الدين والسياسة

الدرس ٢٨ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. الدين والسياسة

    ما موقف الكنيسة من قضية الخلط بين الدين والسياسة، ولاسيما أن الكنيسة الأولى كانت مجتمعاً حاكماً يقوده الرسل بعد صعود الرب يسوع المسيح إلى السماء، حيث كانوا يقومون بتوزيع الموارد المالية ويقررون ما يُأخذ وما لا يُأخذ، ووضعوا قوانين اقتصادية واجتماعية تحكم المجتمع، وكان عندهم كل شيء مشتركاً، بما يمثِّل نظاماً اشتراكياً تحت قيادة دينية كنسيَّة (أع٢: ٤٢-٤٥، ٤: ٣٢-٣٧)؟

    كانت الكنيسة الأولى صورة مثالية لمجتمع يفيض بالمحبَّة والشركة في أعمق وأروع صورها، لكنَّها لم تكن مجتمعاً حاكماً، فلا سلطة فيها تقول لشخص ما: «افعل أو لا تفعل»، فقد كانت هناك شركة وعلاقات إنسانية في إطار روحي وليس بمعنى الدولة، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٤٢وَكَانُوا يُواظِبُونَ عَلَى تَعْلِيمِ الرُّسُلِ، وَالشَّرِكَةِ، وَكَسْرِ الْخُبْزِ وَالصَّلَوَاتِ. ٤٣وَصَارَ خَوْفٌ فِي كُلِّ نَفْسٍ. وَكَانَتْ عَجَائِبُ وَآيَاتٌ كَثِيرَةٌ تُجْرَى عَلَى أَيْدِي الرُّسُلِ. ٤٤وَجَمِيعُ الَّذِينَ آمَنُوا كَانُوا مَعاً وَكَانَ عِنْدَهُمْ كُلُّ شَيْءٍ مُشْتَرَكاً. ٤٥وَالأَمْلاَكُ وَالْمُقْتَنَيَاتُ كَانُوا يَبِيعُونَهَا وَيَقْسِمُونَهَا بَيْنَ الْجَمِيعِ كَمَا يَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ احْتِيَاجٌ. ٤٦وَكَانُوا كُلَّ يَوْمٍ يُواظِبُونَ فِي الْهَيْكَلِ بِنَفْسٍ وَاحِدَةٍ. وَإِذْ هُمْ يَكْسِرُونَ الْخُبْزَ فِي الْبُيُوتِ كَانُوا يَتَنَاوَلُونَ الطَّعَامَ بِابْتِهَاجٍ وَبَسَاطَةِ قَلْبٍ ٤٧مُسَبِّحِينَ اللهَ وَلَهُمْ نِعْمَةٌ لَدَى جَمِيعِ الشَّعْبِ. وَكَانَ الرَّبُّ كُلَّ يَوْمٍ يَضُمُّ إِلَى الْكَنِيسَةِ الَّذِينَ يَخْلُصُونَ.(أع٢: ٤٢-٤٧)، كما يتضح أن تعاليم السيد المسيح والمَثل الذي قدمه لنا قد فصل تماماً بين الدين والدولة، خلافًا للمجتمع اليهودي القديم، حيث إنَّ اليهودية ديناً ودولة معاً، فموسى كان النبي والقائد، وفي سفر «القضاة» نجد أن القاضي هو النبي، مثل دبورة، التي كانت نبيه وقاضية وقائدة للشعب، ثم اختار الشعب أن يكون له مَلكاً يُمسح وهو الملك شاول، فكان هناك المّلك مع وجود الكاهن والنبي وهم الثلاثة كانوا يقودون الشعب بطريقة أو بأخرى، وكان على المَلك أن يحكم بحسب شريعة موسى، وبالتالي كان هناك خلط بين الدين والدولة في النظام اليهودي، ولكن الرب يسوع المسيح قام بتغيير هذه الفكرة تماماً، إذ أراد الجموع أن يمسحوه مَلكاً فرفض، وكذلك أثناء محاكمته، سأله بيلاطس: "أأنت ملك اليهود؟" أجاب الرب يسوع المسيح: "مملكتي ليست من هذا العالم"، وعندما قدَّموا للربّ يسوع المسيح قطعة العملة، سألوه: "أيجوز أن تُعطى الجزية لقيصر أم لا؟"، فقال لهم: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، ومن هنا نرى تأكيد الرب يسوع المسيح على الفصل بين الدين والدولة، وقد كان هناك احتياج إلى دولة - في التدبير الإلهي - ليأتي منها المسيَّا، أمَّا بعد مجيئه فقد صارت الكنيسة موجودة في كل دولة، إذ توجد الكنيسة في جميع أنحاء العالم، ولكل دولة قوانينها الخاصة، ولذلك لم يفرض الرب يسوع المسيح قانوناً ونظاماً على أيّ مجتمع، لأنَّ مُلكه ليس ملكاً أرضياً مدنياً، بل روحياً سماوياً، كما قال أمام الحاكم الروماني بيلاطس البنطي: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هذَا الْعَالَمِ»(يو١٨: ٣٦)، فالله يملك في قلب الإنسان المؤمن، لا في البرلمان، ولا على كرسي رئيس الوزراء، ولا على كرسي رئيس الجمهورية أو الملك.

  2. هل تتفق مع الرأي القائل بأنَّ الكنيسة مزجت بين الدين والسياسة، وأن الشعب قد ثار على وضعٍ خاطئ أسسته الكنيسة منذ عصر الرسل، وفرض ذلك على الكنيسة الابتعاد عن القيام بدور سياسي، في حين أصبح الحديث اليوم يدور حول أن الكنيسة لم تكن - منذ بدايتها - تتبع هذا النهج؟

    لا، هذا لم يحدث مطلقاً، فكما ذكرت فقد رفض السيد المسيح نفسه أن تقوم الجموع بتتويجه ملكًا (يو٦: ١٥) و(يو١٨: ٣٦)، كما أن الرسل لم يطرحوا أو يفرضوا على الناس فكرة القيادة الكنسية الحاكمة، بل على العكس، عاش المؤمنون المحبَّة الحقيقية بمعنى أنَّهم كانوا بمثابة عائلة واحدة، فكان المؤمنون يعطون ما لديهم من تلقاء أنفسهم، أمَّا فكرة أنَّهم كانوا يبيعون أملاكهم ويضعونها عند أرجل الرسل ليُعطى لكل واحد كما يكون له احتياج، جاءت كتعبير عن هذه المحبَّة والشركة التي تجمعهم. (أع٤: ٣٢-٣٧)

    إذن، قام المؤمنون ببيع ممتلكاتهم من تلقاء أنفسهم، ولم يطلب منهم أحدٌ أن يفعلوا ذلك، والدليل هو ما حدث مع "حنانيا وسفيرة"، فعندما تصرفا هكذا، قال بطرس الرسول لحنانيا: أنت تكذب على الروح القدس، فقد اختلست من ثمن الحقل، فالحقل كان من حقِّك، وفي سلطتك، ولم يطلب منْكَ أحدٌ أن تبيعَه، وعندما بعته كان من حقِّك أنْ تحضر لنا نصف، أو ربع، أو ثلث، أو عشرة في المئة من قيمته، أو حتى لا تحضر شيئاً على الإطلاق، فهي أموالك، ولم يقل لك أحدٌ ماذا تفعل بها، وتوضِّح قصة "حنانيا وسفيرة" بجلاء أنَّ الكنيسة لمْ تكن تمارس أيّ سلطان على المؤمنين في الأمور المادية، فكل مؤمن كان يعطي من تلقاء نفسه، وقد أقاموا صندوقًا مشتركًا ليتساوى الغني مع الفقير، وفي وقت لاحق لم يعد أحدٌ يبيع ممتلكاته، ففي أنطاكية لم يبع أحد، وكذلك في جميع الكنائس التي تأسست بعد ذلك لم يحدث ذلك البيع، إذن، لماذا باع مؤمنو أورشليم ممتلكاتهم؟ في ظننا لسببين: السبب الأول، أنَّهم كانوا متوقعين مجيء الربّ يسوع المسيح ثانيةً سريعاً، وبالتالي فلا جدوى من الاحتفاظ بالأملاك والمقتنيات، والسبب الثاني، وهو الأصح، أنَّهم كانوا يعلمون بقرب خراب أورشليم، إذ تنبأ الربّ يسوع المسيح بذلك، فقرروا البيع قبل أن تصبح الممتلكات عديمة القيمة، إذ يقول أثناء الدخول الانتصاري لأورشليم، كما تنبأ قائلاً: لا يترك حجراً على حجر إلَّا ونقض،.(مت٢٤: ١-٢) ، ويؤكِّد الرب يسوع المسيح نبوَّة دانيال عن خراب أورشليم في موعظته على جبل الزيتون، فلم تتكرَّر فكرة بيع الممتلكات فيما بعد، فبيع قطعة من الأرض دون أن يستثمرها مالكها لا يعبر عن ذكاء اقتصادي، لكنَّها كانت صائبة، إذ حدث بالفعل خراب أورشليم سنة ٧٠م على يد القائد الروماني تيطس، وكانت كارثة كبيرة جداً، ومع ذلك، لم يكن هناك أيّ حكم أو فرض يوجّه المؤمنين للقيام بذلك.

  3. هل يُفهم من عبارة "عند أرجل الرسل"، كما جاءت في سفر أعمال الرسل (أع٤: ٣٥)، أن الرسل كانوا يمارسون سلطة تحكُّم أو سيطرة، إذْ كانوا يتلقون الأموال ويقومون بالتوزيع؟

    لا، لقد كان الأمر يتمثل في كنيسة وصندوق مشترك، ولم يكن الرسل هم من يوزِّعوا الأموال بأنفسهم، إذ طلب التلاميذ الاثنا عشر أن ينتخب المؤمنون لأنفسهم سبعة رجال يقومون بخدمة التوزيع، لأنَّ دور الرسل كان دينياً ويشمل المواظبة على الصلاة وخدمة الكلمة، أمَّا التوزيع على الفقراء فكان من مسؤولية أشخاص يُنتخبون لهذا الغرض، وليس من مهام الرسل أنفسهم. (أع٦: ١-٦).

    فالرجل الذي يقوم بالوعظ لا علاقة له بالمال، وهذا هو النظام المتبع في كنائسنا حتى اليوم؛ فالكاهن أو القسيس لا علاقة له بالمال، بل يوجد مجلس مالي يقوم بجمع الأموال وتوزيعها على الفقراء والمحتاجين كما يكون لكل واحد احتياج، ومن هذا المنطلق، فإنَّ ذلك يوضِّح فكرة فصل الدين عن الدولة، إذ لم يقم الرسل أو الكنيسة الأولى بإنشاء دولة داخل الدولة، أو مؤسسة سياسية، أو حزب سياسي، أو حركة سياسية داخل المجتمعات التي عاشوا فيها، بل على العكس، حيثما وجدوا عاشوا خاضعين للنظام القائم داخل الدولة والمؤسسة الحاكمة، وتعرضوا لتعذيب شديد ولم يقوموا بأيّ ثورات، ولم يرتكبوا أيّ أعمال تخريب على الإطلاق، وهكذا، كانت الكنيسة الأولى مثلاً حقيقياً لمواطن صالح يعيش داخل مجتمعه، ليس سلبياً على الإطلاق، بل يُصلح المجتمع من خلال إصلاح الفرد، وملتزم بالخضوع للسلطة الحاكمة.

  4. لماذا لا تتولى الكنيسة دوراً قيادياً في نشر وتطبيق مبادئها في المجتمع، لكي يسود العالم السلام والمبادئ الصالحة، خاصة وأن الكنيسة، عبر تاريخها، إذا تجاوزنا عصر الرسل، قد أصبحت كياناً حاكماً ومؤسسة تمتلك قوة وقيادة؟

    لقد نادت الكنيسة بالمبادئ وعاشتها عمليَّاً، ويخبرنا الكتاب المقدَّس أنّ نتيجة هذا السلوك كانت ظهور الشركة أو «الاشتراكية غير المفروضة»، على عكس ما حدث لاحقاً حين جاءت الشيوعية وفرضت الاشتراكية على المجتمع قسراً، فانتزعت غنى الغني غصباً عنه وأعطته للفقير، فصار الجميع فقراء، وأنا لستُ رأسماليَّاً، بل أؤمن بالحرّيّة، بحرّيّة الإنسان، إذ يقول الكتاب المقدَّس: "المُعطي المسرور يحبه الرب، فالعطاء الذي يكون عن إجبار ليس عطاءً حقيقيَّاً، ولا يُعَدّ محبَّة؛ فعندما يُؤخذ من أحد شيء قسراً بحجَّة إعطائه للفقير، فإنّ النتيجة أن يكره الفقير ويكره الدولة معاً، وكذلك، فإنَّ الشخص الذي يُجبَر أن يكون متديناً، فهذا لا يُعَدّ دينًا، لأنَّ العلاقة مع الله علاقة شخصيّة لا يُمكن فرضها بالقوّة؛ فلا يستطيع أحد أن يُجبر إنساناً على محبَّة الله، لأنّ المحبَّة لا تُولد بالإجبار، بل على العكس، فالإجبار في الحب يولِّد الشعور بالكراهية، الطاعة قد تُفرَض بالإجبار، أمَّا المحبَّة فلا تُفرض بالإجبار، وقد اتّفقنا على أنّ علاقتنا بالله هي علاقة محبَّة ينتج عنها طاعة؛ فنحن نطيعه لأنَّنا نحبُّه، ومن هُنا، فإنّ الكنيسة لم تكتفِ بأنْ تنادي بهذه المبادئ بالكلام، بل أعلنتها من خلال أنَّها عاشتها عملياً، فالمسيح نفسه عاش ما قال، وكان تأثير هذا السلوك أعمق وأقوى من مجرّد سنّ القوانين وفرضها، ولذلك يقول الكتاب المقدَّس: "كانت لهم نعمة لدى جميع الشعب"، فقد كان الناس يشاهدونهم ويقولون: «ما هذا؟ كيف يحب هؤلاء الناس بعضهم بعضاً بهذه الطريقة؟ كيف يجتمع الغني والفقير معاً، والرجل والمرأة، والطفل والشيخ؟، وهذا هو المجتمع المثالي، لقد خلقت الكنيسة مجتمعاً داخل المجتمع، لكنَّه لم يكن حركة سياسية، بل حياة إنسانية رائعة وجميلة جداً، فالكنيسة هي الخميرة التي تخمِّر العجين كله، إذ قدّمت الكنيسة مثلاً وقدوة للطريقة التي بها نعيش في سلام ووئام؛ وهكذا لن يكون هناك أحد جائع، ولن يوجد فقير، ولن يكون هناك جاهل، ولن تبقى أرملة بلا رعاية، لأنَّ كل شخص سيحظى بما يحتاجه، فهذه هي الكنيسة الأولى.

  5. فحن لا نؤمن بإصلاح المجتمع باستخدام العنف، ولا نؤمن بفرض رأينا على المجتمع، إنّما نؤمن بأنّ الإصلاح يجب أن ينبع من الداخل إلى الخارج، كما في مثل (الكأس والصفحة)، فقد تحدث الربُّ يسوع المسيح عن أهمية النقاء الداخلي بالتأكيد على ضرورة تنقية "الكأس والصحفة" - والصفحة هي إناء الطعام - من الداخل وليس من الخارج، فلو لم يتم الإصلاح من الداخل فلن يكون إصلاحاً حقيقيَّاً، بل سيكون مزيفاً؛ فالمؤمن يجب أن يعيش ما يقوله و قبل أن يقوله، فإذا قاله وعاشه، يقتنع الناس به ويبدأوا هم أيضاً في أن يعيشوا ما يُقال لهم، وهذا هو ما فعله السيد المسيح نفسه: «ما ابتدأ يسوع يفعله ويعلِّم به»، فلم يقل شيئاً لم يعشه أولاً، فلم يطلب الربُّ يسوع المسيح من الناس شيئاً لم يفعله هو أولاً؛ هذا هو المَثل والقدوة، فعندما يطلب شخص ما من الآخرين أن يفعلوا شيئًا وهو يتصرف عكسه تماماً، فهذا ليس مقبولاً، لأنَّه سيكون بلا مصداقية، أمَّا الرب يسوع المسيح نفسه، فلم يستثنى نفسه - ولم يقل شيئًا لم يعشه - فقد عاش ما قاله، وعندما تحدَّث عن التضحية، ضحَّى بالفعل.

  6. إذا ارتدى شخص لباساً معيَّناً وتصرَّف بطريقة محَّددة وقال للمجتمع إنَّ هذا الأسلوب جيِّد ويمكن للجميع اتِّباعه، فهل ما يُرى اليوم يعكس قدوة حقيقية أمْ مثالاً لا يرقى لأنْ يكون قدوة؟

    إن المَثل لم يكن مُتعلِّقاً بلباسٍ معيَّن أو مظهر خارجي، بل كان عن مبادئ محدَّدة، وهذه المبادئ تتحقق في مَثل (حبَّة الحنطة) التي تقع في الأرض وتمت حتى تنتج ثمراً وإلَّا لبقيت وحدها؛ فالتضحية هي التي تعطي ثمراً، أمَّا الأنانية فهي التي تُفسد الحياة وتدمّرها، من يحب نفسه يضيعها، ومن يضحِّي بنفسه يجدها، وكل ذلك يتحقّق من خلال المحبَّة الصادقة، فتكون العلاقات حقيقية، ويصبح الزواج سعيداً، وتكون الأسرة سعيدة، ويعمّ السعادة المجتمع، فتتحقَّق المصالحة بين الأعداء وتتغيَّر حياة الناس، حينها يعطي الغني للفقير تلقائيَّاً، فلا يبقى فقير، أمَّا إذا فُرض على أحد أن يقوم بالعطاء، فذلك يعني أنَّنا فقدنا البداية التي تنبع من الداخل إلى الخارج، وحين يُفرض العطاء يُصبح من الخارج إلى الداخل، وحتى لو فرضت الكنيسة أمراً صالحاً، فإنَّه يصبح زائفاً وغير حقيقي؛ ويتحوّل الإيمان إلى دين وليس علاقة مع الله، وإلى فرض وليس محبَّة، بغض النظر عن النيَّات الصالحة، لأنِّ الله هو أكثر شخص لديه نيَّة صالحة، ورغم ذلك لا يفرض حبُّه على أحد، إذ يقول الربُّ يسوع المسيح في رسالته لملاك كنيسة لاودكيَّة: هَئَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى الْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ الْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. (رؤ٣: ٢٠)، فالله لا يكسر الباب ولا يقتحم أحداً لأنَّ الربّ عظيم جداً، وإذا اقتحم الإنسان فسيحوِّله إلى لا شيء، لذلك يجب أن يحترم الربُّ الإنسان ويحترم حريَّته ويقف على باب قلب الإنسان ويقرع، منتظراً أن يُفتح له بإرادة حرَّة.

  7. هل ينبع موقف الكنيسة الرافض لمَا حدث من أخطاء في الماضي، كالحروب الصليبية، لا من كونها لم تعُد واقعاً ولا لأنَّ أوروبا قد ألغته منذ زمن، بل لأنَّه كان أمراً خاطئاً منذ البداية؟

    نحن نُطلق على تلك الفترة اسم "العصور المظلمة"، لكن ما صنعه الرب يسوع المسيح كان المَثل الحقيقي؛ فالمَثل الأعلى لنا هو السيد المسيح نفسه، فقد رفض الحكم المدني، بينما السبب وراء ما حدث في الماضي كان أنّ الكنيسة أخفت الكتاب المقدّس عن الناس في تلك العصور، وكان الشعب ممنوعاً من قراءة الكتاب المقدَّس، وكان من حق الكاهن أن يقرأه هو فقط، وهو الذي يُعلِّم ويخبر المؤمنين بما ينبغي أن يفعلوه، فصار لديه سلطان على حياة المؤمنين، وقد وصل الأمر إلى أن يصبح البابا بمثابة الإمبراطور، ومن ثمَّ أصبح هو الذي ينادي بالحروب، فتستجيب الملوك لدعواته وتخرج في حروب صليبية، فالصليب هو عكس السيف شكلاً ومضموناً، والصليب الذي يعبِّر عن المحبَّة العظيمة قد تحوّل إلى سيف في تلك الحروب، فأفسدوا معنى الصليب، فعندما جاءوا للقبض على الرب يسوع المسيح، استلّ بطرس سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة، فقطع أذنه، فقال له السيد المسيح: ارجع سيفك إلى غمده، الآخذ بالسيف بالسيف يؤخذ، لا تدافع عني بالسيف، أفلا أستطيع أن أطلب من أبي أن يرسل لي اثني عشر جيشاً من الملائكة لحمايتي؟، فلا حاجة لي أن تدافع عني بسيفك، فلو كان الأمر كذلك، لكان الله إلهاً ضعيفاً جداً، وما فعله بطرس حين استخدم سيفه ضد عبد رئيس الكهنة لمحاولة الدفاع عن الرب يسوع المسيح، ولكن، ماذا فعل السيد المسيح؟ لقد أصلح ما فعله بطرس، وشفى عبد رئيس الكهنة، فالرسالة هُنا هي: "لا تستخدموا القوة باسم المسيح"، فهذه ليست المسيحية الحقيقية، فالمسيحية لم تُوجد لتشن الحروب لاستعادة القدس أو الأراضي المقدسة باسم الصليب، فهذا أكبر تشويه لرسالة السيد المسيح والمسيحية عبر التاريخ، لأنَّ البعض يفعل باسم المسيح ما هو عكس إرادة المسيح نفسه.

  8. هل ترى أن أكبر تشويه لرسالة الرب يسوع المسيح بدأ عندما فرض البعض ما اعتبروه حقاً وهو ليس كذلك؟ ومن هم أعداؤنا الحقيقيُّون كما يعلِّمنا الكتاب المقدَّس؟

    عندما حَكَم الدين وصار خادم السيد المسيح، أيّ البابا، حاكماً، وقع هذا التشويه، ومع أنّ دولة الفاتيكان ما تزال قائمة، فإنّ الفكر قد تغيّر، إذ لم تعد هناك جيوش اليوم، ما يعني أنّ الفكرة نفسها قد تمّت مراجعتها وتصحيحها، وقد حدث هذا التصحيح مع عصر الإصلاح، حيث جرى إصلاح الكنيسة وفكرها وتوجّهاتها، وكان من أبرز مظاهر حركة الإصلاح طباعة الكتاب المقدّس وتوزيعه بين أيدي الناس، فأصبح كلُّ إنسان قادراً أن يقرأ بنفسه ويكتشف أنّ ما كان يُمارَس لا يوافق ما يقوله الإنجيل، بل يناقضه تماماً، وما حدث آنذاك كان جريمة في حقّ الإنجيل، ولذلك نؤمن في إيماننا المسيحي بأنّ «كلمة الله هي سيف الروح، فسيف الروح القدس هو كلمة الله لأنَّ معركتنا روحية، إذ يصفها بولس الرسول بطريقة رائعة، ويجيب عن السؤال الجوهري: من هم الأعداء؟ فنجده يقول: ليس لدينا أعداء من دم ولحم، فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. (أف٦: ١٢)، فلا يُعَدّ أيّ إنسان مكوَّن من لحم ودم عدوَّاً لنا، ولا ندخل في صراع مع بشر؛ إذن، فمع من تكون مصارعتنا وحربنا؟ مع أجناد الشرّ الروحيَّة في السماويَّات، مع إبليس وملائكته، إذ إنّ رئيس هذا العالم هو إبليس، فحربنا هي مع أجناد الشر الروحية التي هي منبع الفساد، لأنَّ إله هذا الدهر - أي إبليس - قد أعمى أذهان الناس، ولذلك يقصد بولس الرسول بـ "السيف" هُنا "كلمة الله"، وكذلك عندما يتحدث يوحنا الحبيب عن الرب يسوع المسيح يقول: "وسيف خارج من فمه"، فهو لا يقول سيف في يده، و(السيف) هو الكلمة، أيّ أنَّ سلاح المؤمن وسيفه هو "كلمة الله"، و(الدرع) هو البر، و(الترس) هو الإيمان، و(المنطقة) هي الحق، و(الخوذة) هي الخلاص، حاملين إنجيل السلام، ومواظبين على الصلاة في كل وقت، فالأسلحة التي يتحدَّث عنها هُنا هي أسلحة روحية لمعركة روحية مع إبليس.

  9. هل يعني إيماننا بأنَّ معركتنا ليست مع لحمٍ ودم، بل مع إبليس وأجناد الشر الروحيّة، ورفض الكنيسة لاستخدام الأسلحة الماديَّة، أنَّه لا يجوز وضع أسلحة داخل الكنيسة للدفاع عن النفس في حال التعرُّض لهجوم من الآخرين؟

    دعوني أحكي موقفًا جميلاً حدث أثناء ثورة ٢٥ يناير٢٠١١م، وقد طُلب منَّا ككنيسة أن نذهب ونصلي في ميدان التحرير، تماماً كما كان الإخوة المسلمون يصلّون هناك، ويقومون بحمايتنا أثناء الصلاة، في ذلك الوقت، أثار الدكتور/ سليم العوا فكرة وجود أسلحة في الكنائس، وكان لدينا فريق وقسيس حاضرون هناك، لكنَّني شخصياً لم أوافق على الذهاب إلى الميدان، لأنَّني لا أرغب في أن أُقحم الكنيسة كرمز، فأنا رمز للكنيسة، لذلك أرسلت أحد أفراد فريقنا لقيادة الترنيم والصلاة، حيث كان الدكتور/ سليم العوا موجوداً بجانب المنصة، فرأى فريق الكنيسة وهو يقوم بالترنيم والصلاة من أجل بلادنا، حيث ردَّدوا ترنيمة (بارك بلادي)، وأثناء ذلك، التفت الدكتور/ العوا إلى الإخوة واعتذر عن كلامه السابق، قائلاً إن عينيه فتحتا لرؤية المسيحيين من منظور مختلف، وإنَّه يتأسَّف على ما قاله وما كتبه، لذلك أريد أن أقول إنَّ إيماننا المسيحي ليس بسيف ولا بترس ولا برمح، ولا يجب استخدام السلاح رغبة في الدفاع عن الكنيسة وعن أنفسنا، فبيت الله يحميه الله بملائكته، ولا حاجة لتخزين الأسلحة داخل الكنيسة، ومن يريد التفتيش مرحَّب به، فليست لدينا أيّ مشكلة على الإطلاق في ذلك الأمر.

  10. هل ترى أن حركة الإصلاح قد أنهت الخلط بين الدين والسياسة، إذ يرى بعض الناس أنَّها لمْ تقم بذلك بدليل أن أحد المصلحين العظام وهو جون كالفين John Calvin (١٥٠٩ - ١٥٦٤م)، قد أسَّس مدينة جنيف بسويسرا التي هي تصوّره للمدينة الفاضلة، وكان حاكماً وقائداّ لها، وقام بسنّ القوانين ووضع النظم لإدارة شؤونها؟

    وضع جون كالفن نظاماً مدنيَّاً، لكنَّه كان نظاماً ديمقراطياً، وقد تعلّمنا منه الكثير، كما تعلّمت الديموقراطية في العالم كلِّه من أفكار "جون كالفن"، حيث اعتمد على مبدأ الرئاسة الجماعية والقيادة الجماعية في إدارة شؤون المدينة، وحتى اليوم، لا تعرف سويسرا من هو رئيس الجمهورية، نتيجة عدم وجود سلطة مطلقة، فقد ساعدت حركة الإصلاح على العودة إلى الديموقراطية الحقيقية وحُكم الشعب للشعب وإجراء الانتخابات، وبوقت مبكر جداً، ومع ذلك، وقع البعض في الأخطاء نفسها، ففرضوا بعض الأمور، وعاقبوا من أنكر وجود الله، فأصدروا أحكاماً قاسية وأقاموا محاكم التفتيش، وإن كانت من نوع مختلف، فقد كان هناك أخطاء في ذلك الوقت، لكن لا توجد تجربة بشرية خالية من الأخطاء، فعندما تُصلَح أمور عاشت قروناً طويلة في الخطأ، لا يمكن أن نتوقَّع أن تُصحَّح كل هذه الأخطاء في ثلاثين أو أربعين سنة فقط، وأن تُعاد أنظمتها إلى نصابها الصحيح، وكما هو الحال دائماً مع البندول، فإنَّ الأمور تميل أحياناً إلى النقيض، فمثلاً، كانت هناك كنائس مليئة بالصور، فتمَّ منع الصور وأنا لا أتفق مع منعها، وكانت هناك تماثيل، فتمَّ منع التماثيل، وما إلى ذلك، ففي حركة الإصلاح، أحياناً أُخذت الأمور إلى النقيض في الجانب الآخر بشكل مبالغ فيه، والطريقة التي مارستها كانت مرتبطة بعصرها، فكان هناك أحياناً عنف وقسوة، وهو أمر بعيد جداً عن روح الكتاب المقدَّس وتعاليم السيد المسيح، وعن المَثل والقدوة التي علمتنا إيَّاها كلمة الرب، وقد استغرق الأمر وقتاً حتى تتبلور الأمور في النهاية، ليصبح الإنجيل هو الدستور، بمعنى أنَّه صاحب القيم والمبادئ التي نتعلَّمها لنعيش بها ونحيا بها ونطبّقها في واقعنا الاجتماعي.

  11. هل يمكن القول إنَّ المفهوم يظلُّ صحيحاً حتى إذا عجز عن تقديم نموذج عملي لتطبيق سليم، أمْ أنَّ هذا العجز يكشف عن خللٍ في المفهوم نفسه؟

    هناك فرقٌ واضح بين الممارسة الخاطئة الناتجة عن أخطاء البشر وبين كلمة الله ذاتها؛ ولذلك نجد عبر التاريخ تطبيقاً صحيحاً وتطبيقاً خاطئاً للمفهوم الواحد، وعند القيام بالتقييم، لا يصحُّ أنْ يكون التطبيق هو المرجع، بل يجب العودة دائماً إلى المفهوم الكتابي الصحيح نفسه، وهناك تطبيق صحيح مثل: الرئيس الأمريكي أبراهام لينكولن Abraham Lincoln (١٨٠٩- ١٨٦٥م)، وهو الرئيس السادس عشر لأمريكا في الفترة من (١٨٦١- ١٨٦٥م)، فلم يكن يخرج ليقول: «أنا مؤمن وأنا مسيحي»، ولم يكن يتحدَّث بهذه اللغة، رغم أنَّه كان مؤمناً بعمق ومسيحيَّاً بحق، لكنَّه لم يخلط الأوراق، ولم يتصرَّف على نحوٍ يشبه ما فعله، على سبيل المثال جورج بوش الابن George W. Bush، الرئيس الحادي والأربعين لأمريكا في الفترة من (٢٠٠١- ٢٠٠٩م)، الذي قال إنَّه مؤمن وإنَّ الله كلّمه صباحاً وطلب منه أن يذهب ليحارب في العراق، بل لم يخلط "أبراهام لينكولن" بين الأوراق، وعلى النقيض من ذلك، قاد "أبراهام لينكولن" الولايات المتحدة لتحرير العبيد، ولا شكّ أنَّ تحرير العبيد كان يقف وراءه فكر مسيحي، لكنَّه لم يقل: «باسم الدين أحرّر العبيد»، لأنَّ رغبة "أبراهام لينكولن" في تحرير العبيد أدَّت إلى حرب أهلية بين الشمال والجنوب، ولكنَّه اعتبرها أمراً سياسياً وموقفاً إنسانيَّاً، واعتبر العبودية عاراً على دولة مثل الولايات المتحدة، التي قامت على مبادئ حقوق الإنسان، والتي هاجر إليها كثيرون هرباً من الاضطهاد، ثم وجدوا أنفسهم يستعبدون إخوتهم لأنَّهم سود أو سُمر، أو قادمين من إفريقيا، وكأنَّهم مخلوقات من درجة أدنى، لذلك قاد حملة شديدة وقوية لتحرير العبيد، وكانت موجهة أساساً ضد ولايات الجنوب، والمفارقة أنّ الجنوب كان يُعدّ أكثر تمسّكاً دينيَّاً، ومع ذلك كان الأشدّ تعنّتًا في رفض تحرير العبيد.

  12. كما كان أمراً مفاجئاً لنا في ذلك الوقت، أن أحد أشهر الوعَّاظ الذين ظهروا في العالم كلِّه وهو تشارلز فيني Charles Grandison Finney (١٧٩٢- ١٨٧٥م)، قد شجَّع الرئيس ابراهام لينكولن، وقد نادى ووعظ بكل ما أوتي من قوة لتحرير العبيد، واعتبر ذلك أمراً مقدَّساً قائلاً: "إذا كنت تؤمن بالرب، فحرر العبد أخيك"، وبينما يخبرنا الكتاب المقدَّس: «أنت عبد ومستعبد، اخضع لسيدك واخدمه كما تخدم المسيح»، إلَّا أنَّه إذا استطاع المؤمن أن يصير حرَّاً، فينبغي عليه أن يفعل ذلك، لأنَّه حرٌّ في المسيح، ويعلم أنّه حرٌّ في المسيح، إذ يقول الكتاب المقدس: «ليس عبد ولا حرّ»، فالاثنان متساويان وواحد في المسيح، ولا فرق بين أبيض وأسود، أو بين عبد وحرّ، فالجميع متساوون في المسيح، فالمبدأ موجود، لكنَّه لم يدعُ إلى الثورة، ومع ذلك، إذا استطاع الإنسان أن يصير حُرَّاً، فليفعل ذلك، فقد قاد "أبراهام لينكولن" أمريكا إلى تحرير العبيد، ودفع ثمن ذلك غالياً جداً، لكن اليوم تُكرِّمه أمريكا والعالم بأسره، رغم أنَّ حقوق العبيد لم تكن متساوية في ذلك الوقت.

    كما قاد الواعظ المسيحي مارتن لوثر كينج Martin Luther King (١٩٢٩- ١٩٦٨م)، أمريكا مرَّة ثانية لتصحيح بقية الأخطاء، لكي لا تكون هناك مدارس للبيض ومدارس للسود، ولا مطاعم للبيض ومطاعم للسود، بل لتكون الحقوق متساوية للجميع، وأمريكا اليوم تقترب من تحقيق ذلك، إذ أصبح الرئيس الأمريكي من أصحاب البشرة السوداء أو من خلفية أفريقيَّة وهو باراك أوباما Barack Obama الرئيس الـرابع والأربعين لأمريكا في الفترة (٢٠٠٩-٢٠١٧م)، ومرَّة أخرى، أودُّ أنْ أؤكِّد أنَّ هناك تطبيقاً صحيحاً وهناك تطبيقات خاطئة كثيرة جداً، فمتى تصبح التطبيقات خاطئة؟ تصبح كذلك عندما يُمزج الدين بالسياسة، فالسياسة مليئة بالأخطاء في القرارات، ومليئة بالمصالح والمنافع الشخصية، ومليئة بقيم غير مسيحية، لذلك، إذا لم نخلط الأمور ببعضها، تظل الكنيسة ضمير المجتمع، تنادي بالحق، وتنادي بالعدالة، وتنادي بالمحبَّة، وتنادي بالمساواة، وتنادي بكرامة الإنسان، وتنادي بالله الذي خلق الإنسان على صورته وشبهه، سواء كان رجلًا أو امرأة، فقيراً أو غنيَّاً، فالأفضل أن ندافع عن المبدأ، دون أن نمارس السياسة، دون أن نصبح حزباً سياسياً، دون أن نكوّن جيشاً، ودون استخدام السيف، لأنَّ تلك الطرق جميعها تعني فرض رأينا على الآخرين وتغيير المجتمع بالقوة، وهذا ليس الدين، وليس الله، لكن المبادئ الصحيحة توجد فقط في كلمة الله في الكتاب المقدَّس، والتي عاشها الرب يسوع المسيح، وعلَّمنا إيَّاها وكرَّرها عدَّة مرَّات، مِثل قوله: «أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله»، التي وردت ثلاث مرَّات في ثلاثة أناجيل وهي: متى أصحاح ٢٢، ومرقس أصحاح ١٢، ولوقا أصحاح ٢٠، إذن، لدينا من المبادئ ومن التطبيقات الصحيحة عبر التاريخ أمثلة كثيرة جداً.

  13. هل توافق على الرأي القائل إنَّ مسيحيّي الشرق تابعون للفكر المسيحي الغربي، خاصة أمريكا، حيث انتقل إليها المصلحون المضطهدون، ولكنَّها خلطت بين المسيحية والسياسة، وقاد بعض رؤسائها سياسات بلادهم باسم المسيحية، مع الأخذ في الاعتبار دور القائد الروحي بيللي جراهام مع العديد من الرؤساء، إضافة إلى أن المستعمرين والإمبراطوريات الكبرى قد جعلوا الصليب علماً لدولهم؟

    إنَّ المسيحية لم تنشأ أساساً في الغرب، وهي ليست ديانة غربية، فقد ولد الرب يسوع المسيح في مدينة بيت لحم، وقد تغرَّب في مصر هو وأمُّه القديسة مريم العذراء والقديس يوسف النجار، ثم عاد السيد المسيح إلى فلسطين، حيث عاش الرب يسوع المسيح ومات هناك، وانطلق الإنجيل من فلسطين إلى العالم كله، وكانت مدن مثل الإسكندرية، والقسطنطينية، وأنطاكيا، من أعظم المنارات المسيحية لفترات طويلة وشهدت أزهى العصور المسيحية، فكانت قلب المسيحية النابض بعيدًا عن الغرب، أمَّا الغرب، فقد تأثر بالمسيحية وآمن بها، لكنَّه كثيراً ما تصرَّف بعقلية المستعمر، كما في الإمبراطوريات الفرنسية والبريطانية والأمريكية، وهو توجه سياسي لا علاقة لها بالمسيحية على الإطلاق، وبالتالي فإن أمريكا لا تمثل المسيحية في العالم، وعندما أسافر إلى أمريكا أقول لهم كلاماً لا يستسيغونه عند سماعه، فالذي يمثل المسيحية هو شخص الرب يسوع المسيح، فالمسيحية هي المسيح، المسيحية ليست ديانة وليست دولة ولا قيادات دينية، فالذي يمثل المسيحية والممثل الشرعي الوحيد للمسيحية هو شخص السيد المسيح.

  14. أنت تقول إن المسيحية كانت في الشرق ومازالت في قلبها النابض إلى اليوم، فهل تمثَّل الكنيسة فعلياً جموع المسيحيين في العديد من الدول العربية؟

    لقد عانت المسيحية في الشرق على مر العصور، وتأثرت بالسياسة في فترات مختلفة، حتى حدث انقسام للكنيسة نتيجة انقسام الإمبراطورية الرومانية، فظهرت دولة الروم في القسطنطينية ودولة الغرب في روما، فأصبح هناك بابا في الشرق وبابا في الغرب بعد أن كان هناك بابا واحد فقط، وبدأت الكنيسة تتبع النظام السياسي التقليدي، ثم تغيّرت الأزمنة مع قيام الدول الإسلامية والدول العربية، فظهر نظام مختلف تماماً، ولم تعُدّ المسيحية هي الغالبة، بل صارت أقلية، ما دفعها إلى الانكفاء والتقوقع على نفسها والحاجة إلى ممثلين عنها أمام الدولة للمطالبة بحقوقها، فالظروف السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي عاشتها المسيحية فرضت واقعاً لا يمكن اعتباره دائماً كما ينبغي أن يكون، فالوضع الحقيقي هو ما أقوله: إنَّ من حق الفرد المسيحي أن يكون مواطناً ويتمتع بحقوقه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، فالمسيحي ينبغي أن يشارك في الثلاثة معاً؛ فلا بُدَّ أن يعمل ليؤمِّن ويوفِّر قوته وطعامه، وهذا جانب الاقتصاد، كما يجب أن يكون له دور اجتماعي، مثل الانخراط في الجمعيات الأهليةNon-Governmental Organizations (NGOs)، وهي الجمعيات التي تخدم المجتمع، وتشمل مجالات: محو الأمية، وعلاج المرضى، أيّ أنْ يكون للفرد دور خيري فعَّال في المجتمع، وبجانب ذلك، هناك الدور السياسي، وهو أن ينضم الفرد إلى حزب سياسي، وينادي بالإصلاح، أيّ أن يقوم بمسؤوليته السياسية بوعي، ومن المفترض أن يكون أعضاء الكنيسة الواحدة في أحزاب مختلفة، فلا يجوز أن ينتمي كل أعضاء الكنيسة إلى حزب سياسي واحد، إذ سيبدو الأمر حينها وكأن الكنيسة توجِّه الناس إلى اعتبار هذا الحزب هو الصحيح والآخر خطأ.

  15. هل ترى أنّ إصدار الكنيسة للقوائم الانتخابية كان فكرة صائبة، إذ تبدو من خلالها أنَّها لا تزال تتحكّم في اختيارات المسيحيِّين السياسية؟

    لا أعتقد أنّ الكنيسة قد أصدرت قوائم فعلية، لكنَّني سمعت أنَّه قد تمَّ توزيع بعض الأوراق، وطبعاً في كنيستنا - كنيسة قصر الدوبارة - لم يحدث ذلك الأمر، وكان هذا الورق خالياً من اسم الكنيسة، ما يجعل من الصعب اتهامها باستخدام سلطتها، إذ لو أرادت إعطاءه صفة رسمية لكتبت على سبيل المثال: "مطرانية الأقباط الأرثوذكس بالمنيا، أو مطرانية كذا"، ومع ذلك، أنا لا أؤيد أن تفرض الكنيسة على شعبها انتخاب أو عدم انتخاب أشخاص بعينها، فقد قرَّر شعب الكنيسة وللمرَّة الأولى أن يشارك بالتصويت في الانتخابات، فقد كانت العملية الانتخابية والحملة الانتخابية قصيرتان وموجزتان، واشتملتا على تعددية كبيرة لدرجة أن الناس لم يعرفوا من يختارون من بين المرشحين، ولا على أيّ أساس يقومون بهذا الاختيار، فمثلاً، عندما ذهبوا للتصويت قِيل لهم: "لا تنتخبوا الإخوان المسلمين، بل انتخبوا حزب الحرية والعدالة"، فصوَّتوا للحرية والعدالة دون أن يدركوا أنّ جماعة الإخوان المسلمين وحزب الحرية والعدالة هما كيان واحد، وتمَّ التلاعب بالأسماء والأرقام، والكثيرون لم يفهموا شيئاً، إذ لا يشاهد الناس جميعاً برامج التليفزيون، وبالتالي ليس لديهم وعي كافٍ، كما أنَّهم لا يقرؤون البرامج الانتخابية للمرشحين، لذلك لجأ الناس في بعض الأماكن إلى الكنيسة ليسألوها: "أنا أريد حكماً مدنياً، أريد مستقبلاً لمصر، وأريد أن أشعر كمسيحي أنّ هذا الوطن يقبل التعددية الدينية، فمن أنتخب؟ ومن يعبِّر عن ذلك؟"، فتجيبهم الكنيسة موضِّحة أنَّ هذا المرشح أو ذاك يقول ذلك، أو هذا الآخر يقول ذلك، لتوجيههم وفق ما يسمعون من المرشحين، فالناس كانت تذهب لتسأل الكهنة والخدَّام بالكنيسة، فقد كانوا كمواطنين لا يدركون ولا يفهمون حقيقة الأمور، فلجأوا لمن يفهم، إلى شخص كبير وناضج، سواء إلى كبير العائلة أو القسيس في الكنيسة، فقد نشأ كثيرون على أنَّ الكنيسة ليست مُجرَّد مجتمع روحي، بل هي أيضاً مجتمع مدني، فالكثيرون يلجأون إلى القسيس لحل الخلافات بينهم، وأنا لست مع فكرة القوائم الانتخابية، ولا أشجع على توزيع أوراق توجه الناخبين إلى اختيار أسماء بعينها من بين المرشحين للانتخابات، ولا أعتبر تقديم اقتراح لا يحمل اسم الكنيسة أمراً خاطئاً، ولكن كان سؤال الناس للكنيسة نوعاً من التشاور، ولكن الخطأ الحقيقي هو ما حدث على أبواب اللجان الانتخابية من توجيه للناخبين، بالإضافة إلى حالات التزوير، وأنا لا أؤيد القوائم ولا توزيع تلك الأوراق، لكنَّني لا أعتبر ذلك جريمة.

  16. هل يحق لنا كمسيحيين أن نثور على الحاكم ونطالب برحيله، في حين يُعلن الكتاب المقدَّس أنَّنا ينبغي أن نخضع للسلاطين الفائقة (رو١٣: ١-٢)، باعتبار أن هذا السلطان مُعطى لهذا الحاكم أو ذاك من قبل الله (يو١٩: ١٠-١١)؟

    يدعونا الكتاب المقدّس إلى الخضوع للسلطات القائمة بوصفها ترتيباً بشريًّاً، إذ يقول بولس الرسول: "لتخضع كل نفس للسلاطين الفائقة".(رو١٣: ١-٢)، ويقول بطرس الرسول: "فاخضعوا لكل ترتيب بشري من أجل الرب".(١بط٢: ١٣-١٤)، فالترتيب البشري نقطة بالغة الأهمية، فهو يعني ترتيب السلطة الموضوعة، وبناءً على الدستور المصري، فإن صاحب السلطة هو الشعب، ففي النظام الملكي، نجد أن المَلك هو صاحب السلطة، وفي الإمبراطوريات عبر التاريخ كان الإمبراطور هو صاحب السلطة، أمَّا في النظام الجمهوري، الذي نتبعه في مصر وغيرنا من الدول، فالشعب هو صاحب السلطة الفعلي، ورئيس الجمهورية موظف لدى الشعب، فاليوم، وبما أنّ الشعب هو صاحب السلطة، فإنّ الثورة حين اندلعت لم تبدأ بالمطالبة بإسقاط النظام، بل رفعت مطالب واضحة هي «عيش، حرية، عدالة اجتماعية»، ثم تعاملت السلطة مع هذه المطالب بطريقة أدَّت إلى تصعيدها تدريجياً إلى أن وصلت إلى شعار «الشعب يريد إسقاط النظام»، ولا بُدَّ من الانتباه إلى هذا التدرّج، فهل يحقّ لي كفرد أن أنضمّ إلى من يطالبون بالإصلاح؟ نعم، يحقّ لي ذلك، لكن دون استخدام العنف أو الأيدي أو الألفاظ النابية؛ فالمؤمن كابن لله لا يستخدم العنف أو الأيدي، بل يلتزم بالإصلاح بالكلمة وحدها، ولا يلجأ إلى الإساءة اللفظية أو الكلمات النابية، حتى إن تعرَّض للضرب، وعلى الرغم أنَّ غاندِي Mahatma Gandhi (١٨٦٩- ١٩٤٨م)، لم يكن مسيحياً، إلَّا أنّه آمن بالمبادئ المسيحية، واستطاع أن يُسقِط الإمبراطورية البريطانية عن الهند دون عنف، وقد قال غاندي: «لولا المسيحيين لصرتُ مسيحياً».

  17. ويحب التمييز بين الحرب وبين الخروج في المظاهرات، فعندما يلتحق المؤمن بالجيش، فالحرب تكون مواجهة مع عدو، وإذا تعرَّض لإطلاق النار وجب أن يردّ، لأنَّ الامتناع لا يعرّضه هو وحده لخطر القتل بل يعرِّض زملائه أيضاً، وهُنا يكون القتل جزءاً من الحرب لا جريمة فردية، إذ يلتزم الجندي بالطاعة وتنفيذ الأوامر بإطلاق النار، أمَّا المظاهرات فقصَّة مختلفة تماماً؛ فلا يجوز للمسيحي أن يستخدم العنف أو أن يرشق الآخرين بالحجارة، حتى إن اُستُخدم ضده قنابل الغاز، بل عليه أن ينادي بالسلمية، وقد بدأت المظاهرات بالفعل سلمية، وإن لم تستمر كذلك في أحيان كثيرة، إذ حاول البعض تشويه صورتها الأولى، ومن حق المسيحي أن يتظاهر أو لا تظاهر، فالكتاب المقدّس لا يدعو صراحة إلى التظاهر ولا يمنعه، ولهذا لم تنادِ الكنيسة بالخروج أو الامتناع عنه، لأنَّه قرار شخصي، وقد كان جميلاً أن نجد داخل كنيستنا من شارك في مظاهرات ميدان التحرير، ومن شارك في مظاهرات ميدان مصطفى محمود تأييداً للرئيس.

    فقد خرج أحد الشباب، وهو في منزلة الأبن بالنسبة لي، ومن قادة التسبيح في الكنيسة، إلى مظاهرات «آسفين يا ريس»، فهو يرى بقاء الرئيس مع قيامه بالإصلاح، بينما يرى آخر ضرورة رحيله، وهذا كلّه موقف سياسي شخصي لا تتدخِّل فيه الكنيسة، فالكنيسة لم تتبنَّ موقفًا ثورياً، لكنَّها أيَّدت مطالب الثورة، وأصدرنا بياناً نُعلن فيه تأييدنا لمطالب المتظاهرين، أمَّا العمل الإنساني فشيء مختلف تماماً؛ إذ قامت الكنيسة بإنشاء مستشفى ميداني للعلاج دون تمييز، فكانت تعالج المتظاهر المصاب وتعالج كذلك الجندي المصاب، وفي أحداث ثورة الخامس والعشرين من يناير لم تُفتح الكنيسة أبوابها بسبب الظروف الأمنية، ولم يكن أحد قادراً على الوصول إليها، لا أنا كراعٍ للكنيسة ولا المصابون ولا الأطباء، حتى إنّ الأبواب أُغلقت تماماً، ووصل الأمر إلى أن طلبنا من العاملين داخلها أن يعتمدوا على الكانتين للأكل بسبب صعوبة وصول الإمدادات الغذائية، أمَّا في المظاهرات اللاحقة، ولا سيَّما أثناء أحداث محمد محمود، فقد أنشأنا مستشفى ميدانياً لعلاج المصابين من الجانبين، في ظل استخدام الغازات المسيَّلة للدموع وغيرها.

  18. هل كان السبب وراء وقوفكم إلى مطالب الثورة وانحيازكم لها لكونها مطالب مشروعة، تنادي بكرامة الإنسان وبالمبادئ التي تؤمن بها الكنيسة؟

    نعم، نحن ننحاز إلى المطالب المشروعة ولا ننحاز إلى الثورة، فالأمران مختلفان تماماً، ويجب الانتباه جيداً إلى هذا الفرق؛ فالكنيسة هي ضمير المجتمع، تقف مع المبدأ لا مع الأسلوب، وهنا يكمن الفرق الجوهري بين الكلمتين: المبدأ وليس الأسلوب، فنحن ضد العنف من أيّ طرف، ولا نقرّ أساليب الإيذاء مهما كانت المبررات، لأنَّ الإنسان هو إنسان، ومن يقبل أن يتأذى فليتحمل أذى نفسه، ولكن دون أن يؤذي غيره، فلا ينبغي أن يقوم المؤمن برشق أحد بالحجارة مثلاً، وقد لا يُرضي هذا الموقف بعض الثوار، فأنا مع مطالب الناس لأنَّها مطالب كتابية، لكنَّني لست مع الأسلوب، ولذلك لا يمكن أن نكون طرفاً في الثورة، صحيح أن بعض الأفراد من داخل الكنيسة شاركوا، لكن ذلك لا يمثل الكنيسة كلها، وعدد من نزلوا من الكنيسة إلى المظاهرات كان قليلاً جداً مقارنة بعدد شعب الكنيسة، بينما اتجه عدد كبير منا إلى الخدمة حين فتحت الكنيسة مستشفى ميدانياً، ليس كموقف سياسي، بل كعمل إنساني خالص، شارك فيه أطباء مسلمون ومسيحيون معاً، فنحن ننحاز للمطالب التي تنادي بكرامة الإنسان والمبادئ التي نؤمن بها، ولكنَّنا لن نختار الأسلوب المتبع، لأنَّ الأسلوب هو موقف سياسي ونحن ككنيسة فوق السياسة، فالسياسة هي كيفية تحقيق الهدف، فإذا كان الهدف هو تحقيق رخاء اقتصادي، فبأيّ وسيلة سيتم ذلك؟ هل سيتم ذلك باتباع النظام الاشتراكي، أم الرأسمالي، أم بمزيج بينهما؟ الكنيسة لا يمكنها أن تخرج لتقول اختاروا أحد هذه النماذج، لكنَّها تُعلن بوضوح ما تطالب به من مبادئ، إذ تقول: نريد عدالة اجتماعية، ونريد رحمة بين الناس، نحن نواجه فقراً وجهلاً ومرضاً، ونسعى إلى معالجة هذه المشكلات، أمَّا الوسائل، فهناك من ينادي بالاشتراكية، وهناك من ينادي بالرأسمالية والسوق المفتوح بوصفهما طرقاً لمعالجة الأزمات الاقتصادية، ولذلك اتجه بعض الناس إلى أحزاب سياسية مختلفة، فانضم هذا إلى حزب، وذاك إلى حزب آخر، بحسب اختلاف الآراء السياسية بين شخص وآخر، واختيار كل شخص للحزب المعبِّر عن موقفه السياسي.

  19. إن انتماء أفراد عاديين من الكنيسة إلى أحزاب سياسية أمر وارد، لكن حين يكون المنتمون من الرموز والقادة المعروفين داخل الكنيسة، أليس من شأن ذلك أن يترك انطباعاً - ولو بصورة غير مباشرة - بأن الكنيسة لديها توجُّه سياسي معيَّن؟

    هذا في الأصل حقهم، ولنتحدث بوضوح: فالشخص المقصود هو الشيخ الدكتور/ إيهاب الخراط، وبالنسبة للدكتورة سالي توما، فليس لها وضعاُ خاصاً داخل الكنيسة، فهي ليست واعظة من وعّاظ الكنيسة، أمَّا الدكتور إيهاب الخراط فهو شيخ وعضو في مجلس الكنيسة، وهو المسؤول عن خدمة الإدمان ومكافحة الإيدز في مصر والوطن العربي، كما أنَّ لديه جمعية معنية بحقوق الإنسان منذ فترة ما قبل الثورة، وهذا التوجُّه معروف عنه، ونحن، ككنيسة، نأمل أن نكون "كنيسة بلا جدران"، لأنَّ هذا هو نموذج الكنيسة الأولى، إذ لم يكن لها مبنى خاص، بل كان المؤمنون يجتمعون في البيت، خاصة في بيت مريم والدة يوحنا الملقب مرقس البشير وهي أخت القديس برنابا، وكانوا يجتمعون في الهيكل فيتم طردهم من الهيكل، فقد كانت الكنيسة الأولى كنيسة بلا جدران، وما زلنا نؤمن بالكنيسة التي بلا جدران، ولذلك أطلقنا برامج كثيرة للوصول إلى المجتمع بكل فئاته المختلفة، من بينها برنامج علاج المدمنين الذي بدأته الكنيسة، حيث أنشأنا أول مركز كبير لعلاج الإدمان، واليوم أصبح لدينا عشرون مركز، ونحن نعالج مسلمين أكثر بكثير من المسيحيين، بحكم أنَّ المجتمع أغلبيته مسلمة، وبالتالي فإن عدد المدمنين المسلمين أكبر من عدد المدمنين المسيحيين، كما يعمل معنا موظفون مسلمون كانوا مدمنين وتعافوا، وهم اليوم يشاركون في علاج مسلمين آخرين، وذلك حتى لا يُفهم الأمر على أنَّه توظيف للدين أو استغلال له، فالأمر برمّته خارج هذا الإطار تماماً.

  20. أمَّا الدكتور إيهاب الخراط، فبحكم انتمائه إلى عائلة لها توجهات فكرية خاصة، وكونه كان اشتراكياً في السابق وعضواً في حزب (التجمّع) ثم تركه، فإنَّ له هذا التوجه، ولا أستطيع أن أقول له: "بما أنَّك أحد القادة فلا تتحرك سياسياً"، أمَّا أنا، كقسيس وراعٍ للكنيسة، فقد امتنعت عن الانحياز إلى أيّ طرف أو اتجاه سياسي، كما أنَّني لا أنتمي إلى أيّ حزب سياسي، ولا يمكنني ذلك، لأنَّني رمز للكنيسة بوصفي قسيسها وراعيها، ولهذا لم أذهب إلى ميدان التحرير أثناء الثورة، حتى لا يُفهم أن الكنيسة كمؤسسة هي التي تتخذ هذا الموقف، بينما ذهب بعض الأفراد ينتمون إلى الكنيسة إلى ميدان التحرير، لا من الكنيسة ككيان، ومن هُنا أحرص على إبقاء الكنيسة ككيان مؤسسي منفصل عن الموقف السياسي، مع الإقرار بأنَّ المواقف السياسية حقٌّ مشروع لكل فرد؛ فمن حق الدكتور إيهاب الخراط أن يكون عضواً نشطًا في هذا الحزب أو ذاك، وأن يكون له صوت سياسي، وأن يصبح - إذا أراد - عضواً في مجلس الشعب (النواب حالياً)، كما كان لدينا من قبل عضو في مجلس الشورى (مجلس الشيوخ حالياً) وهو أحد شيوخ الكنيسة، وهذا في حد ذاته يعبِّر عن حضور الكنيسة وتواجدها داخل المجتمع من خلال الأفراد، أمَّا حضور الكنيسة كمؤسسة، فيبقى في العمل الاجتماعي والإنساني، مثل: علاج المدمنين، وخدمة الرياضة، وخدمة "القلب الواعي" التي يقودها الدكتور/ أوسم وصفي، وخدمة "“قوافل الحب" التي تقودها الأخت/ إيفا بطرس، فالكنيسة لها تواجد اجتماعي فاعل، لا تواجد سياسي، لأنَّ العمل السياسي يجب أن يكون من خلال الأفراد فقط، وهو حق مكفول للجميع، ولا يمكن حرمان أحد من الانضمام لأيّ حزب سياسي أو أن يكون ناشطاً سياسياً بحجَّة أنَّه واعظ أو خادم.

  21. وأخيراً، إن الكنيسة، عبر التاريخ، هي ضمير المجتمع، ضمير يتجاوز السياسات والممارسات الخاطئة، كنيسة بلا أسوار، بينما يخرج الأفراد وهم ملح الأرض ونور العالم، ليغيّروا المجتمع ويجدِّدوه ويؤدوا فيه دور الضمير الحي.

اعرِضها كقائد مجموعة — الدرس نفسه، بإعدادٍ للّقاء

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ٣ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً