الفرق بين العهد القديم والجديد
الفرق بين العهد القديم والعهد الجديد
تناولنا في الحلقتين السابقتين من برنامجنا "من حقك نفهم" الرد على ادعاءات تحريف الكتاب المقدس وتحدثنا بالشرح والتفصيل عن وجود أربعة أدلة تنفي تلك الادعاءات وتؤكد استحالة تحريف الكتاب المقدس، وهي: الدليل المنطقي/العقلاني والدليل العلمي/ المادي - من خارج الكتاب المقدس، والدليل التاريخي والدليل واللاهوتي - من داخل الكتاب المقدس، كما طرحنا في نهاية الحلقة السابقة سؤالاً هاماً يشغل أذهان الكثيرين، ونعيد طرحه في هذه الحلقة.
لماذا تُظهر نصوص العهد القديم روحاً مختلفة عن تلك التي نراها في العهد الجديد؟ فهل تختلف شخصية الله بين العهدين؟
لا تختلف شخصية الله بين العهدين، فالله لم يتغيّر، والقوانين الإلهية المطلقة لم تتغيّر، وهي القانون الأخلاقي الأدبي، بينما تتغيّر القوانين الوضعية المدنية من عصر إلى عصر. كما أن الله يتصف بالصفات ذاتها في العهدين القديم والجديد، ولذلك نحن كمسيحيين نحتفظ بالعهد القديم لأننا نؤمن بأن شخصية الله لم تتغيّر، ولكن الاختلاف يكمن في تغيّر العهد وليس شخصية الله.
فالكتاب المقدس في العهد القديم يتحدث عن أن الله سيقطع عهداً جديداً مع شعبه في سفر "إرميا"
"هَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً.
لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ يَقُولُ الرَّبُّ.
بَلْ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ، وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً.
وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلِينَ: [اعْرِفُوا الرَّبَّ]، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ يَقُولُ الرَّبُّ، لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ." (إر ٣١: ٣١–٣٤)
وفيما يتعلق بصفات الله، نجد أن الكتاب المقدس في العهد القديم يتحدث عن الله كإله مُحب، كما في سفر "المزامير"، حيث توجد العديد من الآيات التي تؤكد هذه الصفة الإلهية. وبينما تتم ترجمتها إلى اللغة العربية بمعنى "رحيم"، إلا أن ترجمتها باللغة الإنجليزية هي Loving Kindness أي "المحبة المتحننة"، كما يقول مزمور (٦٣): "لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ." (مز ٦٣: ٣)
حيث تعني كلمة "رحمتك" بالإنجليزية: "Your Loving-kindness"
وبذلك تعني الآية: "لأن حبك يا رب المتحنن أفضل من الحياة، شفتاي تسبحانك."
كما في نسخة New American Standard Bible
Because Your Loving-kindness is better than life, My Lips will praise You." (Ps ٦٣:٣)
وهذا ما جاء على لسان "داود" الذي قاتل وشنّ حروباً كثيرة. فالله في العهد القديم هو: إله مُحب، ورحيم، وعادل، وبار، وقدّوس
كما يقول "السرافيم" في رؤيا "إشعياء": "وَهَذَا نَادَى ذَاكَ: «قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ قُدُّوسٌ رَبُّ الْجُنُودِ. مَجْدُهُ مِلْءُ كُلِّ الأَرْضِ»." (إش ٦: ٣)
ومن صفاته أيضاً في العهد القديم: أنه إله قادر وأمين، وحافظ العهد والرحمة
وهي صفات توجد أيضاً في العهد الجديد، فالأسماء والألقاب والصفات الإلهية هي ذاتها في العهدين.
فلماذا تختلف أفعال وتصرفات الله في العهد القديم عن مثيلتها في العهد الجديد؟
توجد أفعال وتصرفات الله في عدة مشاهد هامة في العهد القديم، مثل حادثة "سدوم وعمورة" و"الطوفان" وتحريم وإبادة مدينة "أريحا" عن بكرة أبيها، وغضب الله على شعبه عند عبادته للعجل الذهبي أو البعل، وعندما تذمر الشعب على الله وأرادوا العودة إلى مصر، فحدث وباء ومجاعة وخرجت عليهم الحيّات المُحرقة ولدغت الشعب. وهذا يرتبط بفكرة العهد وطريقة تعامل الله مع الشعب في ذلك الوقت ولا يرتبط بالصفات الإلهية أو شخصية الله. كما أن الآيات التي تتحدث عن صفات الله مثل الرحمة والعدل في العهد القديم أكثر من مثيلتها في العهد الجديد، حيث يخبرنا سفر "ملاخي": «أَحْبَبْتُكُمْ قَالَ الرَّبُّ». وَقُلْتُمْ: «بِمَا أَحْبَبْتَنَا؟» ... (ملا ١:٢)، وكذلك يقول سفر "إشعياء": "إِذْ صِرْتَ عَزِيزاً فِي عَيْنَيَّ مُكَرَّماً وَأَنَا قَدْ أَحْبَبْتُكَ. أُعْطِي أُنَاساً عِوَضَكَ وَشُعُوباً عِوَضَ نَفْسِكَ." (إش ٤٣:٤)، وأيضاً يقول "إرميا": "تَرَاءَى لِي الرَّبُّ مِنْ بَعِيدٍ: وَمَحَبَّةً أَبَدِيَّةً أَحْبَبْتُكِ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَدَمْتُ لَكِ الرَّحْمَةَ." (إر ٣١:٣). وبناءً على ذلك، فإن الله ثابت لم يتغيّر ولن يتغيّر، والذي تغيّر فقط هو فهم الإنسان له، فكلما اقتربنا من الله أصبح فهمنا له أكثر وضوحاً، بينما كلما ابتعدنا عنه تغيّر فهمنا له، وبالتالي تتغيّر مفاهيم الله لدى الإنسان والطريقة التي يريده الله أن يحيا بها.
كيف تغيّرت مفاهيم الإنسان عن الله عبر الزمن؟
من أبرز الأمثلة على تغيّر مفاهيم الإنسان تجاه الله وتوصياته، هو مفهوم الزواج، الذي تطوّر في ممارسته عبر العصور، رغم أن إرادة الله فيه كانت واضحة منذ البدء.
فعند خلق الإنسان الأول، لم يُعطَ "آدم" سوى زوجة واحدة هي "حواء"، التي أنجب منها أبناءه قايين وهابيل وشيث. ولم يُذكر في الكتاب المقدس أن له زوجة أخرى. وقد أشار سفر التكوين إلى أن آدم دعا اسم امرأته "حواء" لأنها أم كل حي (تك ٣: ٢٠). كما جاء أيضاً أن الرجل يترك أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويصيران جسدًا واحدًا (تك ٢: ٢٤).
هذا المفهوم استمر حتى عصر نوح، الذي عاش نحو ٩٥٠ عامًا، ومع ذلك لم يُذكر له زوجة سوى واحدة، دخل معها ومع أبنائه إلى الفلك بحسب ما ورد في (تك ٧: ٦-٧).
كذلك كان الأمر مع إبراهيم، الذي تزوّج من "سارة" فقط. أما "هاجر"، فكانت جارية لسارة، أعطتها لإبراهيم بهدف إنجاب نسل، لأنها لم تكن تقدر على الإنجاب. وقد أوضح سفر التكوين أن سارة قالت: "ادخل على جاريتي لعلّي أُرزق منها بنين" (تك ١٦: ٢). وهكذا، لم تُعتبر هاجر زوجة له بالمفهوم الكامل، وظلت سارة زوجته الوحيدة حتى وفاتها، وبعد ذلك فقط تزوّج إبراهيم من قطوره.
ويستمر هذا المفهوم في حياة إسحاق، الذي تزوّج من "رفقة" فقط، ولم يُذكر له زوجة ثانية، مما يعكس استمرار المفهوم الإلهي للزواج.
لكن مع يعقوب (إسرائيل)، بدأ يظهر التغيير، ليس برغبة منه، بل نتيجة خداع خاله "لابان"، الذي زوّجه من "ليئة" بدلاً من "راحيل"، فصار له زوجتان، في خروج عن الصورة الأصلية التي رسمها الله للزواج.
ثم نصل إلى زمن الملك سليمان، الذي كان أبعد ما يكون عن النموذج الإلهي، إذ تزوّج من ٧٠٠ امرأة، وكان له ٣٠٠ جارية (١مل ١١: ٣)، وقد أمالت نساؤه قلبه عن الرب، كما يحذّر الكتاب. وهذا التعدد ما كان إلا نتيجة الانحراف عن قصد الله، واستجابة لتأثير الشعوب الوثنية المحيطة.
من هنا نفهم كيف أن الممارسة البشرية للزواج انحرفت عبر الزمن، رغم أن قصد الله لم يتغيّر. وقد أكّد السيد المسيح نفسه هذا المفهوم عندما سأله الفريسيون عن الطلاق، فقال: "أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكراً وأنثى؟" وأكمل موضحاً أن الرجل وامرأته يصيران جسدًا واحدًا، ثم أضاف: "فالذي جمعه الله لا يفرّقه إنسان" (مت ١٩: ٣-٦).
وعندما سألوه عن سبب سماح موسى بالطلاق، أجابهم: "إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلّقوا نساءكم، ولكن من البدء لم يكن هكذا" (مت ١٩: ٨).
وهنا تتضح الحقيقة الجوهرية: الله لم يتغيّر. فإله العهد القديم هو نفسه إله العهد الجديد، ولكن طريقة إعلانه عن نفسه تغيّرت بحسب مستوى فهم الإنسان واستعداده. ففي العهد القديم، أعلن الله مجده وسط الزوابع والنار عند جبل سيناء، ليُدرك الشعب أنه إله حي، وليس مجرد خيال أو صنم.
وقد كان هذا الإعلان ضروريًا لشعب تعداده يقارب ٦٠٠ ألف رجل، ليوقنوا أن الإله الذي يقودهم هو خالق السماء والأرض. كذلك تجلّى حضور الله في صورة السحابة نهارًا وعمود النار ليلاً، إشارة إلى أن الله حاضر في وسط شعبه.
لكن مع مرور الزمن، وبسبب الخطية، والاختلاط بالشعوب الوثنية، تراجع وعي الإنسان بحقيقة الله، وصار بعيدًا عن مقصده. فقد تزوّج سليمان من نساء وثنيات، وأدخل عبادة الآلهة الغريبة إلى إسرائيل (١مل ١١: ١-٣)، وهذا يُظهر بوضوح أن ما تغيّر ليس الله، بل الإنسان وفهمه له.
ما المقصود بتغيّر العهد بين الله والبشر؟ وكيف يظهر هذا التغيّر بين العهد القديم والعهد الجديد؟
يتحدث الكتاب المقدس عن فكرة "العهد" باعتبارها جوهر العلاقة بين الله والإنسان. في البداية، قطع الله عهداً مع إبراهيم كشخص، لا مع أمة أو جماعة، وكان هذا العهد يقوم على الإيمان والتبرير بالإيمان، وليس على ناموس أو طقوس. يقول الكتاب:
"فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً" (تك ١٥:٦)،
وهو عهد قائم على المحبة والرفقة، لا على وصايا مكتوبة أو ذبائح دموية.
ثم جاء موسى ليُعطي الشعب ناموساً يتضمن فرائض وأحكاماً ووصايا تنظم حياة الأمة. كان هذا الناموس بمثابة تهيئة وتمهيد للعهد الجديد، لأنه يكشف عن ضعف الإنسان وعدم قدرته على الوصول إلى البرّ أو نوال الغفران من خلال أعمال الناموس وحدها. الناموس إذًا، لم يكن هو الحل، بل الكاشف لحقيقة ضعف الإنسان واحتياجه إلى مخلّص وفادٍ.
وقد عبّر الكتاب عن هذا بوضوح: "فَتَحْفَظُونَ فَرَائِضِي وَأَحْكَامِي الَّتِي إِذَا فَعَلَهَا الْإِنْسَانُ يَحْيَا بِهَا. أَنَا الرَّبُّ" (لا ١٨:٥).
لكن الإنسان لم يستطع أن يحفظها، فكان يقدم الذبائح مرارًا وتكرارًا، ومع ذلك لم يكن ذلك كافيًا. كانت الذبائح رمزًا، وظلالًا لحقيقة أعظم: ذبيحة المسيح، حمل الله الذي يرفع خطية العالم."هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ" (يو ١:٢٩).
هكذا صار العهد الجديد هو عهد النعمة، حيث العلاقة بين الله والإنسان لا تقوم على "افعل ولا تفعل"، بل على قبول عمل المسيح الكامل على الصليب، الذي تمم كل رموز وطقوس العهد القديم.
أما الحروب والظروف السياسية التي ظهرت في العهد القديم، فلم تكن انعكاسًا لطبيعة الله المتغيّرة، بل لواقع تاريخي عاشه شعب محاط بأمم وثنية وعداوة مستمرة. لذلك لم تكن هذه الأمور قضاءً إلهيًا عامًا، بل ظروفًا مؤقتة.
أما "الناموس الأدبي" – أي الوصايا العشر – فهو ثابت وكامل، لم يتغيّر عبر العهدين، لأنه يعبر عن أخلاق الله وقِيَمه الدائمة، بعكس القوانين الطقسية التي كانت وقتية، مثل الامتناع عن أنواع معينة من الطعام أو تقديم ذبائح، والتي جاء المسيح ليكمّلها ويضع لها نهاية، كما يظهر في حادثة انشقاق حجاب الهيكل:
"وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ..." (مت ٢٧:٥١)، وهو إعلان واضح بانتهاء الطقوس الكهنوتية وبدء علاقة مباشرة بالله من خلال المسيح.
إذن، فالتغيير لم يكن في الله، بل في نوع العلاقة التي صار الله يدعو البشر إليها: من عهد يقوم على الرموز والظلال والذبائح، إلى عهد يقوم على النعمة، والفداء، والدخول إلى حضرة الله بثقة من خلال يسوع المسيح.
كيف نفهم قول السيد المسيح: «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ، بَلْ لأُكَمِّلَ» (متّى ٥: ١٧)؟ وما هو التفسير الصحيح لهذه الآية؟
هناك فهم خاطئ لدى الكثيرين لفهم هذه الآية فعند الرجوع إلى النص الأصلي، نجد أن كلمة "لأنقض" تعني To break the law أي "أن أكسر الوصايا". أما كلمة "لأكمّل" فتعني To fulfill the law أي "أن أتمم وأحقق".
الناموس يطلب من الإنسان تحقيق النقاء والطهارة الكاملة، والمسيح جاء ليُتمّم ذلك. فقد قال:
«مَنْ مِنْكُمْ يُبَكِّتُنِي عَلَى خَطِيَّةٍ؟ فَإِنْ كُنْتُ أَقُولُ الْحَقَّ، فَلِمَاذَا لَسْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِي؟» (يو ٨: ٤٦).
لقد أبطل المسيح ناموس الوصايا في فرائض، كما أوضح بولس الرسول:
«أَيِ الْعَدَاوَةَ، مُبْطِلًا بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا» (أف ٢: ١٥)،
وأيضًا:
«إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ، مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بِالصَّلِيبِ» (كو ٢: ١٤).
في العهد القديم، كان الناموس يُلزم الشعب بتقديم الذبائح والاحتفال بثلاثة أعياد سنوية (الفصح، والمظال، والخمسين)، حيث كانوا يصعدون إلى الهيكل ويقدمون ذبائح السلامة، والمحرقة، والخطية، والإثم. لكن في العهد الجديد، لم نعد مطالبين بهذه الطقوس لأن المسيح قد أبطل ناموس الفرائض، وصار هو الذبيحة الكاملة. فذبائح العهد الجديد لم تعد حيوانية، بل أصبحت روحية. كما قال داود النبي: «يَا رَبُّ، افْتَحْ شَفَتَيَّ، فَيُخْبِرَ فَمِي بِتَسْبِيحِكَ. لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلَّا فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. ذَبَائِحُ اللهِ هِيَ رُوحٌ مُنْكَسِرَةٌ. الْقَلْبُ الْمُنْكَسِرُ وَالْمُنْسَحِقُ يَا اللهُ لاَ تَحْتَقِرُهُ» (مز ٥١: ١٥–١٧).
ويؤكد بولس الرسول هذا المفهوم بقوله: «فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ. وَلَكِنْ لاَ تَنْسَوْا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللهُ» (عب ١٣: ١٥–١٦).
لذلك، يوضح المسيح في (مت ٥: ١٧) أنه ما جاء ليكسر الناموس كما كسره البشر بعجزهم، بل جاء ليتممه، وليكون البار الكامل الذي يرفع خطية العالم، كما قال يوحنا المعمدان:
«هُوَذَا حَمَلُ اللهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ» (يو ١: ٢٩).
ما معنى قول المسيح إنه لم يأتِ "لينقض الأنبياء" في (مت ٥:١٧)؟ وكيف نُفهم هذا التعبير؟
الأنبياء هم من تنبأوا نبوّات موحى بها من قبل الله، أما الناموس فهو الوصايا، ومعنى أنه لم يأتٍ "لينقض الأنبياء" أي أن المسيح قد جاء ليتمم ويحقق تلك النبوّات التي تحدثت عنه، فهناك ٣٠٠ نبوّة في العهد القديم تتحدث عن المسيح وقد تحققت بالفعل، ومنها:
أن السيد المسيح سيولد من عذراء.
كما يقول "إشعياء"وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ». (إش٧:١٤).
وتحققت هذه النبوّة كما يخبرنا إنجيل "متى": وَهَذَا كُلُّهُ كَانَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: «هُوَذَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَيَدْعُونَ اسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ» الَّذِي تَفْسِيرُهُ: اَللَّهُ مَعَنَا. (مت١: ٢٢-٢٣)
أن السيد المسيح سيولد في مدينة بيت لحم رغم أن والدته القديسة المطوَّبة "مريم" تُقيم في الناصرة بالجليل، ولكن بأمر الاكتتاب من الإمبراطور الروماني "أغسطس قيصر" تذهب هي وزوجها يوسف إلى "بيت لحم" التي أصبحت "مدينة داود" حيث تلد المسيح هناك.
كما تخبرنا نبوّة "ميخا"«أَمَّا أَنْتِ يَا بَيْتَ لَحْمِ أَفْرَاتَةَ وَأَنْتِ صَغِيرَةٌ أَنْ تَكُونِي بَيْنَ أُلُوفِ يَهُوذَا فَمِنْكِ يَخْرُجُ لِي الَّذِي يَكُونُ مُتَسَلِّطاً عَلَى إِسْرَائِيلَ وَمَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ». (مي٥:٢).
فتحققت هذه النبوّة كما يخبرنا إنجيل "متى": وَلَمَّا وُلِدَ يَسُوعُ فِي بَيْتِ لَحْمِ الْيَهُودِيَّةِ فِي أَيَّامِ هِيرُودُسَ الْمَلِكِ إِذَا مَجُوسٌ مِنَ الْمَشْرِقِ قَدْ جَاءُوا إِلَى أُورُشَلِيمَ (مت٢:١).
اضطهاد الملك هيرودوس وأمره بقتل الأطفال، فيرحلون إلى مصر
حيث تنبأ "هوشع:" «لَمَّا كَانَ إِسْرَائِيلُ غُلاَماً أَحْبَبْتُهُ وَمِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي. (هو١١:١)،
وتتحقق النبوّة في "متى": وَبَعْدَمَا انْصَرَفُوا إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لِيُوسُفَ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «قُمْ وَخُذِ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ وَاهْرُبْ إِلَى مِصْرَ وَكُنْ هُنَاكَ حَتَّى أَقُولَ لَكَ. لأَنَّ هِيرُودُسَ مُزْمِعٌ أَنْ يَطْلُبَ الصَّبِيَّ لِيُهْلِكَهُ». فَقَامَ وَأَخَذَ الصَّبِيَّ وَأُمَّهُ لَيْلاً وَانْصَرَفَ إِلَى مِصْرَ وَكَانَ هُنَاكَ إِلَى وَفَاةِ هِيرُودُسَ لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ مِنَ الرَّبِّ بِالنَّبِيِّ: «مِنْ مِصْرَ دَعَوْتُ ابْنِي». (مت٢: ١٣- ١٥).
وقد تحققت كل تلك النبوّات وأسس المسيح عهداً جديداً بديلاً عن العهد القديم، وهكذا، فإن الفرق الجوهري بين العهد الجديد والعهد القديم يكمن في أن العهد الجديد لا يعتمد على وصايا وشرائع مكتوبة يتوجب على الإنسان حفظها والعمل بها، بل تُكتب النواميس في قلوب وأذهان المؤمنين بقوة عمل الروح القدس، ففي حين كان الحق في العهد القديم يتم تسجيله وكتابته على ألواح أو أوراق ويُفرض على الإنسان ليحفظه ويفعله وهو لا يستطيع فعله لأنه عاجز عن ذلك، فإن العهد الجديد يقوم على كتابة وتسجيل الحق والوصية والحب والرحمة والبر الإلهي داخل الإنسان وفي أعماق قلبه بقوة عمل الروح القدس فيسلك الإنسانة بالاستقامة ويعيش بالأمانة مع الله والناس، وهذا ما تنبأ به "إرميا" وتحقق في العهد الجديد في المسيح يسوع، كما يقول بولس الرسول: ٣ظَاهِرِينَ أَنَّكُمْ رِسَالَةُ الْمَسِيحِ، مَخْدُومَةً مِنَّا، مَكْتُوبَةً لاَ بِحِبْرٍ بَلْ بِرُوحِ اللهِ الْحَيِّ، لاَ فِي أَلْوَاحٍ حَجَرِيَّةٍ بَلْ فِي أَلْوَاحِ قَلْبٍ لَحْمِيَّةٍ. (٢ كو٣:٣)
ففي العهد الجديد، يسكن الله في جسد الإنسان ويكتب نواميسه وحقه في داخله، وبالتالي يستطيع الإنسان أن يعيش ذلك الناموس وذلك الحق ويمكنه أن يعمل وصايا الرب التي يريدها امنه ولا يعجز عن تحقيقها وتكميلها، فقد عجز الإنسان عن فعلها سابقاً في العهد القديم، لذلك أبطل المسيح ناموس الوصايا في فرائض، كما يقول بولس في رسالة "أفسس": أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَاناً وَاحِداً جَدِيداً، صَانِعاً سَلاَماً. (أف٢:١٥)، ومحا الصك الذي علينا في الفرائض، كما يقول "بولس" في رسالة "كولوسي": وَإِذْ كُنْتُمْ امْوَاتاً فِي الْخَطَايَا وَغَلَفِ جَسَدِكُمْ، احْيَاكُمْ مَعَهُ، مُسَامِحاً لَكُمْ بِجَمِيعِ الْخَطَايَا، إِذْ مَحَا الصَّكَّ الَّذِي عَلَيْنَا فِي الْفَرَائِضِ، الَّذِي كَانَ ضِدّاً لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الْوَسَطِ مُسَمِّراً ايَّاهُ بِالصَّلِيبِ، إِذْ جَرَّدَ الرِّيَاسَاتِ وَالسَّلاَطِينَ اشْهَرَهُمْ جِهَاراً، ظَافِراً بِهِمْ فِيهِ. فَلاَ يَحْكُمْ عَلَيْكُمْ احَدٌ فِي أكْلٍ اوْ شُرْبٍ، اوْ مِنْ جِهَةِ عِيدٍ اوْ هِلاَلٍ اوْ سَبْتٍ، الَّتِي هِيَ ظِلُّ الأُمُورِ الْعَتِيدَةِ، وَأَمَّا الْجَسَدُ فَلِلْمَسِيحِ. (كو٢: ١٣- ١٧).
كيف نفهم إبادة الله لشعوب مثل "سدوم وعمورة" و"أريحا"، رغم إيماننا بأنه إله رحيم لا يتغيّر؟
موضوع حادثة "سدوم وعمورة"، زار ثلاثة رجال "إبراهيم" وقام باستضافتهم وقدّم لهم الطعام والشراب، ثم اكتشف أنهم ملائكة، وبشّروه هو وزوجته بمولد ابنهما "إسحاق". واكتشف إبراهيم أن الملاك الذي في الوسط هو "ملاك الرب" – وهي عبارة شهيرة في العهد القديم – وسار معه إبراهيم وهما يتحدثان إلى خارج المدينة.
فعبارة "ملاك الرب" تختلف عن "ملاك من الرب"، لأن "ملاك الرب" يتحدث كأنه الله. يقول لإبراهيم:
«هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ؟ وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟» (تك ١٨: ١٧-١٨)
ثم أخبره أنه سيُحرق مدينتيّ "سدوم وعمورة" بالنار والكبريت. انطلق الملكان تجاه المدينتين، بينما ظل إبراهيم يتحاور مع "الرب"، كما يقول سفر التكوين:
«أَفَتُهْلِكُ الْبَارَّ مَعَ الأَثِيمِ؟ عَسَى أَنْ يَكُونَ خَمْسُونَ بَارّاً... أَفَتُهْلِكُ الْمَكَانَ؟ ... لاَ أُهْلِكُ مِنْ أَجْلِ الْعَشَرَةِ» (تك ١٨: ٢٣–٣٣)
لقد أوضح الرب في حواره مع إبراهيم أنه لو وُجد في المدينة عشرة أبرار فقط، لما أهلكها. ولكن عندما لم يُوجد حتى هذا العدد، وازداد الشر بشكل مرعب، أُحرقت المدينة، وكانت تلك إبادة عادلة نابعة من رحمة الله، لأن فرصتهم في التوبة قد انتهت.
حتى من نُجي من المدينة لم يكونوا جميعهم مؤهلين؛ فامرأة لوط نظرت إلى الوراء – رغم تحذير الملائكة – فصارت عمود ملح. (تك ١٩: ٢٦)
عدل الله في القضاء، ورحمته في إعطاء فرص متكررة للتوبة. فالله لا يسرّ بهلاك الأشرار، بل عندما تبلغ الخطية ذروتها، يُنهي الله المسيرة الشريرة رحمة بالبشرية.
كما قال بولس: «وَلَكِنَّكَ... تَذْخَرُ لِنَفْسِكَ غَضَباً فِي يَوْمِ الْغَضَبِ وَاسْتِعْلاَنِ دَيْنُونَةِ اللهِ الْعَادِلَةِ» (رو ٢: ٥)
وقد أشار السيد المسيح نفسه إلى "سدوم وعمورة" بقوله: «لَوْ صُنِعَتْ فِي سَدُومَ الْقُوَّاتُ الْمَصْنُوعَةُ فِيكِ لَبَقِيَتْ إِلَى الْيَوْمِ... إِنَّ أَرْضَ سَدُومَ تَكُونُ لَهَا حَالَةٌ أَكْثَرُ احْتِمَالاً يَوْمَ الدِّينِ مِمَّا لَكِ» (مت ١١: ٢٠–٢٤)
الله يستخدم قوى الطبيعة لإعلان سلطانه ولتكون عبرة لمن يريد أن يعتبر، فهو يتحدث إلى تلك الشعوب بالطريقة التي يفهمونها ليخبرهم بأنه حي وموجود. فلو ماتوا في أماكنهم دون إحراق بنار وكبريت، لما كان تأثير الحادثة بالقوة ذاتها على بقية الشعوب المحيطة، وبالتالي لن يخافوا الله بنفس العمق كما حدث عندما أُحرقت سدوم وعمورة بنار وكبريت وقلبهما أيضاً.
دينونة الله إذًا كانت عادلة ورحمة في آن، إذ أن جموع المدينة – من الصغير إلى الشيخ – قد أحاطت ببيت لوط، مطالبة بممارسة فعل جنسي مع ضيفيه (الملائكة)، رغم تحذير لوط لهم وعرضه لابنتيه بدلاً منهما. ولما أصرّوا، ضربهم الملائكة بالعمى، وأخرجوا لوطًا وابنتيه، وأُحرقت المدينة. (تك ١٩: ٤–٢٦)
هل كان شعب إسرائيل شعباً مدلّلاً باعتباره شعب الله المختار؟
لم يكن شعب إسرائيل شعباً مدلّلاً على الإطلاق، بل كان شعباً مستعبداً في أرض مصر، ولكن في بداية تواجدهم على أرض كانوا مدلّلين بسبب يوسف ولكنّهم استعبدوا بعد ذلك سنوات طويلة جداً فأغلب الفترة التي قضوها في أرض مصر وهي ٤٠٠عاماً عاشوا فيها عبيداً للمصريين، فعندما مات يوسف ومات الفرعون الذي كان يعرفه صاروا عبيداً وخدموا المصريين، وعندما دخلوا إلى أرض كنعان واستولوا عليها نجد أنه تمت هزيمتهم واحتلالهم من أمة وراء أمة كما يذكر سفر "القضاة"، كما أنه عند تقسيم المملكة بعد سليمان إلى مملكتين مملكة إسرائيل الشمالية ومملكة يهوذا الجنوبية عام ٩٣٠ ق.م قامت مملكة آشور بسبي شعب مملكة إسرائيل الشمالية بسبب ابتعادهم عن الله عام ٧٢٢ق.م، وكذلك قامت مملكة بابل بسبي شعب مملكة يهوذا الجنوبية عام ٥٨٦ق.م بسبب ابتعادهم عن الله رغم أنهم كانوا أكثر قرباً إلى الله في البداية، ثم عادوا من السبي البابلي عام ٥٣٨ ق.م ولكن تم احتلالهم من الإمبراطورية اليونانية عام ٣٢٣ ق.م، ثم الإمبراطورية الرومانية عام ٦٣ ق.م وتم حرق الهيكل وخراب أورشليم عام ٧٠م، وتشتتوا في دول العالم بعد ذلك لأكثر من ألف عام، وفي الحرب العالمية الثانية تم حرق ٦ مليون يهودي، وبالتالي لم يكونوا في يوم ما مدلّلين على الإطلاق، فعند ابتعادهم عن الله كانت تُلحق بهم الهزيمة مثل بقية الشعوب ولكن عندما يرجعون إلى الله كانوا يحصلون على البركة، فحتى شعب مدينة "نينوى" عندما عاد إلى الله نال بركة، حينما ذهب إليهم "يونان" وحذرهم أنه بعد ٤٠ يوماً تُهلك المدينة فتابت ونالت بركة عظيمة: (يون٣:١- ٥)، فما حدث مع شعب إسرائيل عند ابتعاده عن الله أو عودته واقترابه منه حدث لبقية الشعوب الأخرى أيضاً.
لماذا وعد الله شعبه بأرض كنعان بعد ٤٠٠ عام، ولماذا اختار أن يعطيها لهم دون غيرهم؟
السبب وراء أن الله قد أعطى لشعب إسرائيل أرض كنعان ليس من أجل بره، بل بسب إثم تلك الشعوب الكنعانية، كما يقول سفر التثنية:
لا تَقُل فِي قَلبِكَ حِينَ يَنْفِيهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ: لأَجْلِ بِرِّي أَدْخَلنِي الرَّبُّ لأَمْتَلِكَ هَذِهِ الأَرْضَ. وَلأَجْلِ إِثْمِ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكَ. ليْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ وَعَدَالةِ قَلبِكَ تَدْخُلُ لِتَمْتَلِكَ أَرْضَهُمْ، بَل لأَجْلِ إِثْمِ أُولئِكَ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ وَلِيَفِيَ بِالكَلامِ الذِي أَقْسَمَ الرَّبُّ عَليْهِ لآِبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. فَاعْلمْ أَنَّهُ ليْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هَذِهِ الأَرْض
الجَيِّدَةَ لِتَمْتَلِكَهَا لأَنَّكَ شَعْبٌ صُلبُ الرَّقَبَةِ. (تث٩: ٤ - ٦).
أما فيما يتعلق بفترة الانتظار الطويلة التي سبقت إعطاء الله أرض كنعان لشعب إسرائيل فذلك يعود إلى أن إثم وشر تلك الشعوب الكنعانية لم يكتمل بعد أمام الله فالله طويل الأناة لكنه عادل في توقيت الدينونة فقد أعطاهم فرصة كبيرة للتوبة والرجوع إليه، حيث يقول الله لإبراهيم في سفر "التكوين"وَفِي الْجِيلِ الرَّابِعِ يَرْجِعُونَ إِلَى هَهُنَا لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلاً». (تك١٥: ١٦).
وكما حدث في سدوم وعمورة فإن الله يهلك تلك الشعوب الكنعانية رحمة بهم وبأبنائهم فلم يعد هناك أمل في توبتهم، أما بقية الشعوب المحيطة بهم فالله لم يعطي أرضهم لشعب إسرائيل لأنه كان ما يزال هناك أمل في تلك الشعوب أمل في أن يتوبوا ويعودواً إلى الله، والشعوب الكنعانية كما جاء في سفر التثنية هي: «مَتَى أَتَى بِكَ الرَّبُّ إِلهُكَ إِلى الأَرْضِ التِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِليْهَا لِتَمْتَلِكَهَا وَطَرَدَ شُعُوباً كَثِيرَةً مِنْ أَمَامِكَ: الحِثِّيِّينَ وَالجِرْجَاشِيِّينَ وَالأَمُورِيِّينَ وَالكَنْعَانِيِّينَ وَالفِرِزِّيِّينَ وَالحِوِّيِّينَ وَاليَبُوسِيِّينَ سَبْعَ شُعُوبٍ أَكْثَرَ وَأَعْظَمَ مِنْكَ. (تث٧:١).
لماذا أمر الله بإبادة مدينة أريحا بالكامل (يشوع ٦: ٢١)؟ ولماذا اختار أن يُجري هذه الدينونة بواسطة شعبه هذه المرة، بدلًا من أن ينفذها بنفسه كما فعل في سدوم وعمورة؟
هناك آيات كتابية تشرح لنا الشر الذي كانت تفعله شعوب أرض كنعان وقتذاك، ففي سفر التثنية:
«مَتَى دَخَلتَ الأَرْضَ التِي يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ، لا تَتَعَلمْ أَنْ تَفْعَل مِثْل رِجْسِ أُولئِكَ الأُمَمِ، لا يُوجَدْ فِيكَ مَنْ يُجِيزُ ابْنَهُ أَوِ ابْنَتَهُ فِي النَّارِ، وَلا مَنْ يَعْرِفُ عِرَافَةً، وَلا عَائِفٌ، وَلا مُتَفَائِلٌ، وَلا سَاحِرٌ، وَلا مَنْ يَرْقِي رُقْيَةً، وَلا مَنْ يَسْأَلُ جَانّاً أَوْ تَابِعَةً، وَلا مَنْ يَسْتَشِيرُ المَوْتَى. لأَنَّ كُل مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ عِنْدَ الرَّبِّ، وَبِسَبَبِ هَذِهِ الأَرْجَاسِ الرَّبُّ إِلهُكَ طَارِدُهُمْ مِنْ أَمَامِكَ. تَكُونُ كَامِلاً لدَى الرَّبِّ إِلهِكَ. إِنَّ هَؤُلاءِ الأُمَمَ الذِينَ تَخْلُفُهُمْ يَسْمَعُونَ لِلعَائِفِينَ وَالعَرَّافِينَ، وَأَمَّا أَنْتَ فَلمْ يَسْمَحْ لكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هَكَذَا.» (تثنية ١٨: ٩–١٤)، وانظر أيضًا (تثنية ١٢: ٣١).
عندما أنزل الله النار والكبريت على مدينتيّ سدوم وعمورة والمدن الأخرى التي كانت تفعل الشر والإثم، لم تترك النار الصغار، بل قضت على الصغار والكبار معاً، وحتى البهائم تم القضاء عليها. أبادت النار والكبريت كل ما هو فوق الأرض في تلك المدن، وبالمثل عندما دخل شعب إسرائيل إلى مدينة أريحا، أمرهم الله بتحريم وإبادة المدينة بأكملها، كما في سفر يشوع:
«وَكَانَ فِي الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ، عِنْدَمَا ضَرَبَ الْكَهَنَةُ بِالأَبْوَاقِ، أَنَّ يَشُوعَ قَالَ لِلشَّعْبِ: "اهْتِفُوا، لأَنَّ الرَّبَّ قَدْ أَعْطَاكُمُ الْمَدِينَةَ. فَتَكُونُ الْمَدِينَةُ وَكُلُّ مَا فِيهَا مُحَرَّماً لِلرَّبِّ.
رَاحَابُ الزَّانِيَةُ فَقَطْ تَحْيَا هِيَ وَكُلُّ مَنْ مَعَهَا فِي الْبَيْتِ، لأَنَّهَا قَدْ خَبَّأَتِ الْمُرْسَلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَرْسَلْنَاهُمَا."» (يشوع ٦: ١٦–١٧)
وقد اختار الله في تلك المرة أن يقوم شعبه بفعل الإبادة، لأنه لو نزلت نار وكبريت من السماء فذلك دليل على وجود إله، لكن يبقى السؤال: من هو هذا الإله؟
فعند إحراق سدوم وعمورة، لم تعلم شعوب كثيرة من هو الإله الذي فعل هذا، حيث كانت هناك آلهة عديدة في ذلك الوقت.
لذا، استخدم الله شعبه إسرائيل ليُجري القصاص بيده، رحمة بتلك الشعوب التي انتهت فرصتها في التوبة، ولم يعد هناك بار بينهم. فقد أصبح هناك شعب يعرف الله ويعبده، وكان معروفًا أنه شعب الرب، أراد الله أن يعلن عن نفسه لباقي الشعوب، فخافوا وآمنوا به وعبدوه.
من بين هذه الشعوب كان شعب جبعون – من الحويين الكنعانيين – الذين عندما سمعوا بما فعله يشوع بأريحا وعاي، ذهبوا إليه وطلبوا الحماية، متظاهرين بأنهم قادمون من أرض بعيدة. فقطع معهم يشوع عهدًا ولم يُبِدْهم، لأنهم تابوا ورجعوا إلى الله، فحُفظوا. (يشوع ٩: ٣–٢٧)
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ٢٦ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً