إنجيل الرجاء

الدرس ٢٤ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. إنجيل الرجاء

    في ضوء ما ذُكرته في الحلقة السابقة حول موضوع "القضاء والقدر وتدخّل الله المشروط"، كيف نفهم الحالات التي تتحقّق فيها الشروط ويطلب الإنسان تدخّل الله، ومع ذلك لا يحدث التدخّل؟ وكيف نوفّق بين هذا الواقع وتعاليم "إنجيل الرخاء" أو "إنجيل الحياة فوق الطبيعية" التي تزعم أنّ الله يضمن دائماً الخير والصحة الجسدية ووفرة المال، وتربط غيابها بضعف الإيمان أو الفتور الروحي؟

    هذه الفكرة تتنافى تماماً مع روح العهد الجديد؛ فالقصص التي ذكرتها من العهد القديم، وكذلك قصة بولس الرسول نفسه في العهد الجديد، تتعارض جميعها مع فكرة "إنجيل الرخاء"، فقد أصيب بولس الرسول بشوكة في الجسد، إذ لطمه «ملاك الشيطان» بها، ولسنا نعلم ما هي على وجه التحديد؛ قد تكون صرعاً، أو عمى، أو عجزاً في رجليه، لكنَّها على أيّ حال شوكة ما في الجسد، كما يصرِّح في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٧وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ، لِيَلْطِمَنِي لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ.(٢كو١٢: ٧)، وهو أمرٌ مؤلم كان يعيقه، حتى أنَّه يقول: «أنتم قبلتموني برغم ضعف جسدي»، وهو ما يوضِّح بجلاء أن هذا الضعف كان يؤثر على صورته كرسول، كما جاء في رسالته إلى "غلاطية": ١٣وَلَكِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ أَنِّي بِضَعْفِ الْجَسَدِ بَشَّرْتُكُمْ فِي الأَوَّلِ. ١٤وَتَجْرِبَتِي الَّتِي فِي جَسَدِي لَمْ تَزْدَرُوا بِهَا وَلاَ كَرِهْتُمُوهَا، بَلْ كَمَلاَكٍ مِنَ اللهِ قَبِلْتُمُونِي، كَالْمَسِيحِ يَسُوعَ. ١٥فَمَاذَا كَانَ إِذاً تَطْوِيبُكُمْ؟ لأَنِّي أَشْهَدُ لَكُمْ أَنَّهُ لَوْ أَمْكَنَ لَقَلَعْتُمْ عُيُونَكُمْ وَأَعْطَيْتُمُونِي. (غل٤: ١٣-١٥)، ويقول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ١٠لأَنَّهُ يَقُولُ: «الرَّسَائِلُ ثَقِيلَةٌ وَقَوِيَّةٌ، وَأَمَّا حُضُورُ الْجَسَدِ فَضَعِيفٌ وَالْكَلاَمُ حَقِيرٌ». (٢كو١٠: ١٠).

  2. وكان الرب يستخدم بولس الرسول في صُنع آياتٍ ومعجزاتٍ، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ١١وَكَانَ اللهُ يَصْنَعُ عَلَى يَدَيْ بُولُسَ قُوَّاتٍ غَيْرَ الْمُعْتَادَةِ ١٢حَتَّى كَانَ يُؤْتَى عَنْ جَسَدِهِ بِمَنَادِيلَ أَوْ مَآزِرَ إِلَى الْمَرْضَى فَتَزُولُ عَنْهُمُ الأَمْرَاضُ وَتَخْرُجُ الأَرْوَاحُ الشِّرِّيرَةُ مِنْهُمْ. (أع١٩: ١١-١٢)، ويقول في رسالته إلى "رومية": ١٩بِقُوَّةِ آيَاتٍ وَعَجَائِبَ بِقُوَّةِ رُوحِ اللهِ. حَتَّى إِنِّي مِنْ أُورُشَلِيمَ وَمَا حَوْلَهَا إِلَى إِللِّيرِيكُونَ قَدْ أَكْمَلْتُ التَّبْشِيرَ بِإِنْجِيلِ الْمَسِيحِ. (رو١٥: ١٩)، فقد طلب وتضرَّع بولس الرسول ثلاث مرَّات إلى الربّ ليشفيه من إعاقة جسده، وأجاب الرب أنَّه لا يريد أن يشفيه، بل يريد أن يستخدمه في ضعفه، كما يصرِّح في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٨مِنْ جِهَةِ هَذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. ٩فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. ١٠لِذَلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاِضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ. (٢كو١٢: ٨-١٠).

    فإذن، كون الإنسان مؤمنًا وابنًا لله ويعيش حياةً مقدَّسة، لا يعني بالضرورة ألّا يتعرّض للمرض، أو أن يكون سليماً جسديًّاً على الدوام، أو غنيًّا، أو مُحاطًا بأسوارٍ ناريّة، فهذا المفهوم الذي يُعرف بـ (إنجيل الرخاء) لا ينطبق على العهد الجديد، لكنَّه يمثِّل فكر العهد القديم، لأن العهد القديم يركّز على البركة المادية والأشياء المنظورة، مثل مدينة أورشليم الأرضية والهيكل باعتباره مبني، فهي أشياء تُقدَّم كرموز مادية للمعاني الروحية، ففي العهد القديم نجد هيكلاً منظوراً أرضياً صنعته الأيدي البشرية، أمّا في العهد الجديد فنرى هيكل الله غير المنظور، المصنوع بيد إلهية، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيِّين": ٥الَّذِينَ يَخْدِمُونَ شِبْهَ السَّمَاوِيَّاتِ وَظِلَّهَا، كَمَا أُوحِيَ إِلَى مُوسَى وَهُوَ مُزْمِعٌ أَنْ يَصْنَعَ الْمَسْكَنَ. لأَنَّهُ قَالَ: «انْظُرْ أَنْ تَصْنَعَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ الْمِثَالِ الَّذِي أُظْهِرَ لَكَ فِي الْجَبَلِ».(عب٨: ٥)، إذ يقتبس كاتب الرسالة من سفر الخروج (خر٢٥: ٤٠) وأعيد ذكرها في سفر العدد (عد٨: ٤) ونجد أيضاً في العهد القديم مدينة أورشليم الأرضية وهيكل سليمان وملكوت أرضي، وفي العهد الجديد، نجد مدينة الله السماوية وهيكل الله، وملكوت سماويّ، كما جاء أيضاً في الرسالة إلى "العبرانيين": ٢٢بَلْ قَدْ أَتَيْتُمْ إِلَى جَبَلِ صِهْيَوْنَ، وَإِلَى مَدِينَةِ اللهِ الْحَيِّ: أُورُشَلِيمَ السَّمَاوِيَّةِ، وَإِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ، ٢٣وَكَنِيسَةِ أَبْكَارٍ مَكْتُوبِينَ فِي السَّمَاوَاتِ، وَإِلَى اللهِ دَيَّانِ الْجَمِيعِ، وَإِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ، ٢٤وَإِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ: يَسُوعَ، وَإِلَى دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ.(عب١٢: ٢٢-٢٤)، فالبركة في العهد القديم هي بركة مادية، والتي تُعرف بـ (بركات الطاعة)، بألا يكون في وسط الشعب عاقرٌ ولا مُسقِط، وأن يكثر النسل، وتُبارَك الغلّة، وتطول الأيام على الأرض…إلخ، كما يخبرنا سفر "التثنية": ١«وَإِنْ سَمِعْتَ سَمْعاً لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَل بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ يَجْعَلُكَ الرَّبُّ إِلهُكَ مُسْتَعْلِياً عَلى جَمِيعِ قَبَائِلِ الأَرْضِ ٢وَتَأْتِي عَليْكَ جَمِيعُ هَذِهِ البَرَكَاتِ وَتُدْرِكُكَ إِذَا سَمِعْتَ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ. ٣مُبَارَكاً تَكُونُ فِي المَدِينَةِ وَمُبَارَكاً تَكُونُ فِي الحَقْلِ. ٤وَمُبَارَكَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ وَثَمَرَةُ بَهَائِمِكَ نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. ٥مُبَارَكَةً تَكُونُ سَلتُكَ وَمِعْجَنُكَ. ٦مُبَارَكاً تَكُونُ فِي دُخُولِكَ وَمُبَارَكاً تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ. (تث٢٨: ١-٦).

  3. وعلى النقيض من ذلك، فإن عدم السماع والحفظ لوصايا الرب يترتّب عليه حلول اللعنة، أيّ (لعنات العصيان) الناتجة عن مخالفة أوامر الله، كما يخبرنا أيضاً سفر "التثنية": ١٥«وَلكِنْ إِنْ لمْ تَسْمَعْ لِصَوْتِ الرَّبِّ إِلهِكَ لِتَحْرِصَ أَنْ تَعْمَل بِجَمِيعِ وَصَايَاهُ وَفَرَائِضِهِ التِي أَنَا أُوصِيكَ بِهَا اليَوْمَ تَأْتِي عَليْكَ جَمِيعُ هَذِهِ اللعْنَاتِ وَتُدْرِكُكَ. ١٦مَلعُوناً تَكُونُ فِي المَدِينَةِ وَمَلعُوناً تَكُونُ فِي الحَقْلِ. ١٧مَلعُونَةً تَكُونُ سَلتُكَ وَمِعْجَنُكَ. ١٨مَلعُونَةً تَكُونُ ثَمَرَةُ بَطْنِكَ وَثَمَرَةُ أَرْضِكَ نِتَاجُ بَقَرِكَ وَإِنَاثُ غَنَمِكَ. ١٩مَلعُوناً تَكُونُ فِي دُخُولِكَ وَمَلعُوناً تَكُونُ فِي خُرُوجِكَ. (تث٢٨: ١٥-١٩)، فإذا سمع الإنسان المؤمن وصايا الرب نال البركة، وإذا لم يسمع لوصايا الرب حلَّت عليه اللعنة، ونجد أغلب تلك البركات في صورة مادية وهذا لا ينطبق على العهد الجديد، لأن البركة في العهد الجديد هي بركة روحية، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٣مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ. (أف١: ٣).

    هل تكمن سعادة الإنسان في الظروف الصحية والمادية والاجتماعية التي يعيشها؟ وهل يستطيع الإنسان أن يقيم علاقة صحيحة مع الآخرين في ظل مرض مُذل أو احتياج مادي قاهر؟

  4. إن السعادة لا تكمن في الظروف التي نعيشها؛ فهي ليست في الصحة، ولا في كثرة البنين، ولا في وفرة المال، إنما السعادة في العلاقة مع الله ومع الآخرين، وفي ما نفعله في حياة الناس، أيّ في السبب الذي نعيش من أجله، ولا يمكن أن ننال كل شيء أيّ ظروف المعيشة الجيدة وكذلك السعادة في علاقتنا بالله وبالآخرين، فالطمع هو رغبة الإنسان في الحصول على كل شيء، والكفاية هي مبدأ العهد الجديد، فقد صلى (أجور ابن متَّقية) إلى الرب، كما جاء في سفر "الأمثال": ٧اِثْنَتَيْنِ سَأَلْتُ مِنْكَ فَلاَ تَمْنَعْهُمَا عَنِّي قَبْلَ أَنْ أَمُوتَ: ٨أَبْعِدْ عَنِّي الْبَاطِلَ وَالْكَذِبَ. لاَ تُعْطِنِي فَقْراً وَلاَ غِنىً. أَطْعِمْنِي خُبْزَ فَرِيضَتِي ٩لِئَلاَّ أَشْبَعَ وَأَكْفُرَ وَأَقُولَ: «مَنْ هُوَ الرَّبُّ؟» أَوْ لِئَلاَّ أَفْتَقِرَ وَأَسْرِقَ وَأَتَّخِذَ اسْمَ إِلَهِي بَاطِلاً. (أم٣٠: ٧-٩)، إذ أدرك (أجور) أن المال الكثير جداً قد يثير في نفسه الكبرياء، والفقر الشديد قد يُضعفه ويجعله يكفر، لذلك فإن الكفاية والاعتدال هما الأفضل، وهذا هو تعليم العهد الجديد، فالكتاب المقدَّس يصرِّح: "كونوا مُكتفين بما عندكم"، كما يقول كاتب الرسالة إلى "العبرانيين": ٥لِتَكُنْ سِيرَتُكُمْ خَالِيَةً مِنْ مَحَبَّةِ الْمَالِ. كُونُوا مُكْتَفِينَ بِمَا عِنْدَكُمْ، لأَنَّهُ قَالَ: «لاَ أُهْمِلُكَ وَلاَ أَتْرُكُكَ». (عب١٣: ٥) إذ يقتبس كاتب الرسالة من سفر "التثنية": ٦تَشَدَّدُوا وَتَشَجَّعُوا. لا تَخَافُوا وَلا تَرْهَبُوا وُجُوهَهُمْ لأَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ سَائِرٌ مَعَكَ. لا يُهْمِلُكَ وَلا يَتْرُكُكَ».(تث٣١: ٦)، ويقول بولس الرسول أن الله يملأ كل احتياجاتنا، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "فيليبي": فَيَمْلأُ إِلَهِي كُلَّ احْتِيَاجِكُمْ بِحَسَبِ غِنَاهُ فِي الْمَجْدِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ.(في٤: ١٩)، فالرب يملاً ويسد احتياجاتنا وليس الكماليات، وليس الرغبات الشخصية، فالرغبات لا حدود لها، فمن يمتلك سيارة يريد أفضل منها، ومن يمتلك بيتاً يريد أفضل منه، ومن يعمل في وظيفة ما يريد أفضل منها، وهكذا لا يشعر الإنسان بالاكتفاء بما لديه، ولهذا السبب، يركِّز العهد الجديد على مفهوم الاكتفاء بما منحنا الله إيَّاه، إذ يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ٨فَإِنْ كَانَ لَنَا قُوتٌ وَكِسْوَةٌ فَلْنَكْتَفِ بِهِمَا.(١تي٦: ٨)، ولماذا؟ لأن السعادة لا تكمن فيما أملك، ولكن السعادة الحقيقية تكمن في العلاقة مع الله ومع الآخرين، وفي المحبَّة والعطاء، إذ يقول بولس الرسول في وداعه لكنيسة "أفسس" قبل عودته إلى "أورشليم": "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ" مقتبساً كلمات الرب يسوع المسيح نفسه، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٣٥فِي كُلِّ شَيْءٍ أَرَيْتُكُمْ أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنَّكُمْ تَتْعَبُونَ وَتَعْضُدُونَ الضُّعَفَاءَ مُتَذَكِّرِينَ كَلِمَاتِ الرَّبِّ يَسُوعَ أَنَّهُ قَالَ: مَغْبُوطٌ هُوَ الْعَطَاءُ أَكْثَرُ مِنَ الأَخْذِ».(أع٢٠: ٣٥).

  5. هل صحيح أن يُقال: «أنت ابن الملك، ادخل الخزنة الإلهية وخذ ما تشاء»؟ فنحن نسمع هذا التعليم من معلِّمين مشهورين في محطات تلفزيونية شهيرة، الذين يصرِّحون: «افتح وخذ ما تريد، إذا أردت سيارة أفضل ممَّا لديك، يُمكِنكَ أن تأخذها»؟

    هذا هو "إنجيل الرخاء" الذي لا نؤمن به، وأنا أرفضه في وعظي وتعليمي، فهو ليس إنجيل العهد الجديد، أمَّا في العهد القديم، فهناك أمثلة على البركة المادية، كما ذكرنا في سفر التثنية (تث٢٨: ١-١٤)، ولا يمكن إنكار ذلك، وقد كان أغلب رجال الله أغنياء، مثل: إبراهيم وإسحاق ويعقوب وأيوب، حتى أن أيوب، عندما فقد كل شيء، أعاد الله ضعف ما كان له، إذ يخبرنا الكتاب المقدس عن ثروات (إبراهيم ولوط ابن أخيه هاران)، كما جاء في سفر "التكوين": ١فَصَعِدَ أَبْرَامُ مِنْ مِصْرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ وَلُوطٌ مَعَهُ إِلَى الْجَنُوبِ. ٢وَكَانَ أَبْرَامُ غَنِيّاً جِدّاً فِي الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. ٣وَسَارَ فِي رِحْلاَتِهِ مِنَ الْجَنُوبِ إِلَى بَيْتِ إِيلَ إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ خَيْمَتُهُ فِيهِ فِي الْبَدَاءَةِ بَيْنَ بَيْتِ إِيلَ وَعَايَ ٤إِلَى مَكَانِ الْمَذْبَحِ الَّذِي عَمِلَهُ هُنَاكَ أَوَّلاً. وَدَعَا هُنَاكَ أَبْرَامُ بِاسْمِ الرَّبِّ.٥وَلُوطٌ السَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ كَانَ لَهُ أَيْضاً غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ. ٦وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعاً إِذْ كَانَتْ أَمْلاَكُهُمَا كَثِيرَةً فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعاً. (تك١٣: ١-٦).

  6. كما يخبرنا سفر أيوب عن ثروته (قبل التجربة) ١كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عُوصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلاً وَمُسْتَقِيماً يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. ٢وَوُلِدَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. ٣وَكَانَتْ مَوَاشِيهِ سَبْعَةَ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ وَثَلاَثَةَ آلاَفِ جَمَلٍ وَخَمْسَ مِئَةِ زَوْجِ بَقَرٍ وَخَمْسَ مِئَةِ أَتَانٍ وَخَدَمُهُ كَثِيرِينَ جِدّاً. فَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ أَعْظَمَ كُلِّ بَنِي الْمَشْرِقِ. (أي١: ١-٣)، وأيضاً ثروته (بعد التجربة) ١٠وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفاً. ١١فَجَاءَ إِلَيْهِ كُلُّ إِخْوَتِهِ وَكُلُّ أَخَوَاتِهِ وَكُلُّ مَعَارِفِهِ مِنْ قَبْلُ وَأَكَلُوا مَعَهُ خُبْزاً فِي بَيْتِهِ وَرَثُوا لَهُ وَعَزُّوهُ عَنْ كُلِّ الشَّرِّ الَّذِي جَلَبَهُ الرَّبُّ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ كُلٌّ مِنْهُمْ قَسِيطَةً وَاحِدَةً وَكُلُّ وَاحِدٍ قُرْطاً مِنْ ذَهَبٍ. ١٢وَبَارَكَ الرَّبُّ آخِرَةَ أَيُّوبَ أَكْثَرَ مِنْ أُولاَهُ. وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفاً مِنَ الْغَنَمِ وَسِتَّةُ آلاَفٍ مِنَ الإِبِلِ وَأَلْفُ زَوْجٍ مِنَ الْبَقَرِ وَأَلْفُ أَتَانٍ. ١٣وَكَانَ لَهُ سَبْعَةُ بَنِينَ وَثَلاَثُ بَنَاتٍ. (أي٤٢: ١٠-١٣).

    والسؤال المطروح: لماذا كانت تتم كل تلك الأمور؟ والإجابة: لأن العهد القديم يركّز على أمور مادية، فهي رموز للعالم الروحي في العهد الجديد، وبالتالي يمكن قبول الفكرة، إذ كان الله يباركهم بشيء منظور ليُرى الناس تلك البركة، أمَّا في العهد الجديد، فالمثل الأكبر لنا هو الرب يسوع المسيح نفسه، الذي وُصف بأنَّه "رجل أوجاع ومختبر الحزن"، كما تقول نبوَّة "إشعياء": ١مَنْ صَدَّقَ خَبَرَنَا، وَلِمَنِ اسْتُعْلِنَتْ ذِرَاعُ الرَّبِّ؟ ٢نَبَتَ قُدَّامَهُ كَفَرْخٍ وَكَعِرْقٍ مِنْ أَرْضٍ يَابِسَةٍ، لاَ صُورَةَ لَهُ وَلاَ جَمَالَ فَنَنْظُرَ إِلَيْهِ، وَلاَ مَنْظَرَ فَنَشْتَهِيهِ. ٣مُحْتَقَرٌ وَمَخْذُولٌ مِنَ النَّاسِ. رَجُلُ أَوْجَاعٍ وَمُخْتَبِرُ الْحُزْنِ، وَكَمُسَتَّرٍ عَنْهُ وُجُوهُنَا. مُحْتَقَرٌ فَلَمْ نَعْتَدَّ بِهِ. ٤لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اللَّهِ وَمَذْلُولاً. ٥وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. (إش٥٣: ١-٥)، ويقول الرب يسوع عن نفسه أنَّه ليس له مكان ليأوي إليه، كما جاء في إنجيل "متى": ١٩فَتَقَدَّمَ كَاتِبٌ وَقَالَ لَهُ: «يَا مُعَلِّمُ أَتْبَعُكَ أَيْنَمَا تَمْضِي». ٢٠فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لِلثَّعَالِبِ أَوْجِرَةٌ وَلِطُيُورِ السَّمَاءِ أَوْكَارٌ وَأَمَّا ابْنُ الإِنْسَانِ فَلَيْسَ لَهُ أَيْنَ يُسْنِدُ رَأْسَهُ». (مت٨: ١٩-٢٠).

  7. وكان بولس الرسول يجوع ويعطش ويعمل بيديه، وليس له مكان للإقامة أيضاً، كما جاء في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": ١١إِلَى هَذِهِ السَّاعَةِ نَجُوعُ وَنَعْطَشُ وَنَعْرَى وَنُلْكَمُ وَلَيْسَ لَنَا إِقَامَةٌ ١٢وَنَتْعَبُ عَامِلِينَ بِأَيْدِينَا. نُشْتَمُ فَنُبَارِكُ. نُضْطَهَدُ فَنَحْتَمِلُ. (١كو٤: ١١-١٢)،

    وقد سار التلاميذ الاثنا عشر جميعهم على النهج ذاته، إذ تركوا كل شيء، من عمل وعائلة، وتبعوا الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٧فَأَجَابَ بُطْرُسُ حِينَئِذٍ: «هَا نَحْنُ قَدْ تَرَكْنَا كُلَّ شَيْءٍ وَتَبِعْنَاكَ. فَمَاذَا يَكُونُ لَنَا؟» (مت١٩: ٢٧).

    إذن، أبطال العهد الجديد لم يكونوا من الأغنياء، لكنَّهم عاشوا حياة غيَّرت العالم وغيّرت مجرى التاريخ البشري، وحقّقوا إرادة الله، وقلبوا الأمور رأساً على عقب، هذه هي السعادة الحقيقية؛ فالسعادة في العهد الجديد تكمن في العلاقة والتحقيق، أيّ العلاقة مع الله ومع الناس، إذ من خلال علاقة المؤمن بالرب يستمد المحبَّة والقدرة ليغيِّر حياة الآخرين للأفضل، ويغيِّر واقع المجتمع للأفضل أيّ للخير والبركة، هذه هي السعادة: أن يعطي المؤمن فيفرح ويسعد، لا أن يأخذ ويكنز كنوزاً وأموالاً فيرتفع، إذ يقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ١٩«لاَ تَكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً عَلَى الأَرْضِ حَيْثُ يُفْسِدُ السُّوسُ وَالصَّدَأُ وَحَيْثُ يَنْقُبُ السَّارِقُونَ وَيَسْرِقُونَ. ٢٠بَلِ اكْنِزُوا لَكُمْ كُنُوزاً فِي السَّمَاءِ حَيْثُ لاَ يُفْسِدُ سُوسٌ وَلاَ صَدَأٌ وَحَيْثُ لاَ يَنْقُبُ سَارِقُونَ وَلاَ يَسْرِقُونَ ٢١لأَنَّهُ حَيْثُ يَكُونُ كَنْزُكَ هُنَاكَ يَكُونُ قَلْبُكَ أَيْضاً. (مت٦: ١٩-٢١)، ويقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ١٠لأَنَّ مَحَبَّةَ الْمَالِ أَصْلٌ لِكُلِّ الشُّرُورِ، الَّذِي إِذِ ابْتَغَاهُ قَوْمٌ ضَلُّوا عَنِ الإِيمَانِ، وَطَعَنُوا أَنْفُسَهُمْ بِأَوْجَاعٍ كَثِيرَةٍ. (١تي٦: ١٠).

  8. فالعهد الجديد يوصي المؤمنين بعدم محبَّة المال، فلا يستطيع أحد أن يخدم سيدين الله والمال في الوقت ذاته، إذ يقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٤«لاَ يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يَخْدِمَ سَيِّدَيْنِ لأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يُبْغِضَ الْوَاحِدَ وَيُحِبَّ الآخَرَ أَوْ يُلاَزِمَ الْوَاحِدَ وَيَحْتَقِرَ الآخَرَ. لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَخْدِمُوا اللَّهَ وَالْمَالَ. (مت٦: ٢٤) إذن، ما هو موقفي - كمسيحي - من المال في ضوء العهد الجديد؟ الإجابة هي: أن أبغضه وأحتقره، لكي أتمكَّن من إعطائه للآخرين بسهولة، فإذا أحببته، سأحتفظ به لنفسي، أمَّا إذا لم أحبُّه، سأتمكن من استخدامه في خدمة الآخرين، فالله قد يبارك البعض بالمال، لكي يكون أسخياء في العطاء، وليس لكي يعيشوا ويشعرون بالفخامة ويغتنون غنى فاحش جداً.

    اسمحوا لي أن أحكي قصة: فقد التقيت منذ وقت قريب بأسرة أعطاها الله ثروة هائلة، وقرر الأب، قبل انتقاله إلى السماء، أن يستخدم تلك الثروة لإنشاء مؤسسة ضخمة، تهدف إلى دعم الأعمال الخيرية، لكنه توفي قبل أن يُحقق ذلك الأمر، وترك ثروة طائلة لزوجته وأولاده، وكانت رغبته أن تُوضع أغلب تلك الثروة في أحد البنوك لإنشاء مؤسسة للعمل الخيري، وتوزيع تلك الأموال على أعمال الخير، فقررت زوجته تنفيذ رغبته، لكن أقام بعض الأقارب ضدها دعوى قضائية، واتهموها فيها بأنها مختلة عقلياً، مُعتبرين أنَّه من غير المعقول أن يمتلك شخص ثروة بهذا المقدار ويرغب في فعل ذلك، وقد أنصفها أولادها ووقفوا بجانبها، فسقطت القضية برمتها، وقد التقيت منذ فترة قريبة بتلك الأسرة، وكانت بساطتهم في اللبس والمظهر مذهلة للغاية، فعلاً، يا لها من مفاجأة! هؤلاء هم أصحاب تلك الثروة الهائلة، وهم الذين يوزِّعون أموالهم بسخاء على الفقراء والمحتاجين، فهذا هو نموذج المؤمن في العهد الجديد: أسخياء في العطاء، أغنياء في التوزيع، كما يقول كاتب الرسالة إلى "العبرانيين": ١٦وَلَكِنْ لاَ تَنْسُوا فِعْلَ الْخَيْرِ وَالتَّوْزِيعَ، لأَنَّهُ بِذَبَائِحَ مِثْلِ هَذِهِ يُسَرُّ اللهُ. (عب١٣: ١٦)، هذه هي السعادة الحقيقية: أن نغني الآخرين، كما يقول الكتاب المقدَّس: "فقراء ونحن نغني كثيرين، كأن لا شيء لنا ونحن نملك كل شيء"، ليس لأنفسنا، بل نمتلك كل شيء بنعمة الله لكي نغني به الآخرين، ونعطيه بسخاء، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": ١٠كَحَزَانَى وَنَحْنُ دَائِماً فَرِحُونَ. كَفُقَرَاءَ وَنَحْنُ نُغْنِي كَثِيرِينَ. كَأَنْ لاَ شَيْءَ لَنَا وَنَحْنُ نَمْلِكُ كُلَّ شَيْءٍ. (٢كو٦: ١٠)، فهذه هي روح العهد الجديد: فبعض الأشخاص سيكونون أغنياء، ليكونوا أسخياء في العطاء.

  9. هل يعني ذلك أن الله يتدخَّل أحياناً، وأحياناً أخرى، وفق خطته ورحمته، يترك المؤمن يمرّ بألم، بحيث لا يكون من الضروري أن يصلي في كل مرَّة طالباً مُعجزة لتتحقق، أو أن يطلب شيئاً ليناله في اليوم التالي؟

    لدينا تعليم جميل علَّمه لنا والدنا القسيس/ منيس عبد النور، حيث قال إن الله يشفي الناس بأربع طرق مختلفة عند الصلاة من أجل مريض، وهذه الطرق هي: - (يشفي بالطب، أو بمعجزة، أو بأن يُعطي نعمة لاحتمال المرض، أو بالانتقال حيث الشفاء الكامل في السماء).

    ١- الشفاء بالطب: فالله يستخدم الطب كوسيلة للشفاء، وقد رأينا مرضى كثيرين أصيبوا بمرض السرطان، وقمنا بالصلاة من أجلهم، فقام الأطباء بإجراء عمليات دقيقة أزالوا بها الورم السرطاني، وتبعها علاج كيماوي مناسب، فشفوا وعاشوا.

    ٢- الشفاء بالمعجزة: وقد رأينا آخرين، تدخَّل الله معهم مُعجزياً، وشفاهم من أمراضهم، ولدينا قصص لأشخاص نعرفهم بأسمائهم، وهي حالات مُسجَّلة وموثّقة بأوراق ومستندات رسمية بالكامل.

    ٣- الشفاء بإعطاء نعمة لاحتمال المرض: مثلما حدث مع بولس الرسول، وهذا نوع من التدخل الإلهي من خلال أنه يعطي نعمة خاصة لاحتمال المرض.

  10. ٤- الشفاء بالانتقال إلى السماء: في بعض الحالات، يعطي الله الشفاء الكامل بأن يأخذ الشخص المريض إلى السماء، حيث لا وجع ولا ألم، فهذا أيضاً يُعتبر شفاءً تاماً، كما جاء في سفر "الرؤيا": ٤وَسَيَمْسَحُ اللهُ كُلَّ دَمْعَةٍ مِنْ عُيُونِهِمْ، وَالْمَوْتُ لاَ يَكُونُ فِي مَا بَعْدُ، وَلاَ يَكُونُ حُزْنٌ وَلاَ صُرَاخٌ وَلاَ وَجَعٌ فِي مَا بَعْدُ، لأَنَّ الأُمُورَ الأُولَى قَدْ مَضَتْ». (رؤ٢١: ٤).

    ففي العهد الجديد، لا يفرض المؤمن على الله ما ينبغي أن يفعله، فلا يقول له: "أبي، افعل لي هذا وذاك"، بل يترك الأمر له، ويثق أنه سيفعل ما يراه لصالحه ولخيره، ولا يصح أن يصلِّي المؤمن من أجل مريض بهذه الصيغة: "لن تكون ربّي وإلهي إذا لم تشفٍ ذلك المريض"، لأن ذلك يجعله كأنه رب الرب، أيّ يفرض إرادته على الله، فهو لا يفهم من هو الرب حقَّاً، وأنا أختلف مع هذا النوع من الصلوات تماماً، لأن المؤمن لا يفرض إرادته على الله، فهو لا يعرف كلَّ شيء، أمَّا الله فيعلم كلَّ شيء، ولأنَّه يعلم كلَّ شيء ولأنَّه إله صالح، يسلِّم المؤمن نفسه لإرادته الصالحة، لذلك، فالمؤمن لا يُملي على الله ما يفعل لأجله، بلّ يقول له: "افعل لي ما تراه أنت، لأنكَ تعرف أكثر مني وتحبِّني، وحياتي هي مِلكك"، فالذين عاشوا بهذا التسليم، صارت قصص حياتهم شهادة حيَّة على أن "الرب صالح"، كما جاء في سفر "المزامير": ٥لأَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ. إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتُهُ وَإِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُهُ. (مز١٠٠: ٥).

  11. هل تحديد أربع طرق لشفاء الله يعني أن كل الاحتمالات مفتوحة تحت إرادته، أم أن على المؤمن أن يطلب الشفاء المعجزي فقط؟ وهل يجوز الجمع بين الطب والصلاة والاحتمال في الأمراض العادية، بينما يُفترض تدخل إلهي مباشر في الأمراض الخطيرة، مع اللجوء لأصحاب «موهبة الشفاء» أو «النبوة»؟

    هذا ليس ما يعلِّمه الكتاب المقدّس؛ فالكتاب يقدِّم طرقاً متعدِّدة لتعامل الله مع الألم والمرض، إذ إن (لوقا) الإنجيلي كان يعمل طبيباً، وبالتالي، فإن الكتاب المقدَّس يقبل الشفاء بالطب، ويقبل الشفاء بالمعجزة، ويقبل النعمة لاحتمال الألم، كما اختبرها بولس الرسول، إذ يقول الرب له في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٩فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. (٢كو١٢: ٩)، إذن، الإجابة التي نقدمها هنا مستندة إلى الكتاب المقدس، أمَّا من يقول: «أنا مؤمن، ويجب أن يشفيني الله فقط، وبطريقة معجزية» فهذا الرأي ليس كتابياً.

    فقد جاءني شاب ذات مرَّة وقال لي: «لقد توصلتُ إلى اكتشاف»، فقلت له: «وما هو؟»، قال: «نحن لا ينبغي أن نموت»، فسألته: «ولماذا يا ابني؟»، فأجاب: «لأن الموت كان إحدى نتائج السقوط، وبموت المسيح وقيامته قد رُفعت عنَّا تماماً نتائج السقوط الأولى»، فقلت له: «وماذا عن المرض؟»، فقال: «لا ينبغي أن نمرض مُطلقاً»، فقلت له: «ولكن القديسين قد ماتوا»، فأجاب: «لم يكونوا يعرفون هذه الحقيقة؛ أمَّا أنا فقد اكتشفت أنَّنا لا ينبغي أن نموت، لأن الموت كان إحدى نتائج السقوط، والمسيح قد رفع الخطيَّة ونتائجها، ولذلك لا ينبغي لي أن أموت»، فقلت له: «إن الكتاب المقدس يعلِّم أن فداء أجسادنا لم يكتمل بعد؛ ولذلك نمرض ونموت، وعند المجيء الثاني للرب يسوع المسيح سيتم فداء أجسادنا، لأن فداء الأجساد لم يتحقَّق بعد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ٢٢فَإِنَّنَا نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الْخَلِيقَةِ تَئِنُّ وَتَتَمَخَّضُ مَعاً إِلَى الآنَ. ٢٣وَلَيْسَ هَكَذَا فَقَطْ بَلْ نَحْنُ الَّذِينَ لَنَا بَاكُورَةُ الرُّوحِ نَحْنُ أَنْفُسُنَا أَيْضاً نَئِنُّ فِي أَنْفُسِنَا مُتَوَقِّعِينَ التَّبَنِّيَ فِدَاءَ أَجْسَادِنَا.(رو٨: ٢٢-٢٣)، فالمسيح قد دفع ثمن الفداء الكامل للأجساد على الصليب، لكن هذا لم يُعطَ لنا بعد، وكثيرون كان فهمهم اللاهوتي للآيات الكتابية ليس دقيقاً ولا صحيحاً كما ينبغي، ثم مات ذلك الشاب بعد وقت قصير مقتولاً، وكأن الدراما قد اكتملت، فكان الأمر صادماً بالنسبة لي، ولذلك أقول إن ما تذكره هو آراء موجودة فعلاً لكنَّها بلا سند كتابي، فهناك أناس لم يكن لهم أطفال، وبمعجزة صار لهم أطفال، نعم، لكن عندما يأتي إليَّ شخص، أقول له: اذهب إلى الطبيب وصلِّ أن يستخدم الله الطب، بينما قد عجز الطب مع بعض الناس وقيل لهم بأنَّه لا أمل، لكنَّهم صلّوا فأعطاهم الله طفلاً، فصار ذلك معجزة.

  12. ما هي النماذج المذكورة في الكتاب المقدس لأشخاص كانوا لا ينجبون، ولكنَّ الله تدخَّل وأعطاهم أطفالاً بطريقة معجزية؟

    حدث ذلك مع كل من: سارة زوجة أبينا إبراهيم، وأليصابات زوجة زكريا، بالإضافة إلى كل من: رفقة زوجة إسحاق، وراحيل زوجة يعقوب، وحنَّة أم صموئيل النبي، وامرأة منوح أم شمشمون، إذن، لدينا في الكتاب المقدس قصص لأشخاص أعطاهم الله أطفالاً بطريقة معجزية بعد فوات سن الإنجاب بفترة كبيرة وبعد أن حملوا لقب عاقر.

    فقد كانت سارة زوجة أبينا إبراهيم عاقراً لا تنجب، كما يخبرنا سفر "التكوين": ٣٠وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِراً لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. (تك١١: ٣٠)، ويضيف السفر: ١٥وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ، بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. ١٦وَأُبَارِكُهَا وَأُعْطِيكَ أَيْضاً مِنْهَا ابْناً. أُبَارِكُهَا فَتَكُونُ أُمَماً وَمُلُوكُ شُعُوبٍ مِنْهَا يَكُونُونَ». ١٧فَسَقَطَ إِبْرَاهِيمُ عَلَى وَجْهِهِ وَضَحِكَ وَقَالَ فِي قَلْبِهِ: «هَلْ يُولَدُ لِابْنِ مِئَةِ سَنَةٍ؟ وَهَلْ تَلِدُ سَارَةُ وَهِيَ بِنْتُ تِسْعِينَ سَنَةً؟». ١٨وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلَّهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» ١٩فَقَالَ اللهُ، بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْداً أَبَدِيّاً لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. (تك١٧: ١٥-١٩)، وكانت بشارة ملاك الرب لإبراهيم: ١٠فَقَالَ: «إِنِّي أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ امْرَأَتِكَ ابْنٌ». وَكَانَتْ سَارَةُ سَامِعَةً فِي بَابِ الْخَيْمَةِ وَهُوَ وَرَاءَهُ – ١١وَكَانَ إِبْرَاهِيمُ وَسَارَةُ شَيْخَيْنِ مُتَقَدِّمَيْنِ فِي الأَيَّامِ وَقَدِ انْقَطَعَ أَنْ يَكُونَ لِسَارَةَ عَادَةٌ كَالنِّسَاءِ. ١٢فَضَحِكَتْ سَارَةُ فِي بَاطِنِهَا قَائِلَةً: «أَبَعْدَ فَنَائِي يَكُونُ لِي تَنَعُّمٌ وَسَيِّدِي قَدْ شَاخَ!» ١٣فَقَالَ الرَّبُّ لإِبْرَاهِيمَ: «لِمَاذَا ضَحِكَتْ سَارَةُ قَائِلَةً: أَفَبِالْحَقِيقَةِ أَلِدُ وَأَنَا قَدْ شِخْتُ؟ ١٤هَلْ يَسْتَحِيلُ عَلَى الرَّبِّ شَيْءٌ؟ فِي الْمِيعَادِ أَرْجِعُ إِلَيْكَ نَحْوَ زَمَانِ الْحَيَاةِ وَيَكُونُ لِسَارَةَ ابْنٌ». (تك١٨: ١٠-١٤)، وتحقَّق ما تكلَّم به ملاك الرب لإبراهيم وسارة فولدت إسحاق: ١وَافْتَقَدَ الرَّبُّ سَارَةَ كَمَا قَالَ وَفَعَلَ الرَّبُّ لِسَارَةَ كَمَا تَكَلَّمَ. ٢فَحَبِلَتْ سَارَةُ وَوَلَدَتْ لإِبْرَاهِيمَ ابْناً فِي شَيْخُوخَتِهِ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تَكَلَّمَ اللهُ عَنْهُ. ٣وَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ابْنِهِ الْمَوْلُودِ لَهُ الَّذِي وَلَدَتْهُ لَهُ سَارَةُ «إِسْحَاقَ». (تك٢١: ١-٣).

  13. هل توجد معجزات حتى اليوم؟ نعم، فالرب لا يزال الإله الذي يتدخل ويصنع آيات وعجائب، لماذا لا يفعل ذلك مع جميع البشر؟ لأن هذه أوضاع استثنائية، وليست الوضع العادي الذي يظل الله يعمل به دائماً، ولذلك أقول: عندما أذكر الأربع احتمالات الخاصة بالشفاء، نجد أن جميعها مليئة بتدخلات إلهية: النعمة أن نحتمل المرض، وأن نبقى فرحين ونشعر بالتعزية والتشجيع في ظل المرض فهذا عمل إلهي، فالرب يتدخَّل، إذ يستخدم الطب، أو أن يعطينا نعمة لاحتمال المرض، أو أن يأخذ المريض تماماً ويريحه من هذه الدنيا، وينتقل به إلى العالم الآخر الأفضل للمؤمن، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "فيلبي": ٢٣فَإِنِّي مَحْصُورٌ مِنْ الاِثْنَيْنِ: لِيَ اشْتِهَاءٌ أَنْ أَنْطَلِقَ وَأَكُونَ مَعَ الْمَسِيحِ. ذَاكَ أَفْضَلُ جِدّاً. (في١: ٢٣).

    ماذا لو كان هناك من يصلّي ويقول للشخص: «ثق، لأن الله سيعطيك طِلبتك حتماً» - سواء إنجاب طفل، أو شفاءً، أو حتى أمراً ماديَّاً كسيارة- فهل يُعدّ هذا إعلاناً مؤكَّداً لإرادة الله أم مُجرّد ادِّعاء بشري؟

    هذه مسؤولية الشخص نفسه، فإذا جاء أحد وأخبره بأن الله قال كذا وكذا، ثم قرر هذا الشخص عدم الذهاب إلى الطبيب والاعتماد فقط على كلام إنسان، فهو بذلك يكون قد وثق في إنسان دون أن يأخذ كلمة من الله تخصُّ حياته الشخصية، وهذا ما نقوله للناس دائماً: أيّ كلام يأتي من الخارج يجب أن يؤكّد ما هو موجود في القلب؛ فلا يمكن للإنسان أن يسمع الله من الخارج فقط، بل لا بُدَّ أن يسمع الله بنفسه، فينبغي أن يكون لدى المؤمن صوت إلهي داخلي يتأكَّد أحياناً بأصواتٍ خارجية، لكن لا يصح أن أعتمد على الأصوات الخارجية وحدها؛ فكثيرون اعتمدوا عليها واتخذوا قرارات خاطئة وضاعوا، لأنَّه كيف يتحقق المؤمن من أن ذلك الصوت الخارجي حقيقي؟ فهو صادر عن إنسان، وكل البشر عُرضة للخطأ، لذلك لا يصح الاتكال عليه وحده، ومن هنا تؤكّد القوانين الإلهية أمراً واضحاً للمؤمن: "أنت مسؤول عن قرارك"، فلا يصح أن يقول: «هو الذي قال لي»، بلّ تقع مسؤولية اتخاذ القرار على المؤمن وحده، فالله يكلِّمه ويُعلن له، وقد يستخدم وسيط ما ليؤكِّد له ما حدثَّه به وأعلنه له، وأعيد ما ذكره الرب يسوع المسيح: "خرافي تسمع صوتي"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٧خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي.(يو١٠: ٢٧)، فالله يريد أن يكلّم المؤمن، وقد يؤكّد له هذا الصوت بأصوات خارجية؛ لكن الاعتماد على الأصوات الخارجية وحدها بدعوى ضعف إلايمان وعدم النضوج الروحي سيُبقي ذلك المؤمن ضعيفاً وفاتراً روحياً، وقد يضلّله ضلالاً شديداً، فقد تصيب مرَّة وتخطئ مرَّة أخرى، لذلك فالمؤمن مسؤول عن قراره، وعليه أن يسمع أولاً ويتأكّد من خلال صوت خارجي، ويراجع نفسه مَرَّة ومَرَّتين وثلاث مَرَّات، خاصةً عندما تكون القرارات مصيرية.

  14. فمثلًا، عندما وضع جدعون علامة وعلامتين أمام الرب، لم يقل له الرب «لا»، مع أنَّه كان قد كلّمه في البداية، وبعد أن انتهت العلامات التي طلبها، أعطاه الرب علامة من عنده، كنوع من المكافأة، من دون أن يطلبها، وهي الحلم الأخير؛ لأن الله كان يطالبه بأمر غير منطقي تماماً، وهو أن يذهب بثلاثمئة رجل ليحارب نحو نصف مليون إنسان، أيّ معركة خاسرة بحسب المنطق البشري، وكأن الرب يقول له: "أنت لن تحارب، بل أنا الذي سأحارب، وأنت ستكون مُجرَّد شاهد على عملي"، وهذا ما حدث فعلاً، إذ إن الرب هو الذي أنهى هذه المعركة بقدرته الإلهية، فقد طلب جدعون من الرب خمس علامات، فأعطاه الرب علامة سادسة، وهذه العلامات هي: (نار أكلت الذبيحة - وعد السلام وعدم الموت - هدم مذبح البعل دون أذى - جزَّة الصوف مملوءة ندى دون الأرض - جزَّة الصوف جافة والندى على الأرض - حلم رجل مديانيّ وتفسير صاحبه بتسليم الجيش ليد جدعون. (سفر القضاة، الإصحاحان ٦ - ٧).

    فيجب أن يتأكَّد المؤمن من الصوت الإلهي، وأن يسمعه ويتأكد منه من الخارج، ولا بُدَّ أن يتعلَّم كيف يسمع الرب، لأن الوعد، كما يقول الرب يسوع المسيح: كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٧خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي. (يو١٠: ٢٧) و(يو٨: ٤٧)، وهذه هي روعة العلاقة مع الله، فالسعادة في العلاقة.

  15. هل يمكن للصلاة أن تغيّر قرار الله كما حدث مع موسى، أم أن إرادة الله ثابتة وصلاتنا لا تغيّر شيئًا فيها؟

    لا تغيِّر الصلاة إرادة الله، فلماذا نصلِّي إذن؟ نحن نصلِّي أو نطلب، لأن للصلاة أبعاداً أخرى تتجاوز الطِلبة، فهي تهدف إلى ثلاثة أمور رئيسية هي: -

    الصلاة تجعلنا نتغيَّر إلى صورة الله:

    فنتناغم مع المشيئة الإلهية، وحتى نستطيع في النهاية أن نقول: "لتكن لا إرادتي، بل إرادتك"، حيث يقول الرب يسوع المسيح في صلاته على جبل الزيتون، وذلك قبيل إلقاء القبض عليه، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٤٢قَائِلاً: «يَا أَبَتَاهُ إِنْ شِئْتَ أَنْ تُجِيزَ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسَ. وَلَكِنْ لِتَكُنْ لاَ إِرَادَتِي، بَلْ إِرَادَتُكَ». (لو٢٢: ٤٢)، فالصلاة تُغيِّر قلوبنا نحن، وتُخرجنا من عوالمنا الضيِّقة إلى العالم الإلهي الكبير، وتنقلنا من دوافعنا الأنانيّة إلى الدوافع الإلهيّة المُحِبَّة، الصلاة تُغيِّرنا نحن، لكي نشبه الله ونصير على مثاله، وهذا أوَّل أهداف الصلاة، والسؤال: كيف نتغيَّر نحن عندما نضع طِلباتنا أمام الرب، مثل الشفاء من مرض ما، أو حماية بيوتنا؟ لِنأخذ بولس الرسول مثالاً؛ فقد كانت لديه شوكة في الجسد، وكان يُصلِّي طالباً من الرب أن يرفعها عنه، فقال الرب له: "تكفيك نعمتي، لأن قوتي في الضعف تُكمَل"، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": ٧وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ، لِيَلْطِمَنِي لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. ٨مِنْ جِهَةِ هَذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. ٩فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. (٢كو١٢: ٧-٩) و(٢كو١١: ٣٠).

  16. فالربّ يسأل بولس الرسول: هل تريد الشفاء لكي أستخدمك أكثر؟ إنني أستطيع أن أستخدمك أكثر في ضعفك، لأن قوتي في الضعف تظهر وتُكمَل، لقد قال بولس الرسول: إنما أريد أن تتمجَّد أنت؛ فإن كان تمجيدك يتحقَّق في ضعفي أكثر ممَّا يتحقَّق في صحتي وسلامتي الجسدية، فأنا موافق، فمن الذي تغيَّر هُنا؟ ومن الذي تغيَّر رأيه؟ إنَّه بولس الرسول الذي تغيَّر رأيه، وتمجَّد الربّ أكثر، وهناك فرق بين الاستسلام والتسليم، فلم يستسلم بولس ولم يقل ليس بيدي شيء لأفعله، بل وضع ثقته في يديّ الرب وحكمته، ولذلك كتب بعد ذلك قائلاُ: ١٠لِذَلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاِضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ.(٢كو١٢: ١٠)، لقد حلَّت على بولس الرسول قوة الله، واستخدمه الله بصورة عظيمة جداً، ولم يُغطِ ضعفه الجسدي وخجله من شوكة جسده بقوله أن الله يستخدم ضعفه ليظهر مجده بصورة أعظم، ولكنَّه كان يحكي اختباره الشخصي لكنيسة كورنثوس بعد ذلك بفترة زمنية، فالصلاة تُغيِّرنا؛ فنحن نذهب إلى الرب لنخبره بآلامنا ومشاكلنا، فيغيّر نظرتنا للحياة، من الاهتمام بأنفسنا إلى الاهتمام بالآخرين، فالله يغيُّرنا لنصير على مثاله، والصلاة تغيُّرنا نحن ولا تغيِّر إرادة الله، لأن "إرادة الله صالحة ومرضية وكاملة"، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢وَلاَ تُشَاكِلُوا هَذَا الدَّهْرَ بَلْ تَغَيَّرُوا عَنْ شَكْلِكُمْ بِتَجْدِيدِ أَذْهَانِكُمْ لِتَخْتَبِرُوا مَا هِيَ إِرَادَةُ اللهِ الصَّالِحَةُ الْمَرْضِيَّةُ الْكَامِلَةُ.(رو١٢: ٢).

  17. الصلاة تجعلنا نعرف إرادة الله:

    نحن نذهب إلى الرب ونقول له: "نريد كذا"، فيغيّرنا الرب، ويخبرنا: "ليس هذا أفضل لك أو للآخرين"، فنقول: "يارب، ماذا تريد أن نفعل؟"، لأننا نريد أن نفعل ما يريده الرب، كما قال الروح القدس لبولس الرسول: اعبر إلى مكدونيَّة، ولا تدخل آسيَّا، ولا تدخل ميسيَّا، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٦وَبَعْدَ مَا اجْتَازُوا فِي فِرِيجِيَّةَ وَكُورَةِ غَلاَطِيَّةَ مَنَعَهُمُ الرُّوحُ الْقُدُسُ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِالْكَلِمَةِ فِي أَسِيَّا. ٧فَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مِيسِيَّا حَاوَلُوا أَنْ يَذْهَبُوا إِلَى بِثِينِيَّةَ فَلَمْ يَدَعْهُمُ الرُّوحُ. ٨فَمَرُّوا عَلَى مِيسِيَّا وَانْحَدَرُوا إِلَى تَرُوَاسَ. ٩وَظَهَرَتْ لِبُولُسَ رُؤْيَا فِي اللَّيْلِ: رَجُلٌ مَكِدُونِيٌّ قَائِمٌ يَطْلُبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: «اعْبُرْ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ وَأَعِنَّا!». ١٠فَلَمَّا رَأَى الرُّؤْيَا لِلْوَقْتِ طَلَبْنَا أَنْ نَخْرُجَ إِلَى مَكِدُونِيَّةَ مُتَحَقِّقِينَ أَنَّ الرَّبَّ قَدْ دَعَانَا لِنُبَشِّرَهُمْ. (أع١٦: ٦-١٠)،

    إن الصلاة تجعلنا ننقاد بروح الله، فنحن نصلّي ليس لكي نغيّر إرادة الرب ويعمل لنا ما نريد، بل لكي نتغيّر نحن ونصير مثل الرب، ولكي نعرف ما يريد منَّا أن نفعله، لأننا نريد أن نكون في إرادة الله ونفعل مشيئته، ويقول الرب يسوع المسيح: "أن أفعل مشيئتك يا إلهي سررت"، وهي نبوة مسيانيَّة على لسان داود، كما جاء في سفر "المزامير": ٧حِينَئِذٍ قُلْتُ: هَئَنَذَا جِئْتُ. بِدَرْجِ الْكِتَابِ مَكْتُوبٌ عَنِّي ٨ أَنْ أَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا إِلَهِي سُرِرْتُ. وَشَرِيعَتُكَ فِي وَسَطِ أَحْشَائِي. (مز٤٠: ٨)، والكثير من المؤمنين يرغبون أن يقوم الرب بتحقيق ما يريدونه هم، دون أن يسعوا لمعرفة ما يريده الله منهم لكي يفعلوه له، ونتيجة لذلك، لا يعيشون في إرادة الله، أمَّا الصلاة، فهي تُعلن إرادة الله لنا، وتُرشدنا لما يجب أن نفعله، فنتغيَّر ونعرف ما يريده الرب.

  18. الصلاة تحقِّق إرادة الله:

    إذن، فالصلاة تغيّرنا إلى صورة الله، وتعرِّفنا إرادته، وتحقِّق إرادته، فماذا يعني أن الصلاة تحقق إرادة الله؟ لقد قال أحد القادة الروحيين الذين كان لهم تأثير كبير في حياتي: هناك أشياء كثيرة يريد الله أن يفعلها، لكنه لن يفعلها حتى نصلّي من أجلها، ومثال ذلك ما حدث مع موسى، الذي يُقال أحياناً إنَّه «غيَّر إرادة الله»، فقد عبد الشعب البعل، إذ بينما صعد موسى ليأخذ الشريعة من الله، صنعوا بعلاً، بعدما جمعوا أقراط الذهب، وقالوا: «هَذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ!».(خر٣٢: ٤)، يا له من افتراء! فالله كان قد صنع معهم عظائم وآيات، ومع ذلك صنعوا إلهاً ونسبوا إليه الخلاص، حينها قال الرب لموسى ما معناه: ماذا يحتاج هذا الشعب الآن؟ وماذا ينبغي أن يُفعل بهم؟ دعني أفنيهم وأجعلك أنت أمة عظيمة، لأنه من الواضح أن هذا الشعب لا يستطيع أن يفهم من هو الرب، وبدل أن يكونوا بني يعقوب، يصيروا بني موسى، ونقرأ ما جاء في سفر "الخروج": ٧فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «اذْهَبِ انْزِلْ! لأَنَّهُ قَدْ فَسَدَ شَعْبُكَ الَّذِي أَصْعَدْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ. ٨زَاغُوا سَرِيعاً عَنِ الطَّرِيقِ الَّذِي أَوْصَيْتُهُمْ بِهِ. صَنَعُوا لَهُمْ عِجْلاً مَسْبُوكاً وَسَجَدُوا لَهُ وَذَبَحُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذِهِ آلِهَتُكَ يَا إِسْرَائِيلُ الَّتِي أَصْعَدَتْكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ». ٩وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «رَأَيْتُ هَذَا الشَّعْبَ وَإِذَا هُوَ شَعْبٌ صُلْبُ الرَّقَبَةِ. ١٠فَالآنَ اتْرُكْنِي لِيَحْمَى غَضَبِي عَلَيْهِمْ وَأُفْنِيَهُمْ فَأُصَيِّرَكَ شَعْباً عَظِيماً». ١١فَتَضَرَّعَ مُوسَى أَمَامَ الرَّبِّ إِلَهِهِ وَقَالَ: «لِمَاذَا يَا رَبُّ يَحْمَى غَضَبُكَ عَلَى شَعْبِكَ الَّذِي أَخْرَجْتَهُ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ بِقُوَّةٍ عَظِيمَةٍ وَيَدٍ شَدِيدَةٍ؟ ١٢لِمَاذَا يَتَكَلَّمُ الْمِصْرِيُّونَ قَائِلِينَ: أَخْرَجَهُمْ بِخُبْثٍ لِيَقْتُلَهُمْ فِي الْجِبَالِ وَيُفْنِيَهُمْ عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ؟ ارْجِعْ عَنْ حُمُوِّ غَضَبِكَ وَانْدَمْ عَلَى الشَّرِّ بِشَعْبِكَ. ١٣اُذْكُرْ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَإِسْرَائِيلَ عَبِيدَكَ الَّذِينَ حَلَفْتَ لَهُمْ بِنَفْسِكَ وَقُلْتَ لَهُمْ: أُكَثِّرُ نَسْلَكُمْ كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَأُعْطِي نَسْلَكُمْ كُلَّ هَذِهِ الأَرْضِ الَّتِي تَكَلَّمْتُ عَنْهَا فَيَمْلِكُونَهَا إِلَى الأَبَدِ». ١٤فَنَدِمَ الرَّبُّ عَلَى الشَّرِّ الَّذِي قَالَ إِنَّهُ يَفْعَلُهُ بِشَعْبِهِ. (خر٣٢: ٧-١٤).

  19. فلو كان موسى قد وافق على إفناء الرب للشعب، لكان الرب قد فعل ذلك، لكن الله لم يكن يريد هذا، وذلك لسببين، وهما: أولاً: لأنَّه لو فعل ذلك لتأخرت خطته في أن يكون له شعب أربعمائة سنة أخرى، وثانياً: لأن صورة الله أمام المصريين كانت ستتشوَّه: إذ سيقولون أنَّه أخرج الشعب لكي يُفنيهم، ولذلك صلّى موسى وقال: "ماذا سيقول المصريون؟! كيف سيفهمونك؟! لقد بدأت الناس بالكاد تعرفك يا رب، وعرفت أنَّك الإله القدير، ستصير الإله الذي خدع شعبه وأخرجهم ليُفنيهم في البرية، نحن نريد أن يعرفك الناس"، وهي الصلاة التي كانت في قلب الله، مع أن عدالة الموقف آنذاك كانت تقول إن هذا الشعب لا يستحق الله لأنه لا يصدِّقه، فالله على الجبل يكلِّم موسى وهم في أسفل الجبل صنعوا بعلاً وسجدوا له، ولا يصح أن يكون إلههم، وكان من العدل أن يتركهم للهلاك ويبدأ من جديد تماماً، من البداية، لكن هذا لم يكن ما يريده الله، وإن كان هو ما يستحقه الشعب في تلك اللحظة، لأن إرادة الله أن يقف أحد في الثغر، وموسى كان فاهماً لله، فاهماً لقلبه، فوقف في الثغر ودافع عن الشعب، كما جاء في سفر "المزامير": ١٩صَنَعُوا عِجْلاً فِي حُورِيبَ وَسَجَدُوا لِتِمْثَالٍ مَسْبُوكٍ ٢٠وَأَبْدَلُوا مَجْدَهُمْ بِمِثَالِ ثَوْرٍ آكِلِ عُشْبٍ. ٢١نَسُوا اللهَ مُخَلِّصَهُمُ الصَّانِعَ عَظَائِمَ فِي مِصْرَ ٢٢وَعَجَائِبَ فِي أَرْضِ حَامٍ وَمَخَاوِفَ عَلَى بَحْرِ سُوفٍ ٢٣فَقَالَ بِإِهْلاَكِهِمْ. لَوْلاَ مُوسَى مُخْتَارُهُ وَقَفَ فِي الثَّغْرِ قُدَّامَهُ لِيَصْرِفَ غَضَبَهُ عَنْ إِتْلاَفِهِمْ. (مز١٠٦: ١٩-٢٣).

  20. فالشعوب الكنعانية الوثنية، التي كان الشعب سيذهب ليحلّ محلّها ويأخذ أرضها، كان الله سيُفنيها بسبب أن إثمها قد تعاظم، ولم يعد هناك أيّ رجاء في توبتها، كما جاء في سفر "التثنية": ٤لا تَقُل فِي قَلبِكَ حِينَ يَنْفِيهِمِ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ: لأَجْلِ بِرِّي أَدْخَلنِي الرَّبُّ لأَمْتَلِكَ هَذِهِ الأَرْضَ. وَلأَجْلِ إِثْمِ هَؤُلاءِ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ مِنْ أَمَامِكَ. ٥ليْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ وَعَدَالةِ قَلبِكَ تَدْخُلُ لِتَمْتَلِكَ أَرْضَهُمْ، بَل لأَجْلِ إِثْمِ أُولئِكَ الشُّعُوبِ يَطْرُدُهُمُ الرَّبُّ إِلهُكَ مِنْ أَمَامِكَ وَلِيَفِيَ بِالكَلامِ الذِي أَقْسَمَ الرَّبُّ عَليْهِ لآِبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ. ٦فَاعْلمْ أَنَّهُ ليْسَ لأَجْلِ بِرِّكَ يُعْطِيكَ الرَّبُّ إِلهُكَ هَذِهِ الأَرْضَ الجَيِّدَةَ لِتَمْتَلِكَهَا لأَنَّكَ شَعْبٌ صُلبُ الرَّقَبَةِ. (تث٩: ٤-٦) و(لا١٨: ١-٢٨)، وبما أنّ الشعب قد صنع بعلًا وسجد له، فلم يعد هناك رجاء في توبته، ولذلك كان يستحق أن يُفنيه الرب، غير أنّ موسى تضرّع إلى الرب طالباً أن يُفنيه معه إن لم يغفر خطيَّتهم، كما جاء في سفر "الخروج": ٣٠وَكَانَ فِي الْغَدِ أَنَّ مُوسَى قَالَ لِلشَّعْبِ: «أَنْتُمْ قَدْ أَخْطَأْتُمْ خَطِيَّةً عَظِيمَةً. فَأَصْعَدُ الآنَ إِلَى الرَّبِّ لَعَلِّي أُكَفِّرُ خَطِيَّتَكُمْ». ٣١فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى الرَّبِّ وَقَالَ: «آهِ قَدْ أَخْطَأَ هَذَا الشَّعْبُ خَطِيَّةً عَظِيمَةً وَصَنَعُوا لأَنْفُسِهِمْ آلِهَةً مِنْ ذَهَبٍ. ٣٢وَالآنَ إِنْ غَفَرْتَ خَطِيَّتَهُمْ - وَإِلاَّ فَامْحُنِي مِنْ كِتَابِكَ الَّذِي كَتَبْتَ». ٣٣فَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «مَنْ أَخْطَأَ إِلَيَّ أَمْحُوهُ مِنْ كِتَابِي. (خر٣٢: ٣٠-٣٣) و(تث٩: ١٨).

  21. ما هو الهدف من الحوار الذي دار بين الرب وموسى حول عبادة الشعب للعجل المسبوك وضرورة إفنائهم؟

    إن هدف هذا الحوار أنه يُظهر لنا كيف أن الصلاة في إرادة الله تحقِّق إرادة الله ومشيئته، كما جاء في سفر "المزامير": ٢٣فَقَالَ بِإِهْلاَكِهِمْ. لَوْلاَ مُوسَى مُخْتَارُهُ وَقَفَ فِي الثَّغْرِ قُدَّامَهُ لِيَصْرِفَ غَضَبَهُ عَنْ إِتْلاَفِهِمْ. (مز١٠٦: ٢٣)، فالصلاة تحقِّق أموراً عظيمة جداً، والدليل التاريخي على ذلك هو حدوث نهضة روحية.

    في أمريكا في وقت ما، وفي أوغندا في زمن الرئيس عيدي أمين، وكذلك حدوث نهضة روحية في كوريا الجنوبية لمدة خمسين سنة، وتحوِّلت دولة وثنيَّة بعيدة عن الله إلى واحدة من كبار الدول المسيحية، فقد آمن بالرب يسوع المسيح ما نسبته ٢٥ % من سكان كوريا الجنوبية، وصارت أكبر كنائس في العالم في كوريا الجنوبية، إنَّه أمرٌ خيالي، وذلك بسبب أن المؤمنين صلّوا إلى الرب ليتقدَّس ويتمجَّد، بينما الصلاة - بالنسبة لنا - هي أن نطلب لأنفسنا، في حين أن الطِلبات في الصلاة تشمل: (أطلب منه، وأطلبه، وأطلب له)، فالصلاة التي تعني الطلب تنقسم إلى ثلاثة أنواع: ١- أطلب منه لي، ٢- أطلبه هو لي، ٣- أطلب له لمجده.

  22. فمن يعتبرون أطفالاً في الإيمان يكتفون بالبند الأوَّل فقط، فهم لا يعرفون غيره، وهو: (أطلب منه لي)، مثل: اشفِني، باركني، كبِّرني، نمِّنِي، قدِّسني، وهذا ما يقصده الرب يسوع المسيح بقوله: "اسألوا تُعطَوا"، في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٧«اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اطْلُبُوا تَجِدُوا. اقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. ٨لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ.(مت٧: ٧-٨)، أمَّا الطلب الأكثر نضوجاً فهو: "تطلبونني فتجدونني"، كما جاء في سفر "إرميا": ١٣وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ.(إر٢٩: ١٣)، حيث نكتشف أننا لسنا بحاجة إلى ما يقدمه لنا، بل بحاجة إليه هو نفسه، لأن السعادة لا تكمن في عطاياه، بل في شخص الرب ذاته، وهذه الطلبة "تطلبونني فتجدونني" ستتحقق بكل تأكيد لأنها الطلبة المُستجابة دائماً، فهي على حسب قلب الله، بينما في الطلبة الأولى يعطينا الرب ما نريد من احتياجات ثم يتوقف بعد فترة، حتى يجعلنا ننمو وننضج روحياً، فالشبع الحقيقي في شخص الرب، واللقاء معه هو ما يغيّرنا، بينما عندما نطلب منه فلا نتغيَّر، بلّ يقوم بتسديد احتياجاتنا فقط، أمّا الذي يغيّرنا بالفعل فهو اللقاء مع الرب، وهذا هو ما يعبّر عن النضج الروحي، كما فعله موسى: فقد طلب له، ولم يطلب لنفسه، بل طلب لمجد الرب، قائلاً: يا رب، كيف سيعرفك الناس؟ وماذا سيقولون عنك؟ إنّ ما يهمّني هو اسمك، وما يهمّني هو مجدك، وما يهمّني أن تُعرَف بين الشعوب أنّ ما يهمّني أن يحبّك الناس، وأن تتحقّق إرادتك، وأن تتمّ مواعيدك. (خر٣٢: ١١-١٢) و(تث٩: ٢٥-٢٨).

  23. كيف للإنسان الضعيف، محدود المعرفة، أن يشير على الرب العظيم ويطلب له، ويخبره بالطريقة التي تجعله محبوباً أكثر ومُمجَّداً أكثر؟

    نحن كمؤمنين لا نُشير على الله، فهذا ما يريده هو نفسه، ونحن نتّحد به وبأشواق قلبه، فنطلب له، نطلب لله، ولعلَّك تراجع معي (الصلاة الربانية)، حيث يقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٩«فَصَلُّوا أَنْتُمْ هَكَذَا: أَبَانَا الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ لِيَتَقَدَّسِ اسْمُكَ. ١٠لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ. لِتَكُنْ مَشِيئَتُكَ كَمَا فِي السَّمَاءِ كَذَلِكَ عَلَى الأَرْضِ. ١١خُبْزَنَا كَفَافَنَا أَعْطِنَا الْيَوْمَ. ١٢وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا. ١٣وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ.(مت٦: ٩-١٣)، ففي الثلاث طلبات الأولى "ليتقدس اسمُك، ليأتِ ملكوتُك، لتكن مشيئُتك" لا نطلب لأنفسنا شيئاً، بل نطلب له، نطلب لله أمّا الطلبات الخاصة بنا، فجاءت في الثلاثة الأخيرة: "خبزنا كفافنا أعطنا اليوم...واغفر لنا ذنوبنا...نجِّنا من الشرير"، فعندما نقول: "ليتقدّس اسمُك"، أيّ أنا أعرفك، وأقصد أنني أريد للناس أن يعرفوك، وعندما نقول: "ليأتِ ملكوتك"، فأنا أريد لمُلكك أن يسود في حياة الناس، فأنت ملِك في قلبي وأنت أبي، وأمّا قولنا: "لتكن مشيئتُك"، فمعناه أن لكَ خطة لشعبك، فأتممها يا رب، وهذا هو ما حدث عندما صلَّت الكنيسة الأولى (بطرس ويوحنا الرسولان) وطلبا: يارب أعطي عبيدك أن يتكلموا بمد يدك للشفاء، ولتجرَ آيات وعجائب، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٢٩وَالآنَ يَا رَبُّ انْظُرْ إِلَى تَهْدِيدَاتِهِمْ وَامْنَحْ عَبِيدَكَ أَنْ يَتَكَلَّمُوا بِكَلاَمِكَ بِكُلِّ مُجَاهَرَةٍ ٣٠بِمَدِّ يَدِكَ لِلشِّفَاءِ وَلْتُجْرَ آيَاتٌ وَعَجَائِبُ بِاسْمِ فَتَاكَ الْقُدُّوسِ يَسُوعَ».(أع٤: ٢٩-٣٠).

  24. فلم يصليا من أجل أنفسهما، ولم يقولا: "احمنا، أو استرنا، أو دافع عنَّا"، رغم أنهما كانا قد تعرضا للتهديد والسجن، وتم جلدهما لاحقاً، فماذا طلبا؟ لقد طلبا لله، إذ قالا: "أعطنا أن نتكلّم بكلامك بكل مجاهرة، وأن تمُدّ يدُك للشفاء، وأن تصنع المزيد من المعجزات"؛ فقد تم شفاء رجل أعرج منذ ولادته عند باب الهيكل،

    فتجمَّع الناس، فوعظا وكرزا لهم؛ فهما يصلِّيان للرب: "افعل الكثير من هذا لكي نعظ ونكرز أكثر، نعم، قد نتعرّض للضرب أكثر، لكن لا يهُم أن نُضرَب، المهم أن تتحقّق إرادة الله"، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ١وَصَعِدَ بُطْرُسُ وَيُوحَنَّا مَعاً إِلَى الْهَيْكَلِ فِي سَاعَةِ الصَّلاَةِ التَّاسِعَةِ. ٢وَكَانَ رَجُلٌ أَعْرَجُ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ يُحْمَلُ كَانُوا يَضَعُونَهُ كُلَّ يَوْمٍ عِنْدَ بَابِ الْهَيْكَلِ الَّذِي يُقَالُ لَهُ «الْجَمِيلُ» لِيَسْأَلَ صَدَقَةً مِنَ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْهَيْكَلَ. ٣فَهَذَا لَمَّا رَأَى بُطْرُسَ وَيُوحَنَّا مُزْمِعَيْنِ أَنْ يَدْخُلاَ الْهَيْكَلَ سَأَلَ لِيَأْخُذَ صَدَقَةً. ٤فَتَفَرَّسَ فِيهِ بُطْرُسُ مَعَ يُوحَنَّا وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَيْنَا!» ٥فَلاَحَظَهُمَا مُنْتَظِراً أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمَا شَيْئاً. ٦فَقَالَ بُطْرُسُ: «لَيْسَ لِي فِضَّةٌ وَلاَ ذَهَبٌ، وَلَكِنِ الَّذِي لِي فَإِيَّاهُ أُعْطِيكَ: بِاسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ النَّاصِرِيِّ قُمْ وَامْشِ». ٧وَأَمْسَكَهُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَأَقَامَهُ فَفِي الْحَالِ تَشَدَّدَتْ رِجْلاَهُ وَكَعْبَاهُ ٨فَوَثَبَ وَوَقَفَ وَصَارَ يَمْشِي وَدَخَلَ مَعَهُمَا إِلَى الْهَيْكَلِ وَهُوَ يَمْشِي وَيَطْفُرُ وَيُسَبِّحُ اللهَ ٩وَأَبْصَرَهُ جَمِيعُ الشَّعْبِ وَهُوَ يَمْشِي وَيُسَبِّحُ اللهَ. ١٠وَعَرَفُوهُ أَنَّهُ هُوَ الَّذِي كَانَ يَجْلِسُ لأَجْلِ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ الْهَيْكَلِ الْجَمِيلِ فَامْتَلأُوا دَهْشَةً وَحَيْرَةً مِمَّا حَدَثَ لَهُ. (أع٣: ١-١٠).

  25. إذن، فالصلاة في إرادة الله تُحقّق إرادة الله، ولذلك، تشهد بلاد وكنائس نهضة روحية وأخرى بلا نهضة، وهذه النهضة الروحية لا علاقة بكاريزما أحد الخدَّام أو الرعاة في الكنائس، فبعض الخدَّام لهم كاريزما عظيمة ورغم ذلك تجد كنائسهم خالية من المصلِّين، فالكنيسة تنهض فقط عندما تصلِّي طالبَةً مجد الله، طالبةً حضور الرب، طالبةً أن يلمس الربّ الناس، فيستجيب الله فيحدث النهضة الروحية، فالنهضة في الشعوب الأخرى حدثت لأن الناس صلّوا لسنوات طويلة متواصلة من أجل شعوبهم، فمثلاً، لقد شهدت أندونيسيا نهضة روحية عظيمة، وهي دولة غير مسيحية، ورغم ذلك، ففي العاصمة جاكرتا توجد كنيستان إحداهما تضم ١٥٠ ألف عضو، والأخرى ١٠٠ ألف عضو، بينما لا توجد أيّ كنيسة في أمريكا بمثل هذا العدد الكبير، وأنا أعرف صديقاً هناك تضم كنيسته ٢٥ ألف عضو، وقد شهدت ١١ حالة قيامة من الأموات داخل كنيسته وحدها، لماذا؟ لأن تلك الكنيسة تصلِّي، والله يحقِّق إرادته، أمَّا الذين لا يصلّون، فلا تتحقَّق إرادة الله لديهم، لأنَّه لا يتدخَّل بدون أن نُعطيه سبباً للتدخل، وهذا السبب هو الصلاة، وبهذه الصلاة يتحقَّق أحد قوانين التدخُّل الإلهي، فالله يريد أن يُعلن مجده، يريد أن يظهر ذاته، يريد أن يلمس القلوب، لكنَّه لن يفعل ذلك إلَّا إذا أعطيناه الحق، فإن تدخَّل من تلقاء نفسه بدون سبب، سيندرج ذلك تحت مفهوم (القدرية)، إذ يعمل ما يحلو له وقتما يشاء وكيفما يشاء، ونحن كمسيحيين لا نؤمن بالقدرية.

  26. هناك بعض الآيات التي تؤكد أنَّه إذا كان لدى المؤمن إيمان مثل حبَّة الخردل يستطيع أن ينقل الجبل ويطرحه في البحر، فهل الأمر قد صار في يديّ المؤمن، وهو من يقرر وينفِّذ ويُحدث التغيير، فكيف نفهم ذلك إذا كانت الصلاة لا تغيّر إرادة الله؟

    ما نتحدث عنه يؤكّد الأمر نفسه الذي اتفقنا عليه، وهو أن الصلاة لا تُغيِّر إرادة الله، بل تُحقِّق إرادة الله، فالصلاة تُغيِّرنا نحن، وتُعرِّفنا إرادة الله، وتحقِّق إرادة الله، لكنها لا تُغيِّر إرادته، وهناك أمور كثيرة يريد الله أن يعملها، لكنَّه من دون صلاة الإيمان لا يستطيع عملها، ليس لأنه غير قادر، بلّ لأنَّ هذا هو قانونه: أن صلاة الإيمان هي التي تجعل الله قادراً على عمل ما يريده، فالتدخلات الإلهية الاستثنائية لها قوانين استثنائية، وبالنسبة للشرط المذكور في الآية، فهو يؤكد ما أقوله ولا ينفيه، ولنأخذ مثالاً كتابياً من قصة إيليَّا النبي، كما جاء في رسالة "يعقوب": ١٧كَانَ إِيلِيَّا إِنْسَاناً تَحْتَ الآلاَمِ مِثْلَنَا، وَصَلَّى صَلاَةً أَنْ لاَ تُمْطِرَ، فَلَمْ تُمْطِرْ عَلَى الأَرْضِ ثَلاَثَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ. ١٨ثُمَّ صَلَّى أَيْضاً فَأَعْطَتِ السَّمَاءُ مَطَراً وَأَخْرَجَتِ الأَرْضُ ثَمَرَهَا.(يع٥: ١٧-١٨) و(لو٤: ٢٥)، وكما جاء في سفر "الملوك الأول": ١وَقَالَ إِيلِيَّا التِّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جِلْعَادَ لأَخْآبَ: حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هَذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي.(١مل١٧: ١)، ثم صلَّى إيليَّا مرَّة أخرى فأمطرت السماء، كما جاء أيضاً في السفر ذاته: ١وَبَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ: اذْهَبْ وَتَرَاءَ لأَخْآبَ فَأُعْطِيَ مَطَراً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ... ٤٢فَصَعِدَ أَخْآبُ لِيَأْكُلَ وَيَشْرَبَ، وَأَمَّا إِيلِيَّا فَصَعِدَ إِلَى رَأْسِ الْكَرْمَلِ وَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَجَعَلَ وَجْهَهُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ. ٤٣وَقَالَ لِغُلاَمِهِ: اصْعَدْ تَطَلَّعْ نَحْوَ الْبَحْرِ. فَصَعِدَ وَتَطَلَّعَ وَقَالَ: لَيْسَ شَيْءٌ. فَقَالَ: ارْجِعْ سَبْعَ مَرَّاتٍ. ٤٤وَفِي الْمَرَّةِ السَّابِعَةِ قَالَ: هُوَذَا غَيْمَةٌ صَغِيرَةٌ قَدْرُ كَفِّ إِنْسَانٍ صَاعِدَةٌ مِنَ الْبَحْرِ. فَقَالَ: اصْعَدْ قُلْ لأَخْآبَ: اشْدُدْ وَانْزِلْ لِئَلاَّ يَمْنَعَكَ الْمَطَرُ. ٤٥وَكَانَ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَا أَنَّ السَّمَاءَ اسْوَدَّتْ مِنَ الْغَيْمِ وَالرِّيحِ، وَكَانَ مَطَرٌ عَظِيمٌ. فَرَكِبَ أَخْآبُ وَمَضَى إِلَى يَزْرَعِيلَ. (١مل١٨: ١، ٤٢-٤٥).

  27. نعود إلى أصل القصة، فقد قال الله ما معناه: "يا إيليَّا، أَغلِقِ السماء"، وكان ذلك تدخُّلاً استثنائياً، فمن أين أتى إيليَّا بهذا الإيمان أن صلاته ستُغلق السماء ثلاث سنين وستة أشهر، في أرضٍ تعيش على مياه الأمطار؟! إنها أرض لا أنهار فيها، بل أرض يسقيها الرب من السماء، كما جاء في سفر "التثنية": ١٠لأَنَّ الأَرْضَ التِي أَنْتَ دَاخِلٌ إِليْهَا لِتَمْتَلِكَهَا ليْسَتْ مِثْل أَرْضِ مِصْرَ التِي خَرَجْتَ مِنْهَا حَيْثُ كُنْتَ تَزْرَعُ زَرْعَكَ وَتَسْقِيهِ بِرِجْلِكَ كَبُسْتَانِ بُقُولٍ. ١١بَل هِيَ أَرْضُ جِبَالٍ وَبِقَاعٍ. مِنْ مَطَرِ السَّمَاءِ تَشْرَبُ مَاءً. (تث١١: ١٠-١١)، فلم تمطر السماء ثلاث سنين وستة أشهر، وكان هذا عملاً إلهيَّاً لا ظاهرة طبيعية، فمن أين جاء إيليَّا بهذا الإيمان؟ الله هو الذي قال له؛ فإذن، الصلاة لا تغيّر إرادة الله بل تُحقّقها وتُعرّفنا بها، إذ إن علاقة إيليَّا بالرب هي التي سمحت له أن يعرف أن الله يريد إغلاق السماء، ولماذا؟ لأنه أراد أن يضيِّق على هذا الشعب ليُرجعه إليه، وأن يوجّه رسالة إلى أخاب وزوجته إيزابل اللذين أفسدا البلاد، ونعلم أن الله هو الذي قال ذلك لأن الكتاب المقدس يذكر أنه عندما جاء وقت إنزال الرب للمطر أمره أن يذهب لأخاب لأنه سيعطي مطراً، كما جاء في سفر "الملوك الأول": ١وَبَعْدَ أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ كَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى إِيلِيَّا فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ: اذْهَبْ وَتَرَاءَ لأَخْآبَ فَأُعْطِيَ مَطَراً عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ.(١مل١٨: ١)، ولمَّا خاف إيليَّا، لأن أخاب كان يبحث عنه ليقبض عليه، قال له الرب: اذهب لأني أنا سأُنزل المطر؛ فليس معنى الإيمان مثل "حبَّة خردل" أن أستيقظ صباحاً فأرى هضبة أو جبلًا أمامي، فأطلب نقله لمجرَّد أني أريد أن أرى جيداً، لأنَّه يُعيق الرؤية أمامي، فينقله الله لإرضائي، فالكتاب المقدَّس لا يتكلَّم بهذا المعنى، بل يتكلَّم عن إيمان ينقل الجبال قائم على معرفة إرادة الله ومشيئته، لأنَّ المؤمن عندما يعرف أن الله يريد هذا الأمر، يكون لديه إيمان أن ما يطلبه سيتحقَّق، ولأنَّه يطلب ما يريده الله، فسيحدث ما يطلبه.

  28. هل تعني الآيتان التاليتان، كما يقول الرب يسوع المسيح: لَوْ كَانَ لَكُمْ إِيمَانٌ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ لَكُنْتُمْ تَقُولُونَ لِهَذَا الْجَبَلِ: انْتَقِلْ مِنْ هُنَا إِلَى هُنَاكَ فَيَنْتَقِلُ وَلاَ يَكُونُ شَيْءٌ غَيْرَ مُمْكِنٍ لَدَيْكُمْ. (مت١٧: ٢٠)، وكما جاء في سفر الخروج: "فإني أنا الرب شافيك"(خر١٥: ٢٦) و(مز١٠٣: ٣)، أن إرادة الله مُعلنة بأنَّه يريد أن يعطي المؤمن شفاءً من مرضه؟

    كلا، فأين هي إرادة الله المُعلَنة هنا؟! لقد اتفقنا من قبل على أن عبارة «الرب شافيك» لها أربع طرق، والسؤال الجوهري هو: متى أثق أنني سأُشفى، فأطلب بإيمان وأنال الشفاء؟ سأحكي قصة هامة توضّح التطبيق العملي لمفهوم الشفاء: فهناك أحد أشهر الأشخاص الذين استخدمهم الله في صنع المعجزات، وخدمته كانت سبباً في نهضة هائلة في كوريا الجنوبية، وهو القسيس/ يونجي تشوYonggi Cho، الذي بنى أكبر كنيسة في العالم، وصار ظاهرة فتحت الباب للكنيسة لكي تنمو بأعداد غفيرة، فقد بدأت كنيسته بخمسة آلاف عضو، وعندما زرته عام ١٩٨٨ كان عدد الأعضاء قد بلغ نحو خمسمائة وثلاثين ألفاً، ثم اقترب لاحقاً من ثمانمائة ألف عضو، وهؤلاء أعضاء الكنيسة نفسها لا الطائفة، وقد تبرعوا بنحو مئتين وخمسين ألف عضو لتأسيس عشرين كنيسة جديدة، أعطوا لكل واحدة منها عشرة آلاف عضو، وخلال ثلاثة أو أربعة أشهر فقط عوَّضوا هذا العدد وعادوا إلى نحو سبعمائة ألف عضو مرة أخرى، في أمر يُدهش العقل، لقد كان هذا الرجل بحق ظاهرة فريدة في تاريخ الكنيسة.

  29. وكان جزءٌ كبير من هذا النمو السريع الذي حدث في كنيسة ذلك القسيس نتيجة معجزات شفاء متكرِّرة، حتى إنَّه في بدايات خدمته، ومن كثرة ما رأى من معجزات، صار لديه يقين بأن كل مريض لا بُدَّ أن يُشفى، وقد ألّف في تلك المرحلة كتاباً بعنوان (البُعد الرابع)، أحدث ضجة واسعة وأثار ارتباكاً في فكر كثيرين، إذ فهم البعض منه أن الإنسان هو الذي يحدِّد ما يريده، فيُعطيه الله إيَّاه كما هو؛ فيُحدِّد مثلاً السيارة التي يريدها من حيث اللون والموديل وسنة الصنع، والله سيعطيها له بهذه المواصفات المطلوبة، وبعد سنوات، أنا التقيتُ بهذا الرجل وهو يعظ، فسأله الناس عن ذلك الفكر، فقال لهم ما معناه إنَّه اكتشف أنَّه كان مخطئاً، وإن لم يُصرِّح بذلك بهذه الصيغة، لكنَّه أقرّ بأن شفاء المريض الحقيقي لا يتم لمجرَّد الرغبة أو التحديد، بل لا بُدَّ أن يكون هناك إعلان إلهي واضح بأنَّ الله يريد أن يشفي هذا المريض بعينه، وروى قصة شهيرة، وقال فيها: "إنَّه في بدايات نمو الكنيسة جاءت امرأة مشلولة فصلّى لها فشُفيت، ثم جاءت صديقتها، وكانت هي أيضاً مشلولة، وطلبت منه أن يُصلّي لها، فصلّى، لكنَّها لم تُشفَ، فقالت له: "أنت لا تحبني كما تحبها، فقد شفيتها ولم تشفني"، فأجابها: "لستُ أنا الذي شفاها"، لكنَّها قالت له: "كما فعلت معها افعل معي"، ويقول هو: "صمتُ وصلّيت، وبذلتُ كل ما أعرفه من صلاة وانتهار، وفعلتُ كل ما أقدر عليه، ومع ذلك لم تُشفَ، هذه شُفيت وتلك لم تُشفَ، وأنا الشخص نفسه، وفعلتُ الأمر ذاته، وكلتاهما كانتا تؤمنان، عندها أدركتُ أن هناك إرادة إلهية"، فالصلاة لا تغيِّر إرادة الله، بل تُحقّق إرادة الله، وصلاة الإيمان تشفي المريض، ولكن السؤال: من أين آتي بالإيمان بأن هذا المريض سيُشفى؟ والإجابة هي أن الإيمان بقدرة الله موجود، لكن لا بُدَّ من إعلان واضح بأن الله يريد أن يشفي هذا المريض.

  30. إذن، المبدأ ثابت، والحقائق التي أعلنها الكتاب المقدس ثابتة، وتؤكِّدها الممارسة العملية، إذ تثبت الممارسة أن التعليم الكتابي حقيقي وواقع فعليَّاً عبر التاريخ، فالصلاة لا تغيِّر إرادة الله، بل تُحقِّق إرادة الله، والإيمان الذي ينقل الجبال لا بُدَّ أن يكون مبنيًّا على معرفة أن هذه هي إرادته الله ومشيئته، ولدينا في تاريخ الكنيسة قصة شهيرة ومعروفة هي قصة نقل (جبل المقطم) في مصر، وهي مدوَّنة ومسجَّلة تاريخيًّا، وقد جاءت في سياق تحدٍّ خطير للمسيحيين، وصل إلى حد التهديد بإبادتهم بحجة أن كتابنا غير صحيح، وكانت قصة مهيبة بالفعل، إذ لجأ البابا إلى الله طالباً المشورة، فأعلن له الرب أن رجلًا يُدعى سمعان الخراز، أو سمعان الإسكافي، هو الذي سيتم على يديه نقل الجبل، وأرشده الرب إلى من يذهب وما ينبغي فعله، فصلّت الكنيسة وصامت، ثم صلّى هذا الرجل، فارتفع الجبل وانتقل، وحدثت هذه القصة العظيمة، التي تؤكد أن الإيمان الذي يصنع المعجزات هو إيمان مبني على إعلان إرادة الله ومعرفتها، فقد ارتفع الجبل ووقف في الهواء، حتى إن الشمس ظهرت من تحته، ولم يكن الأمر زلزالاً نقل الجبل من مكانه، فهل معنى ذلك أن سمعان الخراز كان كلَّما صادف جبلاً نقله؟ بالطبع لا، وهل كان يمكن أن يقول: اجمعوا الناس، ولينتقل الجبل ويُنطرح في البحر المتوسط؟ قطعاً لا، لأن الإيمان لا يفرض على الله ما يريده الإنسان.

اعرِضها كقائد مجموعة — الدرس نفسه، بإعدادٍ للّقاء

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ٧ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً