الأمثال
الأمثال
لدينا ثلاثة أمثال لملكوت السماوات ذكرها الربُّ يسوع المسيح ويجد البعض صعوبة في تفسيرها، وهي: وكيل الظلم (لو١٦: ١-١٣)، والفعلة في الكرم (مت٢٠: ١-١٦)، والعذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات (مت٢٥: ١-١٣)، ولكن، بادئ ذي بدء، ما هي المفاهيم والمبادئ الأساسية لتفسير وفهم الأمثال بوجه عام؟
دعوني أعرض لكم بعض المفاهيم والمبادئ الهامة المتعلِّقة بتفسير الأمثال:
فالمبدأ الأول: عدم التطابق التام بين المشبَّه والمشبَّه به، إذ إن المَثل يُقدَّم بصيغة: «يشبه ملكوت السماوات»، وكلمة «يشبه» هُنا لا تعني التطابق التام، بل تشير إلى وجود وجه شبه فقط، فالمثل ليس صورة مطابقة للحقيقة مئة في المئة، وإلَّا لمَا كان مَثلاً بل الحقيقة ذاتها، ولذلك فهو تشبيه يوضِّح جانباً مُعيَّناً من الحقيقة، دون أن يُحيط بها من كل الوجوه، فقولنا «يشبه» يعني أنَّه يشبه في أمرٍ ما، لكنَّه بالتأكيد لا يشبه في كلِّ شيء، ولهذا نقول دائماً إن المَثل يشبه كرسيَّاً تنقصه إحدى دعائمه؛ فلا يمكن أخذه حرفياً وتطبيق كل كلمة فيه على المعنى المقصود، ولا اعتبار أن لكل عنصر فيه دلالة معينة، وإلَّا فقد طبيعته كمَثل.
أمَّا المبدأ الثاني: أن المثل قد يقوم على المشابهة أو التضاد، فالتشبيه أحياناً يقوم على المشابهة، وأحياناً أخرى يقوم على العكس أو التضاد، وذلك لإحداث تباين يوضِّح المعنى، فالمقصود بهذا التباين هو التضاد الذي يُبرز الفكرة ويُظهر المعنى بوضوح، وهو ما نلاحظه في مَثل (الأرملة وقاضي الظلم) فانتم تذكرون الأرملة التي كانت تذهب إلى قاضٍ ظالم لا يخاف الله ولا يهاب إنساناً، وهذا القاضي، في إطار المَثل يشبه الله، والله ليس كذلك على الإطلاق، لكن المَثل يقول إن ذلك الرجل الشرير قد أنصف الأرملة بسبب لجاجتها وإلحاحها، فكم بالحري يكون الله الصالح، الذي ينصف مختاريه الذين يصرخون إليه ليلاً ونهاراً، فماذا فعل المَثل هنا؟ لقد أظهر المعنى من خلال التضاد، فنحن عادةً نبحث عن التشابه، لكن أحياناً يكون المقصود هو التضاد، كما يمكن القول: «الظلمة سيئة جداً، فانظر كيف سيكون النور.
إذن، أولاً: ليس كل عنصر في قصة مَثل له معنى معيَّن أو دلالة مستقلة، فالقصة تُروى لاستخلاص المعنى الرئيسي أو معنى واحد أو اثنين على الأكثر، فنحن نبحث عن المعنى الرئيسي أيّ الرسالة الأساسية وراء المَثل، ولا نبحث عن معنى لكل كلمة في المثل؛ ثانياً: أحياناً يكون التضاد هو الذي يبرز ويظهر المعنى، ثالثاً: قام السيد المسيح بشرح الأمثال الصعبة جداً بعد نهايتها، فإذا قرأتم السطرين التاليين للمثل ستجدون فيهما الرسالة الكاملة والمعنى الذي يريد أن يقوله، وهذا ما نجده في مثل (الزارع) الذي خرج ليزرع، فسقط بعض البذار على الطريق فأكلته طيور السماء، وسقط بعضها على الأرض المحجرة فنبت حالاً ثم احترق عندما أشرقت الشمس، وسقط بعضها على الشوك فخنقه، وسقط بعضها على الأرض الجيدة فأعطى ثمراَ، فأخبر التلاميذ الرب يسوع المسيح قائلين: «اشرح لنا، فنحن لا نفهم المعنى، فأجاب قائلاً، كما يضيف إنجيل "متى": ١٨«فَاسْمَعُوا أَنْتُمْ مَثَلَ الزَّارِعِ: ١٩كُلُّ مَنْ يَسْمَعُ كَلِمَةَ الْمَلَكُوتِ وَلاَ يَفْهَمُ فَيَأْتِي الشِّرِّيرُ وَيَخْطَفُ مَا قَدْ زُرِعَ فِي قَلْبِهِ. هَذَا هُوَ الْمَزْرُوعُ عَلَى الطَّرِيقِ. ٢٠وَالْمَزْرُوعُ عَلَى الأَمَاكِنِ الْمُحْجِرَةِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَحَالاً يَقْبَلُهَا بِفَرَحٍ ٢١وَلَكِنْ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِي ذَاتِهِ، بَلْ هُوَ إِلَى حِينٍ. فَإِذَا حَدَثَ ضِيقٌ أَوِ اضْطِهَادٌ مِنْ أَجْلِ الْكَلِمَةِ فَحَالاً يَعْثُرُ. ٢٢وَالْمَزْرُوعُ بَيْنَ الشَّوْكِ هُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَهَمُّ هَذَا الْعَالَمِ وَغُرُورُ الْغِنَى يَخْنُقَانِ الْكَلِمَةَ فَيَصِيرُ بِلاَ ثَمَرٍ. ٢٣وَأَمَّا الْمَزْرُوعُ عَلَى الأَرْضِ الْجَيِّدَةِ فَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ الْكَلِمَةَ وَيَفْهَمُ. وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِثَمَرٍ فَيَصْنَعُ بَعْضٌ مِئَةً وَآخَرُ سِتِّينَ وَآخَرُ ثَلاَثِينَ». (مت١٣: ١٨-٢٣).
فبدون الشرح الذي قدّمه الرب يسوع المسيح لمَا كنا لنفهم المعنى حتى اليوم، وهناك أمثال واضحة لم يشَرِحها السيد المسيح لأنَّها كانت مفهومة بذاتها، مِثل: مَثَل (الزوان والحنطة)؛ و"الحنطة" تعني القمح، أمَّا "الزوان" فهو نبات عشبي سام ينمو كثيراً وسط نبات القمح ويصعب التفريق بينهما، ونجد في هذا المَثل أنَّ بقية القصة توضّح المعنى المقصود، إذ جاء عبيد البيت لرب البيت قائلين: « من أين لك بالزوان وسط الزرع الجيد؟»، فأوضح لهم: «هذا عدو زرع زواناً»، وعندما أرادوا جمعه، قال لهم: «لا، اتركوا الزوان والحنطة معاً حتى وقت الحصاد»، ومن الواضح جداً أن العدو هُنا يرمز لإبليس، والزوان يمثل أبناء الشر، بينما الحنطة/ القمح تمثل أبناء الله، وكلاهما أيّ أبناء بليعال (أبناء الشر) وأولاد الله ينموان معاً حتى وقت الحصاد، وفي ذلك الوقت فقط يتم الفصل بينهما، لهذا، لم تكن هناك حاجة لأن يشرح السيد المسيح هذا المثل، فقد شرح الربُّ يسوع المسيح الأمثال الصعبة، وهذا المَثل واحدٌ منها، وفيه ثلاثة أمور واضحة: أولاً: ليس كل أركانه تحمل الرسالة المقصودة منه؛ وثانياً: إنَّ التضاد في المعنى هو الذي أبرز المعنى ووضَّحه؛ وثالثاً: جاء الشرح بعد ذكر المَثل.
كيف يمكن التوفيق بين القول إن المَثل ليس كل ما يَرِد فيه مقصوداً بذاته، وبين كون مَثل "الزارع" عندما سقطت منه البذار (مت١٣: ١-٩، ١٨-٢٣)، قد تمَّ تفسيره تفصيلياً كلمةً كلمة دون غيره؟ وما رأيك في وجود محاولات تفسير بدت عجيبة لمَثل "السامري الصالح" (لو١٠: ٢٥-٣٧)، حيث القول إن الدينارين يشيران إلى العهد القديم والعهد الجديد، أو إن بولس الرسول هو السامري؟
بالنسبة إلى مَثل "الزارع"، ينبغي أن يُفهم، من خلاله، أن الناس تندرج تحت عدَّة أنواع: فمنهم من يشبه الطريق، ومنهم من يشبه الأرض المُحجِرة، ومنهم من يشبه الأرض التي بها شوك، وكل هذه يمكن أن تصير أرضاً صالحة؛ فالطريق إذا حُرث صار أرضاً صالحاً، والأرض المُحجِرة إذا أُزيل الحجر منها صارت صالحة، والأرض التي بها شوك إذا نُزع الشوك منها صارت صالحة أيضاً، وهذا لم يقله الرب يسوع المسيح صراحة، لكنَّه حاضر في المعنى العام للمَثل، إذ المقصود هو وصف حال الناس ومصير كل فئة منهم، لا القول بعدم وجود رجاء إلَّا في الأرض الجيدة وحدها، وإلَّا لصار الأمر كأنَّه قدر مكتوب لا يتغيّر، ونحن لا نؤمن بالقدرية على الإطلاق، ومن ثمَّ فلا يوجد مَثل ينطبق على المعنى المقصود انطباقاً كاملاً مئة في المئة.
وفيما يتعلَّق بمَثل "السامري الصالح"، ينبغي الانتباه إلى أن هذا هو التفسير الرمزي وليس التفسير المعنوي، إذ إنَّ التفسير الرمزي يُفقد المَثل معناه، كما يُفقد الرسالة المعنى المقصود من ورائها، فالغاية من المَثل كانت للإجابة على سؤال: من هو القريب الذي ينبغي لنا أن نحبُّه كأنفسنا؟، وليس رموزاً دقيقة لكل عنصر فيه؛ فحين يُفسَّر "الديناران" على أنَّهما العهد القديم والجديد، و"الفندق" على أنَّه الكنيسة، و"الدابة" على أنَّها الخادم، و"التعرية والجرح" كآثار للخطيَّة، و"الكاهن" على أنَّه الناموس، و"اللاوي" على أنَّه الأنبياء، فإن المعنى الأصلي والرسالة المقصودة من المَثل تضيعان، ويضيع المقصد الأساسي الذي أراده الربُّ يسوع المسيح.
إن من أول الأمثال الثلاثة عسرة الفهم هو مَثل "وكيل الظلم"، فكيف يمكن أن نفهمه إذ يُمدَح وكيلٌ ظالم لأنَّه «تصرَّف بحكمة». (لو١٦: ٨)، وهل يُفهم من قول السيد المسيح: ٩وَأَنَا أَقُولُ لَكُمُ: اصْنَعُوا لَكُمْ أَصْدِقَاءَ بِمَالِ الظُّلْمِ حَتَّى إِذَا فَنِيتُمْ يَقْبَلُونَكُمْ فِي الْمَظَالِّ الأَبَدِيَّةِ. (لو١٦: ٩) أن الغاية تبرِّر الوسيلة، أم أنَّ للمَثل معنى روحياً أعمق؟
لنعد أولاً إلى قصة مثل (وكيل الظلم)، وهو أوَّل الأمثال الثلاثة التي ذكرها الرب يسوع المسيح: فقد كان هناك وكيل يعمل عند رجلٍ غني، وكان ذلك الوكيل واضحاً أنَّه مُختلس أو شرِّير على نحوٍ ما، وعندما قام سيده بكشف أمره، قال الوكيل في نفسه: بدلاً من أن أُطرَد وأُلقى في الشارع، آخذ كشفاً بالديون التي على الناس لسيدي، وأذهب إلى المديونين فأقول لأحدهم: عليك مئة، خذ صكًّك واكتب خمسين، وأنا أُسقط عنك الباقي"، وهكذا أكرمهم من مال سيده، لكي إذا طُرِد يجد لنفسه مكاناً عندهم؛ فيستقبلونه، ويقدمون له عملاً، ويعطونه طعاماً ومكاناً يبيت فيه، فيكون قد أمَّن وضمن مستقبله.
إذ يروي مثل "وكيل الظلم" قصة سيئة من العالم: رجل أوكل شخصاً آخر على أمواله، أيّ أعطى له توكيلاً على أمواله، فكان هذا الوكيل غير أمين، وكُشف سره، فأبلغه سيده أنه سيُطرد، فكَّر الوكيل وقال لنفسه: «من الآن وحتى وقت الطرد سأستغل سلطتي بما لديّ من أموال، فأنا ما زلت وكيلاً وأستطيع التصرُّف كما يحلو لي حتى يتم طردي بعد أسبوع أو أكثر، وما زال لدي توكيل إلى أن يُلغى، فلماذا لا أتصرف بما يضمن لي مستقبلي؟» فتصرَّف هكذا قبل أن يُطرد، وعندما رآه سيده قال: «هذا الوكيل زكي»، وهُنا كلمة «حكيم وأحكم» لا تعني الحكمة، بل تعني الدهاء، أيّ حساب الأمور بحنكة وذكاء، فالرجل الشرير حسبها صح واستغل الوضع لصالحه، فقد كان شريراً منذ البداية وقدر أن يفلت بشره، وهو لم يكن قد طُرد بعد، فكان لا يزال وكيلًا، ولهذا استطاع أن يتصرَّف بمَا تحت يده بموجب التوكيل، وعندما طلب سيده حساب وكالته فهنا يظهر المعنى وهو جزء من الرسالة التي سيذكرها الربُّ يسوع المسيح، ويظهر وجه الشبه بـ (ملكوت السماوات)، إذ تحتوي القصة على وجه شبه وتضاد لإبراز المعنى، ويطبق السيد المسيح الدرس على الواقع الروحي قائلاً لنتعلَّم من هذه القصة ونطبِّق ما فعله الوكيل ولكن بطريقة صحيحة، فالغاية لا تبرر الوسيلة، فالوكيل كان شريراً وضمن بشره المكان الذي سيذهب إليه بعد طرده، واستغل الوضع لمصلحته، أمَّا نحن المؤمنون غير الأشرار فلدينا توكيل، فماذا سنفعل؟، إذا كنا أمناء فنتصرّف بأمانة فيما وُكل إلينا، حتى يقبلنا الله في المظال الأبدية، لأنَّ «الذي أمين في القليل أمين في الكثير، والذي أمين على مال الغير يُعطى ما له.
فالمعنى والرسالة الأساسية للمثل موجودان، لكن كثيراً من الناس لا يقرأهما، فيظنون أن المَثل قد انتهى عند هذا الحد، أمَّا عندما نقرأ شرح السيد المسيح للمَثل، فهو يقول: "اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم"، (لو١٦: ٩-١٣)، فماذا تعني عبارة "مال الظلم"؟ ففي الترجمات الأخرى تُفهم على أنَّها الثروة العالمية أو ما يملكه الإنسان في هذا العالم، فكل ما لدى الإنسان الآن ليس ملكه، بل وكالة، وهذه هي أوجه الشبه تماماً، فحياة الإنسان وأمواله وصحته وزوجته وأولاده جميعها وكالة من الله، فقد أوكل الله الإنسان على ما لديه، فالإنسان ليس مالكاً، بل وكيلاً، كما جاء في رسالة بطرس الرسول الأولى: ١٠ لِيَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ مَا أَخَذَ مَوْهِبَةً يَخْدِمُ بِهَا بَعْضُكُمْ بَعْضاً، كَوُكَلاَءَ صَالِحِينَ عَلَى نِعْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ. (١بط٤: ١٠).
ثمَّ ماذا يقول لنا الرب؟ يقول لنا: "أيُّها المؤمن، بعد فترة سأطلب منكَ أن تُعطي حساب وكالتك"، أيّ يوم الوفاة، وهنا يظهر وجه الشبه: ففي الوقت الحالي، ما زال أمام المؤمن مساحة زمنية، وبالتالي فلا يزال وكيلاً، لذلك لم يطرد الرجل الوكيل في الحال، بل أُبقي المجال للوكيل ليتصرَّف؛ لكنَّ المؤمن في حياته لا يعرف متى سيُطلب منه حساب وكالته، لذلك يجب أن يكون المؤمن حكيماً ويتصرَّف بأمانة فيما وُكل إليه الآن، لأنَّه عاجلاً أم آجلاً سيُقدّم حساب وكالته، فما لدى المؤمن وكيلٌ عليه، وسيعطي حساب وكالته؛ ففي القصة أعطى الوكيل حسابه لأنَّه كان شريراً، أمَّا في حياتنا مع الله فنحن أبناء النور سنعطي حساب وكالتنا لا لأنَّنا أشرار، بل لأنَّنا سنموت، ومن ثمَّ سنقدِّم حساب وكالتنا، وهُنا تظهر أوجه الشبه والاختلاف في القصة، إذ يُطرح السؤال: كيف ستتصرَّف فيما لديك أيها المؤمن؟ فهذا هو الذي سيحدِّد هل ستُقبَل في المظال الأبدية أم لا؟؛ فالوكيل عندما يُطرِد من عمله سيجد من يوفِّر له عملاً بديلاً، لأنَّه قد أرضى الناس الذين سيذهب إليهم، فوجد من يقبله، أمَّا المؤمن فلمن سيذهب؟ إلى الله، فإن أرضى بما لديَّ الذي سيقف أمامه، فهل سيقبله الرب؟ نعم، سيقبلني في المظال الأبدية، لأنَّ الحديث هُنا عن الأبدية، فالمسيح لا يتكلَّم عن شخص الوكيل فقط، بل يوجّه الكلام إلينا جميعاً حين يقول: «أقول لكم… يقبلونكم»، و«أقول لكم: اصنعوا لكم أصدقاء بمال الظلم» (لو١٦: ٩)، أيّ إنَّ لدى المؤمن وكالة وتوكيلاً الآن، و«مال الظلم» لا يعني مالاً لشخص ظالم، بل المقصود هو المال الزمني أو الثروة العالمية التي هو وكيل عليها أيّ ما لديه في هذا العالم؛ ولذلك فإن قبول الإنسان، سواء كان ابنًا لله أو طالباً لرضا الله ومشتاقاً إلى السماء، في المظال الأبدية يتوقّف على كيفية تصرُّفه فيما وُكِّل إليه الآن.
فذلك الوكيل سيُعيَّن بناءً على ما سيفعله، فهو سيُفصل من عمله بالتأكيد، وهذا هو وجه الاختلاف في القصة، أمَّا وجه القبول فيها فهو أن المؤمن سيُقبَل بعد الطرد والفصل إن تصرَّف تصرُّفًا صحيحاً، وكيف يكون التصرُّف الصحيح وفي المكان الصحيح؟ بأن لا يُخادع ولا يغش، لأنَّ الغاية لا تبرِّر الوسيلة، ففي العالم يتبع بعض الناس مبدأ أن الغاية تبرِّر الوسيلة، أمَّا "أبناء النور" فلا يتبعون ذلك المبدأ، فالغاية عندنا لا تبرِّر الوسيلة، والدليل على ذلك قول الرب يسوع: «الأمين في القليل أمين أيضاً في الكثير» (لو١٦: ١٠أ)، وهذا هو الدرس الذي ينبغي أن نتعلمه، وهكذا يبدأ المعنى في الوضوح: «والظالم في القليل ظالم أيضاً في الكثير» (لو١٠: ١٠)، فإن لم تكونوا أمناء في مال الظلم، أيّ المال الزمني أو الثروة العالمية التي لديكم، فمن يأتمنكم على الحق؟ وإن لم تكونوا أمناء فيما هو للغير، أيّ ما هو لله، فمن يعطيكم ما هو لكم؟ ومن يكافئكم؟ ومن يمنحكم الميراث؟ إذن، فميراثنا في المظال الأبدية متوقّف على أمانتنا هنا في هذه الحياة؛ فطريقة تصرّفنا في حياتنا هي التي تحدِّد إلى أين نمضي، وهذا هو العنوان، ثمَّ يربط الأمر بمكان القلب، إذ يقول: "لا يقدر أحد أن يخدم سيّدين، لأنَّه إمَّا أن يُبغِض الواحد ويُحِبّ الآخر، أو يُلازِم الواحد ويحتقر الآخر، لا تقدرون أن تخدموا الله والمال"، (لو١٦: ١٣).
وهذا بالطبع لأنَّ الوكيل في القصة كان يحبُّ المال، فخان سيِّده بسبب محبّته للمال، لذلك يقول الرب يسوع المسيح: «أبناء هذا الدهر أحكم من أبناء النور في جيلهم»، أيّ إنَّهم حُكماء ويفكّرون بطريقة صحيحة بحسب منطقهم، أمَّا أنتم، يا "أبناء النور"، يا من تطلبون الحياة الأبدية، فلا تفعلوا مثل ذلك الأمر الخاطئ، فهُنا، في منطق هذا العالم، الغاية تبرّر الوسيلة، أمَّا في منطق أبناء النور، فالغاية لا تبرّر الوسيلة، وإن لم تكن أميناً في القليل، فمن يقيمك على الكثير؟ وإن لم تكن أميناً فيما هو للغير، فمن يعطيك ما هو لك؟ (لو١٦: ١٠-١٢).
المثل الثاني هو مَثل "الفعلة في الكرم"، فكيف يوضِّح هذا المثل طبيعة عدل الله المختلف عن عدل البشر، خاصة عندما يحصل الذين عملوا فترة قصيرة وبذلوا جهداً أقل على نفس ما يُعطى المجتهدين طوال اليوم، إذ جاء الردّ مُحبِطاً: ١٣فَقَالَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ: يَا صَاحِبُ مَا ظَلَمْتُكَ! أَمَا اتَّفَقْتَ مَعِي عَلَى دِينَارٍ؟ ١٤فَخُذِ الَّذِي لَكَ وَاذْهَبْ فَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُعْطِيَ هَذَا الأَخِيرَ مِثْلَكَ. (مت٢٠: ١٣-١٤)، وما معنى أن النعمة الإلهية تُمنح للجميع بغض النظر عن مدَّة العمل أو مقدار الجهد المبذول؟
يروي مثل "الفعلة في الكرم"، والذي ذكره الربُّ يسوع المسيح أيضاً، قصة شخص كان يمتلك كرماً أيّ حقل عنب، وأراد أن يأتي بفعلة أيّ عُمَّال باليومية ليعملوا فيه، فقد جاء أولئك العُمَّال وطلب منهم أن يعملوا طوال النهار مقابل دينار واحد، وهو أجر العامل في اليوم في ذلك الوقت، وبذلك لم يبخسهم شيئاً، بعد ذلك بدأ صاحب الكرم في استدعاء عُمَّال في أوقات مختلفة من النهار في الساعة الثالثة والسادسة والتاسعة، مع العلم أن هناك فرق بين التوقيت اليهودي وتوقيتنا الحالي يقدر بحوالي ست ساعات، حتى جاء آخرون في وقت متأخر من اليوم في الساعة الحادية عشر، وهم الذين شعروا باليأس من الحصول على عمل، لكنَّه استدعاهم فعملوا لمدة ساعة واحدة فقط، ثم بدأ صاحب الكرم في دفع الأجرة للعُمَّال مبتدئاً من الأخير إلى الأول، فقدَّم لمن عمل ساعة واحدة أجرتهم كاملة، كما أعطى للعُمَّال الذين جاءوا أولاً الأجرة ذاتها رغم أنَّهم عملوا لمدة تسع ساعات وتحملوا التعب والحر، فتذمروا واعترض أحدهم على صاحب الكرم قائلاً إنَّ هذا ليس عدلاً، ولقد اتفقنا أن المثل يشبه الكرسي الذي تنقصه دعامة واحدة أو دعامتان، فما هي الرسالة هنا التي تُشَبَّه بملكوت السماوات؟ إذ يقول الرب يسوع المسيح، فما الذي ينطبق في هذا المثل على ملكوت السماوات؟ هذا ما يجب أن نبحث عنه: ما الحقيقة الموجودة في ملكوت السماوات التي يشبهها هذا المثل تحديداً، وأيُّ عنصر فيه هو المقصود؟ إن صاحب الكرم الذي خرج يبحث عن فعلة ويمنحهم فرصة الدخول إلى السماء هو الصورة المركزية في المثل، وهو ما ينطبق على ملكوت السماوات، حيث إن الذين جاءوا من الصباح، أو في الظهر، أو في آخر النهار، جميعهم نالوا الشيء نفسه أو الأجرة نفسها، وقد يرمز الفعلة إلى اليهود الذين عرفوا الله منذ زمن طويل، وإلى غير اليهود من الأمم الذين جاءوا إلى الإيمان لاحقاً، بل ويشمل المعنى أيضاً المؤمنين الذين آمنوا وقدَّموا حياتهم ووقتهم منذ صغرهم ودخلوا ملكوت الله، وكذلك الذين آمنوا في اللحظات الأخيرة من حياتهم، مثل اللص اليمين في مشهد صلب الرب يسوع المسيح، الذي آمن ودخل ملكوت السماوات قبل موته بوقت قصير يُقدَّر بحوالي ساعة، أليس هذا هو ما ينطبق عليه المثل؟ أليس هذا هو وجه الشبه؟ فالمثل يتحدث عن وجه واحد فقط، وهو أن الذي آمن وهو صغير، والذي آمن وهو شاب، والذي آمن وهو شيخ أو عجوز، بل وحتى الذي آمن وهو على فراش الموت، جميعهم نالوا الحياة الأبدية، وجميعهم دخلوا الفردوس، إذ يقول الرب يسوع المسيح وهو على الصليب للص المعلَّق ناحية اليمين بعد إعلان إيمانه: "اليوم تكون معي في الفردوس". (لو٢٣: ٣٩-٤٣).
لذلك يسأل صاحب الكرم العامل المعترض: "أم عينك شريرة لأني أنا صالح؟": ١٥أَوَ مَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَفْعَلَ مَا أُرِيدُ بِمَالِي؟ أَمْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةٌ لأَنِّي أَنَا صَالِحٌ؟ ١٦هَكَذَا يَكُونُ الآخِرُونَ أَوَّلِينَ وَالأَوَّلُونَ آخِرِينَ لأَنَّ كَثِيرِينَ يُدْعَوْنَ وَقَلِيلِينَ يُنْتَخَبُونَ».(مت٢٠: ١٥-١٦)، فالعين الشريرة هي العين التي تحسد وتغير من الآخرين عن طريق مقارنة حالهم بحال غيرهم من الناس، فالله من صلاحه يفعل هذا، فهذا هو جوده، فالأمر لا يستقيم إن أُعتبر ذلك أجرة عمل، لأنَّ الأجرة تُقاس بالجهد، ولو كانت مكافأة خدمة لبدت غير عادلة، ولو كانت عمل لكانت غير عادلة، لأن المقياس هُنا ليس الاستحقاق بل النعمة، لكن السؤال الحقيقي هو: بماذا يُشبه هذا في ملكوت السماوات؟ إنه يُشبه (القبول)، ويُشبه نوال الفردوس، والدخول إلى بيت الآب، فالذي آمن وهو صغير، والذي آمن وهو شاب، والذي آمن وهو شيخ، والذي آمن وهو على فراش المرض، جميعهم نالوا نتيجة واحدة، وليست أجرة، وهي الدخول إلى السماء، وهي كما يقول الرب يسوع المسيح: "اليوم تكون معي في الفردوس"(لو٢٣: ٤٣)، لأنَّ هذا هو صلاح الله، لذلك ينصبّ التركيز هُنا على قول الربّ: "لأنِّي صالح" (مت٢٠: ١٥)، وهو قول ينطبق على اليهود والأمم معاً؛ فالذين عاشوا ينتظرونه، والذين دخلوا في الآخر، كلاهُما مقبولون، لأنَّ الأمر قائمٌ على النعمة، فالإنسان لا يدخل باستحقاق، ومن دخل في الآخر يُقبَل بالمستوى نفسه، وهذه هي عدالة النعمة، أيّ عدالة الصلاح الإلهي، لا عدالة العدل الإلهي، فالتركيز كلَّه على عبارة: "أنا صالح"، ولهذا قيل: "يكون الآخرون أولين والأولون آخرين"(مت٢٠: ١٦)، فاللص اليمين دخل الفردوس قبل بطرس الرسول وقبل التلاميذ الذين عاشوا مع الرب يسوع المسيح، وهذا هو الصلاح الإلهي.
إن الحياة الأبدية هي نعمة مجانية ننالها بفداء الرب يسوع المسيح، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٨لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. ٩لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ.(أف٢: ٨-٩)، وكل من يقبل الدعوة، سواء من قبلها في وقت مبكر، أو في وقت الظهر، أو في آخر النهار، يدخل السماء، إذ لا يرتبط الأمر بالعمل أو الجهد، بل بقبول الدعوة، فالدعوة واحدة: «تعالَ اعمل»، فيجيب: "نعم أعمل"، فينال الأجرة، والأجرة واحدة، وليس الذي آمن مبكراً يدخل فردوساً أفضل من غيره، لأنَّ الفردوس واحد، وأمَّا من يرفض هذه الدعوة في أيّ وقت، فلا يدخل السماء على الإطلاق، فهذه هي النقطة المشتركة في المثل: أن نوال الحياة الأبدية لا يرتبط بالسن الذي قبل فيه الإنسان الرب يسوع المسيح، بل بقبول الدعوة نفسها، هذا هو المشترك الذي أبحث عنه، أي ما يجمع بين القصة والحقيقة الروحية، وعندها تتجسَّد الحقيقة بوضوح.
لماذا يقوم الربُّ يسوع المسيح بسرد ثلاثة أمثال عن ملكوت السماوات، بالرغم من أنَّه يقول إنَّه يحكي مثلاً واحداً فقط، كما جاء في إنجيل لوقا أصحاح ١٥، وهي: الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال؟
يقول الربُّ يسوع المسيح إنَّ هذه الأمثال "تشبه ملكوت السماوات"، ويعرض ثلاثة أمثال؛ ففي إنجيل لوقا أصحاح ١٥، عندما يتحدث عن "الضال" أيّ التائه، حكى ثلاث أمثال وهي: الخروف الضال، والدرهم المفقود، والابن الضال، واعتبرها مثل واحد وحقيقة واحدة من ثلاثة زوايا مختلفة، فلماذا قال الربُّ يسوع المسيح أنَّ هذه الأمثال الثلاثة هي مثل واحد؟ ففي المثلين الأولين، لا الخروف ولا الدرهم يستطيعان العودة بمفردهما، فالراعي والمرأة هما اللذان يبحثان عنهما وينبغي أن يجداهما، أمَّا في المثل الثالث مَثل (الابن الضال)، فيجب أن يعود الابن بنفسه، وليس الأب من يذهب إليه، مما يبيّن أن الرسالة هُنا أن الرب يقول ما معناه: "أنا أبحثُ عنكَ، لكن عليكَ أن تقبل العودة"، وهكذا، لا يمكن لأيّ مَثل أن ينطبق على الحقيقة كاملة إلَّا الحقيقة ذاتها، ولكنَّنا نبحث عن وجه الشبه، لا على كل التفاصيل؛ فمثلاً "الدرهم المفقود" لا يستطيع أن يجد نفسه، بل المرأة هي التي تجده، ونحن لا نؤمن بفكرة الاختيار الإلهي.
إذن، فقد قرَّر "الابن" أن يرجع لأبيه لأنَّه شعر باحتياجه، أمَّا "الدرهم" فلا يشعر باحتياجه، و"الخروف" كذلك لا يشعر باحتياجه وهو لا يعرف طريق العودة، بينما "الابن الضال" يعرف طريق العودة، ولذلك كان عليه أن يذهب ليرى هل سيقبله أبوه أم لا؟، وهكذا تُكمِّل هذه القصص بعضها بعضاً، ومن هُنا نصل إلى التأمل الموجود في أمثال أخرى: من عرف الله وهو صغير، وعاش معه حياته كلها، وعاش في كرمه وفي ظله، فهي في حد ذاتها بركة عظيمة أن يعيش مع الرب طوال اليوم وطوال الحياة، بدلاً من أنْ يعيش الإنسان في العالم مُتعبَاً، لا يجد عملاً، مجروحاً، مريضاً، عاطلاً، لا يعرف أين يذهب ولا كيف يعيش، ثم في آخر ساعة يجمعه الرب من الطريق ويدخله الحياة الأبدية. نعم، الجميع ينالون الحياة الأبدية، لكن من عرف الله مُبكراً نال بركة إضافية، إذ عاش مطمئناً، عاملاً، ولم يضِع عمره في التيه والضياع بلا عمل. ويكمن الوصف في أجرة العمل وليس العمل ذاته، فالتشابه يكمن في العلاقة: متى ذهبت إلى كرمه، ومتى قبلت الدعوة للعمل معه، وكم استمتعت بالعمل في الكرم ومع السيد صاحب الكرم أيّ الرب، وهنا نقطة مهمة يوضِّحها الربُّ يسوع المسيح في أمثال أخرى، مثل مَثل (الوزنات)، حيث يقول: الذي أخذ خمس وزنات وأحضر خمس وزنات، والذي أخذ وزنتين وأحضر وزنتين، كلاهُما دخل إلى "فرح سيده"، وكلاهُما وُصف بـ: «أيُّها العبد الصالح والأمين»، ولكن عندما استرد السيِّد الوزنة الواحدة من العبد الذي أخفاها ولم يتاجر بها عند الصيارفة، نجد أنَّه يعطيها لمن له عشر وزنات أيّ لمن حصل على ربح أكثر من غيره، فالذي له يُعطى ويزداد، والذي ليس له فالذي عنده يؤخذ منه، كما نجد الفكرة ذاتها في مثل "الأمناء" (لو١٩: ١٢-٢٧)، وعندما نضع هذين المثالين جنباً إلى جنب نفهم المعنى بوضوح: فجميعنا كمؤمنين نذهب إلى الفردوس وندخل بيت الآب، لكنَّ هُنا من استمتع أكثر لأنَّه عمل وعاش أكثر مع الرب يسوع المسيح، وابتعد أكثر عن الشرور والآثام، وعاش حياة مسيحية في عائلة، واستمتع بعلاقته بزوجته أكثر، فهي لم تخنه ولم يخنها، واستمتع بأولاده أكثر، وعاشوا في بيت جميل، وبنى علاقات إنسانية أعمق، فقد استمتع بوقته هُنا أكثر، ومع ذلك، في السماء سيذهب إلى نفس المكان الذي يذهب إليه الآخرون، لكن هناك مكافأة خاصة لكل واحد حسب حياته الأرضية، وهكذا تتجلى عدالة الرحمة وعدالة الصلاح الإلهي.
المثل الثالث هو مَثل «العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات» (مت٢٥: ١–١٣)، فكيف يمكن تفسير هذا المثل للردّ على الادَّعاءات الباطلة التي تُحيط بتفسيره تفسيراً حرفيَّاً، ولاسيَّما فيما يتعلّق بدخول الخمس عذارى مع العريس وإغلاق الباب، وصولاً إلى المعنى الروحي الذي يقصده الرب يسوع المسيح والمرتبط بالاستعداد والسهر والدخول إلى ملكوت السماوات انتظاراً لمجيئه الثاني؟
يروي المثل أنَّه كان هناك عشر عذارى ينتظرن العريس، وقد أخذن المصابيح وخرجن، لملاقاة العريس، ثمَّ نام الجميع قبل حضور العريس، فتم تقسيمهن إلى فريقين: خمسُ مستعدات يحملن الزيت ليضيئن مصابيحهن ويستقبلن العريس بفرح، وهُنَّ الحكيمات، وخمسُ أخريات لم يكن لديهن زيت، وهُنَّ الجاهلات، وعندما جاء العريس، حاولت العذارى اللواتي لم يكن لديهن زيت أن يستدينَّ من اللواتي يحملن الزيت، فأجبنهن: «اذهبوا واشترين من الباعة»، وعندما ذهبن لشراء الزيت، دخلت العذارى الحكيمات، اللواتي كُنَّ مستعدات، مع العريس إلى العُرْس وأُغلِق الباب، وعندما عادت الخمس الأخريات الجاهلات، ظللن يطرقن الباب قائلين: «افتحوا لنا، نريد الانضمام إلى العُرْس»، لكن العريس قال لهنَّ: «لا أعرفكن»، فتم حسم الأمر، وفيما يتعلق بتفسير البعض لهذا المَثل تفسيراً حرفيَّاً خاطئاً، خاصة ما ذكره فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، فإنَّه لم يدرس علم التفسير الخاص بالكتاب المقدس، ومع ذلك فقد علّق على هذا المَثل، واتفقنا أن الأمثال يجب أن تُفهم لا بشكل حرفي، كما هو مكتوب: "حينئذٍ يشبِه ملكوت السماوات" (مت٢٥: ١)، لذا ينبغي علينا تطبيق ما تعلّمناه من مفاهيم أساسية لتفسير الأمثال، فما الذي يتحدث عنه هذا المَثل؟ من هو العريس القادم؟ العريس هو السيد المسيح، ومجيئه الذي يشير إليه هُنا هو المجيء الثاني، أيّ مجيئه الأخير، وليس مجيئه الأول أثناء حياته على الأرض، كما أنَّ الرب يسوع المسيح لم يتزوَّج خلال حياته الأرضيّة، وهو أمرٌ معلومٌ للجميع، فإنَّه في هذا المثل يُشبِّه مجيئه الثاني بعرسٍ، حيث يوجد أناسٌ ينتظرون قدومه، وأولئك المنتظرون ينقسمون إلى نوعين متشابهين في المظهر الخارجي، فكلاهُما عذارى؛ ولماذا عذارى، ولماذا لم يقل عشر نساءٍ فحسب؟ لأنَّ المنتظرين للعرس، لو كانوا جمهوراً من الناس، لكانوا رجالًا أو عائلات، أمَّا "العذارى" هنا فيرمزن إلى "الكنيسة" التي تنتظر مجيء العريس، أيّ الرب يسوع المسيح في مجيئه الثاني، إذ يتحدث بولس الرسول عن الكنيسة قائلاً: " خَطَبْتُكُمْ لِرَجُلٍ وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ "، (٢كو١١: ٢).
فالرب يسوع المسيح يتحدَّث هُنا عن الكنيسة المنتظرة، وهذه الكنيسة المنتظرة تنقسم إلى نوعين: من الخارج كان مظهرهم واحداً، وكانت معهم مصابيح متشابهة، ولكن بسبب تأخُّر العريس ماذا حدث لهم؟ ناموا، وهكذا، إذ تأخَّر مجيء الرب يسوع المسيح، نعست الكنيسة ونامت، لأنَّ التأخير طال، فقد مضت نحو ألفي سنة إلى اليوم ولم يأتِ بعد، فدخلت الكنيسة في عصورٍ حدث فيها فتورٌ روحيٌّ حقيقي، غير أنَّ أولئك النعسانين ظلّوا نوعين مختلفين: ما الفرق بينهما؟ إنَّ بعضهم كان معه زيت في مصابيحه، والبعض الآخر لم يستعد ولم يحسب حسابه، وما هو الزيت؟ إنَّه النعمة؛ فالزيت في الكتاب المقدَّس يرمز دائماً إلى النعمة أو إلى الروح القدس، أيّ نعمة حضور الله في حياة الإنسان، فعلى سبيل المثال، يوجد إناءان، فإذا أُضيءَ هذا الإناء لا يُنير، بينما ذاك يُنير، والسبب أنَّ فيه الروح القدس، وفيه حضور الله، وفيه الزيت، وفيه الإيمان والنعمة، إذ إنَّ الله حاضر وموجود في إناء المؤمن فيُنير مصباحه، وهذا بالفعل ما يحدث داخل الكنيسة، فالكنيسة الممثَّلة في العذارى تضم أشخاصاً لهم صورة التقوى، لكنَّهم مُنكِرون لقوتها الحقيقية، ففي داخل البعض لا يوجد زيت ولا نعمة ولا إيمان حقيقي، بينما يوجد كل ذلك في البعض الآخر، أيّ علاقة شركة ومحبَّة مع الرب، والإيمان الحقيقي، والروح القدس؛ وعندما جاء السيد المسيح في ساعةٍ لا يظنونها ظهرت تلك الحقيقة ونال كل مؤمن إكليله، فقد جاء العريس فجأة، فأنارت بعضهن مصابيحهن فدخلن، وأمَّا اللواتي لم تنر مصابيحهن فماذا حدث لهن؟ لقد حاولن أن يسارعن ويلحقن ليشترين الزيت، أيّ أن يتبن ويلحقن، لكن الباب كان قد أغلق، ولهذا السبب، لم يشرَح السيد المسيح هذا المَثل، فهو من الأمثال الواضحة جداً التي لا تحتاج إلى شرح.
كيف يمكن الردّ على القول بأن الربَّ يسوع المسيح، في حياته الأرضية، وهو إنسان كامل وكرجل كامل، ينجذب إلى النساء ويشعر بالرغبة في الزواج، خصوصاً وأن هذا السؤال يثار أحياناً تجاه مَثل "العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات" (مت٢٥: ١–١٣) بسبب فكرة العريس والعذارى وإغلاق الباب؟
تختلف قضية الزواج في الكتاب المقدس عمَّا هي عليه في العالم، فعلى سبيل المثال، لم يتزوج يوحنا المعمدان، حيث إنَّه لمْ يذكر الكتاب المقدَّس أنَّه قد تزوَّج على الإطلاق، فقد كانت حياته تحقيقاً لدعوة الله له، فيوحنا المعمدان هو الصوت الصارخ في البريَّة الذي يُعِدُّ طريق الربِّ يسوع المسيح، وبولس الرسول لمْ يتزوج أيضاً، حتّى أنَّه يقول: "من لا يزوِّج يفعل أحسن"، وفي المسيحية، نجد أن آلاف وآلاف من الرهبان لم يتزوجوا.
فالإنسان ليس مُجرَّد كائن جنسي، فالجنس هو جزء من طبيعته، وأيّ رجل كامل لديه رغبة واحتياج جنسي، والسيد المسيح، كإنسان كامل، كان لديه رغبة جنسية بالتأكيد، ولكن يمكن للإنسان أن يقدِّس هذه الرغبة لمجد الله، وأن يقدِّم هذا الاحتياج للرب، فيسدّه، فيعيش حياة مقدَّسة وطاهرة، ولدينا في تاريخ الكنيسة أبطال إيمان يعيشون هذه الحياة، ومنهم أحد المعاصرين الذي انتقل إلى السماء قبل سنوات قليلة، وهو الأب متى المسكين، الذي امتاز بالذكاء والفهم والحكمة بطريقة غير عادية، لدرجة أنَّني أراه عملاقاً في الإيمان والحياة الروحية، والعلاقة الجنسية بالنسبة لنا كمسيحيِّين ليست شيئاً نجساً، بل هي مقدَّسة، إذ تُقدَّس بنعمة الله في حياة المؤمن، وبالطبع فهي مقدَّسة داخل إطار وعهد الزواج، وإذا لم يتزوَّج المؤمن، يستطيع الربُّ أن يُقدِّس هذا الاحتياج داخل المؤمن، كما أن مفهوم الجنس في علم النفس يختلف عمَّا نعتقده؛ فالغريزة أو الدوافع الجنسية التي وضعها الله في الإنسان ليست فقط لممارسة الجنس، بل هي دافع للحياة، للرقي والتقدّم، فلا يعني عدم ممارسة المؤمن للعلاقة الجنسية أو عدم الزواج ضرورة كبت الغريزة الجنسية لديه؛ بل على العكس، فهي التي تدفع المؤمن ليرتقي بنفسه، وتجعله أفضل ما يمكن أن أكون، وتدفعه للابتكار والإبداع، والاعتناء بنفسه، وتنظيم حياته، حتى في أمور بسيطة كغسل الأسنان والعناية بالنظافة، فهي دافع من دوافع الحياة الأساسية للإنسان، إذ إنَّ الغريزة الجنسية لها أغراض فسيولوجية وسيكولوجية في الإنسان، وليست فقط لممارسة العلاقة الجنسية لإنجاب الأطفال أو لملء وإشباع هذا الاحتياج، فالإنسان عندما يعيش تحت سيطرة الشهوة، تتحوَّل الغريزة الجنسية لديه إلى أمر نجس، ويصبح تفكيره منصبَّاً على ممارسة الجنس فقط، فيحلم بها ويمارسها، فتفسد الشهوة روحه، ويقترب من حال الحيوان الذي يركض وراء شهواته، وبالنسبة للمَثل، فهو لا يشير إلى العلاقة الجنسية أو الزواج، لأن اعتبار المَثل متعلقاً بذلك يُعَدّ تفسيراً خاطئاً وغير منطقياً على الإطلاق، وذلك وفقًا لمبادئ تفسير الأمثال التي شرحناها.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ٤ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً