الإيمان
في زمنٍ تتزاحم فيه المعلومات وتتصارع فيه الآراء، باتت وسائل التواصل الاجتماعي ساحةً مفتوحةً للأسئلة المتكررة والردود السريعة. كثيرٌ من الأسئلة المصيرية والوجودية تُطرح، وكثيرٌ من الإجابات تُختزل في "نعم" أو "لا"، دون تعمق أو فهم حقيقي للأبعاد النفسية والعقلية والدينية التي تقف خلف هذه التساؤلات.
ويبدو أن طريقة تفكيرنا والإجابة على هذه الأسئلة تتأثر، بشكل كبير، بمستوى إيماننا ومدى تجذر هذا الإيمان داخلنا، سواء كان قائماً على أسس عقلية راسخة أم على مشاعر عابرة.
هل يقوم الإيمان على حقائق عقلية وواقعية، أم أنه ينبع فقط من المشاعر والأحاسيس؟
الدماغ البشري ليس مجرد قسمين منفصلين، بل منظومة متكاملة تضم مراكز مسؤولة عن العاطفة نطلق عليها (هيبوثالاموس Hypothalamus)، والفكر، والمنطق، والإدراك الحسي، والحركة، والذاكرة، لذلك فإن اختزال الإيمان في مجرد شعور داخلي أو انفعال وجداني يظلم حقيقة الإيمان كقيمة، وجودية، وفكرية، وروحية.
الإيمان، في جوهره، ليس هروبًا من العقل، بل دعوة إليه. ومن حق الإنسان أن يسأل، ومن حقه أن يفهم.
فكما ندرس قوانين الفيزياء والبيولوجيا لفهم الحياة والتعامل معها، فمن الطبيعي – بل من الضروري – أن نفهم علاقتنا بالله ومصيرنا الأبدي. هذه ليست رفاهية فكرية، بل احتياج وجودي عميق.
هل الإيمان ليس له أية علاقة بالمشاعر؟
المشاعر جزء أصيل من تكوين الإنسان، ولا يمكن تجاهلها ونفس الإنسان تتكوّن من ثلاثة عناصر رئيسية وهي الفكر أو العقل - المشاعر أو العواطف وردود الأفعال والأحاسيس - الإرادة أي قدرتي على اتخاذ قرار بناءا على مشاعري وتفكيري، كما أن هناك ثلاثة أنواع من الناس: العاطفيون التي تؤثر مشاعرهم على قراراتهم، والعقلانيون الذي يؤثر تفكيرهم في قراراتهم، والنوع الأخير هم الذين يمزجون هذا بذاك - أي العاطفة والعقل - لاتخاذ قراراتهم.
فالعاطفة والعقل كلاهما جزءاً مني كإنسان لا أستطيع أن ألغي وجود أحدهما، ولكن الربط بين الإيمان والعواطف يعتبر تعريفاً خاطئاً تماماً، لأن المشكلة الحقيقية في رأيي أننا قمنا بربط الإيمان بالغيبيات وبالتالي ربطنا الإيمان باللامنطقي والغير منطقي على اعتبار أن الأمور التي لا أستطيع الاقتناع بها أحتاج إلى الإيمان بها وهذا غير حقيقي، فعندما نتحدث عن تعريف الإيمان - من خلال الكتاب المقدس - نجد أن عكس كلمة الإيمان هو العيان.
حيث يقول بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين: وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى. (عب 11:1) فهو يتحدث عن مستقبل وعن أمور حاضرة لكنها لا تُرى، كما يقول بولس أيضاً في رسالته الثانية إلى كورنثوس: لأَنَّنَا بِالإِيمَانِ نَسْلُكُ لاَ بِالْعَيَانِ. (2كو5: 7).
هل مجرد إيماني بأن الله موجود أصبحت شخصاً مؤمناً؟
عندما نأتي لشرح معنى كلمة "الإيمان" بطريقة بسيطة وواضحة، نجد أن الإيمان يعني الفهم الحقيقي.
والفهم هو كلمة هامة جداً، لأن الفهم يقودني إلى الإدراك، حيث أدرك الحقيقة، والإدراك بدوره يقودني إلى أن أضع حياتي على هذه الحقيقة وأثق بها لدرجة أنني أعتمد عليها وأعيشها.
فلو كان الإيمان مجرّد تصديق عقلي، لا يُعتبر إيمانًا حقيقيًا. فمثلاً، حسب قاعدة "أرشميدس" عن الطفو: إذا وضعت شيئاً في سائل (كماء)، فإن السائل يدفع هذا الشيء إلى أعلى بقوة تساوي وزن السائل المزاح، وبالتالي، إذا وضعت كتلة كثافتها أقل من الماء، فإن الماء سيحمل تلك الكتلة، لكن، هناك من لا يريد أن يُلقي بنفسه في الماء، وهذا دليل على عدم إيمانه بأن الماء سيحمله.
الفرق بين التصديق العقلي والإيمان الحقيقي.
فالإيمان هو أنني صدّقت لدرجة أنني ألقيت بنفسي، إذًا، عندما تصدّق أن الله موجود، ولكنك لم تتكل عليه، ولم تعش معه، ولم تسلّم حياتك له، فأنت لا تُعتبر شخصًا مؤمنًا.
فالتصديق يجب أن يتبعه الفهم، والفهم يمكنني من التعامل مع الله، والإيمان به، وإدراك ما يقوله لي.
تغييب العقل هو جزء من المشكلة التي نعاني منها ونعيشها.
فلا يجب تغييب العقل في الأمور المتعلقة بالإيمان، لأنني حينئذٍ سأكون غير مقتنع وغير موقن.
والإيمان يعني الإيقان، فكيف أُوقن وأنا شخص عقلاني لديّ عقل لم أستخدمه؟
لذلك، علينا أن نفتح الكتاب المقدس ونستخرج الآيات التي تتحدث عن ضرورة الفهم، ففي مزمور 119، وهو أشهر مزمور يتحدث عن الكتاب المقدس، نجد أن العبارات التي تتناول موضوع الفهم تتكرر كثيراً، مثل: "طَرِيقَ وَصَايَاكَ فَهِّمْنِي فَأُنَاجِيَ بِعَجَائِبِكَ" (مز 119:27)
"فَهِّمْنِي فَأُلاَحِظَ شَرِيعَتَكَ وَأَحْفَظَهَا بِكُلِّ قَلْبِي" (مز 119:34)
فكاتب المزمور، داود، يصلي للرب أن يساعده على الفهم، وهنا نلاحظ أن مشكلة التعليم لدينا تكمن في التركيز على الحفظ لا على الفهم.
هل الوصية التي يجب علىّ أن أعيشها أمرًا مختلفًا عن فهمي وإدراكي لله؟
غالبية الوصايا تتحدث عمن هو الله كما أن غالبية الكتاب المقدس يخبرنا من هو الله ومن أنا كإنسان وكيف أعيش مع الله، فالوصية تخبرني من هو الله ومن أنا.
كما أن الوصية الأولى هي: تُحِبُّ الرب إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ، وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ، وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ (مت22:37). وهذا يعني أن الإيمان ليس مجرد التزام خارجي بسلوك، بل هو علاقة عميقة تبدأ من الداخل.
وكما ذكرت سابقاً ففي مزمور 119 يؤكد الكتاب المقدس على ضرورة الفهم بتكرار كلمة (فهّمني).
وفي العهد الجديد يكتب بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس فيقول: افْهَمْ مَا أَقُولُ. فَلْيُعْطِكَ الرَّبُّ فَهْماً فِي كُلِّ شَيْءٍ. (2تي:7).
والرب يسوع كان يوعظ كثيراً باستخدام الأمثال وكانت الأمثال تحتوي على رموز واستعارات مكنية تتسم بالغموض، وعلى سبيل المثال: (مثل الزارع)، فشرح المسيح لهم المثل لأن الله يريدنا أن نفهم، حيث يقول إنجيل متى: فَكَلَّمَهُمْ كَثِيراً بِأَمْثَالٍ قَائِلاً: «هُوَذَا الزَّارِعُ قَدْ خَرَجَ لِيَزْرَعَ وَفِيمَا هُوَ يَزْرَعُ سَقَطَ بَعْضٌ عَلَى الطَّرِيقِ فَجَاءَتِ الطُّيُورُ وَأَكَلَتْهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ حَيْثُ لَمْ تَكُنْ لَهُ تُرْبَةٌ كَثِيرَةٌ فَنَبَتَ حَالاً إِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عُمْقُ أَرْضٍ. وَلَكِنْ لَمَّا أَشْرَقَتِ الشَّمْسُ احْتَرَقَ وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَصْلٌ جَفَّ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الشَّوْكِ فَطَلَعَ الشَّوْكُ وَخَنَقَهُ. وَسَقَطَ آخَرُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَأَعْطَى ثَمَراً بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ. مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ» فَتَقَدَّمَ التَّلاَمِيذُ وَقَالُوا لَهُ: «لِمَاذَا تُكَلِّمُهُمْ بِأَمْثَالٍ؟» فَأَجَابَ: «لأَنَّهُ قَدْ أُعْطِيَ لَكُمْ أَنْ تَعْرِفُوا أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَأَمَّا لِأُولَئِكَ فَلَمْ يُعْطَ. (مت13:3-11)
هل الفهم متاح للجميع؟ وهل لكل إنسان الحق في فهم ما يعلنه الله؟
من حق جميع الناس أن يفهموا، وهذا ما تؤكده دعوة المسيح حين قال: "مَنْ لَهُ أُذُنَانِ لِلسَّمْعِ فَلْيَسْمَعْ" (متى 13: 9). وهذه الآية تعني أن بعض الناس التي لديها آذان لا تريد أن تسمع ولا تريد أن تفهم.
هل مسموح لي أن أسأل جميع الأسئلة؟
ليس كل الأسئلة بالطبع، فأنا أحياناً أطرح سؤال لا يخصني فتكون إجابة الرب لي: لا تؤاخذني، مالك بهذا الأمر؟! هذا ليس من شأنك، فيجب أن أفهم السؤال الذي يخصني فقط، فقد رأى بطرس المسيح وقال له: "اتبعني أنت"، فوجد يوحنا يتبعه وسأل المسيح: "وهذا ما له؟" أي ماله بالموضوع؟ فقال له المسيح: "ماذا لك؟" أي انت مالك؟!
فَالْتَفَتَ بُطْرُسُ وَنَظَرَ التِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ يَتْبَعُهُ، وَهُوَ أَيْضاً الَّذِي اتَّكَأَ عَلَى صَدْرِهِ وَقْتَ الْعَشَاءِ، وَقَالَ: «يَا سَيِّدُ، مَنْ هُوَ الَّذِي يُسَلِّمُكَ؟ »فَلَمَّا رَأَى بُطْرُسُ هَذَا قَالَ لِيَسُوعَ: «يَا رَبُّ، وَهَذَا مَا لَهُ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «إِنْ كُنْتُ أَشَاءُ أَنَّهُ يَبْقَى حَتَّى أَجِيءَ، فَمَاذَا لَكَ؟ اتْبَعْنِي أَنْتَ» (يو21:20-22).
فلا يحق لي أن أسأل سؤالًا يخص شخصًا آخر، فهو الذي من حقه يسأل والله يجاوبه، لأن هناك أسرار تخص ذلك الشخص لن يخبرني بها الرب، ومن بين الأسئلة التي لا تخصني: لماذا توفى فلان الآن؟ أو لماذا مرض فلان؟ أو لماذا وُلد فلان بهذا الشكل؟
لكن في مواقف أخرى، قد يكون السؤال من حقي، لكن الرب يقول لي: "ليس الآن، ستفهم لاحقًا". أي أن السؤال يخصني فعلًا، ولكن توقيت الفهم مؤجل، فعلى سبيل المثال، عندما قال السيد المسيح لبطرس وهو يغسل قدميه: «لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلَكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ» (يو13:7).
الناس يعتقدون خطأً أن المقصود أن الفهم سيتم فقط في السماء، لكن الرب يسوع جعل بطرس يفهم بعد وقت قصير، عندما قال: «أَتَفْهَمُونَ مَا قَدْ صَنَعْتُ بِكُمْ؟» (يو13:12).
فالمسيح شرح لهم ما فعله في الحال، لأنه كان يعلّمهم درسًا عمليًا علينا أن نعيشه معًا. فالله يريدني أن أفهم، لأنني إن لم أفهم الحق، فكيف أقتنع به وأؤمن به؟
هل يجب على الإنسان أن يكتفي بقبول الأمور كما هي دون فهم أو تساؤل، خوفًا من الشك أو غموض بعض الإجابات؟
في سفر إشعياء، يخاطب الرب شعبه على لسان النبي إشعياء قائلا:" هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ يَقُولُ الرَّبُّ. (إش1:18)، ولكن، ماذا تعني كلمة "نتحاجج"؟ تعني أن نتناقش بالحجة والبرهان، فالله يدعوني إلى أن أسأله وأناقشه بعقلي، مستخدمًا الحجة والبرهان. وبصفته الإله الكامل، الحكيم، الكلي المعرفة وغير المحدود فلديه إجابات منطقية على كل تساؤلاتي وعقلي المحدود الذي أسال بواسطته. إنه يريدني أن أطرح عليه أسئلتي لأصل إلى قناعة وتصديق تام، فيسقط بذلك أي شك أو حجة قد أتمسك بها، وعندما أقتنع، سأصبح مؤهلاً للإيمان المستند إلى الحقائق التي أثق بها. لكن هذا القرار يبقى خياري الشخصي، فالإيمان لا يعتمد فقط على اقتناع العقل، بل يمتد أيضًا ليشمل إحساس القلب والوجدان، مما يدفعني بإرادتي إلى اختيار الطريق الصحيح والسير فيه.
ما المقصود بكلمة الفهم؟
يتطلب الفهم الكامل لأي موضوع الإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية تبدأ بالكلمات الاستفهامية التالية: (ماذا/ما؟ لماذا؟ كيف؟)، وحينئذْ سأكون قد علمت ما تقصده من كلامك، والبداية تكون بتعريف الموضوع الذي نقوم بدراسته من خلال الإجابة على سؤال يبدأ بالكلمة الاستفهامية (ماذا / ما؟) وبما أن هذه الحلقة تتناول موضوع الإيمان إذن يكون السؤال هكذا: ما هو الإيمان؟ ثم نسأل: لماذا الإيمان؟ أي لماذا يريدني الله أن أؤمن؟ لأني لا أرى، فلو أني لا أرى وغير مؤمن فكيف أعيش الإيمان؟، فكلمة (لماذا؟) تجعلني أصل إلى مرحلة الاقتناع، ثم تأتي كلمة (كيف؟) لتسمح لي بمعرفة كيفية فعل ذلك، فهذه الكلمات الثلاثة تعطينا المعنى المطلوب فهمه واستيعابه من خلال دراستنا للكتاب المقدس، وبدونها فانت لم تخبرني قصدك أو لم تفهمني/ فهي أسئلة رئيسية لفهم أية حقيقة علمية، أو إنسانية، أو معنوية، أو لاهوتية.
كيف يمكن الاقتناع بشيء لم يتم رؤيته من قبل، إذا كان الإيمان يتطلب تصديقاً عميقاً وفهماً يتجاوز التجربة المباشرة؟
في عصرنا الحالي نعتمد على أشياء لا يمكن أن نراها بالعين المجردة، ومع ذلك نثق بها ونعتمد عليها.
فمثلاً، مخترع الهاتف المحمول كان لديه تصديق أنه توجد موجات كهرومغناطيسية ولكن لا نراها بأعيننا، وبناءاً عليه فقد صمم جهازاً يعتمد على هذه الموجات الغير مرئية وأصبح هذا الجهاز صالحاً للاستخدام، ففي البداية هناك فكرة مقنعة تم تحويلها إلى شيء يمكنني أن أراه، وهذا ما يقوله لنا الكتاب المقدس فعندما أقتنع بشيء ما لا أراه وأعيشه يتحول إلى عيان، كما قال المسيح لمرثا أخت مريم في معجزة إقامة لعازر أخيهما: قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «أَلَمْ أَقُلْ لَكِ: إِنْ آمَنْتِ تَرَيْنَ مَجْدَ اللَّهِ؟».(يو11:40)، ورغم أننا لا نرى الله هناك برهان منطقي على وجوده وبناءاً عليه نصدق بأن الله موجود.
هل أستطيع أن أشك في وجود الله؟ دون التعرض لسوء الفهم أو الاتهام بالإلحاد؟
إذا لم يكن لديّ شك في وجود الله ثم عن طريق البحث والمنطق والبرهان أيقنت بوجوده سيكون إيماني غير حقيقي، وهناك كاتب مصري مشهور ألّف كتاب بعنوان: "رحلتي من الشك إلى اليقين"، ولم يتهمه أحد بالجنون، فالباحث الحقيقي عن المعرفة يجب أن يمر بمرحلة الشك، فأنا قد واجهت نفسي بكل الأسئلة التي تدور في ذهني وبكل الأسئلة التي تطرحها الناس عليّ، وهي: كيف أثبت وجود الله؟ كيف أتأكد أن المسيح هو ابن الله؟ كيف أصبح الإيمان المسيحي حقيقيًا؟ وكيف أتيقن من صحة الكتاب المقدس؟، فكل هذه الأسئلة هي أسئلة بديهية وإذا لم يكن لديّ إجابة عليها سيظل إيماني متزعزع وسيقوم إبليس بتجربتي كثيراً خاصة في المواقف الصعبة التي قد أجتازها
هل يؤدي غياب الإجابات عن أسئلة الوجود إلى ضعف الفهم والإيمان بالله؟
الله لا تراه العين وقد قال لموسى: «لاَ تَقْدِرُ أَنْ تَرَى وَجْهِي لأَنَّ الإِنْسَانَ لاَ يَرَانِي وَيَعِيشُ».(خر33:20)، لأن الله روح في حين أن عيوننا مادية وبالتالي لا تستطيع أن ترى العالم الروحي، وطالما أن عيوننا لا تقدر أن ترى الموجات الكهرومغناطيسية التي تُعد مادية فكم بالحري يصعب عليها رؤية العالم الروحي الذي بطبيعته غير مادي، ومع ذلك فقد ترك لنا الله أدلة علمية ومنطقية تمكننا من الإيمان بوجوده وهي: الكون الذي نعيش فيه، حيث يقول داود: اَلسَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجْدِ اللهِ وَالْفَلَكُ يُخْبِرُ بِعَمَلِ يَدَيْهِ. (مز19:1)، وكذلك قوانين الطبيعة تؤكد كما يقول أينشتاين المادة لا تفنى ولا تخلق من عدم، ووجودها دليل على وجود خالق ووجود العالم المحدود يدل على أن الخالق كائن غير محدود لأنه يستطيع أن يخلق فمن الموجود عرفت غير الموجود ومن المنظور عرفت غير المنظور.
ماذا يعني أن الله كائن غير محدود؟
هناك مفهوم يُعرف باللانهاية ∞ Infinity، وهو موجود في هذا العالم، لكن العقل البشري لا يستطيع تحديد حدوده أو استيعاب نهايته، ومع ذلك، فإن اللانهاية ضرورية ولا غنى عنها، حيث توجد أرقام لا نهاية لها، وبدونها لا تكتمل المعادلات الرياضية، ورغم أن العقل لا يستطيع تصورها بالكامل، فإنه قادر على فهمها والتعامل معها، وبالمثل فالإيمان شيء منطقي لا تراه العين ولا يعتمد على الرؤية الحسية، ولكن العقل يفهمه، فعدم رؤية الشيء لا يمنع أنني قد فهمت واقتنعت.
وماذا يحدث إن لم أجد إجابة لبعض التساؤلات التي تدور في ذهني؟
سأتعرض لصدمة، ولكن هذا أفضل من أن أعيش في وهم وأقتنع بشيء ليس حقيقي وخرافي وأكون قد أضعت عمري في عقيدة أو مذهب أو إيمان ليس حقيقياً، والبشرية تعاني من الاختلافات فيما بينها حول الحقائق التي تؤمن بها، ولكنها تتفق في الجوانب العلمية فقط، لذلك يجب أن أقوم بالمجازفة والسؤال والبحث عن الحقيقة حتى وإن كان ما أؤمن به ليس حقيقياً مما يعرضني للصدمة، لذلك من حقك تسأل ومن حقك تفهم والفهم يحتاج إلى طرح الأسئلة.
ما هو الكتاب المقدس؟
"الكتاب المقدس" الذي بين أيدينا، يتكون من العهد القديم، الذي يضم الكتب الموحى بها من الله للشعب القديم الذي اتبع الديانة اليهودية، وهو بعض الشعب اليهودي الموجود حالياً، وذلك لاختلاط الأنساب، والتوراة جزء من العهد القديم، فلدينا (39 كتابًا أو سفرًا) في العهد القديم، وكذلك (27 كتابًا أو سفرًا) في العهد الجديد، بإجمالي (66 كتابًا أو سفرًا في العهدين معًا)، وتمت كتابتهم عبر زمن طويل جداً، بداية من أسفار موسى الخمسة إلى آخر سفر تمت كتابته في العهد الجديد، وهو سفر الرؤيا، حوالي سنة 100 ميلادية.
هل تم كتابة العهد القديم مرة واحدة أم على مراحل؟
بالطبع تمت كتابته على مراحل متعددة، فهناك أنبياء كثيرون في العهد القديم، فموسى ليس هو النبي الوحيد. فنحن نجد في العهد القديم أسفار موسى الخمسة، وهي: (تكوين، وخروج، ولاويين، وعدد، وتثنية)، وبعد ذلك توفي موسى، فهناك أنبياء كثيرون، وكل منهم كتب نبوّته أو كُتبت نبوّته التي نطق بها على يد أحد تلاميذه أو أحد أتباعه.
فنحن نتحدث عن الأسفار التاريخية، التي قصّت لنا الحكاية بدءًا من سفر يشوع وصولاً إلى سفر استير، ثم نجد الأسفار الشعرية مثل الزبور أو المزامير التي كتبها داود النبي، ولكنه لم يكتبها جميعها، وهي 150 مزمورًا. والأسفار الشعرية هي: (أيوب، ومزامير، وأمثال، وجامعة، ونشيد الإنشاد).
وقيمة وجود شعب في القديم كانت من أجل المحافظة على هذا الكتاب، حيث أرسل الله أنبياءه الواحد وراء الآخر بنبوّة، وتمت كتابة النبوّة، والشعب حافظ عليها وصولاً لآخر نبوّة في سفر ملاخي سنة 400 قبل ميلاد السيد المسيح، بجانب أسفار الأنبياء الذين كتبوا عن الشعب وعن الشعوب الأخرى، ومنهم إشعياء وإرميا، ومنهم الأنبياء الصغار، لأن أسفارهم صغيرة الحجم، وليس لأنهم صغار السن. وكانت عبارة عن مخطوطات، ويُطلق عليها الكتب المقدسة.
وعندما جاء السيد المسيح، كان العهد القديم موجودًا بكل أسفاره لدى اليهود، كما أن السيد المسيح قد قرأ من سفر إشعياء عند دخوله المجمع أول مرة، وقد تمت ترجمة العهد القديم إلى اللغة اليونانية، لأن الإمبراطورية الرومانية تميزت بالثقافة اليونانية، سنة 250 قبل الميلاد.
بأية لغة تمت كتابة أسفار العهد القديم؟
كتبت باللغتين العبرية والأرامية وهاتان اللغتان قريبتين من بعضهما البعض، واللغة الآرامية هي لغة الأرض التي كان موجود بها شعب آرام، وهما من اللغات السامية وحروفهم متشابهة ومتقاربة، ولا زالت هناك مخطوطات منها مكتوبة بهاتين اللغتين ومحفوظة حتى وقتنا الحالي، وعندما جاء المسيح كان العهد القديم موجود بأسفاره المعروفة ومترجم إلى اللغة اليونانية التي يُطلق عليها (الترجمة السبعينية) كما لا زالت لدينا حتى الآن بعضاً من النسخ التي كانت متوفرة أيام السيد المسيح، ونحن نطلق عليه (العهد القديم) بينما اليهود يطلقون عليه اسم (الأسفار المقدسة).
وما الفرق بين الإنجيل والأناجيل؟
عندما جاء المسيح وقبله يوحنا المعمدان بدأت كتابة ما يُطلق عليه (الإنجيل) وهناك فرق ولبس شديد بين الإنجيل والأناجيل فالعهد الجديد يُطلق عليه الإنجيل وقد أطلق عليه عبارة العهد الجديد لأنه ابتدأ مع ميلاد السيد المسيح، وكلمة إنجيل قد ذكرت في الإنجيل عدة مرّات وتعني الخبر السار، أما كلمة إنجيل الملحقة بمتي ومرقس ولوقا ويوحنا فلم تكتب هكذا في الأساس، وذكرت كلمة إنجيل في كتابات العهد الجديد في كورنثوس الأولى: لأَنِّي أَنَا وَلَدْتُكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ بِالإِنْجِيلِ.(1كو4:15)، اذن كلمة الإنجيل تعني البشارة المفرحة وليس الكتابات فالمسيح كلمة الله ولذلك كان يجب أن يكون هناك من يكتب عن المسيح، حيث يقول بطرس: لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ.(2بط1 :21)، فلو كان المسيح الذي كتب فلن يكتب عن حياته وحياته هي كلمة وأعظم مما قاله وليس فقط ما قاله، لذلك قال لوقا: الْكَلاَمُ الأَوَّلُ أَنْشَأْتُهُ يَا ثَاوُفِيلُسُ عَنْ جَمِيعِ مَا ابْتَدَأَ يَسُوعُ يَفْعَلُهُ وَيُعَلِّمُ بِهِ.(أع 1:1)، لكن الذين سمعوا والذين شاهدوا هم من كتبوا، بينما العهد القديم عبارة عن رسل كتبوا ما أوحي به لهم.
ما معنى كلمة وحي؟
يعني بالوحي اللفظي أن الله قد قال وهم كتبوا ما قاله فلو وقع مني حرف يضيع كلام الرب مني ولو التزمت بالحرف لصارت لغة مقدسة لأن الله هو من يتكلم ولا أستطيع ترجمتها، والوحي عندنا كما يقول الكتاب:
كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحىً بِهِ مِنَ اللهِ، وَنَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ. (2تي3:16)، فالكتاب موحى به Inspired وموحى به ترادف Revelation إعلان، كما يقول بولس الرسول: وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ، لِيَلْطِمَنِي لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. (2كو12:7)، وكذلك في أفسس: أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ. (أف3:13) فقد فهمت أن إبراهيم هو أبو المؤمنين جميعاً وليس أبو اليهود فقط من نسل يعقوب.
هل تعني كلمة إعلان Revelation شيئاً مرئياً ومنظوراً؟
إعلان تعني أدراك في القلب والعقل وأني قد فهمت ما لم أكن أفهمه من قبل، فالرب يفهمني برؤيا أو بحلم أو بكلام في أذني ولا يهم الطريقة والأهم أني قد فهمت وكتبت ما قد فهمته وشرحته فالوحي لدينا عبارة عن معنى، وعندما قال السيد المسيح للتلاميذ كلاماً يصعب فهمه إنصرف كثيرون منهم وقال لهم: اَلرُّوحُ هُوَ الَّذِي يُحْيِي. أَمَّا الْجَسَدُ فلاَ يُفِيدُ شَيْئاً. اَلْكلاَمُ الَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ. (يو6:63)، فلو أن الوحي حروف سأعبد الحرف، والحرف سيكون سيف على رقبتي والله لا يريد ذلك فالحرف يقتل لكن ما قاله المسيح هو روح وحياة ومعنى كي أفهمه: الَّذِي جَعَلَنَا كُفَاةً لأَنْ نَكُونَ خُدَّامَ عَهْدٍ جَدِيدٍ. لاَ الْحَرْفِ، بَلِ الرُّوحِ. لأَنَّ الْحَرْفَ يَقْتُلُ، وَلَكِنَّ الرُّوحَ يُحْيِي. (2كو3:6).
ونستكمل إجابة بقية الأسئلة في الحلقة القادمة.
- التلمذة — completed
- شخصية الله — completed
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — completed
- شخصية الإنسان — completed
- شخصية المسيح — completed
- الروح القدس — completed
- لا أنا بل المسيح — completed
- مبادئ العلاقة مع الله — completed
- الشركة مع الله — completed
- الكنيسة — completed
- المأمورية العظمى — completed
- الصراع الروحي — completed
- شفاء النفس — completed
- مبادئ العلاقات الإنسانية — completed
- اختيار شريك الحياة — completed
- العلاقة الزوجية — completed
- تربية الأطفال — completed
- أساسيات الحياة مع الله — completed
- حياة الخادم — completed
- من حقك تفهم — you are here
من حقك تفهم — 30 lessons remain to finish this course. Sign in so your place is kept.
See the whole path