المرأة
المرأة
ما هي المكانة الحقيقية للمرأة، وسط كل هذه الأصوات التي تتعالى في مجتمعاتنا الشرقية لمحاولة إعطائها حقها، بينما لا تسير الأمور في الاتجاه الصحيح، سواء من الناحية الكنسية، أو الزوجية، أو المجتمعية، أو فيما يتعلق بتولِّيها المناصب الهامة، وغيرها؟
نحن لا شأن لنا بالمجتمع أو نظرته للمرأة، بل نتحدث هنا من منظور الكتاب المقدس والإيمان المسيحي ورؤيته ونظرته للمرأة، لذلك، ففي سفر التكوين، نجد أن الرجل والمرأة متساويين في الخليقة، فقد خلقهما الله ذكراً وأنثى على صورته وشبهه عندما خلق الإنسان ممثلاً في آدم وحواء، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٦وَقَالَ اللهُ: «نَعْمَلُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِنَا كَشَبَهِنَا فَيَتَسَلَّطُونَ عَلَى سَمَكِ الْبَحْرِ وَعَلَى طَيْرِ السَّمَاءِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ الأَرْضِ وَعَلَى جَمِيعِ الدَّبَّابَاتِ الَّتِي تَدِبُّ عَلَى الأَرْضِ». ٢٧فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك١: ٢٦-٢٧)، كما يوضِّح سفر التكوين أن المرأة نظير الرجل أي مساوية له: ١٨وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ»...٢٠فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِيناً نَظِيرَهُ.(تك٢: ١٨، ٢٠)، ويشير الرب يسوع المسيح إلى المبدأ ذاته عند حديثه عن الزواج والطلاق، مؤكداً وحدة الرجل والمرأة منذ بدء الخليقة، كما جاء في إنجيل "متى": ٣وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» ٤فَأَجَابَ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟» (مت١٩: ٣-٤)
إذن، فالرجل والمرأة مخلوقان على صورة الله، رغم اختلاف جسديهما في التركيب البيولوجي والشكل الخارجي؛ فالرجل ذكر والمرأة أنثى، ولكلٍ منهما ملامح مميَّزة عن الآخر، وهنا يبرز السؤال: في ماذا خُلق الإنسان على صورة الله؟ ليس في الجسد البيولوجي بالطبع، لأن الله ليس له جسد بيولوجي مادي، بل في الشخصية الداخلية، أي الإنسان الداخلي الذي يحوي روحاً خالدة، وقد أشار الكتاب المقدس إلى ذلك في مواضع متعددة، كما جاء في سفر "أيوب": ٤رُوحُ اللهِ صَنَعَنِي وَنَسَمَةُ الْقَدِيرِ أَحْيَتْنِي. (أي٣٣: ٤)، فالله قد أعطى الروح للإنسان، كما جاء في سفر "الجامعة": ٧فَيَرْجِعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ وَتَرْجِعُ الرُّوحُ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهَا. (جا١٢: ٧)، كما أن الله قد أعطى الإنسان - ذكراً وأنثى - نوراً أدبياً (معرفة) وحرية أدبية، ليختار بين الخير والشر، بين الحياة والموت، بين الاتحاد مع الله أو الانفصال عنه، كما جاء في سفر "التثنية": ١٩أُشْهِدُ عَليْكُمُ اليَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلتُ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالمَوْتَ. البَرَكَةَ وَاللعْنَةَ. فَاخْتَرِ الحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ (تث٣٠: ١٩)، إذ خُلق كل من الرجل والمرأة على صورة الله، كما يشهد الكتاب المقدس، وبناءً على ذلك، فالمرأة قادرة على إقامة علاقة شخصية حيَّة مع الله، تماماً كما يقدر الرجل على ذلك، وكذلك تستطيع المرأة أن تنمو في القداسة في المسيح فتصير قديسة مثل الرجل أيضاً.
ويؤكد العهد الجديد على المساواة بين الرجل والمرأة بادئاً بأن الرجل ليس أقل من المرأة، ولا يضع المرأة في مرتبة أدنى من الرجل، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ١١غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ. (١كو١١: ١١)، والشاهد الثالث نجده في تأكيد بولس الرسول أن الرجل والمرأة واحد أي متساويين، كما جاء في رسالته إلى "غلاطية": ٢٦لأَنَّكُمْ جَمِيعاً أَبْنَاءُ اللهِ بِالإِيمَانِ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. ٢٧لأَنَّ كُلَّكُمُ الَّذِينَ اعْتَمَدْتُمْ بِالْمَسِيحِ قَدْ لَبِسْتُمُ الْمَسِيحَ. ٢٨لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعاً وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. (غل٣: ٢٦-٢٨)، أي أن خلفية المؤمن الدينية السابقة (كاليهودي) لا تمنحه تميزاً وأفضلية عن الآخرين، أو تجعله أدنى من الآخرين (كاليوناني)، وكذلك نوع/جنس المؤمن (الذكر) لا يجعله أكثر قيمة أو أهمية عن (الأنثى)، فالرسول بولس يعلّمنا أننا جميعاً أولاد لله، ومتساوون أمامه في القيمة والمكانة، وإن كنا مختلفين في الإمكانيات، وبالتالي مختلفين في الأدوار التي نقوم بها.
لذلك، فإن المساواة في القيمة والمكانة بين الرجل والمرأة لا تلغي التنوع في الأدوار، بل تجعل كل واحدٍ منهما يؤدي خدمته بحسب الموهبة التي نالها، لمجد الله وبنيان الكنيسة.
ما هي صور مشاركة المرأة في خدمة الرب يسوع المسيح، وكيف أظهر الكتاب المقدس تكريمها ولاسيما في العهد الجديد؟
هناك الكثير مما كُتب وتُداول عن (مريم المجدلية) ومكانتها ودورها البارز، فهي التي نالت الامتياز بأن تكون أول من بَشَّر بقيامة الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٥قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا امْرَأَةُ لِمَاذَا تَبْكِينَ؟ مَنْ تَطْلُبِينَ؟» فَظَنَّتْ تِلْكَ أَنَّهُ الْبُسْتَانِيُّ فَقَالَتْ لَهُ: «يَا سَيِّدُ إِنْ كُنْتَ أَنْتَ قَدْ حَمَلْتَهُ فَقُلْ لِي أَيْنَ وَضَعْتَهُ وَأَنَا آخُذُهُ». ١٦قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «يَا مَرْيَمُ!» فَالْتَفَتَتْ تِلْكَ وَقَالَتْ لَهُ: «رَبُّونِي» الَّذِي تَفْسِيرُهُ يَا مُعَلِّمُ. ١٧قَالَ لَهَا يَسُوعُ: «لاَ تَلْمِسِينِي لأَنِّي لَمْ أَصْعَدْ بَعْدُ إِلَى أَبِي. وَلَكِنِ اذْهَبِي إِلَى إِخْوَتِي وَقُولِي لَهُمْ: إِنِّي أَصْعَدُ إِلَى أَبِي وَأَبِيكُمْ وَإِلَهِي وَإِلَهِكُمْ». ١٨فَجَاءَتْ مَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ وَأَخْبَرَتِ التّلاَمِيذَ أَنَّهَا رَأَتِ الرَّبَّ وَأَنَّهُ قَالَ لَهَا هَذَا. (يو٢٠: ١٥-١٨).
وقد نالت القديسة العذراء مريم تكريماً فريداً في العهد الجديد، لا مثيل له لم يُمنح لأي شخص آخر، وهي امرأة اختارها الله لهذه الدعوة العظيمة، حين بَشَّرها الملاك جبرائيل بميلاد الرب يسوع، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٢٦وَفِي الشَّهْرِ السَّادِسِ أُرْسِلَ جِبْرَائِيلُ الْمَلاَكُ مِنَ اللهِ إِلَى مَدِينَةٍ مِنَ الْجَلِيلِ اسْمُهَا نَاصِرَةُ ٢٧إِلَى عَذْرَاءَ مَخْطُوبَةٍ لِرَجُلٍ مِنْ بَيْتِ دَاوُدَ اسْمُهُ يُوسُفُ. وَاسْمُ الْعَذْرَاءِ مَرْيَمُ. ٢٨فَدَخَلَ إِلَيْهَا الْمَلاَكُ وَقَالَ: «سَلاَمٌ لَكِ أَيَّتُهَا الْمُنْعَمُ عَلَيْهَا! اَلرَّبُّ مَعَكِ. مُبَارَكَةٌ أَنْتِ فِي النِّسَاءِ». ٢٩فَلَمَّا رَأَتْهُ اضْطَرَبَتْ مِنْ كَلاَمِهِ وَفَكَّرَتْ مَا عَسَى أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّحِيَّةُ! ٣٠فَقَالَ لَهَا الْمَلاَكُ: «لاَ تَخَافِي يَا مَرْيَمُ لأَنَّكِ قَدْ وَجَدْتِ نِعْمَةً عِنْدَ اللهِ. ٣١وَهَا أَنْتِ سَتَحْبَلِينَ وَتَلِدِينَ ابْناً وَتُسَمِّينَهُ يَسُوعَ. ٣٢هَذَا يَكُونُ عَظِيماً وَابْنَ الْعَلِيِّ يُدْعَى وَيُعْطِيهِ الرَّبُّ الإِلَهُ كُرْسِيَّ دَاوُدَ أَبِيهِ ٣٣وَيَمْلِكُ عَلَى بَيْتِ يَعْقُوبَ إِلَى الأَبَدِ وَلاَ يَكُونُ لِمُلْكِهِ نِهَايَةٌ». (لو١: ٢٦-٣٣).
فجميع الأجيال تطوِّب القديسة مريم العذراء كما تقول في تسبيحتها، إذ يضيف "لوقا": ٤٦فَقَالَتْ مَرْيَمُ: «تُعَظِّمُ نَفْسِي الرَّبَّ ٤٧وَتَبْتَهِجُ رُوحِي بِاللَّهِ مُخَلِّصِي ٤٨لأَنَّهُ نَظَرَ إِلَى اتِّضَاعِ أَمَتِهِ. فَهُوَذَا مُنْذُ الآنَ جَمِيعُ الأَجْيَالِ تُطَوِّبُنِي ٤٩لأَنَّ الْقَدِيرَ صَنَعَ بِي عَظَائِمَ وَاسْمُهُ قُدُّوسٌ ٥٠وَرَحْمَتُهُ إِلَى جِيلِ الأَجْيَالِ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَهُ. ٥١صَنَعَ قُوَّةً بِذِرَاعِهِ. شَتَّتَ الْمُسْتَكْبِرِينَ بِفِكْرِ قُلُوبِهِمْ. ٥٢أَنْزَلَ الأَعِزَّاءَ عَنِ الْكَرَاسِيِّ وَرَفَعَ الْمُتَّضِعِينَ. ٥٣أَشْبَعَ الْجِيَاعَ خَيْرَاتٍ وَصَرَفَ الأَغْنِيَاءَ فَارِغِينَ. ٥٤عَضَدَ إِسْرَائِيلَ فَتَاهُ لِيَذْكُرَ رَحْمَةً ٥٥كَمَا كَلَّمَ آبَاءَنَا. لِإِبْراهِيمَ وَنَسْلِهِ إِلَى الأَبَدِ». (لو١: ٤٦-٥٥).
ما السبب وراء اختيار الله أن يعلن عن ذاته في شخص الرب يسوع المسيح بهيئة رجل وليس بهيئة امرأة؟
أعلن الله عن ذاته في شخص الرب يسوع المسيح كرجل وذلك مراعاة لواقع المجتمع الذكوري الذي نحيا فيه، ولكن الله ليس ذكراً ولا أنثى، ليس رجلاً ولا امرأة، ولو جاء المسيح كامرأة أنثى، لرفض الناس أن يستقبلوا ويفهموا الرسالة الإلهية، وفي رأيي ليس هناك فرق بين مجيء الرب يسوع المسيح كرجل أو كامرأة، ولكن جاء المسيح كرجل بسبب طبيعة مجتمعنا البشري الذكوري وقدرة الرجل على السيطرة على الأمور نظراً لأنه الأقوى، ولكن ليست القضية هي قضية ذكر وأنثى على الاطلاق، لأن الله ليس ذكراً ولا أنثى، فالله روح، إذ يؤكد الرب يسوع المسيح ذلك في حديثه مع المرأة السامرية، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٤اَللَّهُ رُوحٌ. وَالَّذِينَ يَسْجُدُونَ لَهُ فَبِالرُّوحِ وَالْحَقِّ يَنْبَغِي أَنْ يَسْجُدُوا». (يو٤: ٢٤)، ويقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ١٧وَأَمَّا الرَّبُّ فَهُوَ الرُّوحُ، وَحَيْثُ رُوحُ الرَّبِّ هُنَاكَ حُرِّيَّةٌ. (٢كو٣: ١٧)، فالنظرة الكتابية بوجه عام: أن المرأة مخلوقة على صورة الله، وأن الرجل مخلوق على صورة الله، أي أنهما متساويان في القيمة والمكانة، لكنَّهما مختلفان في الإمكانيات، وبالتالي، فهما مختلفان في الأدوار التي يقومان بيها داخل العائلة وداخل المجتمع، وهذه هي الصورة العامة.
إذا كان الرجل والمرأة مختلفين في التكوين والأدوار، فهل قوة الرجل الجسدية تبرّر سيطرته أو قهره للمرأة؟ وما موقف الكتاب المقدس من ذلك؟
إنّ تصرُّف الرجل بهذا الشكل يُعَدُّ نوعاً من البلطجة، فالكتاب المقدس يُعلِّم عكس ذلك تماماً، إذ يؤكد أن ضعف المرأة الجسدي يُحمِّل الرجل مسؤولية حمايتها لا قهرها، فالرجل مدعوٌّ لأن يكون مسؤولاً عن أمنها وأمانها، ويستخدم قوته الجسديَّة لراحتها والدفاع عنها، وليس لإذلالها وقهرها أو السيطرة عليها، كما جاء في رسالة بطرس الرسول الأولى: ٧كَذَلِكُمْ أَيُّهَا الرِّجَالُ كُونُوا سَاكِنِينَ بِحَسَبِ الْفِطْنَةِ مَعَ الإِنَاءِ النِّسَائِيِّ كَالأَضْعَفِ، مُعْطِينَ إِيَّاهُنَّ كَرَامَةً كَالْوَارِثَاتِ أَيْضاً مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ، لِكَيْ لاَ تُعَاقَ صَلَوَاتُكُمْ. (١بط٣: ٧)، فالمرأة تتمتَّع بقدرة منحها الله إيَّاها، وهي القدرة على الحمل وولادة الأطفال، بينما الرجل لا يمتلك هذه الإمكانية، فهي التي تحبل بالطفل، لأنها تملك رحماً يستطيع أن يحمله وينمِّيه، أمَّا الرجل فليس لديه رحم، إذًا، فإن إمكانيات المرأة تؤهلها للقيام بأمور لا يستطيع الرجل القيام بها، والمرأة خُلقت من الرجل، كما جاء في سفر "التكوين": ٢١فَأَوْقَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ سُبَاتاً عَلَى آدَمَ فَنَامَ فَأَخَذَ وَاحِدَةً مِنْ أَضْلاَعِهِ وَمَلَأَ مَكَانَهَا لَحْماً. ٢٢وَبَنَى الرَّبُّ الإِلَهُ الضِّلْعَ الَّتِي أَخَذَهَا مِنْ آدَمَ امْرَأَةً وَأَحْضَرَهَا إِلَى آدَمَ. ٢٣فَقَالَ آدَمُ: «هَذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». (تك٢: ٢١-٢٣).
وقد عبَّر الكتاب المقدس عن هذا الأمر بعبارة رائعة هي: "كما أن المرأة هي من الرجل"، أي أن حواء خُلقت من آدم، إذ أخذ الله من ضلعه وصنع منه امرأة، "هكذا الرجل أيضاً هو بالمرأة" أي أن المرأة هي التي تحبل وتلد الرجل، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ١١غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ. ١٢لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ الْمَرْأَةَ هِيَ مِنَ الرَّجُلِ هَكَذَا الرَّجُلُ أَيْضاً هُوَ بِالْمَرْأَةِ. وَلَكِنَّ جَمِيعَ الأَشْيَاءِ هِيَ مِنَ اللهِ. (١كو١١: ١١-١٢)، إذ يقول الكتاب المقدس للرجل: انتبه، لا تقل: "الرجل خُلق أولاً، والمرأة أُخذت من الرجل"، لأن الحقيقة أيضاً أن الرجل يأتي من المرأة، فلا يوجد رجل جاء إلى العالم بدون امرأة، فهي خُلقت مِنْك، وأنتَ أيضاً وُلدت منها، هكذا يوضِّح الكتاب هذه الحقيقة مراراً وتكراراً، فالمرأة، وإن كانت تمتلك قدرات جسدية أقل، إلَّا أنها تتميَّز بقدرات عاطفية أكبر.
هل كون المرأة أكثر عاطفية من الرجل يبرّر استبعادها من اتخاذ القرارات أو من الأدوار القيادية، سواء في البيت أو المجتمع، أم أن هذا التصوّر غير دقيق؟
أعطى الكتاب المقدس القيادة للرجل في العائلة، ويعود ذلك إلى ثلاثة أسباب وهي: (أسباب بيولوجية، أسباب روحية، وأسباب اجتماعية) وسنتعرَّض لها، وهذه الفكرة هي في جوهرها تنظيمية، وقد ظهرت بوضوح بعد السقوط، ولأن المرأة كانت أوَّل من انخدع بالحيَّة وأغويت أولاً، كما يذكر بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ١٣لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، ١٤وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي (١تي٢: ١٣-١٤)، فالكتاب المقدَّس يوضّح أن المرأة، بحُكم طبيعتها الأكثر عاطفية من الرجل، قد تندفع أحياناً وراء مشاعرها، ولذلك جاء الترتيب الإلهي بأن يكون الرجل في موضع القيادة داخل العائلة، لا ليتسلَّط على المرأة، بل لتنظيم الأدوار، فأنا أتحدث هنا عن العائلة وليس عن المجتمع ككل، وهناك فرق واضح بين الاثنين، وينبغي أن ننتبه جيداً إلى أن المجتمع يختلف عن العائلة، لأن قوانين العائلة مثل قوانين الكنيسة وتختلف عن قوانين المجتمع، ففي العائلة تسود الرحمة على العدل، بينما في المجتمع أو العمل يسود العدل على الرحمة، فعلى سبيل المثال: إذا قام أحد الأبناء بسرقة بعض المال من أبيه أو أمه، فلا يصح أن يذهب الوالدان ويقوما بالإبلاغ عنه في قسم الشرطة، بل يتعاملان معه بروح الرحمة كأب أو كأم، إذ يؤكد الرب يسوع المسيح في الموعظة على الجبل، كما جاء في إنجيل "متى": ٧طُوبَى لِلرُّحَمَاءِ لأَنَّهُمْ يُرْحَمُونَ. (مت٥: ٧)، وورد في رسالة "يعقوب": ١٣لأَنَّ الْحُكْمَ هُوَ بِلاَ رَحْمَةٍ لِمَنْ لَمْ يَعْمَلْ رَحْمَةً، وَالرَّحْمَةُ تَفْتَخِرُ عَلَى الْحُكْمِ. (يع٢: ١٣)، لكن إذا قام أحد الأشخاص أو الموظفين في شركة ما بسرقة أموال الشركة، فلا بُدّ من الإبلاغ عنه في قسم الشرطة، لأن في هذا السياق يسود العدل، لا الرحمة، وذلك لحفظ النظام ومنع الفساد، وكذلك في المجتمع، لا يمكن أن تقول المحكمة: "حكمت المحكمة بالرحمة على القاتل"، فهذا يُفسد العدالة، كما جاء في سفر "اللاويين": ١٥لَا تَرْتَكِبُوا جَوْرًا فِي القضاء. لَا تَأْخُذُوا بِوَجْهِ مِسْكِينٍ وَلَا تَحْتَرِمْ وَجْهَ كَبِيرٍ. بالعدل تَحْكُمُ لِقَرِيبِكَ. (لا١٩: ١٥)، وأمَّا في المنزل، فالرحمة هي الأساس لأنها قائمة على علاقة المحبَّة والقرابة، إذن، فقوانين العائلة والكنيسة تختلف عن قوانين المجتمع والعمل.
إذا كانت الزوجة تُقهر وتُهضَم حقوقها داخل المنزل، ولا يُسمح لها بالتعبير عن رأيها أو قول ما تريده، فكيف ستتمكَّن من التعبير عن نفسها أو المطالبة بحقوقها خارج المنزل في المجتمع ؟
على العكس تماماً، يجب أن ننتبه، فعندما نتحدث عن أن الرجل يسود على المرأة أو يقود في المنزل، فنحن نتحدث عن قوانين العائلة وتنظيمها الداخلي، وليس عن قوانين المجتمع، وكذلك الأمر عندما يتحدث الكتاب المقدس عن الكنيسة، فإنه يضع ترتيباً مُحدَّداً يختلف عن نظام المجتمع المدني، إذ يقول بولس الرسول: "لست آذن للمرأة أن تتسلط على الرجل"، كما جاء في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ١١لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. ١٢وَلَكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، ١٣لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، ١٤وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي، ١٥وَلَكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ. (١تي٢: ١١-١٥)، فقوانين الكنيسة والعائلة تنتمي إلى نفس النوعية من الترتيب الإلهي، لكنها لا تُطبَّق بالضرورة في الشارع أو في المجتمع المدني، ولذلك نرى عبر التاريخ وجود ملكات حكمن شعوباُ وأمماُ، مثل: (كليوباترا وحتشبسوت) في مصر الفرعونية، وكذلك (ملكة سبا) ملكة التَّيْمَن التي جاءت إلى الملك سليمان كما ورد في الكتاب المقدس في سفر "الملوك الأول": ١وَسَمِعَتْ مَلِكَةُ سَبَا بِخَبَرِ سُلَيْمَانَ لِمَجْدِ الرَّبِّ، فَأَتَتْ لِتَمْتَحِنَهُ بِمَسَائِلَ. ٢فَأَتَتْ إِلَى أُورُشَلِيمَ بِمَوْكِبٍ عَظِيمٍ جِدّاً، بِجِمَالٍ حَامِلَةٍ أَطْيَاباً وَذَهَباً كَثِيراً جِدّاً وَحِجَارَةً كَرِيمَةً. وَأَتَتْ إِلَى سُلَيْمَانَ وَكَلَّمَتْهُ بِكُلِّ مَا كَانَ بِقَلْبِهَا. (١مل١٠: ١-٢)، وقد أشار الرب يسوع المسيح إليها (مت١٢: ٤٢)، وهذا يدل على أنَّه منذ القدم كان المجتمع يتقبَّل أن تتولى المرأة مناصب قيادية كبرى، كأن تكون ملكة أو حاكمة، وحتى في عصرنا الحديث، لدينا مثال: أنجيلا ميركل Angela Merkel، التي شغلت منصب المستشارة الألمانية في الفترة من ٢٠٠٥م حتى ٢٠٢١م، وكانت أول امرأة في تاريخ ألمانيا تتولى هذا المنصب، الذي يُعادل منصب رئيس الوزراء في دول أخرى، فهذا الأمر مقبول في المجتمع، ولكنَّه غير مقبول في المنزل والعائلة.
كيف يختلف دور المرأة في المجتمع عن خضوعها لزوجها داخل الأسرة؟
عندما يتحدث الكتاب المقدس عن دور المرأة داخل العائلة، يذكر القول:"الرجل رأس المرأة"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٢٢أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، ٢٣لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. ٢٤وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. (أف٥: ٢٢-٢٤)، وجاء أيضاً في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ٣وَلَكِنْ أُرِيدُ أَنْ تَعْلَمُوا أَنَّ رَأْسَ كُلِّ رَجُلٍ هُوَ الْمَسِيحُ. وَأَمَّا رَأْسُ الْمَرْأَةِ فَهُوَ الرَّجُلُ. وَرَأْسُ الْمَسِيحِ هُوَ اللهُ. (١كو١١: ٣)، فالعائلة تختلف عن المجتمع ولكل منهما شأنه الخاص، إذ يؤكد الرب يسوع المسيح "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، فقد سأله الفريسيِّون عن جواز إعطاء الجزية لقيصر من عدمه، فأجاب كما جاء في إنجيل "متى": ١٩أَرُونِي مُعَامَلَةَ الْجِزْيَةِ». فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً. ٢٠فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» ٢١قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ». (مت٢٢: ١٩-٢١)، أي أن الجانب الروحي في العائلة والكنيسة مستقل تماماً عن الجانب المجتمعي والمدني.
وبالتالي، من حق المرأة أن تتولى مناصب قيادية في المجتمع والعمل وأن تكون متسلِّطة على الرجل دون أن يرفض أو يعارض ذلك، إذ يحق لها أن تصبح مديرة أو وزيرة أو رئيسة وزراء أو حتى ملكة، مثل الملكة إليزابيث ملكة المملكة المتحدة Elizabeth II وهي أطول ملوك المملكة المتحدة حُكماً في التاريخ، حيث تولت الحكم من ١٩٥٢ حتى ٢٠٢٢م، بالإضافة إلى رئيسة وزراء بريطانيا مارجريت ثاتشرMargaret Thatcher وهي من أفضل رؤساء الوزارات اللي حكمت إنجلترا لفترة طويلة من ١٩٧٩ حتى ١٩٩٠م، وهذا ولا يؤدي إلى تعطيل سير الحياة الإنسانية والاجتماعية، إذن، فالمجتمع له شأنه وقوانينه ونظامه الخاص، ورغم أن العائلة هي نواة المجتمع، فهي ليست نسخة من المجتمع، لأن قوانين المنزل والعائلة تختلف عن قوانين المجتمع، فقوانين المجتمع هي قوانين وضعية لها دستور يحكمها وينظمها، بينما المنزل (أي العائلة) فليس له دستور، بل تحكمه مبادئ، لذلك يجب أن نفرِّق بين الاثنين، لأن الخلط بينهما هو سبب الارتباك الموجود في أذهاننا
فالعلاقة الزوجية أشبه بمركب واحد أو بسيارة واحدة، لأن الزوج والزوجة ينبغي أن يتحركا سوياً وفي نفس الاتجاه، وليس في اتجاهين متعارضين يميناً ويساراً، لذلك، ينبغي أن يتولى الرجل القيادة في العائلة والمنزل، ولكنَّه يستطيع أن يفوّض زوجته في بعض جوانب الحياة الزوجية، مثل: إدارة ملف العلاقات والزيارات الاجتماعية، بينما يظل الرجل هو رأس المرأة، فواحدة من أسباب المشكلات والخلافات الزوجية هو عدم وضوح الأدوار داخل المنزل، فالمبدأ الأساسي هو أن (الرجل رأس المرأة وهو يحب امرأته والمرأة تخضع لرجلها)، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٢٢أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، ٢٣لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضاً رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. ٢٤وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. ٢٥أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا (أف٥: ٢٢-٢٥).
ووضع الكتاب المقدس مبدأين رائعين لتنظيم العلاقة بين الزوج والزوجة، وهما: (أن يحب الرجل امرأته، وأن تكرم المرأة رجلها وتخضع له)، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٣٣وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا.(أف٥: ٣٣)، فالرجولة تحتاج إلى الاحترام وتنضج بالاحترام، بينما تنضج الأنوثة بالحُب، هذا هو الخلق الإلهي، فقد خلق الله المرأة لكي تتغذى وتتفتح أوراقها بالحُب، والرجل يتغذى ويثق في نفسه ويشعر برجولته بالاحترام، وهذا هو التكوين النفسي الذي يميِّز الرجل عن المرأة: أن المرأة تحتاج إلى الحُب والشعور بالأمان، بينما يحتاج الرجل للإكرام والتقدير، فعندما يُعطي الزوج زوجته ما تحتاج إليه، وهي تُعطيه ما يحتاج إليه، يُكمِّل كلٌ منهما الآخر، وبالتالي، لا يوجد مجال للشجار أو الخلاف بينهما على الإطلاق.
أما فيما يتعلق بالقرارات المصيرية في الحياة الزوجية، فالرجل هو قائد العائلة، والقيادة لا تعني الديكتاتورية فالقائد يختلف عن الديكتاتور، فالقائد الحقيقي لا يفرض رأيه بالقوة ولا يتجاهل آراء الآخرين، بخلاف الديكتاتور الذي لا يستمع لأحد، لذلك، ففي كل أمر هام نجلس أنا وزوجتي لنتحدث ونتناقش، فأسألها عن رأيها، وأشاركها برأيي، ونظل نتحدث حتى نبحث جميع الموضوعات بحثاً مستفيضاً، وعندما ينتهي الحوار، تقول لي: "اتخذ القرار"، وهنا يأتي دوري كقائد للعائلة لاتخاذ القرار النهائي، لكن طوال هذه العملية، أُظهر لها حُبي واحترامي وثقتي في شخصها وذكائها، فأراعيها في كل خطوة، وأقود بحكمة ومحبَّة.
ألا يتطلّب التوافق الحقيقي بين الزوجين نضجًا فكريًا وعاطفيًا وروحيًا، في حين أن الواقع يُظهر أحيانًا تصرّفات حمقاء من الرجل، كما يذكر الكتاب المقدس عن نابال زوج أبيجايل؟
إذا تزوَّجت المرأة الحكيمة العاقلة رجلاً أحمق، أو تزوَّج الرجل الحكيم العاقل امرأة جاهلة، فذلك يعني أن كلاً منهما قد أخطأ في اختيار شريك حياته، فمن أمثلة الرجال الحمقى: (نابال) زوج أبيجايل التي تتصف بأنها جيدة الفهم جميلة الصورة، حيث أرسل داود رسلاً إلى نابال يطلبون بعض الطعام والمؤونة كمكافأة على حماية رجاله لمواشي نابال، لكن نابال رفض بعنف وأهان داود، وتصرفت زوجته أبيجايل بحكمة وسرعة فذهبت إلى ملاقاة داود ورجاله حاملة الطعام والشراب وقدمت اعتذاراً عن زوجها مانعة بذلك داود من سفك الدم، وبعد عشرة أيام من معرفة نابال بما حدث ضربه الرب فمات، وتزوج داود من أبيجايل، كما جاء في سفر "صموئيل الأول": ٢وَكَانَ رَجُلٌ فِي مَعُونٍ وَأَمْلاَكُهُ فِي الْكَرْمَلِ. وَكَانَ الرَّجُلُ عَظِيماً جِدّاً وَلَهُ ثَلاَثَةُ آلاَفٍ مِنَ الْغَنَمِ وَأَلْفٌ مِنَ الْمَعْزِ وَكَانَ يَجُزُّ غَنَمَهُ فِي الْكَرْمَلِ. ٣وَاسْمُ الرَّجُلِ نَابَالُ وَاسْمُ امْرَأَتِهِ أَبِيجَايِلُ. وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ جَيِّدَةَ الْفَهْمِ وَجَمِيلَةَ الصُّورَةِ. وَأَمَّا الرَّجُلُ فَكَانَ قَاسِياً وَرَدِيءَ الأَعْمَالِ. وَهُوَ كَالِبِيٌّ. (١صم٢٥: ٢-٣).
ومن أمثلة النساء الجاهلات: امرأة أيوب التي طلبت منه أن يجدف على الله ثم يموت مشجعة إيَّاه على التجديف على الله، كما جاء في سفر "أيوب": ٧فَخَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنْ حَضْرَةِ الرَّبِّ وَضَرَبَ أَيُّوبَ بِقُرْحٍ رَدِيءٍ مِنْ بَاطِنِ قَدَمِهِ إِلَى هَامَتِهِ. ٨فَأَخَذَ لِنَفْسِهِ شَقْفَةً لِيَحْتَكَّ بِهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي وَسَطِ الرَّمَادِ. ٩فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ! جَدِّفْ عَلَى اللهِ وَمُتْ! ١٠فَقَالَ لَهَا: تَتَكَلَّمِينَ كَلاَماً كَإِحْدَى الْجَاهِلاَتِ! أَالْخَيْرَ نَقْبَلُ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَالشَّرَّ لاَ نَقْبَلُ؟ فِي كُلِّ هَذَا لَمْ يُخْطِئْ أَيُّوبُ بِشَفَتَيْهِ. (أي٢: ٧-١٠).
فمن أخطأ في اختيار شريك الحياة يجب أن يدفع ثمن سوء اختياره ويتحمل عواقب هذا القرار طوال حياته، لذلك، يُعَدّ اختيار شريك الحياة أمرأ بالغ الأهمية لكل من الرجل والمرأة، لأن الكثير من الناس يعتقدون خطأ أن باستطاعتهم الزواج بأي شخص دون معرفة جوانب شخصيته، وهذا اعتقاد غير صحيح وغير مقبول سواء في ضوء التعاليم الكتابية أو حتى في المجتمعات الإنسانية عامة، فلو التزم الجميع بتطبيق مبادئ الزواج في الكتاب المقدس كما هي لعاشوا في سعادة وهناء، دون خصام أو نزاع، إذ لن يبقى ما يدعو إلى الخلاف.
إذن، وضع الله في كلٍّ من الرجل والمرأة إمكانيات مختلفة، وجعل تكاملهما معاً ضرورة ليواجها صعوبات الحياة سوياً، ولذلك يقول الكتاب المقدس "المُعين"، كما جاء في سفر "التكوين": ١٨وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ»...٢٠فَدَعَا آدَمُ بِأَسْمَاءٍ جَمِيعَ الْبَهَائِمِ وَطُيُورَ السَّمَاءِ وَجَمِيعَ حَيَوَانَاتِ الْبَرِّيَّةِ. وَأَمَّا لِنَفْسِهِ فَلَمْ يَجِدْ مُعِيناً نَظِيرَهُ. (تك٢: ١٨، ٢٠)، فالزوج والزوجة يكمِّل كل منهما الآخر، ولكلٍّ منهما دور مختلف؛ فدور المرأة يختلف تماماً عن دور الرجل، هي تجد سعادتها في أن تُحَب، بينما الرجل يجد سعادته في أن ينال الاحترام، هي تشعر بضعفها وتريد أن تشعر به، لأنه جزء أصيل من أنوثتها، والرجل يشعر بقوته، لأن القوة جزء أساسي من رجولته، وهذا الأمر ليس مرتبطًا بشخصياتنا أو بخياراتنا الفردية، بل هو أمر سيكولوجي وبيولوجي بحت، وضعه الله في طبيعة كلٍّ من الرجل والمرأة.
هل تعني تعاليم بولس في (١تي ٢: ١١–١٥) أن المرأة غير مؤهلة للتعليم وعليها أن تلتزم الصمت التام في الكنيسة، ولذلك يقتصر دور القيادة في الكنسية على الرجال؟
إن المبدأ الذي يحكم المنزل والعائلة هو نفسه الذي يحكم الكنيسة، إذ أن كليهما يمثلان وجهين لعملة واحدة، لأنهما معاً يعكسان ملكوت الله، أي أن كلاً منهما يُجسِّد قيم الملكوت، حيث تسود الرحمة على العدالة، ومن هذا المنطلق، يجب أن يكون الرجل رأس المرأة في الكنيسة، تماماً كما هو الحال في المنزل، لأنه إذا لم يكن الرجل رأس المرأة في الكنيسة، فلن يكون رأسها في المنزل أيضاً، فالكنيسة تمثل المجتمع الأكبر الذي يجمع عائلات المؤمنين، فهي مجتمع المؤمنين، وبما أن العائلة هي جزء من هذا المجتمع، فإذا رأت العائلة في الكنيسة أن المرأة هي رأس الرجل، ستعود المرأة إلى منزلها راغبة في أن تكون هي القائدة ورأس الرجل، مما يؤدي إلى حدوث خلل في بناء الوحدة الأساسية للمجتمع، وهي العائلة، وهذا بدوره يخلق صراعاً على القيادة داخل المنزل، ولأن الله لا يريد حدوث هذا الصراع على القيادة، فقد وضع المبدأ بوضوح وحسم الأمر، حتى يسود النظام وتتحقق الوحدة، فأنا أتحدث عن المبدأ الذي يذكره الكتاب المقدس "فالرجل رأس المرأة" (أف٥: ٢٢-٢٤)، وكذلك يقول الكتاب المقدس "فلست آذن للمرأة أن تتسلَّط على الرجل في الكنيسة"، ولكن هذا لا يمنع قيام المرأة بدورها أو لا تستخدم موهبتها كمرنِّمة أو كعازفة في الكنيسة.
عندما نرجع إلى العهد القديم والعهد الجديد، نجد أن المرأة قد شغلت أدوارًا قيادية مهمة للغاية، فعلى سبيل المثال، في العهد القديم نرى (دَبُّورة)، التي كانت نبيَّة وقاضية، وقد قادت شعب إسرائيل وأصدرت الأحكام بينهم، كما جاء في سفر "القضاة":٤وَدَبُورَةُ امْرَأَةٌ نَبِيَّةٌ زَوْجَةُ لَفِيدُوتَ, هِيَ قَاضِيَةُ إِسْرَائِيلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ. ٥وَهِيَ جَالِسَةٌ تَحْتَ نَخْلَةِ دَبُورَةَ بَيْنَ الرَّامَةِ وَبَيْتِ إِيلَ فِي جَبَلِ أَفْرَايِمَ. وَكَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ يَصْعَدُونَ إِلَيْهَا لِلْقَضَاءِ. (قض٤: ٤-٥)، ونرى أيضاً في العهد الجديد مثالًا واضحاً لدور المرأة القيادي من خلال (حنّة) النبيَّة، التي كانت موجودة في الهيكل وقد تنبأت عن المسيح إلى جانب سمعان الشيخ، وكونها نبيَّة تتنبأ داخل الهيكل يدل ذلك على مكانة عظيمة، فهذه ليست خدمة بسيطة على الإطلاق، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٣٦وَكَانَتْ نَبِيَّةٌ حَنَّةُ بِنْتُ فَنُوئِيلَ مِنْ سِبْطِ أَشِيرَ وَهِيَ مُتَقّدِّمَةٌ فِي أَيَّامٍ كَثِيرَةٍ قَدْ عَاشَتْ مَعَ زَوْجٍ سَبْعَ سِنِينَ بَعْدَ بُكُورِيَّتِهَا. ٣٧وَهِيَ أَرْمَلَةٌ نَحْوَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً لاَ تُفَارِقُ الْهَيْكَلَ عَابِدَةً بِأَصْوَامٍ وَطِلْبَاتٍ لَيْلاً وَنَهَاراً. ٣٨فَهِيَ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ وَقَفَتْ تُسَبِّحُ الرَّبَّ وَتَكَلَّمَتْ عَنْهُ مَعَ جَمِيعِ الْمُنْتَظِرِينَ فِدَاءً فِي أُورُشَلِيمَ. (لو٢: ٣٦-٣٨)
كذلك نقرأ عن (فيبي) التي وصفها بولس الرسول بأنها "خادمة الكنيسة التي في كنخريا"، كما جاء في رسالته إلى "رومية": ١أُوصِي إِلَيْكُمْ بِأُخْتِنَا فِيبِي الَّتِي هِيَ خَادِمَةُ الْكَنِيسَةِ الَّتِي فِي كَنْخَرِيَا ٢كَيْ تَقْبَلُوهَا فِي الرَّبِّ كَمَا يَحِقُّ لِلْقِدِّيسِينَ وَتَقُومُوا لَهَا فِي أَيِّ شَيْءٍ احْتَاجَتْهُ مِنْكُمْ لأَنَّهَا صَارَتْ مُسَاعِدَةً لِكَثِيرِينَ وَلِي أَنَا أَيْضاً. )رو١٦: ١٢-)، فقد كانت شمَّاسة في الكنيسة، إذ كانت لها وظيفة كنسية ودور مميَّز للغاية داخل الكنيسة، وهذا ما يؤكده بولس الرسول، ويتناقض تماماً مع الفكرة السابقة بمنع المرأة من الخدمة في الكنيسة، وهذا أمر واقع وحدث تاريخي، وليس مجرد تعليم نظري، وقد قبل بولس الرسول تلك الأمور، بل ونصح بها وأكَّدها وشجَّعها، كما وضع بولس الرسول شروطاً للمرأة كما للرجل لكي تكون خادمة وشمَّاسة بالكنيسة دليلاً على موافقته على ذلك، كما جاء في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ٨كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الشَّمَامِسَةُ ذَوِي وَقَارٍ، لاَ ذَوِي لِسَانَيْنِ، غَيْرَ مُولَعِينَ بِالْخَمْرِ الْكَثِيرِ، وَلاَ طَامِعِينَ بِالرِّبْحِ الْقَبِيحِ، ٩وَلَهُمْ سِرُّ الإِيمَانِ بِضَمِيرٍ طَاهِرٍ. ١٠وَإِنَّمَا هَؤُلاَءِ أَيْضاً لِيُخْتَبَرُوا أَوَّلاً، ثُمَّ يَتَشَمَّسُوا إِنْ كَانُوا بِلاَ لَوْمٍ. ١١كَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ النِّسَاءُ ذَوَاتِ وَقَارٍ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، صَاحِيَاتٍ، أَمِينَاتٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ. ١٢لِيَكُنِ الشَّمَامِسَةُ كُلٌّ بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مُدَبِّرِينَ أَوْلاَدَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ حَسَناً، ١٣لأَنَّ الَّذِينَ تَشَمَّسُوا حَسَناً يَقْتَنُونَ لأَنْفُسِهِمْ دَرَجَةً حَسَنَةً وَثِقَةً كَثِيرَةً فِي الإِيمَانِ الَّذِي بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ. (١تي٣: ٨-١٣)، وكذلك في رسالته إلى "تيطس": ١وَأَمَّا أَنْتَ فَتَكَلَّمْ بِمَا يَلِيقُ بِالتَّعْلِيمِ الصَّحِيحِ: ٢أَنْ يَكُونَ الأَشْيَاخُ صَاحِينَ، ذَوِي وَقَارٍ، مُتَعَقِّلِينَ، أَصِحَّاءَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالصَّبْرِ. ٣كَذَلِكَ الْعَجَائِزُ فِي سِيرَةٍ تَلِيقُ بِالْقَدَاسَةِ، غَيْرَ ثَالِبَاتٍ، غَيْرَ مُسْتَعْبَدَاتٍ لِلْخَمْرِ الْكَثِيرِ، مُعَلِّمَاتٍ الصَّلاَحَ، ٤لِكَيْ يَنْصَحْنَ الْحَدَثَاتِ أَنْ يَكُنَّ مُحِبَّاتٍ لِرِجَالِهِنَّ وَيُحْبِبْنَ أَوْلاَدَهُنَّ، ٥مُتَعَقِّلاَتٍ، عَفِيفَاتٍ، مُلاَزِمَاتٍ بُيُوتَهُنَّ، صَالِحَاتٍ، خَاضِعَاتٍ لِرِجَالِهِنَّ، لِكَيْ لاَ يُجَدَّفَ عَلَى كَلِمَةِ اللهِ. (تي٢: ١-٥).
كيف نفهم قول بولس: «لست آذن للمرأة أن تُعلِّم» في ضوء وجود نساء قياديات وخادمات في الكتاب المقدس مثل دبّورة وحنّة وبريسكلّا وفيبي وليديا؟
بالعودة إلى الآيات التي ذكرها بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ١١لِتَتَعَلَّمِ الْمَرْأَةُ بِسُكُوتٍ فِي كُلِّ خُضُوعٍ. ١٢وَلَكِنْ لَسْتُ آذَنُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تُعَلِّمَ وَلاَ تَتَسَلَّطَ عَلَى الرَّجُلِ، بَلْ تَكُونُ فِي سُكُوتٍ، ١٣لأَنَّ آدَمَ جُبِلَ أَوَّلاً ثُمَّ حَوَّاءُ، ١٤وَآدَمُ لَمْ يُغْوَ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ أُغْوِيَتْ فَحَصَلَتْ فِي التَّعَدِّي، ١٥وَلَكِنَّهَا سَتَخْلُصُ بِوِلاَدَةِ الأَوْلاَدِ، إِنْ ثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ. (١تي٢: ١١-١٥) و(١كو١٤: ٣٤-٣٥)، إذ يقول بولس الرسول: "لست آذن للمرأة..."، وذكر ثلاثة أمور متميَّزة، وهي، أولاً: أن تلتزم المرأة بالصمت فلا تتكلم، ثانياً: ألَّا تقوم المرأة بالتعليم، وثالثًا: ألَّا تتسلَّط المرأة على الرجل، وهذه أمور ثلاثة مختلفة، ويجب التفريق بينها وعدم خلطها معاً.
أولاً: أن تلتزم المرأة الصمت: المقصود هُنا أن تلتزم المرأة بالهدوء ولا تقوم بالثرثرة وألا تُحدث ضجيجاً أو فوضى في الكنيسة، بل تتعلَّم في سكوت، ففي ذلك الوقت، كانت بعض النساء يتحدثن بكثرة أثناء الاجتماع، فينادين على أزواجهن أو أولادهن، وربما يسألن عن أمور منزلية مثل:"ماذا تريد أن أطهو لك اليوم؟"، فيتحول الاجتماع إلى حالة من الهرج، لذلك قال لهم بولس الرسول:"اسكتوا في الكنيسة"، أي لا تُكثروا الكلام ولا تُسببوا تشويشاً، فالمقصود بالسكوت هنا رفض الثرثرة والكلام غير المناسب، وليس المنع من أي حديث على الإطلاق، والرجال لم يكونوا يتصرفون بهذه الطريقة، بل كان هذا سلوكاً شائعاً بين النساء في ذلك المجتمع وقتها، وهكذا نكون قد فهمنا الجزء الأول وهو السكوت أي الكف عن الثرثرة وكثرة الكلام.
ثانياً: ألَّا تتسلَّط المرأة على الرجل: والمقصود هنا هو ما جاء في الكتاب المقدس بأن المرأة هي التي أُغويت أولاً، وأن آدم جُبل أولاً، ومن هذا المبدأ، اتفقنا أن الرجل هو القائد سواء في المنزل والعائلة أو في الكنيسة، كما ورد: "الرجل رأس المرأة" (أف٥: ٢٢-٢٤) و(١كو١١: ٣) (كو٣: ١٨)، وهذا ما حدث بعد السقوط كما أوضحنا، فوضع الكتاب المقدس قانوناً عاماً لتحديد القيادة بوضوح، حتى لا يحدث صراع عليها، هذا الترتيب يمنح المرأة إحساساً بأنوثتها، ويُعطي الرجل إحساساً برجولته، وليس المقصود أن يكون الرجل ديكتاتوراً أو متسلِّطاً، بل على العكس، فدوره كصاحب القرار هو أن يخدم المرأة ويعمل لمصلحتها.
ثالثاً: ألَّا تقوم المرأة بالتعليم: يقول بولس الرسول: "لست آذن للمرأة أن تُعلِّم"، ثم يضيف:"لكنها ستخلُص بولادة الأولاد"، وهنا يبرز السؤال: تخلُص من ماذا؟ هل يقصد الخلاص من اللعنة التي وردت بعد السقوط؟ أم أنه يتحدث عن الخلاص الروحي من الخطيَّة الأصلية؟ فهل يُعقل أن تنال المرأة التي تُنجب الخلاص وتذهب إلى السماء، بينما التي لا تُنجب تُدان وتذهب إلى الجحيم؟ هذا أمر لا يتوافق مع ما علَّمه بولس الرسول نفسه عن أن الخلاص يكون بالإيمان، وليس بالولادة الجسدية، إذًا، ما معنى قوله هذا؟ فالمقصود هنا هو أن بولس لم يكن يتكلَّم عن الخلاص الروحي، بل عن خلاص وإعفاء المرأة من الشرط الذي وضعه عندما قال: "لست آذن للمرأة أن تُعلِّم"، أي أن المرأة تخلُص وتُعفى من هذا الاستثناء كونها لا تُعلِّم لأنها أغويت أولاً، إذا قامت بدور روحي معيَّن، وهو ما يرمز إليه بولس بعبارة "ولادة الأولاد"، لكن أي ولادة يقصد؟ ليست الولادة الجسدية، بل ولادة نفوس جديدة للمسيح، فالمرأة إذا قادت آخرين إلى الإيمان، أي "ولدتهم ولادة روحية"، وثبتت هي نفسها في الإيمان والمحبَّة والقداسة مع التعقل، تُثبت بذلك أنها قادرة ومؤهلة للتعليم في الكنيسة، وبهذا يتضح أن بولس الرسول يتحدث عن ولادة روحية، بأن تربح نفوساً جديدة للمسيح، مثلما حدث مع المرأة السامرية، التي بعدما آمنت بالرب يسوع المسيح، قادت كثيرين في مدينتها للإيمان به، فأصبحت أداة للرب في خلاص نفوس كثيرة، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٨فَتَرَكَتِ الْمَرْأَةُ جَرَّتَهَا وَمَضَتْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَقَالَتْ لِلنَّاسِ: ٢٩«هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَاناً قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟». ٣٠فَخَرَجُوا مِنَ الْمَدِينَةِ وَأَتَوْا إِلَيْهِ... ٣٩فَآمَنَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْمَدِينَةِ كَثِيرُونَ مِنَ السَّامِرِيِّينَ بِسَبَبِ كلاَمِ الْمَرْأَةِ الَّتِي كَانَتْ تَشْهَدُ أَنَّهُ: «قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ». ٤٠فَلَمَّا جَاءَ إِلَيْهِ السَّامِرِيُّونَ سَأَلُوهُ أَنْ يَمْكُثَ عِنْدَهُمْ فَمَكَثَ هُنَاكَ يَوْمَيْنِ. ٤١فَآمَنَ بِهِ أَكْثَرُ جِدّاً بِسَبَبِ كلاَمِهِ. ٤٢وَقَالُوا لِلْمَرْأَةِ: «إِنَّنَا لَسْنَا بَعْدُ بِسَبَبِ كلاَمِكِ نُؤْمِنُ لأَنَّنَا نَحْنُ قَدْ سَمِعْنَا وَنَعْلَمُ أَنَّ هَذَا هُوَ بِالْحَقِيقَةِ الْمَسِيحُ مُخَلِّصُ الْعَالَمِ». (يو٤: ٢٨-٣٠، ٣٩-٤٢).
والخلاصة: يريد بولس الرسول أن يوضِّح أن المرأة، بسبب أنها أغويت أولاً وأن طبيعتها عاطفية، فهو يخشى أن تقف لتعلِّم في الكنيسة دون أن تكون قد أثبتت نضجها الروحي وخدمتها الحقيقية، لكن إذا كانت هذه المرأة قد ربحت نفوساً للمسيح، وثبتت في الإيمان والمحبَّة والقداسة مع التعقُّل، فإنها تُظهر بذلك أنها مؤهلة لتقوم بخدمة التعليم، فالقصد هنا ليس مجرد المنع، بل طلب الدليل العملي على نضجها الروحي، فإذا أظهرت المرأة ثمراً حقيقيّاً في حياتها، وجذبت أشخاصاً للإيمان بالمسيح، فهذا يبرهن على نموها ونضجها الروحية وتستطيع أن تقف على المنبر لتتكلَّم وتعلِّم، ومع ذلك، إن لم تكن لديها موهبة التعليم، فلن تتمكَّن من القيام بدور المعلِّمة في الكنيسة، حتى لو كانت مثمرة وربحت نفوساً للمسيح، لأن التعليم يتطلَّب موهبة خاصة ومسؤولية روحية عميقة، ونرى مثالاً على ذلك في (المرأة السامرية) التي التقت بالرب يسوع المسيح وعرفته، فبرهنت على معرفتها بالمسيح وإيمانها الحقيقي عندما عادت إلى المدينة - رغم أنها كانت هاربة من الناس وقت الظهيرة - لتشهد للمسيح وتنادي قائلة: ٢٩«هَلُمُّوا انْظُرُوا إِنْسَاناً قَالَ لِي كُلَّ مَا فَعَلْتُ. أَلَعَلَّ هَذَا هُوَ الْمَسِيحُ؟». (يو٤: ٢٩)، هذه الشهادة عن المسيح دليل على ثباتها ونضجها الروحي، وبالتالي على أهليتها للخدمة والوعظ، إذ ربحت نفوساً كثيرة للمسيح (يو٤: ٣٩-٤٢)، ولكن بولس الرسول لا يكتفي بوضعه لشرط ربح النفوس للمسيح فقط أي "ولادة الأولاد"، بل يضيف قائلاً: "وَثَبَتْنَ فِي الإِيمَانِ وَالْمَحَبَّةِ وَالْقَدَاسَةِ مَعَ التَّعَقُّلِ" (١تي٢: ١٥)، وهنا يشير إلى أن المرأة نفسها يجب أن تثبت في حياتها الروحية، فالمقياس إذن هو حياة المرأة المثمرة، وأنها تربح نفوساً للمسيح بجانب الثبات في الإيمان، فربح النفوس للمسيح لا يأتي من الوعظ على المنبر فحسب، بل أيضاً من التأثير في حياة الآخرين.
لماذا إذن شدَّد بولس الرسول على هذا الشرط بالنسبة للمرأة على وجه الخصوص دون الرجل، رغم أن ربح النفوس للمسيح هو شرط أساسي للرجل والمرأة معاً، ليكونا مؤهَّلين للوقوف على المنبر وممارسة خدمة التعليم كما ذكرت؟
إن بولس الرسول يضع الأمر من الناحية النظرية فيقول: بما أن المرأة أُغويت أولاً (١تي٢: ١٤)، وبما أن ليس لها الحق في التسلُّط على الرجل، بل يسود عليها (١تي٢: ١٢)، فبناءً على ذلك يقول: "لست آذن للمرأة أن تعلِّم" (١تي٢: ١٢)، لكن عملياً، يضع شرطاً على المرأة أن تثبت أولاً جدارتها ونضوجها الروحي لتكون في موضع مساوٍ للرجل وهو "ولادة الأولاد" أي ربح النفوس للمسيح، بالإضافة إلى الثبات في الإيمان والمحبَّة والقداسة مع التعقل (١تي٢: ١٥) فتكون مؤهلة للوقوف على المنبر للتعليم، لأن هذا الموقع له مكانة خاصة ويتطلب عقلاً ناضجاً ومستنيراً، بحيث تُقدَّم تعليم منظَّم قائم على الحقائق وليس مجرَّد عواطف أو مشاعر، وكذلك الحال مع الرجل، فليس أي رجل مؤهلاً أن يقف ليعلِّم، فالمفهوم السائد لدى الناس أن المرأة ليس من حقها أن تقوم بهذا الدور، بحجّة أنها أغويت أولاً، وأن طبيعتها عاطفية، لكن ينبغي أن نفهم أن هذه النصوص كُتبت في سياق مجتمع ذكوري، وفي زمن كانت فيه الكاهنات من النساء في العبادة الوثنية يمارسن الجنس كجزء من طقوس تلك العبادة، أمَّا في وقتنا الحالي، فيوجد وضع مختل داخل المجتمع، حيث العائلة لم تعد تعيش في نقاء "جنة عدن" بل في مجتمع ساقط، فكان لابُدَّ من وضع قواعد تضمن استقرار العائلة وسلامتها، وصولاً إلى زمن صعودنا إلى السماء، فوضعت نفس القواعد التي تنظّم وتحكم العائلة والمنزل وأيضاً الكنيسة، وكما أن "الرجل رأس المرأة" في العائلة والمنزل لمنع النزاع والخلاف، هكذا الأمر في الكنيسة لحفظ الوحدة والانسجام (أف٥: ٢٢-٢٤) و(١كو١١: ٣) (كو٣: ١٨).
ومثالاً على ذلك دبُّورة النبيَّة والقاضية، وحنّة النبيَّة التي كانت تتنبأ في الهيكل مع سمعان الشيخ، وفيبي الخادمة في كنيسة كنخريا، وبريسكلا زوجة العاملين مع بولس الرسول، فلو كان النص الكتابي يعني المنع المطلق للمرأة، لكان وجود هذه الشخصيات وقيامهن بأدوار قيادية وتعليمية أمراً خاطئاً، وهذا لا يمكن أن يكون، إذن، فالتطبيق العملي لقصص تلك الشخصيات النسائية يثبت أن المقصود ليس المنع الكامل، بل أن المرأة يمكن أن تُعلِّم وتقود، وفي بعض الأحيان تستطيع المرأة أن تقوم بالدور القيادي خصوصاً في غياب رجل يقوم بذلك الدور، إلى أن يوجد من يتولى مسؤولية القيادة، وبهذا يستقيم النص مع الواقع، وتبقى الأمور منسجمة مع قصد الله.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ٩ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً