العبادة

الدرس ٢٥ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. العبادة

    ما هو شكل عبادتنا لله وعلاقتنا به، هل هي مجرَّد فرض أو اتّقاء لغضبه، كممارسة الصلاة والصوم وتقديم العشور؟ ولماذا شدّد الرب يسوع المسيح على أن تكون الصلاة عبادة في الخفاء ولا تُمارَس في زوايا الشوارع، كما جاء في إنجيل متى (مت٦: ٥-٦)؟

    المسيحية هي دعوة إلى علاقة شخصية مع الله، أساسها علاقة حيّة معه، علاقة أبناء مع أبيهم السماوي، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٢وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.(يو١: ١٢)، وهي علاقة قائمة على المحبَّة، وعلاقة تهدف إلى الشبع بالرب في حياتنا، فالصلاة وسيلة للتواصل، ولذلك فإن الصلاة بمعنى صلة، أي تواصل واتصال، وهو ما يحدث إذا أحب الإنسان شخصاً ما، فهو يتصل به ويتحدثان معاً، فيكون هذا اتصالاً هاتفياً، كذلك، فالصلاة هي اتصال بالرب، وهذا الاتصال ينقسم إلى نوعين: (اتصال شخصي)، أيّ العلاقة الشخصية التي تقوم بين المؤمن وبين الرب، إذ يقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٦وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَلَّيْتَ فَادْخُلْ إِلَى مِخْدَعِكَ وَأَغْلِقْ بَابَكَ وَصَلِّ إِلَى أَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً.(مت٦: ٦)، والنوع الآخر من الاتصال بالرب هو (الاتصال جماعي)، حين تجتمع العائلة لتصلي معاً وتتحدَّث إلى أبوها السماوي، فذلك يمثّل العبادة الجماعية، فعلى سبيل المثال: تخيَّلوا أن لدي ثلاثة أولاد لا يأتون أبداً بمفردهم للتحدث معي، بل يأتون جميعاً معاً، قائلين: "بابا، نريد المصروف"، هذه ليست علاقة حقيقية، فأنا لدي ثلاثة أولاد وأحب أن تكون لدي علاقة شخصية مع كل واحد منهم على حدة، فقد كان من بين خططنا، وهم يكبرون، أن أدعو أحدهم - من وقت لآخر - لتناول الغداء أو العشاء لنقضي وقتاً معاً بمفردنا، أو لتناول فنجان قهوة ونجلس لنتحدَّث، أو يأتي ابني إليّ ليقول: "بابا، أريدك في أمر ما"، فنجلس ونتحدث بمفردنا، فهذه هي العلاقة الشخصية بيني وبين ابني.

  2. إذن، تنقسم الصلاة إلى نوعين هما: الاتصال الشخصي والاتصال الجماعي، ولكن الصلاة الأساسية هي العلاقة الشخصية أيّ الاتصال الشخصي بين المؤمن والرب، حيث يجلس بمفرده مع الرب، إذ يدخل إلى مخدعه ويغلق عليه بابه ويصلي إلى الآب السماوي في الخفاء، وهو يكافئه في العلن (مت٦: ٦)، فتظهر نتيجة هذه اللقاء السرِّي أو الخلوة السرية مع الرب على الملأ أمام الناس، ويتمثل ذلك في التغيير الذي يطرأ على المؤمن، أمَّا الاتصال الجماعي، فنجد مثالاً له كما جاء على لسان داود في (ترنيمة المصاعد) في سفر "المزامير": ١فَرِحْتُ بِالْقَائِلِينَ لِي: إِلَى بَيْتِ الرَّبِّ نَذْهَبُ.(مز١٢٢: ١)، وماذا سنفعل هناك؟ نصلِّي ونرنِّم ونفرح بالرب ونعبده ونقدِّم ذبائح وتقدمات من التسبيح والعبادة له، كما جاء في سفر "المزامير": ٢اعْبُدُوا الرَّبَّ بِفَرَحٍ. ادْخُلُوا إِلَى حَضْرَتِهِ بِتَرَنُّمٍ...٤ادْخُلُوا أَبْوَابَهُ بِحَمْدٍ دِيَارَهُ بِالتَّسْبِيحِ. احْمَدُوهُ بَارِكُوا اسْمَهُ. (مز١٠٠: ٢، ٤)، ويقول كاتب الرسالة إلى "العبرانيين": ١٥فَلْنُقَدِّمْ بِهِ فِي كُلِّ حِينٍ لِلَّهِ ذَبِيحَةَ التَّسْبِيحِ، أَيْ ثَمَرَ شِفَاهٍ مُعْتَرِفَةٍ بِاسْمِهِ. (عب١٣: ١٥)، بمعنى أنه عندما ندخل بيت الرب، ندخل بالترنيم والتسبيح والشكر، وهذه كلها صلاة، فالصلاة تتكوَّن من خمسة عناصر وهي: (التسبيح، والشكر، والتوبة، والشركة، والتضرُّع).

  3. نسمع أحيانًا بعض القسوس يتساءلون: «هل العبادة ثقيلة عليكم؟ ألا يستحق الله ساعتين في الأسبوع أو في اليوم؟» مما ينشأ معه شعوراً بالفرض، فيشعر المؤمن بالتقصير في الصلاة، ويظن أن عليه أن يخصِّص لخلوته وقتاً محدداً، فهل تتحوَّل الصلاة إلى حساب للوقت الذي نقضيه مع الرب، بدلاً من التركيز على جوهر العلاقة ذاتها؟ وهل من الممكن أن يكون الإنسان مؤمناً وله علاقة مع الرب، دون أن يصلي كثيراً إليه؟

    الصلاة ليست فرضاً، بل هي ممارسة لعلاقة حب، فإذا صارت فرضاً نمارسه أو واجباً نؤدّيه، فلن نستمتع ونتلذذ بالرب، كما يقول داود في سفر "المزامير": ٤وَتَلَذَّذْ بِالرَّبِّ فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ.(مز٣٧: ٤)، فينبغي أن نستمتع بالرب القدير الرائع عندما نلتقي به، أمَّا إذا صارت الصلاة واجباً وفرضاً علينا، وإلَّا تعرَّضنا للعقاب، أو لن نحصل على «نقاط» في السماء، أو وُضِعت أسماؤنا في ما يشبه القائمة السوداء عند الله، فلن تعود لقاءً حقيقياً بالرب، وكم من أناس يصلّون دون أن يلتقوا بالله في صلاتهم، فلا يصح أن نسمّي ذلك صلاة، فمتى يكون المؤمن قد صلَّى حقاً؟ حين يلتقي بالله، لأن الصلاة هي لقاء مع الله، فعندما ننظر إلى الرب يسوع المسيح، مثلنا الأعلى وابن الله، نجد أنَّه كان يأخذ أوقاتاً لنفسه وينفرد مع الآب ليصلِّي، إذ يقول الكتاب المقدَّس أنَّه كان يصلي في الخلاء وفي البريَّة: "وخرج مُبكِّراً إلى موضع خلاء وكان يصلِّي"، كما جاء في إنجيل "مرقس": ٣٥وَفِي الصُّبْحِ بَاكِراً جِدّاً قَامَ وَخَرَجَ وَمَضَى إِلَى مَوْضِعٍ خَلاَءٍ وَكَانَ يُصَلِّي هُنَاكَ.(مر١: ٣٥)، وكذلك يقول الكتاب المقدس أنَّه كان يصلي فوق الجبل: "وقضى الليل كله في الصلاة"، كما جاء في إنجيل "لوقا": ١٢وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ خَرَجَ إِلَى الْجَبَلِ لِيُصَلِّيَ. وَقَضَى اللَّيْلَ كُلَّهُ فِي الصَّلاَةِ لِلَّهِ. (لو٦: ١٢).

  4. إذن، فالانفراد بالرب مطلوب، بالإضافة إلى أهمية وجود علاقة مستمرة معه، فالصلاة في تعريفها ليست العلاقة نفسها بل ممارسة العلاقة، على سبيل المثال، أنا وزوجتي نحب بعضنا بعضاً، وبعد سنوات طويلة مضت ما زلنا نحب بعضنا أكثر من الأول، وعلاقتنا مستمرة طوال الوقت، ووجودها بعيداً لا يعني أنها لم تعُد زوجتي، فهي من حين لآخر، وأنا خارج البيت، تتصل بي تليفونياً، وغالباً هي التي تتصل بي أكثر مما أتصل بها، وبالمثل، فإن علاقة المؤمن بالرب هي علاقة مستمرة طوال الوقت، فهي تتصل بي، ونتحدث لبضع دقائق فقط، ثلاث أو خمس دقائق، وهو ما يُعرف بـ الاتصال التلغرافي، لكن تخيّل أن علاقتك بزوجتك تقتصر على مثل هذه الاتصالات التلغرافية القصيرة، دون أن تجلس معها على الأقل نصف ساعة أو ساعة يومياً لتتحدثا معاً، عن أنفسكما، عن حياتكما، عن الأبناء، عن البيت، عن ما يثقل كاهلكما كزوجين، وعن القرارات التي تحتاجان لاتخاذها معاً، فماذا يحدث للعلاقة حينها؟ تفتر وتضعف، أمَّا إذا قضيتما وقتاً كافياً مع بعضكما البعض، فماذا يحدث للعلاقة حينها؟ تنمو وتكبر، فالعلاقة تحتاج إلى ممارسة يومية لكي تنمو، وتكبر، وتنتعش، وتزداد عمقاً.

  5. هل يمكن القول إن التأمل يساوي الصلاة؟ فإذا افترضنا ذلك، فهل يعني أنَّه يمكن للمؤمن أن يخرج للتنزُّه في مكان ذو مناظر طبيعية جميلة، ويتأمل في ذاته ويراجع أفكاره، وربما مع الاستماع إلى موسيقى هادئة، ويجلس في لحظات من السكون والتأمل، بحيث يُعدُّ ذلك نوعاً من الصلاة؟

    لا، هذا ليست صلاة، بل تأمّل، التأمل مطلوب أيضاً، مثل التأمل في الخليقة، في الطبيعة، وتأمل الإنسان في أعماقه، أمَّا الصلاة، فقد ذكر الكتاب المقدَّس خمسة أنواع أو محتويات أساسية، منها ما سمّي بـ«صلاة التسبيح»، التي تتضمن مدح الله والتحدث معه عن صفاته، مثل: «يا رب، كم أنت جميل ورائع! ما أعظم محبتك وحنانك ورحمتك وصلاحك!"، فلا يجلس أحد ليكرِّر الكلام لفترة محدَّدة أو لساعة كاملة، فقد أوصى الرب يسوع المسيح بعدم تكرار الكلام باطلاً، وذلك في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٧وَحِينَمَا تُصَلُّونَ لاَ تُكَرِّرُوا الْكَلاَمَ بَاطِلاً كَالأُمَمِ فَإِنَّهُمْ يَظُنُّونَ أَنَّهُ بِكَثْرَةِ كَلاَمِهِمْ يُسْتَجَابُ لَهُمْ. ٨فَلاَ تَتَشَبَّهُوا بِهِمْ. لأَنَّ أَبَاكُمْ يَعْلَمُ مَا تَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ قَبْلَ أَنْ تَسْأَلُوهُ.(مت٦: ٧-٨)، والمعنى المقصود هنا: لا تقُل كلاماً باطلاً لا تقصده، فما فائدته؟ فهو لا يُسعد الرب ولا يُسعد المؤمن، فالصلاة تهدف إلى الاستمتاع بعلاقة مع الله، فلماذا أتحدَّث عن الله معه؟ لماذا أمدحه وأقول: «يا رب، كم أنت جميل!»؟ هل لأن الله يحتاج إلى ذلك؟ لا، ليس كذلك، هل الله يريد ذلك؟ أيضاً لا، إذن، لماذا يقول الكتاب المقدس: «ادخلوا أبوابه بحمد، دياره بالتسبيح» (مز١٠٠: ٤)؟

  6. فما هي قيمة التسبيح؟ إن قيمة التسبيح تكمن في أن تركيزي يكون على الله، فيستطيع المؤمن أن يقابله حقاً، أمَّا إذا دخل أحد ليصلي وهو يحمل مشاكله واحتياجاته فقط، فتركيزه سيكون على نفسه، ولن يستطيع أن يقابله فعلياً، فقيمة التسبيح تكمن في رؤية الله، أمَّا قيمة الشكر فهي ملاحظة يده التي صنعت المراحم والإحسانات مع الإنسان، وهذا يشجِّع الإيمان، ويتيح للمرء أن يراه من خلال أعماله الصالحة مرَّة أخرى، لأن هدف الصلاة هو اللقاء مع الله، والتسبيح والشكر يساعدان على التركيز عليه، فيتمكن الإنسان من مقابلة الرب، ويستطيع الإنسان الخروج من بوتقته، ومن انحصار اهتمامه حول ذاته، ومن الانغماس في نفسه، ورفع قلبه إلى الله، ولهذا السبب تُسمّى الصلاة بـ: "رفع النفس إلى الله"، كما يقول داود في سفر "المزامير": ١إِلَيْكَ يَا رَبُّ أَرْفَعُ نَفْسِي.(مز٢٥: ١)، وأيضاً تسمَّى بـ: "رفع القلوب والأيدي إلى الله"، كما جاء في سفر "مراثي إرميا": ٤١لِنَرْفَعْ قُلُوبَنَا وَأَيْدِينَا إِلَى اللَّهِ فِي السَّمَاوَاتِ.(مرا٣: ٤١)، وكذلك تسمَّى: "رفع العينين"، كما جاء في سفر "المزامير": ١إِلَيْكَ رَفَعْتُ عَيْنَيَّ يَا سَاكِناً فِي السَّمَاوَاتِ.(مز١٢٣: ١)، فالتسبيح والشكر يساعدان الإنسان على أن ينظر إلى الله، ويركّز عليه، ويثبِّت عينيه نحوه، فيتمكّن من لقائه، فقيمة التسبيح تكمن في لقاء الله، وبعد ذلك يصبح الإنسان قادراُ على أن يفحص نفسه، ويقول: "اختبرني يا الله، واعرف قلبي"، كما يقول داود في سفر "المزامير": ٢٣اخْتَبِرْنِي يَا اللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي. ٢٤وَانْظُرْ إِنْ كَانَ فِيَّ طَرِيقٌ بَاطِلٌ وَاهْدِنِي طَرِيقاً أَبَدِيّاً. (مز١٣٩: ٢٣-٢٤).

  7. والسؤال المطروح: هل يوجد في داخل الإنسان شيء خاطئ؟ هل هناك مشاعر أو دوافع غير صحيحة؟ هل يحمل في داخله عدم غفران؟ هل يوجد أمر في الداخل يمنع الإنسان من أن يستمتع ويتلذَّذ بالله، أو يجعل الزجاج الذي بينه وبين الله متسخاً ومعتماً من جهته، فلا يراه بوضوح؟ لذلك يقول داود في صلاته: ٢٣اخْتَبِرْنِي يَا اللهُ وَاعْرِفْ قَلْبِي. امْتَحِنِّي وَاعْرِفْ أَفْكَارِي.(مز١٣٩: ٢٣)، ففي محضر الله تحدث التنقية، ويتحقق التطهير، وكأن الإنسان يستحم يومياً، فالإنسان حين يستيقظ صباحاً يدخل إلى الحمام ليستحم وينظِّف نفسه ويغسل أسنانه، قبل أن يخرج من منزله لكي يقضي يومه نظيفاً، لأجله ولأجل الآخرين، وبالمعنى نفسه، يحتاج الإنسان إلى التنقية الداخلية كي يلتقي بالرب، لأن أنقياء القلب يعاينون الله، إذ يقول الرب يسوع المسيح، في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٨طُوبَى لِلأَنْقِيَاءِ الْقَلْبِ لأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ اللَّهَ.(مت٥: ٨)، فينبغي أن يتم تنقية القلب باستمرار، لكي يظل الإنسان قادراً على رؤية الله والبقاء في حضرته، ويقول داود في سفر "المزامير": ١٠قَلْباً نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي (مز٥١: ١٠)، وحتى حين يخرج المؤمن إلى حياته اليومية يظل الرب معه، ثم يجلس ويتحدث عن نفسه مع الله، ثم يقول للرب: "حدّثني عنك"، وهذه نقطة يفتقدها كثيرون، وهي إتاحة الفرصة لله أن يتحدَّث عن ذاته، فالله يُعلن ذاته بوضوح في الكتاب المقدس، حيث يرى الإنسان شخص الله من خلال الكلمة المقدَّسة، ثم يتعلّم مع الوقت أن الله يتحدث عن ذاته له أيضاً أثناء الصلاة، كما فعل مع إبراهيم، عندما أراد الرب أن يهلك مدينتيّ سدوم وعمورة بسبب خطاياهم، إذ يقول الرب لإبراهيم: "هل أُخفي عن إبراهيم ما أنا فاعله؟"، كما جاء في سفر "التكوين": ١٦ثُمَّ قَامَ الرِّجَالُ مِنْ هُنَاكَ وَتَطَلَّعُوا نَحْوَ سَدُومَ. وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ مَاشِياً مَعَهُمْ لِيُشَيِّعَهُمْ. ١٧فَقَالَ الرَّبُّ: «هَلْ أُخْفِي عَنْ إِبْرَاهِيمَ مَا أَنَا فَاعِلُهُ ١٨وَإِبْرَاهِيمُ يَكُونُ أُمَّةً كَبِيرَةً وَقَوِيَّةً وَيَتَبَارَكُ بِهِ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ؟ (تك١٨: ١٦-١٨)، فالرب يريد أن يُعلن ما سيفعله لإبراهيم، لا لأنه مُلزَم بأن يُخبِر الإنسان، بل لأنَّ الرب يحب أن يشاركه مقاصده، فهذه هي طبيعة العلاقة مع الصديق، وابراهيم كان خليل الله أيّ صديقه المقرَّب، كما جاء في سفر "إشعياء": ٨وَأَمَّا أَنْتَ يَا إِسْرَائِيلُ عَبْدِي يَا يَعْقُوبُ الَّذِي اخْتَرْتُهُ نَسْلَ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلِي.(إش٤١: ٨).

  8. هل يكلّم الله الإنسان فعلًا في الصلاة؟ وإذا كانت الصلاة علاقة متبادلة، فكيف يكون ردّ الله عمليًا، وكيف نميّز صوته عن مجرد أفكار داخلية؟

    للأسف، فقد اعتاد عدد كبير جداً من الناس أن يفهموا الصلاة على أنها مجرَّد إغماض العينين والتحدث المستمر ثم إنهاء الكلام بقول «آمين»، وهذا ما يمكن وصفه بـ المونولوج (Monologue) أيّ الحديث المفرد، وليس الديالوج (Dialogue)الذي يعني حواراً قائماً على الأخذ والعطاء بين شخصين، أيّ أن يتكلَّم الإنسان ويكون هناك ردّ من الله، فإذا لم يتحدَّث الله مع الإنسان في الصلاة، فلا يمكن القول إنَّه قد التقى به، إذ يقول الرب يسوع المسيح: "خرافي تسمع صوتي"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٧خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي.(يو١٠: ٢٧)، فما يميّز أن يكون الإنسان ابنًا لله هو أن يعرف كيف يسمع كلام الله، وبالطبع، يتصوَّر البعض، بمجرَّد سماع هذه الفكرة، أنَّه يجب أن يسمع صوتًا من الخارج، أو أن يحدث رعد، أو يتكسّر الزجاج، أو يلمع نور في الغرفة، أو تنقطع الكهرباء، أو أمور من هذا القبيل، لكنَّني لا أقصد هذا، بل على العكس، الغالب أن صوت الله يكون منخفضاً وخفيفاً، كما في قصة (إيليَّا)، عندما دخل المغارة، جاء أولاً صوت ريح وزوبعة، ولم يكن الله فيها، ثم زلزلة ولم يكن الله فيها، وأخيراً النار، ولم يكن الله فيها أيضاً، وبعدها سمع الصوت المنخفض الخفيف، وهناك كان حضور الله الحقيقي، قائلاً: "ما لك ههنا يا إيليَّا؟"، كما جاء في سفر "الملوك الأول": ٨فَقَامَ وَأَكَلَ وَشَرِبَ، وَسَارَ بِقُوَّةِ تِلْكَ الأَكْلَةِ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً إِلَى جَبَلِ اللَّهِ حُورِيبَ، ٩وَدَخَلَ هُنَاكَ الْمَغَارَةَ وَبَاتَ فِيهَا. وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَيْهِ: مَا لَكَ هَهُنَا يَا إِيلِيَّا؟ ١٠فَقَالَ: قَدْ غِرْتُ غَيْرَةً لِلرَّبِّ إِلَهِ الْجُنُودِ، لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي. وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا. ١١فَقَالَ: اخْرُجْ وَقِفْ عَلَى الْجَبَلِ أَمَامَ الرَّبِّ. وَإِذَا بِالرَّبِّ عَابِرٌ وَرِيحٌ عَظِيمَةٌ وَشَدِيدَةٌ قَدْ شَقَّتِ الْجِبَالَ وَكَسَّرَتِ الصُّخُورَ أَمَامَ الرَّبِّ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الرِّيحِ. وَبَعْدَ الرِّيحِ زَلْزَلَةٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي الزَّلْزَلَةِ. ١٢وَبَعْدَ الزَّلْزَلَةِ نَارٌ، وَلَمْ يَكُنِ الرَّبُّ فِي النَّارِ. وَبَعْدَ النَّارِ صَوْتٌ مُنْخَفِضٌ خَفِيفٌ. ١٣فَلَمَّا سَمِعَ إِيلِيَّا لَفَّ وَجْهَهُ بِرِدَائِهِ وَخَرَجَ وَوَقَفَ فِي بَابِ الْمَغَارَةِ، وَإِذَا بِصَوْتٍ إِلَيْهِ يَقُولُ: مَا لَكَ هَهُنَا يَا إِيلِيَّا؟ (١مل١٩: ٨-١٣).

  9. فصوت الرب، في أغلب الأحيان، يكون منخفضاً وخفيفاً، ويخاطب أعماق الإنسان، ومن الوسائل التي يتكلَّم الله بها مع المؤمن هي الكتاب المقدَّس؛ لذلك لا يجب الصلاة بدونه، فحين نصلِّي، نأخذ الكتاب المقدَّس معنا، لأننا نسمع صوت الرب من خلاله في البداية، فهو كلمة الله ورسالته إلينا، فعن من يخاطبنا الله في الكتاب المقدَّس؟ أغلبنا يبحث في الكتاب المقدس عن المواعيد والبركات الإلهية، مثل: "أباركك وتكون بركة"، إذ يقول الرب لأبينا ابراهيم، كما جاء في سفر "التكوين": ١وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ: «اذْهَبْ مِنْ أَرْضِكَ وَمِنْ عَشِيرَتِكَ وَمِنْ بَيْتِ أَبِيكَ إِلَى الأَرْضِ الَّتِي أُرِيكَ. ٢فَأَجْعَلَكَ أُمَّةً عَظِيمَةً وَأُبَارِكَكَ وَأُعَظِّمَ اسْمَكَ وَتَكُونَ بَرَكَةً. ٣وَأُبَارِكُ مُبَارِكِيكَ وَلاَعِنَكَ أَلْعَنُهُ. وَتَتَبَارَكُ فِيكَ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ».(تك١٢: ١-٣)، وأيضاً: "أحفظك...وأحميك"، إذ يقول داود، كما جاء في سفر "المزامير": ٤أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. (مز٢٣: ٤)، وهذا أمرٌ جيد بالفعل فهو تشجيع وتعزية، ولكن أهم ما في الكتاب المقدَّس هو إعلان الله عن نفسه؛ فالله يريد أن يقول للإنسان من هو.

  10. ولذلك، عندما يحين وقت الصلاة، يقول المؤمن: «يا رب، أريدُ أنْ أعرفِكَ أكثر، أريدُ أنْ أفهم من أنت، احكِ لي عن نفسِك»، فمن خلال الكتاب المقدَّس يظهر كلام الله عن ذاته، وينبغي المواظبة على قراءة الكتاب؛ فمن يبدأ قراءة الكتاب المقدَّس، عليه أن يواصل قراءته اليومية له وهو يصلي قائلاً: «يارب، احكِ لي عنك»، حيث سيفاجأ بأن الله يتحدَّث بوضوح بين السطور عن نفسه، عن مشاعره، عن قلبه، عن أفكاره، عن طبيعته، عن صفاته، وبالأخص في العهد الجديد، يكون ذلك واضحاً وضوح الشمس، إذ أن الموضوع الرئيسي فيه هو الرب يسوع المسيح، وهو يتعامل مع المرأة السامرية (يو٤: ٥-٣٠)، ومع المرأة الزانية (يو٨: ١-١١)، ومع الشاب الغني (مت١٩: ١٦- ٢٤)، ومع الفقراء خاصة في معجزة إطعام الجموع الخمسة آلاف رجل - عدا

    النساء والأطفال - بخمسة أرغفة وسمكتين (مت١٤: ١٣-٢١)، وقام بشفاء العشرة مصابين بالبرص (لو١٧: ١١-١٩)، وبالتالي فنحن نرى الرب يسوع في مواقف عدة، فنعرف بماذا يشعر؟ بماذا يحس؟ كيف يتحدث إلى أولئك الناس؟ وكيف ينظر إليهم؟، ويصف لنا الكتاب المقدَّس المشهد الذي جمع بين الرب يسوع المسيح والشاب الغني، حيث يقول: «نظر إليه وأحبه»، رغم علمه أنَّه سيتركه ويبتعد عنه، كما جاء في إنجيل "مرقس": ١٩أَنْتَ تَعْرِفُ الْوَصَايَا: لاَ تَزْنِ. لاَ تَقْتُلْ. لاَ تَسْرِقْ. لاَ تَشْهَدْ بِالزُّورِ. لاَ تَسْلِبْ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ». ٢٠فَأَجَابَ: «يَا مُعَلِّمُ هَذِهِ كُلُّهَا حَفِظْتُهَا مُنْذُ حَدَاثَتِي». ٢١فَنَظَرَ إِلَيْهِ يَسُوعُ وَأَحَبَّهُ وَقَالَ لَهُ: «يُعْوِزُكَ شَيْءٌ وَاحِدٌ. اذْهَبْ بِعْ كُلَّ مَا لَكَ وَأَعْطِ الْفُقَرَاءَ فَيَكُونَ لَكَ كَنْزٌ فِي السَّمَاءِ وَتَعَالَ اتْبَعْنِي حَامِلاً الصَّلِيبَ». ٢٢فَاغْتَمَّ عَلَى الْقَوْلِ وَمَضَى حَزِيناً لأَنَّهُ كَانَ ذَا أَمْوَالٍ كَثِيرَةٍ. (مر١٠: ١٩-٢٢).

  11. فنحن نرى الرب، وهذا ما يقوله الكتاب المقدس: في الصلاة، نريد أن نكون "«ناظرين مجد الرب بوجه مكشوف، فنُتغيَّر"، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": ١٨وَنَحْنُ جَمِيعاً نَاظِرِينَ مَجْدَ الرَّبِّ بِوَجْهٍ مَكْشُوفٍ، كَمَا فِي مِرْآةٍ، نَتَغَيَّرُ إِلَى تِلْكَ الصُّورَةِ عَيْنِهَا، مِنْ مَجْدٍ إِلَى مَجْدٍ، كَمَا مِنَ الرَّبِّ الرُّوحِ.(٢كو٣: ١٨)، فمن أروع جوانب الصلاة هو أن «أترك ربنا يحكي لي عن نفسه»، ليحدِّثني عن من هو، عن آلامه، عن الحزن الذي يحمله تجاه الناس، عن ما يفعله في حياة البشر، وما يريد تحقيقه، وعن ما يريد أن نفعله نحن كأبناء له، في البداية، ولأننا قد لا نتمكن من تمييز صوته، نرى ذلك بوضوح في الكتاب المقدَّس، ويجب أن نتعلَّم قراءة الكتاب المقدَّس جيداً لنعرف من هو الله، لا لأجل الحصول على المواعيد والارشاد، وكأنه بوصلة تحدِّد لنا الاتجاهات: ماذا نفعل اليوم، وما الذي سيحدث لنا اليوم، ويصير كأنه (حظك اليوم) الذي يقدَّم في الصحف، فالكتاب المقدس ليس مُعدَّاً لهذا الغرض، بعد ذلك، وفي ضوء هذا الفهم، نبدأ في الصلاة من أجل الطِلبات، ونتعلَّم أن نتوقف عن طلب شيئاً ما لنا، بل نطلب الرب فقط، ثم نطلب له أي من أجله ومن أجل مجده، وأخيراً نطلب لأنفسنا، حتى نتمكن من ترتيب حياتنا بشكل صحيح، لأن أبانا السماوي علَّمنا الترتيب الصحيح في الصلاة: أن نطلب له قبل أن نطلب لأنفسنا، وهي الصلاة التي تعرف بـ الصلاة الربانية (مت٦: ٩-١٣)، فنحن نريدك انت يا رب فانت شبعنا، ونريد أن نلتقي بك، ويقوم كل منَّا في بداية صلاته بطلب الرب، قائلاً:" لقد جئت لأقابلك، افتح عينيَّ لأراك، واغمض عينيَّ عن العالم وعن نفسي لكي أنشغل بك وحدك وأراك بوضوح"، فشبع قلوبنا الحقيقي والارتواء العميق لا يصنعهما شيء سوى اللقاء بالرب، لأن ما يملأ القلب حقًا هو حضوره، لا ما يعطيه.

  12. هل التركيز على العلاقة مع الله يُلغي مفهوم العبادة والطقوس، وإذا كان الأمر كذلك، فهل كان اعتراض المسيح على المتديِّنين نابعاً من رفضه للعبادة ذاتها، أم من رفضه لطريقة ممارسة تلك العبادة، إذ طالبهم بالتوقف تماماً عمَّا يفعلوه؟

    لا تقوم علاقتنا بالله كمسيحيين على فكرة أداءَ واجبٍ أو التزاماً مفروضاً؛ فنحن لا نؤدّي واجباً مع الله، ولا نفعل ذلك لأن الله محتاج إلى هذا الأمر، فالله ليس في عزاء لنذهب ونعزّيه، ولا في فرح لنذهب ونقول له: "ألف مبروك"، حتى يُقال إننا نؤدّي واجباً، ففي العهد الجديد، سأل التلاميذ الرب يسوع المسيح أن يعلِّمهم كيفية الصلاة، قائلين: "علِّمنا أن نصلي"، فأجاب: "متى صليتم فقولوا: يا أبانا"، كما جاء في إنجيل "لوقا": ١وَإِذْ كَانَ يُصَلِّي فِي مَوْضِعٍ لَمَّا فَرَغَ قَالَ وَاحِدٌ مِنْ تَلاَمِيذِهِ: «يَا رَبُّ عَلِّمْنَا أَنْ نُصَلِّيَ كَمَا عَلَّمَ يُوحَنَّا أَيْضاً تَلاَمِيذَهُ». ٢فَقَالَ لَهُمْ: «مَتَى صَلَّيْتُمْ فَقُولُوا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ.(لو١١: ١-٢)، فنحن نقول للرب: "بابا"، وليس «يا سيدنا»؛ ففي العهد الجديد، صار الخطاب هو خطاب أبناء لأبيهم: «بابا» المحبوب، المرغوب، محلّ الثقة، أنا (ابنك/ ابنتك) وقد أتيت لأتحدَّث معك، لأنني أحتاج إلى الحديث معك؛ أَشبع بلقائك، وأملأ خزان المحبَّة في داخلي منك، وأجدِّد قوَّتي في لقائك وحضورك، وأستند إلى ذراعِك، لا أفعل ذلك من أجلك، بل من أجلي، ومن أجل أن تنمو العلاقة التي بيني وبينك عُمقاً واتساعاً، ولذلك تُمارَس العلاقة الشخصية في الخفاء، لا تظاهراً أمام الناس، لكي يغلق كل منَّا ذهنه وعينيه عن الأحداث المحيطة به فيلتقي بالرب ويستطيع أن يركِّز؛ إذ لا يُعقل أن يتحقَّق هذا التركيز وسط ضجيج الحياة، وكان للرب يسوع المسيح موقف واضح من المرائين لا من المتديّنين؛ وكان بعضهم آنذاك من الكتبة والفريسيِّين، وإذا اعتبرنا أن المسيحية ليست ديناً كما اتفقنا، فإن المتدينين مراؤون، ولكن المفهوم الحالي للمتديِّنين والتديُّن لم يَعُد يعني كذلك، إذ يقصد به من يحب الله وينتمي إليه، لكن في ذلك الوقت كان المتديُّن هو المتمسك بصورة الدين الخارجية فقط دون جوهر، لكن في أيّ وقت يستخدم فيه الإنسان مظهره الديني أو خشوعه للرب لكسب محبَّة الناس أو رضاهم، يصبح ذلك رياءً، فمن يردِّد أنَّه تابع للرب أو ملك للرب فيُعَدُّ ذلك رياء، فلا يمكن استخدام الرب لمصالح الإنسان، بل المحبَّة الحقيقية لله هي الشبع به، والعلاقة الحقيقية قائمة بين الإنسان وبين الرب فقط، دون استغلال ذلك لكسب إعجاب الناس.

  13. هل هناك مانع أن يُظهر المؤمن محبَّته للرب والتزامه أمام الناس، بحيث يحظى بمحبَّتهم وتقديرهم، وربما يصبح قدوة لهم فيقتدوا به، بينما هو ملتزم حقاً، لا يتظاهر، ويؤدي صلاته وعشوره في مواعيدها، بدافع محبَّته للرب ورغبته في التعبِّد له؟

    هذا خلطٌ للأوراق، فهناك فرق بين النتيجة والغرض، فالشخص الذي يتبع الرب ويحبه ويعيش معه لا يحتاج إلى إظهار ذلك أمام الآخرين لكسب محبَّتهم أو قبولهم، بل على العكس، عندما يكون الشخص حقاً تابعاً للرب ويحبُّه بالفعل، تكون فيّه نعمة تجعل الناس يحبونه، لكن هذا ليس الهدف؛ فمحبَّة الله تكفيه وتزيد، ولتوضيح الفكرة أكثر، يمكن تشبيه الإنسان بسفنجة فارغة، عطشى للحُب، بلا مصدر للحب، والمصدر الوحيد للحب هو الله وليس الناس، لأن المحبَّة من الله، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى": ٨وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ٱللهَ، لِأَنَّ ٱللهَ محبَّة.(١يو٤: ٨)، فالناس ليست مصدراً للحب، فهم جميعاً عطشى وجوعى للحب، وإذا كان هناك إنسان لا يحبّه الجميع، أو شخص لم يربِّت عليه أحدٌ قط، يمكنه أن يشعر بمحبَّة الله، فكما تُفرَّغ الإسفنجة من الهواء ثم تُغمر في الماء فتمتلئ به، هكذا الإنسان حين يُغرَس في محبَّة الله يمتلئ بها، وعندما يخرج منها تفيض هذه المحبَّة منه، فتنسكب على من حوله وتبلّلهم، لأن من يشبع بمحبَّة الله لا بُدَّ أن يفيض حبَّاً على الناس، إذ يقول الرب يسوع المسيح في حديثه مع (المرأة السامرية)، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٠أَجَابَ يَسُوعُ: «لَوْ كُنْتِ تَعْلَمِينَ عَطِيَّةَ اللَّهِ وَمَنْ هُوَ الَّذِي يَقُولُ لَكِ أَعْطِينِي لأَشْرَبَ لَطَلَبْتِ أَنْتِ مِنْهُ فَأَعْطَاكِ مَاءً حَيّاً»...١٣أَجَابَ يَسُوعُ: «كُلُّ مَنْ يَشْرَبُ مِنْ هَذَا الْمَاءِ يَعْطَشُ أَيْضاً. ١٤وَلَكِنْ مَنْ يَشْرَبُ مِنَ الْمَاءِ الَّذِي أُعْطِيهِ أَنَا فَلَنْ يَعْطَشَ إِلَى الأَبَدِ بَلِ الْمَاءُ الَّذِي أُعْطِيهِ يَصِيرُ فِيهِ يَنْبُوعَ مَاءٍ يَنْبَعُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ».(يو٤: ١٠، ١٣-١٤) والإنسان الذي يفيض حُبًّا على الناس يتجاوبون معه، فيبادلونه المحبَّة، لا لأنه محتاج إلى هذا الحب، بل لأنَّه قد أعطاهم أولًا، فيحبّونه استجابة لما يقدّمه؛ أمَّا الإنسان الجافّ الفارغ الذي لم يأخذ محبَّة من الله، فإنه يستجدي الحُب من الناس، ولأنه خاوٍ من الداخل، فعندما يقترب من الآخرين لا يروّيهم بل يجرحهم، فينفرون منه ويبتعدون عنه، فتتكوَّن لديه دائرة مغلقة: لا يملك حبّاً ليعطيه، فيتسوّل الحُب من الناس، فينفرون منه فيزداد شعوره بالرفض وتزداد حاجته، فيتضاعف الرفض، أمّا العكس فهو الصحيح؛ إذ حين يدخل الإنسان إلى محضر الله ويشبع بمحبَّة الله ويرتوي به، يكون لديه حبّ يستطيع أن يحبّ به الناس، ويَفيض بهذا الحب عليهم، فيجد منهم تجاوباً ومحبَّة.

  14. إذا افترضنا وجود طفلٍ لم يختبر محبَّة الوالدين، أو شابٍّ محتاجٍ إلى محبَّة الناس، وبما أنّ الله لا يُرى، فإن الإنسان غالباً ما يختبر محبَّته من خلال محبَّة الآخرين وقبولهم له؛ إذ حين يُحَبّ يشعر بأنه محبوب، فيقدر أن يحبّ الله، فكيف يمكن لشخصٍ لم يتلقَّ في حياته محبَّة من البشر، ولم يربِّت عليه أحد، أن يعرف أنّ الله محبَّة، وأن يتلامس مع محبَّته؟

    الطفل يصعُب عليه أن يتلامس مع محبَّة الله لعدم نضجه ووعيه، إذ يحتاج إلى محبَّة الوالدين لكي تُشبِع تلك «الإسفنجة»، أمَّا الإنسان البالغ فيستطيع أن يتلامس مع محبَّة الله، حتى لو اختبر الرفض وعدم المحبَّة طوال حياته، فالذي تعرّض للرفض في طفولته يظنّ أن الله لا يحبّه، لأن والديه لم يحبّاه، ولأنه رأى صورة الله في والديه؛ فالأهل في نظر الطفل هم الله، وهم صورة الله، لأنهم سبب وجوده في الحياة، وبالنسبة له هم الله، إذ يراهم يقومون بأمور خارقة: يمشون، ويتكلمون، ويفتحون ويغلقون، ويقودون، فإذا لم تحبّه هذه «الآلهة» وكبر على هذا الأساس، ترسّخ داخله الاعتقاد أن الله لا يحبّه، فما الحلّ؟ ليس أن يحبّه الناس، لأن هذا الشخص مهما نال من محبَّة الناس لا يُشفى، إذ لا أحد يملك المحبَّة غير المشروطة سوى الله وحده، فالمحبَّة هي من الله، وبالنسبة للوالدين، فحتى محبَّة الأم نفسها تكون مشروطة، وكذلك محبَّة الأب، ومع الأسف فإن أغلب الوالدين ربّوا أبناءهم على عبارات من قبيل: «أطعني لأحبك»، و«انجح لأحبك»، فوضعوا للمحبَّة شروطاً دون أن يشعروا، فكأنهم وضعوا السُّم في العسل، ففسدت المحبَّة، لأن المحبَّة تحوَّلت إلى مكافأة تُنال عند تحقيق إنجاز معيَّن، بينما هذا ليس هو الحُب الحقيقي؛ فالحُب الحقّ هو أن يكون الإنسان محبوباً لذاته، بلا شروط، وهذا لا يوجد إلَّا عند الله، ثم عند الأشخاص الذين شبعوا بمحبَّة الله، فيستطيعون أن يعكسوا جزءاً ضئيلاً منها، وهو جزء لا يكفي أحداً، بل يكون مجرَّد لمسة بسيطة، أو «تذوُّق» خفيف، كنوع من المقبِّلات التي تسبق وجبة الطعام، مما يدفع الإنسان في النهاية إلى أن يذهب ليأخذ المحبَّة الكاملة من الله نفسه، إذ يرمز الفنطاس المملوء بالماء إلى الله؛ فهو المصدر الذي يستطيع الإنسان أن يغمس فيه الإسفنجة، فتخرج مشبعة بالماء، أمَّا ما يقدّمه الإنسان للناس فهو مجرَّد قطرات تتساقط عليهم، أيّ إن هذه الإسفنجة لا تستطيع أن تملأ إسفنجات أخرى، ومن هُنا يكون الإنسان، ما دام مشبعاً بمحبَّة الله، قادراً على أن يسقط على الناس قطرات المحبَّة؛ فإذا سأله الناس: من أين جئتَ بهذا؟ يقول لهم: "حصلت عليه من الله".

  15. وأقص عليكم حكاية تحدث معي في كثير من الأحيان، بوصفي قسّيساً وأباً لديّ أبناء أحبّهم؛ إذ يأتي بعض الناس، من الشباب وغيرهم، ويقول أحدهم: «هل يمكن أن أحتضنك يا قسيس؟» فأقول له: «تعال يا حبيبي»، وأضمُّه إلى صدري وأربِّت عليه بقوَّة، فيشعر بالسعادة، ثم يمضي، لكن إن كان هذا الشخص مجروحاً وفي داخله نقص في المحبَّة، فهل هذا العناق شفاه؟ أبداَ؛ إذ سيظلّ في كل مرَّة محتاجاً أن يأتي ليأخذ هذا العناق من جديد، وهذا العناق وحده لن يشفيه أبداً، لأنه يمنح راحة وقتيّة فقط، مجرَّد قطرات، فأنا لا أملأ الإسفنجة الخاصة به، بل أُسقط عليه بعض القطرات لا أكثر، لذلك أقول للناس صراحة: "احذروا، فأنا لن أكون بديلاً وعوضاً لكم عن الله"، وأقول لأولادي أيضاً: "لن أعوّضكم عن محبَّة الله، فلا تكتفوا بحبّي ولا تكتفوا بالعلاقة معي، فأنا لا أستطيع أن أكون بديلاً وعوضاً عن الله، هذه هي القضيَّة، فالسعادة، كما قلنا من قبل، هي في الله، والله متاح لكل من يطلبه، كما جاء في سفر "إرميا": ١٣وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.(إر٢٩: ١٣)، ويقول داود في سفر "المزامير": ٨لَكَ قَالَ قَلْبِي: قُلْتَ اطْلُبُوا وَجْهِي. وَجْهَكَ يَا رَبُّ أَطْلُبُ.(مز٢٧: ٨)، فالمحبَّة الإلهية غامرة وكاملة ووافية وشافية وتشفي كل جراح الماضي، وتعيد إلى الإنسان ثقته بنفسه وآدميته، عندما يرتمي ويغمر نفسه ويمتلئ بمحبَّة الله.

  16. هل توجد لدينا، كمسيحيِّين، فروض لعبادة الله، مثل الذهاب إلى الكنيسة بانتظام في مواعيد محدَّدة، والمواظبة على الصلاة والصوم وقراءة الكتاب المقدَّس، كتعبير عملي عن محبَّتنا لله واحترامه وتمجيده وإكرامه، كما يقدّم الابن فروض الاحترام لأبيه، بدل الاكتفاء بالقول: «يارب، إنني أحبُّك» وترك الأمور بلا التزام، بحيث نظهر للآخرين كأمّة وشعب متديِّن يعبد هذا الإله؟

    لا وجود لدينا لفروض عبادة في العلاقة مع الله، فكلمة "فرض" تلغي العلاقة البنويَّة الأبويَّة، وتلغي مفهوم المحبَّة في العلاقة بين الإنسان والله، فليس هناك فروض بين الزوج وزوجته، فالاحترام الحقيقي ليس فرضاً، فنحن نحب الرب ولا حاجة لدينا لإثبات حبِّنا له، ولا حاجة لنا بأن نؤدي فروضاً للعبادة كي يراها الناس، فالربُّ يرانا وهذا يكفي، ولا ينبغي خلط الأمور، فخلط الأوراق هو ما يضيُّعنا، ويولِّد الرياء والتديُّن الكاذب، ويفقدنا مصداقية وصدق العلاقة مع الله، فالعلاقة الحقيقية مع الله هي علاقة محبَّة تشبعنا، وهذا الشبع يجعلنا نلتصق به ونرغب في التقرّب منه باستمرار، لأن الشبع الحقيقي يأتي منه وحده، كما جاء في العهد القديم في سفر "المزامير": ١كَمَا يَشْتَاقُ الإِيَّلُ إِلَى جَدَاوِلِ الْمِيَاهِ هَكَذَا تَشْتَاقُ نَفْسِي إِلَيْكَ يَا اللهُ. ٢عَطِشَتْ نَفْسِي إِلَى اللهِ إِلَى الإِلَهِ الْحَيِّ. مَتَى أَجِيءُ وَأَتَرَاءَى قُدَّامَ اللهِ! (مز٤٢: ١-٢)، أمّا إن لم تكن هذه اللهفة في داخلنا للقاء الرب، فهنا يبرز علامة استفهام، لذلك فليس لنا حاجة لإظهار إيماننا بالرب ليراه العالم من حولنا، فعلى سبيل المثال، فأنا أحبّ زوجتي وهي تحبّني، فهل نسير متشابكي الأيدي لكي نُري الناس أنها تحبّني؟! إن تمجيد الرب لا يكون بأن نظهر للناس مقدار محبَّتنا له، نحن لا ننادي بديانة مسيحية شكليَّة؛ فمن لا يريد الذهاب إلى الكنيسة فلا يذهب، نرجو أن نكون واعين للأساس الذي نبني عليه، لأننا إذا لم نبدأ من الأساس الصحيح، جاءت النتائج خاطئة، وغير حقيقيّة، كما يقول الكتاب المقدس: "من فضلة القلب يتكلم الفم"، إذ يقول الرب يسوع المسيح للفريسيِّين، كما جاء في إنجيل "متى": ٣٤يَا أَوْلاَدَ الأَفَاعِي! كَيْفَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَتَكَلَّمُوا بِالصَّالِحَاتِ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ؟ فَإِنَّهُ مِنْ فَضْلَةِ الْقَلْبِ يَتَكَلَّمُ الْفَمُ. ٣٥اَلإِنْسَانُ الصَّالِحُ مِنَ الْكَنْزِ الصَّالِحِ فِي الْقَلْبِ يُخْرِجُ الصَّالِحَاتِ وَالإِنْسَانُ الشِّرِّيرُ مِنَ الْكَنْزِ الشِّرِّيرِ يُخْرِجُ الشُّرُورَ. ٣٦وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَاباً يَوْمَ الدِّينِ. ٣٧لأَنَّكَ بِكَلاَمِكَ تَتَبَرَّرُ وَبِكَلاَمِكَ تُدَانُ».(مت١٢: ٣٤-٣٧)، فإذا كان ما أقوله ليس نابعاً من قلبي، لكان هذا الكلام غير حقيقي، ومزيّفاً، ولن يؤثّر في الناس، وأكون أنا نفسي إنساناً مزيفاً، أمَّا إذا كان هذا الكلام نابعاً من القلب، فمن الطبيعي أن يخرج على اللسان، لأنَّه من فضلة القلب يتكلّم اللسان،

  17. نحن اعتدنا كمجتمع أن نشكّ في كل ما يُظهَر كأن له دائماً غاية خفيَّة، بينما الحقيقة أن هناك فرقاً جوهريَّاً بين الهدف والنتيجة، فإظهار المحبَّة يجب أن يكون نتيجة للمحبَّة لا هدفاً في حد ذاته، وهكذا أيضاً علاقتنا بالله، فلها نتائج طبيعية تظهر دون تكلّف أو زيف.

    ما هو المثال الكتابي الذي يوضِّح نتيجة علاقة المحبَّة التي تربط بين الإنسان والله؟

    كما حدث مع موسى النبي، إذ جلس في محضر الرب أربعين يوماً، وحصل على الوصايا العشر في لوحيّ الشهادة، فعندما نزل من الجبل كان وجهه يلمع دون أن يدري، وكان الناس هم الذين لاحظوا ذلك وأخبروه بلمعان وجه، لأن النور لم يكن هدفه، بل نتيجة طبيعية لوجوده في محضر الله، فقام بتغطية وجه بالبرقع، كما جاء في سفر "الخروج": ٢٧وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اكْتُبْ لِنَفْسِكَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لأَنَّنِي بِحَسَبِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ قَطَعْتُ عَهْداً مَعَكَ وَمَعَ إِسْرَائِيلَ». ٢٨وَكَانَ هُنَاكَ عِنْدَ الرَّبِّ أَرْبَعِينَ نَهَاراً وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً لَمْ يَأْكُلْ خُبْزاً وَلَمْ يَشْرَبْ مَاءً. فَكَتَبَ عَلَى اللَّوْحَيْنِ كَلِمَاتِ الْعَهْدِ الْكَلِمَاتِ الْعَشَرَ. ٢٩وَلَمَّا نَزَلَ مُوسَى مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ وَلَوْحَا الشَّهَادَةِ فِي يَدِهِ عِنْدَ نُزُولِهِ مِنَ الْجَبَلِ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ جِلْدَ وَجْهِهِ صَارَ يَلْمَعُ مِنْ كَلاَمِ الرَّبِّ مَعَهُ. ٣٠فَنَظَرَ هَارُونُ وَجَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ مُوسَى وَإِذَا جِلْدُ وَجْهِهِ يَلْمَعُ فَخَافُوا أَنْ يَقْتَرِبُوا إِلَيْهِ. ٣١فَدَعَاهُمْ مُوسَى. فَرَجَعَ إِلَيْهِ هَارُونُ وَجَمِيعُ الرُّؤَسَاءِ فِي الْجَمَاعَةِ. فَكَلَّمَهُمْ مُوسَى. ٣٢وَبَعْدَ ذَلِكَ اقْتَرَبَ جَمِيعُ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَأَوْصَاهُمْ بِكُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ الرَّبُّ مَعَهُ فِي جَبَلِ سِينَاءَ. ٣٣وَلَمَّا فَرَغَ مُوسَى مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُمْ جَعَلَ عَلَى وَجْهِهِ بُرْقُعاً. ٣٤وَكَانَ مُوسَى عِنْدَ دُخُولِهِ أَمَامَ الرَّبِّ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ يَنْزِعُ الْبُرْقُعَ حَتَّى يَخْرُجَ. ثُمَّ يَخْرُجُ وَيُكَلِّمُ بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا يُوصَى. ٣٥فَإِذَا رَأَى بَنُو إِسْرَائِيلَ وَجْهَ مُوسَى أَنَّ جِلْدَهُ يَلْمَعُ كَانَ مُوسَى يَرُدُّ الْبُرْقُعَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى يَدْخُلَ لِيَتَكَلَّمَ مَعَهُ.(خر٣٤: ٢٧-٣٥)، فلم يكن وجه موسى يلمع لكي يعرف الناس أنه كان مع الله، بل لأنَّه كان فعلاً في محضر الله؛ فاللمعان لم يكن هدفاً مقصوداً، بل نتيجة طبيعية، أمَّا حين يتحوَّل الهدف إلى أن يلمع الوجه، فيجلس الإنسان أمام الله طالباً: «لمِّع وجهي يا رب، ليَراني الناس ويعرفوا أنَّني رجل الله، وأن جلوسي معك يمجّدك»، فعندئذٍ لا يحدث شيء، ولا يلمع الوجه، لأن الغاية تكون فاسدة، إن النور لا يُستجدى ولا يُصنَع، بل ينبثق تلقائيَّاً حين تكون العلاقة صحيحة، ولهذا أرجوكم أن ننتبه جيداً: ما يظهر يجب أن يكون نتيجة صادقة لعلاقة حقيقية، لا هدفاً يُلاحَق أو وسيلة لرياء واستعراض زائف، إذ يخبرنا بولس الرسول عن ثمر الروح، أيّ نتيجة عمل الروح القدس في المؤمن، وذلك في رسالته إلى "غلاطية": ٢٢وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: محبَّة فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ ٢٣وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ.(غل٥: ٢٢-٢٣)، هذه نتيجة طبيعية؛ فقد زرعتُ الشجرة وسقيتُها، وكانت النتيجة الحتمية أن تُثمر.

  18. إذا كان الإنسان قد يُساء فهمه رغم أمانته مع الله، فهل يكتفي بإخلاصه الداخلي، أم ينبغي أن يُظهر ما يعبّر عن إيمانه حتى لا يُساء فهمه ويكون قدوة للآخرين؟

    إن المصداقية والصدق يغيِّران طريقة تفكير الناس؛ فالناس اعتادت التفكير بصورة خاطئة، واعتادت الرياء، واعتادت أن تظنّ أنّ لكل ما يفعله الإنسان غرضاً خفيَّاً آخر غير ما يُظهِره، وأنَّ من حقّه أن يُظهر ما لا يُبطن، وأن هناك أغراضٌ شخصية ورسائلُ مبطَّنة تُمرَّر بين السطور طوال الوقت، غير أنّ الصدق والرياء ينكشفان في النهاية؛ فقد يستطيع الإنسان أن يخدع الناس في البداية، لكن ليس إلى الأبد، ولذلك، فالإنسان ليس معنيَّاً بما يفعله الناس، بل بما سيفعله هو: كيف تصرَّف المسيح فأتصرَّف، وماذا يعلِّمني الإيمان المسيحي فأعيشه، فهذا هو النور الذي أنيره؛ إذ ينبغي أن يكون النور في داخلي، لأنّه إن كانت الظلمة في داخلي، فالظلام كم يكون؟، إذ يقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٢سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً ٢٣وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ! (مت٦: ٢٢-٢٣)، لذلك ينبغي أن يحرص الإنسان على أن يكون ما في داخله منيراً، حتى يظهر هذا النور إلى الخارج، ويقول الرب يسوع في (الموعظة على الجبل) أيضاً: "فليضيء نوركم هكذا قدام الناس"، كما جاء في إنجيل "متى": ١٤أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ. لاَ يُمْكِنُ أَنْ تُخْفَى مَدِينَةٌ مَوْضُوعَةٌ عَلَى جَبَلٍ ١٥وَلاَ يُوقِدُونَ سِرَاجاً وَيَضَعُونَهُ تَحْتَ الْمِكْيَالِ بَلْ عَلَى الْمَنَارَةِ فَيُضِيءُ لِجَمِيعِ الَّذِينَ فِي الْبَيْتِ. ١٦فَلْيُضِئْ نُورُكُمْ هَكَذَا قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَرَوْا أَعْمَالَكُمُ الْحَسَنَةَ وَيُمَجِّدُوا أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ.(مت٥: ١٤-١٦).

  19. لقد صار الناس اليوم يستحيون من الصواب؛ إذ يجلس البعض من الرجال فيبدأ أحدهم بالسخرية من زوجته، فيتبعه الآخرون سخريةً من زوجاتهم حتى لا يبدو أحدهم مختلفاً، فبذلك يشيع الناس الخطأ بدلاً من الحق، والأمر ذاته يحدث بين الزوجات، غير أنَّه ينبغي أن لا يسلك الإنسان هذا الطريق، بل يعيش ما يؤمن به، وأن يعلنه ويُظهِره للناس بوضوح.

    ألا يُفضَّل توضيح ضوابط العبادة وحضور الكنيسة بشكل منتظم لإرساء روتين إيجابي وبناء مجتمع صالح ومنضبط؟

    إني أختلف معك، ودعني أحكي حكاية أيضاً، لقد علَّمنا أولادنا، وهم صغار، قبل أن يذهبون إلى النوم أن يصلوا، وذات مرَّة كانت صديقتنا حاضرة، وكانت زوجتي منشغلة بأمر ما، فقالت تلك الصديقة لزوجتي: "أنا التي سأصلي مع ابنكِ الصغير"، فدخلت مع ابننا وقالت له: "هيا يا حبيبي لنصلِّي قبل أن تنام"، فأجابها: "أنا لا أريد أن أصلِّي"، فقالت له: "هل يمكن لأحد أن ينام من دون صلاة؟"، فردّ: "آه، يمكن، سأريك"، وذهب مغطّياً نفسه واستلقى للنوم، فضحكت، وقالت: "آه صحيح، أستطيع أن أنام من دون أن أصلِّي"، وبالتالي، فلا يمكن أن أقول لابني مثلاً: "لا تستطيع أن تنام من دون صلاة، وإلَّا ستراودك الكوابيس وستظهر لكَ الأرواح الشريرة وما إلى ذلك، فصَلِّ"، إذ إن العلاقة مع الله لا ينبغي أن تقوم على التهديد أو الخوف، بل على المحبَّة والاختيار، فإيماننا المسيحي ليس مجموعة نظم وقواعد ثابتة جامدة، لأنَّه في هذه الحالة، أكون قد قدَّمتُ له صورة خاطئة، وغرستُ فيه مفاهيم غير صحيحة، وجعلته يعتاد على ممارسة دينٍ شكليّ، بدلاً من أن يعيش علاقة حيَّة، فالمسيحية ليست دينًا، إنَّما علاقة حب مع الله، وحب مع الآخرين، والحب لا يُفرض بالإجبار، بل هو اختيار وشبع وتمتّع بمن نحب؛ فإذا لم أُوضِّح له هذه الحقيقة وهو صغير وربّيته تربية خاطئة، فإن تصحيح هذه المفاهيم لاحقاً يصبح أصعب بكثير، إذ يتطلّب محو الخطأ أولًا قبل ترسيخ الصواب، وحين أُسهم في تكوين عادات وتقاليد دينية شكلية في المجتمع، كالصلاة بطريقة معيَّنة أو الصوم بأسلوب محدَّد، أبتعد كثيراً عن جوهر الإيمان المسيحي، فهذا الدين الشكلي لا يقود إلى روحانية حقيقية، بل يقود إلى الرياء.

  20. ففي العهد الجديد، يتركَّز حديث الرب يسوع المسيح دائماً على قلب الإنسان، ويشير إلى القلب، ويوجّه النظر نحو القلب، إلى داخل الكأس لا إلى خارجه، إذ يجب تنقية الكأس من الداخل وليس من الخارج، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٥وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ اخْتِطَافاً وَدَعَارَةً! ٢٦أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً. ٢٧وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. ٢٨هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً! (مت٢٣: ٢٥-٢٨)، فلا ينبغي أن ينصب اهتمامنا على الشكل الخارجي، ولا يهمنا إذ أسئ فهمنا ما دام الداخل مستقيماً، فالرب يسوع المسيح نفسه قد أسئ فهمه، لأن ما في الداخل إذا كان صالحاً، يَفيض صلاحاً إلى الخارج، وإذا استقام الداخل استقام الخارج أيضاً، «نقِّ داخل الكأس فينظف خارجه»؛ هذا هو ما يقوله المسيح، فحين يتغيّر القلب، تتغيّر التصرفات، ويتغيّر الفكر والعقل كذلك.

  21. كما يؤكد بولس الرسول هذا المعنى بقوله: "تغيروا عن شكلكم بتجديد أذهانكم"، كما جاء في رسالته إلى "رومية": ٢وَلاَ تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهْرَ، بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ. (رو١٢: ٢)، وفما معنى ذلك؟ يعني أن تصرّفات الإنسان تتغيّر عندما يتغيَّر فكره؛ فحين يتغيَّر الفكر تتغيّر التصرفات والسلوك بالضرورة، أمَّا محاولة تغيير التصرّفات بينما الفكر غير نقي فلن تُثمر، إذ لن يحدث تغيير حقيقي، وإن بدا أن التصرفات قد تغيّرت، فسيكون تغييراً زائفاً ومصطنعاً، يقوم على الكذب والرياء لا على الحقيقة، لأن الله ينظر إلى القلب ويفحص الذهن، كما جاء في سفر "صموئيل الأول": ٧فَقَالَ الرَّبُّ لِصَمُوئِيلَ: «لاَ تَنْظُرْ إِلَى مَنْظَرِهِ وَطُولِ قَامَتِهِ لأَنِّي قَدْ رَفَضْتُهُ. لأَنَّهُ لَيْسَ كَمَا يَنْظُرُ الْإِنْسَانُ. لأَنَّ الْإِنْسَانَ يَنْظُرُ إِلَى الْعَيْنَيْنِ, وَأَمَّا الرَّبُّ فَإِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَى الْقَلْبِ».(١صم١٦: ٧)، فقد تنبأ إرميا بعهد جديد يجعل الرب فيه نواميسه وشريعته في أذهاننا ويكتبها على قلوبنا: ٣١هَا أَيَّامٌ تَأْتِي يَقُولُ الرَّبُّ وَأَقْطَعُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ وَمَعَ بَيْتِ يَهُوذَا عَهْداً جَدِيداً. ٣٢لَيْسَ كَالْعَهْدِ الَّذِي قَطَعْتُهُ مَعَ آبَائِهِمْ يَوْمَ أَمْسَكْتُهُمْ بِيَدِهِمْ لأُخْرِجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ حِينَ نَقَضُوا عَهْدِي فَرَفَضْتُهُمْ يَقُولُ الرَّبُّ. ٣٣بَلْ هَذَا هُوَ الْعَهْدُ الَّذِي أَقْطَعُهُ مَعَ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ بَعْدَ تِلْكَ الأَيَّامِ يَقُولُ الرَّبُّ: أَجْعَلُ شَرِيعَتِي فِي دَاخِلِهِمْ وَأَكْتُبُهَا عَلَى قُلُوبِهِمْ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهاً وَهُمْ يَكُونُونَ لِي شَعْباً. ٣٤وَلاَ يُعَلِّمُونَ بَعْدُ كُلُّ وَاحِدٍ صَاحِبَهُ وَكُلُّ وَاحِدٍ أَخَاهُ قَائِلِينَ: "اعْرِفُوا الرَّبَّ"، لأَنَّهُمْ كُلَّهُمْ سَيَعْرِفُونَنِي مِنْ صَغِيرِهِمْ إِلَى كَبِيرِهِمْ يَقُولُ الرَّبُّ. لأَنِّي أَصْفَحُ عَنْ إِثْمِهِمْ وَلاَ أَذْكُرُ خَطِيَّتَهُمْ بَعْدُ.(إر٣١: ٣١- ٣٤) وبالتالي، سيتم العمل على العضوين الرئيسيِّين، وهُما: الدوافع والذهن، إذ إن التغيُّر فيهما يؤدي إلى تغيُّر المظهر الخارجي، أيّ السلوك والتصرفات وليس الملابس التي نرتديها، عندما تتغير الدوافع وتتغيَّر القيم، ينعكس ذلك في التصرفات بشكل صحيح تجاه الآخرين، تجاه الأسرة وهي الزوج أو الزوجة والأبناء، تجاه الجيران، تجاه الأصدقاء، وتجاه الزملاء في العمل، وبذلك، يظهر النور الداخلي في التصرفات الخارجية، فإذا كان الداخل مُنيراً، سيظهر ويخرج ذلك النور إلى الخارج، وإذا لم يكن كذلك فلن ينعكس أيّ أثر على المظهر الخارجي.

اعرِضها كقائد مجموعة — الدرس نفسه، بإعدادٍ للّقاء

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ٦ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً