة الإلهية هو مصدر الغنى والثراء والكمال في ذات الله، ففيه توجد المحبة والشركة وجميع الصفات حتى قبل أن يخلق العالم، ولذلك، فإن الخليقة عبارة عن صورة مصغَّرة محدودة تعكس صورة خالقها غير المحدود واللانهائي.
ما هي الآيات التي تثبت وجود "الثالوث" في الكتاب المقدس سواء في العهد القديم أو العهد الجديد؟
أن "عقيدة الثالوث" لم نخترعها نحن، بل وجدناها مُعلنة بوضوح في الكتاب المقدس، لاسيّما في العهد الجديد، حيث تتجلّى في مشاهد صريحة لا لبس فيها، ففي العهد الجديد، نرى أولى هذه المشاهد هو مشهد "معمودية المسيح"، حيث أخبر الله "يوحنا المعمدان" أن من سيرى الروح القدس نازلاً عليه هو المسيح المسيا المنتظر، فلما اعتمد المسيح حلَّ عليه الروح القدس في هيئة حمامة، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَشَهِدَ يُوحَنَّا: «إِنِّي قَدْ رَأَيْتُ الرُّوحَ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ مِنَ السَّمَاءِ فَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ. وَأَنَا لَمْ أَكُنْ أَعْرِفُهُ، لَكِنَّ الَّذِي أَرْسَلَنِي لأُعَمِّدَ بِالْمَاءِ ذَاكَ قَالَ لِي: الَّذِي تَرَى الرُّوحَ نَازِلاً وَمُسْتَقِرّاً عَلَيْهِ فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُعَمِّدُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ».(يو1:32-34)، وسُمع صوت من السماء يقول "هذا هو ابني الحبيب"، كما جاء في إنجيل "متى": فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ وَصَوْتٌ مِنَ السَّمَاوَاتِ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ».(مت3:16-17) و(مر1:9-11) و(لو3:21-22)، وفي هذا المشهد نرى بوضوح: (الابن) واقفاً في الماء يعتمد، و(الروح القدس) نازلاً عليه في هيئة حمامة، و(الآب) يتكلَّم من السماء بصوت مسموع ويقول: "هذا هو ابني الحبيب"، فهو مشهد واضح مرئي منظور أمام أعيننا يعبِّر عن حضور الثالوث المقدس: (الآب والابن والروح القدس) مع بعضهم البعض في صورة واحدة.
والمشهد الثاني، على جبل التجلي، حيث تغيرَّت هيئة المسيح وأضاء وجهه كالشمس وصارت ملابسه بيضاء كالنور أمام أعين التلاميذ (بطرس ويعقوب ويوحنا أخيه)، ويظهر معه النبيَّان: (موسى وإيليا) وهم يتحدثون مع بعضهم البعض، ونرى سحابة تظللهم ونسمع صوتاً آتياً من السماء، كما جاء في إنجيل "متى": وَفِيمَا هُوَ يَتَكَلَّمُ إِذَا سَحَابَةٌ نَيِّرَةٌ ظَلَّلَتْهُمْ وَصَوْتٌ مِنَ السَّحَابَةِ قَائِلاً: «هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ. لَهُ اسْمَعُوا».(مت17:5) و(مر9:2-8) و(لو9:28-36)، فلم يقل صوت الله الآب: "هؤلاء هم موسى وإيليا ويسوع"، بل ميَّز (المسيح) وحده، قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب الذي سررت به له اسمعوا"(مت17:5)، فقد كان موسى وإيليا حاضرين ليشهدا للمسيح، كأنهم يقولون له: "أخيرًا أتيت، كنا ننتظرك، وها قد جئت"، فإن موسى وإيليا لا يشهدان وحدهما فحسب، بل أيضاً الآب نفسه يشهد قائلاً:"هذا هو ابني الحبيب"، وهنا يتضح الفارق: فموسى وإيليا أنبياء، أما المسيح فهو الابن، وهذا يعني أننا لم نعد نصغي إلى موسى أو إيليا، لأن المسيح هو صاحب السلطان الفريد فهو ابن الله، فقد كان التلاميذ بطرس ويعقوب ويوحنا حاضرين، ورأوا هذا المشهد العجيب بأعينهم، وهي رؤية تُؤكّد حقيقة أعلنها المسيح مرارًا: أنه الابن، كما قال "يوحنا الحبيب": اَللَّهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ. اَلاِبْنُ الْوَحِيدُ الَّذِي هُوَ فِي حِضْنِ الآبِ هُوَ خَبَّرَ.(يو1:18)، فهو الابن الوحيد لأنه ليس له نظير، أما نحن المسيحيون المؤمنون، فنحن أبناء الله، ولكننا لسنا نظراء للمسيح، فهو غير مخلوق، بل هو في الذات الإلهية في الوحدة اللانهائية الأبدية أي أزليّ، لذلك، فالمسيح هو الأقنوم المتجسِّد وهو إعلان الله الكامل وكلمته المتجسِّدة المنطوقة، كما يقول "يوحنا الحبيب": وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.(يو1:14)
والمشهد الثالث، نجده في التكليف العظيم أو الإرسالية الكبرى، حيث يقول المسيح في إنجيل "متى": فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ. وَعَلِّمُوهُمْ أَنْ يَحْفَظُوا جَمِيعَ مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ. وَهَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ إِلَى انْقِضَاءِ الدَّهْرِ». آمِينَ.(مت28:19-20)، ونلاحظ هنا استخدام كلمة (اسم) بصيغة المفرد وليس (أسماء) في صيغة الجمع، مما يدل على وحدة الجوهر الإلهي، ثم يذكر الآب والابن والروح القدس دون أن يخبرنا بأنهم ثلاثة، لأن الذات الإلهية لانهائية وليست رقماً ولا يصح أن نذكر رقماً ما، لأننا نتحدث عن الله غير المحدود، ولكن هناك تميُّز في الوحدة الإلهية دون استقلال بين الأقانيم الثلاثة، ولا يعني التميُّز أن أحد الأقانيم أعظم من الأخر، أو أن أحدهم يؤدي دوراً ما يختلف عن أدوار الأقنومين الآخرين، أو أن أحدهم يستطيع أن يقوم بعمل ما لا يقدر على القيام به الأقنومين الآخرين، فهم لا يكمِّلون بعضهم البعض، بل هم وحدة واحدة كاملة متكاملة، فالمالانهاية ليست عبارة عن مجموعة من الأشياء التي اجتمعت معاً، فهي لا تُصنع من تراكم الأعداد، ولا هي نتاج عملية جمع، بل هي الأصل الذي يحوي كل شيء، فالله هو الأصل الذي يحوي في ذاته كل تنوع وتميُّز.
وفي العهد القديم، نجد العديد من الآيات التي تعبِّر عن " الثالوث المقدس"، فالآية الأولى وردت في سفر "التكوين": فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.(تك1:1)، حيث إن كلمة (إيلوهيم) باللغة العبرية تأتي في صيغة الجمع وهي (جمع مفرد) لكلمة (إيل) أي الله، والآية الثانية نجدها في سفر المزامير، عندما تحدث داود، قائلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ.(مز110:1)، وقد استخدم المسيح هذه الآية في حديثه مع "الفريسيين"، حيث أكَّدوا له أن المسيح "ابن داود" حسب النبوّات فسألهم: كيف يدعو داود المسيح رباً مثله مثل الله وهو ابناً له؟، فلم يستطيعوا الإجابة، كما جاء في إنجيل "متى": وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ: «مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بته. (مت22:41-46) و(مر12:35-37) و(لو20:41-44) و(أع2:34-36)، حيث أشار داود إلى الله الآب في قوله: (قال الربsays The Lord) وللمسيح ابن الله في قوله: (لربي to My Lord)، فالمسيح ليس فقط ابن داود بحسب الجسد بل أيضاً ربه، ففي العهد القديم، تأتي كلمة الرب بمعنى الله God، بينما في العهد الجديد قد تأتي بمعنى (سيد)، فليس المقصود وجود ربين أو إلهين، إذ لم تذكر الآية كلمة "اثنين"، بل تشير إلى وجود تميُّز بين أقنوميّ الآب والابن في جوهر واحد وهو الله، ولكن الفريسيون لم يستطيعوا الإجابة على سؤال المسيح لأنهم لم يدركوا المعنى المقصود.
والآية الثالثة، أيضاً نجدها في سفر "إشعياء": تَقَدَّمُوا إِلَيَّ. اسْمَعُوا هَذَا. لَمْ أَتَكَلَّمْ مِنَ الْبَدْءِ فِي الْخَفَاءِ. مُنْذُ وُجُودِهِ أَنَا هُنَاكَ وَالآنَ السَّيِّدُ الرَّبُّ أَرْسَلَنِي وَرُوحُهُ.(إِش48:16)، فهي تتحدث عن الثالوث المقدس القائم في ثلاثة أقانيم: (الآب والابن والروح القدس) في جوهر إلهي واحد، فالمسيح أزليّ وكان حاضراً منذ البدء، حيث تشير كلمة (أنا = ضمير المتكلم) إلى المسيح الابن، وتشير عبارة "السيد الرب" إلى ( الله الآب) وتشير كلمة "روحه" إلى (الروح القدس) وذلك ضمن آية واحدة في سفر إشعياء بالعهد القديم، واليهود لا يقدرون على حذفها، لأن الكتبة الذين نسخوا الأسفار المقدسة كانوا ملتزمين بنقل النص بدقة حرفًا بحرف، دون القيام بأي تحريف، ولو أرادوا إخفاء هذا المقطع اللاهوتي، لكان من الأسهل عليهم أن يحذفوه تمامًا، لكنَّه ظلَّ كما هو، شاهدًا قويًّا على أزليِّة الابن، كما أن الله يحفظ كلمته المقدسة التي أوحى بها، فالذات الإلهية الأزليَّة تحمل في داخلها الأبوَّة، وهذه الأبوَّة تقتضي بالضرورة وجود البنوَّة، حيث تشير كلمة أب إلى وجود الابن، فالله الأزليّ لم يكتسب صفة الأبوَّة فقط عندما خلق الخليقة، بل منذ الأزل، فهو يحمل صفات أزليَّة وثابتة، لأنه لا يطرأ عليه أي تغيير، ومن ثمَّ يُعلن الكتاب عن الله الآب، والابن، والروح القدس في وحدة أزلية لا تنقسم، وفي العهد الجديد، نجد وفرة من الآيات والفقرات التي تُظهر بجلاء العلاقة بين الآب والابن والروح القدس، وتُعلن وحدتهم في الجوهر، وتميّزهم في الأقانيم.
فالله، قد أرسل الابن إلى الخليقة، لأن الخليقة تعبِّر عن البنوَّة التي تكمن في الذات الإلهية، فالله هو خالقها، لذلك أرسل إليها الابن، فوجه الشبه بين الخليقة والابن هو البنوَّة، فالله بكلمته خلق الخليقة، وخلقها للابن "الكل به وله قد خُلق"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. فَإِنَّهُ فِيهِ خُلِقَ الْكُلُّ: مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، مَا يُرَى وَمَا لاَ يُرَى، سَوَاءٌ كَانَ عُرُوشاً امْ سِيَادَاتٍ امْ رِيَاسَاتٍ امْ سَلاَطِينَ. الْكُلُّ بِهِ وَلَهُ قَدْ خُلِقَ. (كو1:15-16)، فالله قد خلق الخليقة (به) بالمسيح الابن، وخلقها من أجل الابن، وقد يتساءل البعض: هل معنى "له قد خُلق" أن الخليقة هدية للابن؟ أو شيء يتسلّى به؟، أبدًا، بل "له" تعني أن الخليقة خُلقت على صورته، على مثاله، وتحديدًا الإنسان، حيث أراد الله أن تكون للخليقة - وخاصة الإنسان - نصيباً في بنوة الله، لذلك حين يقبل الإنسان المسيح بالإيمان يصير ابنا لله، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.(يو1:12)، فالأصل في مشيئة الله أن نصير أولاد الله، فقد أرسل الله الابن كي يُظهر لنا صورة البنوَّة، فنرى فيه علاقة الابن بالآب فنقتدي به.
ماذا يعني أن المسيح هو "بكر كل خليقة"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": اَلَّذِي هُوَ صُورَةُ اللهِ غَيْرِ الْمَنْظُورِ، بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ. (كو1:15).؟
المسيح هو بكر كل خليقة أي تاج ورأس الخليقة، فقد خلقت الخليقة على شبهه وعلى شاكلته، فكلمة "بكر" تعني باللغة الإنجليزية First Born الابن البكر، وليس First Created المخلوق الأول، فالمسيح بكر الخليقة التي هي مخلوقة في الأساس، بينما البكر هو المسيح ابن الله، وهذا المفهوم لا يمت بصلة إلى أفكار "شهود يهوة"، ففي داخل الله الواحد نعلن عن آب واحد وابن واحد، لأن التنوع في أقانيم الثالوث ليس فيه تكرار، فالله ليس فيه "أبوان" ولا "أبناء متعددون"، بل أب أزليّ وابن أزليّ، وروح قدس أزليّ في وحدة جوهرية لا انقسام ولا استقلال فيها، ومن هنا نجد أن الشقيقان التوأم Twins يختلفان عن بعضهما البعض رغم تشابهما في الملامح، وهذا يوضح أن التنوع لا يحتمل التكرار.
هل لكل أقنوم من الأقانيم الثلاثة: الآب والابن والروح القدس دوراً مستقلاً عن الآخر؟
تعمل الأقانيم الثلاثة - التي تؤلف الثالوث المقدس - معاً في انسجام كامل كما رأينا في عمل الخلق وفي الفداء وفي كل شيء، فهناك تميُّز في الدور، ولكن لا يقوم أحد الأقانيم بعملٍ بمعزل عن الآخرين، وكأنه يقول: "دعوني أتمم هذا بمفردي"، لأن ذلك يشير إلى الاستقلال والانفصال، ففي كل شيء نجد أن هناك تميُّز دون استقلال، فإن حدث (تميُّز واستقلال) يؤدي ذلك إلى كسر مبدأ (وحدة الجوهر الإلهي)، وإن وُجدت (وحدة دون تميُّز) يؤدي ذلك إلى كسر مبدأ (التنوع)، فالتنوع ينبغي أن يكون دون استقلال، وهذا نراه جلياً في عمل الفداء، كما أخبر الرب يسوع "نيقوديموس" عضو المجمع اليهودي السنهدريم في إنجيل "يوحنا": لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ.(يو3:16)، فمن الذي بادر بالحب والبذل؟ الله الآب، وقد قدّم الابن، إذن فالتضحية مشتركة فهم شركاء في كل شيء، فالشراكة والتميُّز موجودان دون استقلال، فلا أحد يعمل مستقلاً عن الآخر، لأن الله هو إله واحد.
لماذا لم يُرسل المسيح الروح القدس أثناء وجوده على الأرض، بل بعد صعوده إلى الآب كما ورد في يوحنا (16:7)؟
لقد رأينا الروح القدس حاضراً في مشهد (معمودية المسيح)، كما جاء في إنجيل "لوقا": وَلَمَّا اعْتَمَدَ جَمِيعُ الشَّعْبِ اعْتَمَدَ يَسُوعُ أَيْضاً. وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي انْفَتَحَتِ السَّمَاءُ وَنَزَلَ عَلَيْهِ الرُّوحُ الْقُدُسُ بِهَيْئَةٍ جِسْمِيَّةٍ مِثْلِ حَمَامَةٍ. وَكَانَ صَوْتٌ مِنَ السَّمَاءِ قَائِلاً: «أَنْتَ ابْنِي الْحَبِيبُ بِكَ سُرِرْتُ!». (لو3:21-22)، فالرب يسوع يتحدث عن بداية عصر جديد هو عصر الروح القدس، وهذا العصر يبدأ بصعود المسيح تحقيقاً لنبوَّة "يوئيل": «وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَحْلَمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَماً وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤًى. وَعَلَى الْعَبِيدِ أَيْضاً وَعَلَى الإِمَاءِ أَسْكُبُ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ. وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ دَماً وَنَاراً وَأَعْمِدَةَ دُخَانٍ (يؤ2:28-30)، فهنا تحقيق لوعد وموعد إلهي جديد هو موعد حلول الروح القدس، ففي أثناء وجود المسيح بالجسد على الأرض، لم يكن التلاميذ يشعرون بحاجتهم إلى الامتلاء من الروح القدس، لأن الرب نفسه كان حاضرًا وسطهم، يعلمهم ويقودهم ويصنع العجائب أمام أعينهم، ولكنَّه عندما يذهب ويصعد للآب السماوي، فإن المسيح يرسل المعزي للتلاميذ وللمؤمنين جميعاً لنعتمد بالروح القدس ونمتلأ منه، وننقاد بروح الله لنصنع الآيات والعجائب، فنعيش حياة المسيح، ففي العهد القديم، كان الروح القدس يحل فقط على الممسوحين من الأنبياء والملوك والكهنة، بينما في العهد الجديد "أسكب روحي على كل البشر"، فقد كان هذا وعد الآب، فالمسيح يخبر التلاميذ أنه ذاهب ليس فقط ليرسل الروح القدس، بل أيضاً ليرسل الوعد الإلهي الذي هو انسكاب الروح القدس على كل البشر، وقد تحقق الوعد كما قيل بيوئيل، وقد أشار المسيح إلى هذا الوعد في إنجيل "لوقا":وَهَا أَنَا أُرْسِلُ إِلَيْكُمْ مَوْعِدَ أَبِي. فَأَقِيمُوا فِي مَدِينَةِ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَنْ تُلْبَسُوا قُوَّةً مِنَ الأَعَالِي». (لو24:49)، وجاء في سفر "أعمال الرسل": وَفِيمَا هُوَ مُجْتَمِعٌ مَعَهُمْ أَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَبْرَحُوا مِنْ أُورُشَلِيمَ، بَلْ يَنْتَظِرُوا «مَوْعِدَ الآبِ الَّذِي سَمِعْتُمُوهُ مِنِّي لأَنَّ يُوحَنَّا عَمَّدَ بِالْمَاءِ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَسَتَتَعَمَّدُونَ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ لَيْسَ بَعْدَ هَذِهِ الأَيَّامِ بِكَثِيرٍ» (أع1:4-5) و(أع1:8) و(أع2:33) و(يو14:16) و(يو14:26) و(يو15:26).
ففي يوم الخمسين، وبعد انسكاب الروح القدس على الجميع من تلاميذ ومؤمنين الذي بلغ عددهم مئة وعشرين، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": وَامْتَلأَ الْجَمِيعُ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ وَابْتَدَأُوا يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ أُخْرَى كَمَا أَعْطَاهُمُ الرُّوحُ أَنْ يَنْطِقُوا. (أع2:4) وكذلك انسكاب الروح القدس على الأمم في بيت "كرنيليوس" قائد المئة الروماني: فَبَيْنَمَا بُطْرُسُ يَتَكَلَّمُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَى جَمِيعِ الَّذِينَ كَانُوا يَسْمَعُونَ الْكَلِمَةَ. فَانْدَهَشَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِتَانِ كُلُّ مَنْ جَاءَ مَعَ بُطْرُسَ لأَنَّ مَوْهِبَةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ قَدِ انْسَكَبَتْ عَلَى الْأُمَمِ أَيْضاً. (أع10:44-45)، فقد أخبر بطرس اليهود في أورشليم أن هذا هو تحقيق الوعد الإلهي وهذا هو عصر انسكاب الروح القدس، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": بَلْ هَذَا مَا قِيلَ بِيُوئِيلَ النَّبِيِّ. يَقُولُ اللهُ: وَيَكُونُ فِي الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ أَنِّي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَيَتَنَبَّأُ بَنُوكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَيَرَى شَبَابُكُمْ رُؤىً وَيَحْلُمُ شُيُوخُكُمْ أَحْلاَماً. وَعَلَى عَبِيدِي أَيْضاً وَإِمَائِي أَسْكُبُ مِنْ رُوحِي فِي تِلْكَ الأَيَّامِ فَيَتَنَبَّأُونَ. وَأُعْطِي عَجَائِبَ فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَآيَاتٍ عَلَى الأَرْضِ مِنْ أَسْفَلُ: دَماً وَنَاراً وَبُخَارَ دُخَانٍ. (أع2:16-19)، وأخبرهم بطرس أن الوعد لهم ولأولادهم ولكل من يدعوه الرب، ليس للأنبياء ولا للمختارين ولا للمميَّزين فقط، بل للكل البشر، للجهلاء والفقراء وللعبيد والإماء وللسادة، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": فَقَالَ لَهُمْ بُطْرُسُ: «تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الخطايا: فَقَالَ فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. لأَنَّ الْمَوْعِدَ هُوَ لَكُمْ وَلأَوْلاَدِكُمْ وَلِكُلِّ الَّذِينَ عَلَى بُعْدٍ كُلِّ مَنْ يَدْعُوهُ الرَّبُّ إِلَهُنَا».(أع2:38-39)، فتحقيق الوعد الإلهي لا يعني أن الروح القدس لم يكن حاضراً وأنه سيأتي لزيارة الأرض، فلم يكن ظهوراً جديداً للروح القدس، بل هو بداية لعصر وعهد جديد، فالروح القدس حاضر منذ الخلق، كما جاء في سفر "التكوين": وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.(تك1:2)، إذن، فالروح القدس كان حاضراً ولكنه لم يكن منسكباً على كل البشر بعد، فهذا الحق أخذه المسيح بعمل الفداء والقيامة وأعطاه ووهبه لنا بدءاً من يوم الخمسين فصاعداً كعلامة على تحقيق الوعد الالهي
لماذا يُعد التجديف على الروح القدس خطية لا تُغتفر، وكيف نفهم التميّز بين الأقانيم في هذا السياق؟
هذه إحدى الآيات العسيرة الفهم، والطريق إلى فهمها يمر عَبْر كلمة (تجديف)، إذن، ما المقصود بعبارة "التجديف على الروح القدس؟"، فقد اعتدنا أن نفسِّر كلمة (يُجدِّف) بأنها تعني: "قول كلام سيء أو غير لائق بشخص ما"، وإذا قام أحد بالتجديف على الله فهذا يعني فقط أنه قال:" كلام سيء أو غير لائق بالله"، كأن يقول الإنسان: "أنا لا أؤمن بك يا الله" أو "أنت غير موجود"، لكن التجديف في عمقه الكتابي يعني أكثر من ذلك، فهو ليس مجرد رفض فكري، بل رفض وجودي، أي أن يقول الإنسان لله: "أنا أرفض وجودك، أنا أنكر وجودك، لا تتعامل معي مطلقاً"، وهنا يتّضح معنى ما قاله الرب يسوع في إنجيل "متى: لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: كُلُّ خَطِيَّةٍ وَتَجْدِيفٍ يُغْفَرُ لِلنَّاسِ وَأَمَّا التَّجْدِيفُ عَلَى الرُّوحِ فَلَنْ يُغْفَرَ لِلنَّاسِ. وَمَنْ قَالَ كَلِمَةً عَلَى ابْنِ الإِنْسَانِ يُغْفَرُ لَهُ وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَلَى الرُّوحِ الْقُدُسِ فَلَنْ يُغْفَرَ لَهُ لاَ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَلاَ فِي الآتِي.(مت12:31-32)، وورد ذلك أيضاً في إنجيليّ "مرقس" (مر3:28-(30 و"لوقا" (لو12:10)، فالمسيح كان يخاطب الفرِّيسيين الذين لا يؤمنون به ويتهمونه باطلاً بأنه يُخرج الشياطين برئيس الشياطين بعلزبول، فقد كان يحذرهم، لأنه حين يقول الإنسان: ("أنا لا أؤمن بالمسيح" أو "أن المسيح ليس ابن الله")، فإنه يعبِّر عن رفضه للإيمان، ولكن إن جاء الروح القدس لينخس ويوخز ويوقظ قلب هذا الإنسان، فيُشعره داخليًا بأن ما يسمعه هو الحق، وأن الرسالة التي يرفضها منطقية وصادقة وتخاطب ضميره، ومع ذلك يصرّ على الإنكار، فهنا تكمن الخطورة، لأنه عندما يقول الإنسان في داخله:("الله غير موجود"، "الروح القدس غير موجود هذا الصوت ليس من الله)، فإنه يرفض بإرادته عمل الروح القدس بترديده كلمات:("لا تقترب مني"، "لا تعمل فيَّ"، "انت غير موجود"، "دعني وشأني")، فحينها "يجدِّف على الروح القدس"، وطالما استمر الإنسان في فعل ذلك فلن يُغفر له على الإطلاق، لأن هذا الإنسان لا يقدم التوبة ولا يقبل عمل الروح القدس، لأن التوبة هي التي تجعل الإنسان ينال الغفران.
فالتجديف على الروح القدس لا يُغفر، لأن عمله يقوم على "تبكيت" الإنسان، فاليوم، من يقوم بالعمل في هذا العالم هو الروح القدس روح الله هو الذي يعمل في قلوب الناس، فليس الابن متجسِّدًا بالجسد، لأنه قد أكمل عمل الفداء وصعد إلى السماء، وقد قال الرب يسوع عن "المعزِّي" أي الروح القدس في إنجيل "يوحنا": وَمَتَى جَاءَ ذَاكَ يُبَكِّتُ الْعَالَمَ عَلَى خَطِيَّةٍ وَعَلَى بِرٍّ وَعَلَى دَيْنُونَةٍ.(يو16:8)، وعندما سُئل المسيح عن معنى "التبكيت على الخطية" أجاب قائلاً: أَمَّا عَلَى خَطِيَّةٍ فَلأَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ بِي. وَأَمَّا عَلَى بِرٍّ فَلأَنِّي ذَاهِبٌ إِلَى أَبِي وَلاَ تَرَوْنَنِي أَيْضاً. وَأَمَّا عَلَى دَيْنُونَةٍ فَلأَنَّ رَئِيسَ هَذَا الْعَالَمِ قَدْ دِينَ. (يو16:9-11)، فكلمة (يبكِّت) تعني يوقظ وينبه روح ونفس الإنسان، كما في مثل "الابن الضال" في إنجيل "لوقا": فَرَجَعَ إِلَى نَفْسِهِ وَقَالَ: كَمْ مِنْ أَجِيرٍ لأَبِي يَفْضُلُ عَنْهُ الْخُبْزُ وَأَنَا أَهْلِكُ جُوعاً! أَقُومُ وَأَذْهَبُ إِلَى أَبِي وَأَقُولُ لَهُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ.(لو15:17-18)، فالخطية التي "يبكِّت الروح القدس" العالم عليها هي عدم الايمان بالسيد المسيح فكل الخطايا الأخرى قابلة للغفران إن آمن الإنسان بالمسيح رباً ومخلصاً، ولكن إن لم يؤمن تظل الخطيّة قائمة، وأمّا "يبكت على بر" فالمقصود بـ (البرّ) هنا هو برّ المسيح، والمعنى أن الروح القدس يُظهر برّ المسيح، ويُظهر مدى اعوجاج الإنسان وطرقه الملتوية ومدى حاجة الإنسان إلى برّ المسيح، وأما المقصود بـ "التبكيت على دينونة" فهو أن الروح القدس يُبكّت الإنسان على هذه الحقيقة: أن إبليس قد هُزم بموت المسيح على الصليب وقيامته، وأن طريق البر والخلاص أصبح مفتوحًا من خلال المسيح، فكل من لا يقبل المسيح ويختار طريق إبليس "رئيس هذا العالم"، يختار طريقًا قد حُكم عليه مسبقًا، وبالتالي يقع تحت نفس الدينونة، كما قال المسيح في إنجيل "يوحنا": اَلآنَ دَيْنُونَةُ هَذَا الْعَالَمِ. اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هَذَا الْعَالَمِ خَارِجاً. (يو12:31)، وكما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "كولوسي": إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ اشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ. (كو2:15) ويقول أيضاً: فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضاً كَذَلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ، أَيْ إِبْلِيسَ. (عب2:14).
ما الأمثلة الكتابية التي توضّح عمل الآب والابن والروح القدس في وحدة الثالوث مع تميّز الأدوار؟
نؤكد دائماً على فكرة الشراكة بين الأقانيم الثلاثة في جوهر إلهي واحد، فالشراكة تتجلى فيها الوحدة والتميُّز معًا في كل شيء، وعلى سبيل المثال، نرى الثلاثة أقانيم: الآب والابن والروح القدس في شركة ووحدة واحدة في عمل (الخلق)، كما ورد في سفر "التكوين": فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ.(تك1:1)، حيث إن كلمة (إيلوهيم) باللغة العبرية تأتي في صيغة الجمع وهي (جمع مفرد) لكلمة (إيل) أي الله، ونرى "المسيح الابن الكلمة"، كما جاء في إنجيل "يوحنا":فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللَّهَ. هَذَا كَانَ فِي الْبَدْءِ عِنْدَ اللَّهِ. كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ، وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ.(يو1:1-2)، ونرى "الروح القدس"، كما في سفر "التكوين":وَكَانَتِ الأَرْضُ خَرِبَةً وَخَالِيَةً وَعَلَى وَجْهِ الْغَمْرِ ظُلْمَةٌ وَرُوحُ اللهِ يَرِفُّ عَلَى وَجْهِ الْمِيَاهِ.(تك1:2)، وأيضاً جاء في سفر "التكوين": وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا.».(تك1:26)، فكلمة (نعمل) تأتي في صيغة الجمع، وكذلك نرى الوحدة الإلهية في عمل (الفداء)، فالآب يرسل الابن، والابن يبذل نفسه، كما جاء في إنجيل "يوحنا": لأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ اللَّهُ الْعَالَمَ حَتَّى بَذَلَ ابْنَهُ الْوَحِيدَ لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ. لأَنَّهُ لَمْ يُرْسِلِ اللَّهُ ابْنَهُ إِلَى الْعَالَمِ لِيَدِينَ الْعَالَمَ بَلْ لِيَخْلُصَ بِهِ الْعَالَمُ.(يو3:16-17)، وفي مشهد معمودية المسيح يحل الروح القدس عليه ويملأه، كما جاء في إنجيل "متى": فَلَمَّا اعْتَمَدَ يَسُوعُ صَعِدَ لِلْوَقْتِ مِنَ الْمَاءِ وَإِذَا السَّمَاوَاتُ قَدِ انْفَتَحَتْ لَهُ فَرَأَى رُوحَ اللَّهِ نَازِلاً مِثْلَ حَمَامَةٍ وَآتِياً عَلَيْهِ.(مت3:16) و(مرقس1:9-11) و(لو3:21-22) و(يو1:31-34)، كما أن الروح القدس ينقل الإنجيل والبشارة إلى العالم أجمع عن طريق الكنيسة ليعلن هذا الخلاص، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": لَكِنَّكُمْ سَتَنَالُونَ قُوَّةً مَتَى حَلَّ الرُّوحُ الْقُدُسُ عَلَيْكُمْ وَتَكُونُونَ لِي شُهُوداً فِي أُورُشَلِيمَ وَفِي كُلِّ الْيَهُودِيَّةِ وَالسَّامِرَةِ وَإِلَى أَقْصَى الأَرْضِ».(أع1:8)
ومن الملاحظ أن هناك العديد من الآيات - خاصة في العهد الجديد - تتحدث عن "الآب والابن والروح القدس" دون أن تستخدم كلمة "ثالوث"، فكلمة "ثالوث" هي تعبير لاهوتي استخدمته الكنيسة لشرح وإيصال الفكرة وتوضيحها، لذلك أطلقنا عليها كلمة "ثالوث (Trinity) لنعبِّر بكلمة واحدة عن (الجمع المفرد) في وحدة واحدة، وهؤلاء الثلاثة أقانيم هم إله واحد، بينما نجد أن عبارة "الآب والابن والروح القدس" هي تعبير وإعلان كتابي، ولنأخذ مثالاُ على عمل (الله الجمع المفرد) في الكنيسة، التي هي جماعة المؤمنين، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس":فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ، وَلَكِنَّ الرَّبَّ وَاحِدٌ. وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ، وَلَكِنَّ اللهَ وَاحِدٌ الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ. (1كو12:4-5)، وشرح هذه الآية كما يلي: فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ الرُّوحَ وَاحِدٌ.(أي الروح القدس)، وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ (في الكنيسة) وَلَكِنَّ الرَّبَّ (أي يسوع المسيح) واحد، وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ وَلَكِنَّ اللهَ (أي الآب) واحد، الَّذِي يَعْمَلُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ، ففي الكنيسة، نحصل على عطية الروح القدس التي هي مواهبه، ويكلفنا المسيح بالأدوار والخدمات المختلفة التي نقوم بها بناءً على تلك المواهب التي أُعطيت لنا لنخدم بها الآب ونعمل أعمال الآب التي خلقنا من أجلها بحسب مشيئته.
وهنا يتضح التميُّز في الوحدة بين الأقانيم الثلاثة، لكنه لا يعني استقلالا أو انفصالاً عن الجوهر الإلهي، فالذي يمنح المواهب هو (الروح القدس)، و(الرب يسوع) هو الذي يوكلنا للخدمة، لأنه رأس الكنيسة، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": وَهُوَ رَأْسُ الْجَسَدِ: الْكَنِيسَةِ. الَّذِي هُوَ الْبَدَاءَةُ، بِكْرٌ مِنَ الأَمْوَاتِ، لِكَيْ يَكُونَ هُوَ مُتَقَدِّماً فِي كُلِّ شَيْءٍ.(كو1:18)، ونحن نعمل أعمال (الآب)، لأن غايتنا هي تمجيد الله، كما جاء في إنجيل "متى": فليضيء نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.(مت5:16)، ولدينا مثال آخر، فالمسيح بعمله على الصليب صنع المصالحة والسلام بين اليهود والأمم بعدما كانا أعداء ومتخاصمين، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": وَيُصَالِحَ الِاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ. فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ. لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُوماً فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ. (أف2:16-18)، والمقصود بـ "به لنا كلينا قدوماً في روح واحد إلى الآب" أي بما صنعه المسيح من أجلنا صار لنا الحق بالروح القدس - الساكن فينا - أن نقترب إلى الآب إلى الوحدة الجامعة المتكاملة التي تحمل التميُّز دون انقسام أو استقلال.
ما هو الدور الذي يقوم به الإيمان في فهم عقيدة الثالوث المقدس؟
يقوم الإيمان على الفهم الكامل لحقيقة الله، كما أعلن عن ذاته، فنحن نؤمن بأن الله لكونه غير محدود فهو إله واحد في جوهره وليس متعدد، ولأنه غير محدود أيضاً فهو جامع أي أن وحدته جامعة لأنها لا نهائية، وهي ليست وحدة بسيطة كما يتصوَّر بعض الناس، وهذه الوحدة الجامعة تحوي تنوعاً وتميُّزاً دون استقلال بين الأقانيم الثلاثة أي الثالوث "الآب والابن والروح القدس" في جوهر إلهي واحد، فنحن نعبد إلهاً واحداً يحمل في ذاته غنى العلاقة والمحبة الأزلية "لأن الله محبة" (1يو4:8)، لذلك، فالإيمان يقوم على فهم الإنسان لحقيقة الذات الإلهية وقبوله لها، دون أن يتطلب ذلك القدرة على تخيُّل وتصوُّر تلك الحقيقة، فالإيمان ليس ضد العقل، فهو يعتمد على استقبال الاقتناع في أعماق النفس البشرية، فيُعطي الإنسان ذاته ليكون شريكاً في هذه الوحدة الإلهية وشريكاً مع الله في دائرة الحب اللانهائية في الذات الإلهية، كما جاء في إنجيل "يوحنا":أَجَابَ يَسُوعُ: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كلاَمِي وَيُحِبُّهُ أَبِي وَإِلَيْهِ نَأْتِي وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلاً.(يو14:23)، كما أكدنا أن (الإله المتعدد) لا وجود له، فهو يجعل الله مركباً ومنقسماً، كما أن (الإله البسيط) يُعد ناقصاً، لأنه لا يحوي علاقة ولا محبة في ذاته، وبذلك يكون الإنسان قد أضاف له ليكمِّله، وبالتالي، لا يمكن الاعتماد عليه، كما قال الفيلسوف واللاهوتي الأمريكي "فرانسيس شيفر": "لو كان الله على هذا النحو، لقلت إنه غير موجود".، فالإنسان ليس في صراع مع عقله، بل أن الإيمان في حالة تصالح تام مع العقل البشري الذي يمكنه فهم واستيعاب حقيقة هذا الإيمان.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — 20 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path