الزواج

الدرس ٢١ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. الزواج

    نتناول في هذه الحلقة موضوعاً يختبره غالبية الناس، وهو الزواج، غير أنّ مفهوم الزواج يختلف من ثقافة إلى أخرى، ومن دين إلى آخر، فما هو مفهوم الزواج في المسيحية ؟

    هناك مفاهيم ونظرات مختلفة حول الزواج، غير أنّ الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يبرز بوضوح المعنى الحقيقي للزواج، وبصورة خاصة في العهد الجديد، فالزواج - بحسب الإعلان الكتابي - هو عهد ، ولهذا السبب، تأخذ الكنيسة عهود الزواج المتبادلة من العروسين، وهناك فرق كبير بين مفهوم الزواج كـ (عهد) في المسيحية ومفهوم الزواج كـ (عقد) في نظر الكثير من الناس.

    - فالعقد هو كونتراتو Contract بين شخصين أو طرفين، يتم صياغته هكذا: (اتفق فلان الطرف الأول مع فلان الطرف الثاني على ما يلي)، والعقد شريعة المتعاقدين أي أن ما يتم الاتفاق عليه بين الشخصين أو الطرفين المتعاقدين هو ما يتم تنفيذه بالفعل، ومن بين بنود العقد قدرة كلا الطرفين على فسخ ذلك العقد وقتما يشاءان، وفي حالة فسخ العقد يترتب على ذلك مجموعة من الخسائر يتحملها الطرف الأول أو الثاني، ومن يبادر بفسخ العقد عليه دفع غرامة مالية محددة منصوص عليها في بنود العقد، وبذلك، فالعقد بين الطرفين قابل للفسخ، ويشتمل العقد على مشاركة جزئية من كلا الطرفين الموقعين أدناه، ففي أي شركة تكون نسبة المشاركة إمَّا متساوية ٥٠% لكلا الطرفين، أو متفاوتة بنسبة ٥١% لأحدهما مقابل ٤٩% للطرف الآخر، أو بنسبة ٧٠% لطرف مقابل ٣٠% للطرف الآخر، فتكون لأحد الطرفين - ذو النسبة الأكبر - الحق في السيادة والسيطرة على هذه الشركة، وهذا هو جوهر فكرة العقد.

  2. - بينما يختلف مفهوم العهد تماماً، وأكثر من يفهمون معنى كلمة عهد هم أبناء الشعوب القبلية وكل الذين عاشوا في أزمنة ماضية من البشر، حيث يقول أحدهم: "لقد أخذت عهداً على نفسي أو أنا دخلت في عهد مع شخص ما"، فعلى سبيل المثال، أقام ابراهيم (عهداً / ميثاقاً) مع (أبيمالك) ملك جرار في بئر سبع بعدما استولى عبيد أبيمالك على بئر إبراهيم وخشى أبيمالك أن يغدر به إبراهيم، فأعطاه ابراهيم غنماً وبقراً وسبع نعاج (تك٢١: ٢٢-٣٢)، وقد أقام يعقوب مع حماه لابان عهداً حيث نشب بينهما نزاع بسبب هروب يعقوب مع نسائه وأولاده وممتلكاته، واشتركا في الطعام والذبيحة تأكيداً لذلك العهد (تك٣١: ٤٣-٥٥)، فكلمة عهد تحمل معنى ومدلولاً مختلفاً تماماً عن كلمة عقد، وقد أدركت الكنيسة- من خلال نصوص الكتاب المقدس - مفهوم العهد في الزواج أنه عندما يدخل شخص ما في عهد مع شخص آخر يصبح الشخصان شخصاً واحداً، فكل ما يمتلكه أحدهما يصبح ملكاً للآخر، وتعني كلمة عهد أيضاً البديل، وهذه الكلمة هي التي استخدمها الله في علاقته مع الإنسان، فالله قد قطع عهداً مع (إبراهيم) أو ميثاقاً في ترجمة أخرى، وأعطى الله له اسماً جديداً بدلاً من (إبرام) ليكون أباً لجمهور كبير من الأمم، كما جاء في سفر "التكوين":١وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً ٢فَأَجْعَلَ عَهْدِي بَيْنِي وَبَيْنَكَ وَأُكَثِّرَكَ كَثِيراً جِدّاً». ٣فَسَقَطَ أَبْرَامُ عَلَى وَجْهِهِ. وَقَالَ اللهُ لَهُ:٤«أَمَّا أَنَا فَهُوَذَا عَهْدِي مَعَكَ وَتَكُونُ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ ٥فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ. (تك١٧: ١-٥)، وقد تم استخدام كلمة (ميثاق) أيضاً، ونقرأ في السفر ذاته: ١٨فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقاً قَائِلاً: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هَذِهِ الأَرْضَ مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ نَهْرِ الْفُرَاتِ. (تك١٥: ١٨).

  3. إن علاقة الله مع الإنسان هي علاقة عهد وليست علاقة عقد، وعندما صنع الرب الزواج في جنة عدن - عن طريق خلق حواء لتكون زوجة لآدم - جعل الزواج عهداً، كما جاء في سفر "التكوين": ١٨وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ».(تك٢: ١٨)، ويخبرنا الكتاب المقدس أن الرجل حين يتزوج بامرأة تصبح "امرأة عهدك" أي أن علاقة الزواج هي علاقة عهد مقدس، كما جاء في سفر "ملاخي": ١٤فَقُلْتُمْ: «لِمَاذَا؟» مِنْ أَجْلِ أَنَّ الرَّبَّ هُوَ الشَّاهِدُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ امْرَأَةِ شَبَابِكَ الَّتِي أَنْتَ غَدَرْتَ بِهَا وَهِيَ قَرِينَتُكَ وَامْرَأَةُ عَهْدِكَ.(ملا٢: ١٤).

    ويتطلب تحقيق مفهوم العهد شرطين هامَّين هما،

    أولاً: مبدأ المشاركة الكاملة بنسبة ١٠٠%، وثانياً: أنه غير قابل للفسخ والإلغاء، إذ يدخل كل من الرجل والمرأة في علاقة الزواج بنسبة مشاركة كاملة ١٠٠%، وليست نسبة مشاركة جزئية كما هو الحال في مفهوم العقد، فيصبح كلٌ منهما مِلكاً بالكامل للآخر، فالرجل يصير مِلكاً للمرأة بنسبة ١٠٠%، والمرأة تصير مِلكاً للرجل بنسبة ١٠٠%، ويقول لسان حالهما: "أنا لحبيبي وحبيبي لي"، كما جاء في سفر "نشيد الأنشاد": ٣أَنَا لِحَبِيبِي وَحَبِيبِي لِي. الرَّاعِي بَيْنَ السَّوْسَنِ. (نش٦: ٣)، فالرجل لا يقدّم للمرأة جزءاً من نفسه مقابل أن يأخذ منها جزءاً ولا هي تفعل ذلك أيضاَ، إذ ليست نسبة الارتباط بينهما ٥٠% مقابل ٥٠%، بل إن الرجل يهب لها ذاته بالتمام، أي ١٠٠% مِلكاً لها، وهي كذلك تهب ذاتها له بالتمام، أي ١٠٠% مِلكاً له، على كافة المستويات: الجسدية والروحية والمادية، وإلى الأبد، ولا يتم نقض هذا العهد الأبدي، ومن ينقضه فإنه يخسر كل شيء أي ١٠٠% أيضاً.

  4. إذا كانت الحرية تقوم على حرية الاختيار، فكيف يكون الزواج عهدًا أبديًا بلا إمكانية نقضه؟ أليس من المنطقي أن يتضمّن حرية الاستمرار أو الانفصال، كما في علاقة الإنسان مع الله؟

    لا توجد حرية في مفهوم (العهد) في الزواج، لأن المحبَّة هي رباط الكمال، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "كولوسي": ١٤وَعَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْبَسُوا الْمَحَبَّةَ الَّتِي هِيَ رِبَاطُ الْكَمَالِ. (كو٣: ١٤)، إذ يختار الإنسان بإرادته الحرة أن يدخل في عهد الحب عن طريق الزواج، وليس هناك حرية اختيار أن يترك الرجل شريكة حياته أو تترك المرأة شريك حياتها، فقد ربطا أنفسهما ببعضهما البعض وأخذا كل منهما عهداً على نفسه بأن الشخص الآخر هو رفيقه مدى الحياة، بينما (العقد) هو اتفاق مُحدَّد المدة الزمنية ويتم تجديده وليكن كل خمسة سنوات، وفي حالة عدم ذكر موعد التجديد تنص بنود العقد أنه عند فسخ التعاقد يدفع الطرف الذي قام بفسخه للطرف الآخر غرامة مالية متفق عليها، فالزواج - في المفهوم الكتابي - عبارة عن عهد، ويقوم بولس الرسول بتصويب المفهوم الخاطئ لدى الناس بأن: (الرجل يمتلك جسد المرأة دون أن تمتلك المرأة جسده هي الأخرى)، مؤكداً أنه ليس للرجل في الزواج سلطان على جسده بل لامرأته فجسد الرجل ملكاً لزوجته، كما أنه ليس للمرأة في الزواج سلطان على جسدها بل للرجل، فجسد المرأة ملكاً لزوجها، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ٤لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهَا بَلْ لِلرَّجُلِ وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ أَيْضاً لَيْسَ لَهُ تَسَلُّطٌ عَلَى جَسَدِهِ بَلْ لِلْمَرْأَةِ. (١كو٧: ٤) ، لذلك يقول الكتاب المقدس في سفر "التكوين": ٢٤لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.(تك٢: ٢٤)، ويؤكد الرب يسوع المسيح على العهد في الزواج، حيث يقول في إنجيل "متى": ٥وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. ٦إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». (مت١٩: ٥-٦)

  5. إذ يصير الرجل والمرأة شخصاً واحداً وليس اثنين عن طريق رباط الزواج والعهد المقدس الأبدي بينهما، وتعبِّر كلمة (يلتصق) المذكورة في الآية السابقة عن اتحاد كامل، أشبه بورقتين التصقتا بالغراء، بحيث لا يمكن فصلهما دون تمزيق، وهكذا، فإن الانفصال بعد الزواج يؤدي إلى جرح وتمزق عميق، لا للزوجين فقط، بل للأبناء أيضاً، إذ يُمزَّق كيانهم الداخلي، لأنهم ثمرة هذا الزواج. وهذا ما يميّز الزواج عن أي عقد بشري آخر، فالعقود يمكن فسخها دون أن تترك هذا الأثر العميق، أما الزواج فهو عهد مقدس، نتائجه تتجسد في وحدة الأسرة والأبناء، وفي حين أن العلاقة بين الأب وابنه، أو الأم وابنتها، ليست علاقة عهد، لأن الأولاد يكبرون ويتركون والديهم ليكوّنوا بيوتاً جديدة (تك٢: ٢٤)، فإننا نجد أن علاقة الزواج هي علاقة عهد أبدي تتميَّز بكونها مشاركة كاملة من كلا الطرفين بنسبة ١٠٠%، وبكونها غير قابلة للفسخ والإلغاء.

    ماذا لو أخطأ الإنسان في اختياره لشريك الحياة، فاكتشف بعد فترة من العِشرة أن ذلك الشريك غير مناسب له تماماً؟ هل يكون بذلك قد ارتبط بعهد أبدي مع شخص لا ينسجم معه، وعرَّض حياته وحياة أولاده للانهيار والدمار؟

  6. نعم قد يحدث ذلك، ولهذا السبب نؤكد أن اختيار شريك الحياة هي قضية بالغة الأهمية، ومع الأسف فالكثير من الناس لا تعير هذه القضية اهتماماً ملحوظاً بما يتناسب مع أهميتها، ويكمن نجاح أية علاقة زواج بنسبة ١٠٠% في الخضوع لمشورة الله، حيث يقول الرب يسوع "ما جمعه الله لا يفرقه إنسان"، كما جاء في إنجيل "متى": ٦إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ».(مت١٩: ٦) ، فالإنسان المؤمن المُنقاد بالروح القدس والذي يفعل ما يقوله الكتاب المقدس فيما يتعلَّق بشروط اختيار شريك الحياة، ويقوم بالبحث الصادق عن "المُعين النظير"، كما جاء في سفر "التكوين": ١٨وَقَالَ الرَّبُّ الإِلَهُ: «لَيْسَ جَيِّداً أَنْ يَكُونَ آدَمُ وَحْدَهُ فَأَصْنَعَ لَهُ مُعِيناً نَظِيرَهُ». (تك٢: ١٨، ٢٠)، إذ لا يبحث عمَّا يريده، بل يبحث عمّا يحتاج إليه حقاً، فالأمر ليس اندفاعاً أو سطحية؛ فالزواج ليس مجرد ارتباط بالعروس الجميلة، ولا بالعريس فتى الأحلام، ولكن الزواج هو البحث عن "المُعين النظير" الذي قصده الله، والسير مع الله في هذه الرحلة لاكتشاف ومعرفة الذات ومعرفة الآخر، فلا ينبغي أن يكون الدافع هو مجرَّد الحب وحده، ولا مجرد الاحتياج إلى الزواج، لأن كليهما قد يضلل ويخدع الإنسان إن اعتمد عليه وحده، فإذا فعل الإنسان المؤمن كل الخطوات السابقة سيجد الشخص المناسب للزواج، فالذي يضمن سعادة الإنسان الحقيقية هو الاستعانة بـ "الكتالوج الإلهي"، أي الكتاب المقدس، ليتعلم منه الإنسان كيف تُبنى العلاقة الزوجية، وكيف يُقام البيت: أهو على ذهب وفضة تزول، أم على الحب والتواضع اللذين يثبتان؟ فإذا التزم الإنسان المؤمن بالوصفة الإلهية في اختيار شريك الحياة، وسار على نهجها في الحياة الزوجية، سيصبح إنسان سعيداً حقاً.

  7. هل يقتصر الزواج الناجح على أولاد الله فقط بينما يُحكم على الآخرين بالتعاسة؟ وماذا عن المسيحيين الذين أخطأوا في اختيار شريك الحياة قبل إيمانهم، هل يُجبرون على تحمّل هذا الاختيار مدى الحياة؟

    من الطبيعي أن ندرك أنّ الإنسان البعيد عن الله يعيش في حالة من التعاسة حتى قبل الزواج، وحين يتزوَّج بحثاً عن السعادة، يكتشف أنّ حياته قد ازدادت بؤساً وتعاسة، ولماذا يحدث ذلك؟ لأنّه إذا تزوج رجل تعيس بامرأة تعيسة فإنهما لا يضيفان إلى حياتهما إلَّا مزيداَ من الألم والتعاسة، وتكون النتيجة في الغالب جيلاً يفتقر إلى الرجاء، وهنا يجب أن نوضح حقيقة أساسية هي: أن الوصية الكتابية موجَّهة إلى أولاد الله فقط، فهي لا تُطبَّق ولا تؤتي ثمارها في حياة من هم خارج دائرة الشركة مع الله، فعلى سبيل المثال، عندما يوصينا الرب يسوع المسيح بقوله "أحبوا أعداءكم"، كما جاء في (الموعظة على الجبل) في إنجيل "متى":٤٣«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. ٤٤وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ. (مت٥:٤٣-٤٤(، فإذا كان الإنسان مسيحياً بالاسم فقط دون أن يكون الرب يسوع المسيح حاضراً في قلبه وحياته، فلن يستطيع أن يحب عدوه كما أوصانا الرب، لأن الأمر سيبقى مجرَّد كلمات مكتوبة على ورق بلا قوة وفاعلية، فعندما تقول الوصية الإلهية:" تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ"، فهي تُعلن أن المحبَّة الحقيقية لا يمكن أن تخرج إلَّا من قلب ممتلئ بالله نفسه، وذلك ما أكَّد عليه الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٣٤أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعاً ٣٥وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ نَامُوسِيٌّ لِيُجَرِّبَهُ: ٣٦«يَا مُعَلِّمُ أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟» ٣٧فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. ٣٨هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. ٣٩وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. ٤٠بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ». (مت٢٢:٣٤-٤٠)، وهي وصيَّة مكتوبة في العهد القديم في سفر "التثنية": ٥فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. (تث٦ :٥(، وكذلك في سفر "اللاويين": ١٨لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ. (لا١٩: ١٨).

  8. فإذا لم تكن للإنسان علاقة حقيقية مع الله، فلن يستطيع أن يحبه من كل قلبه كما تطلب الوصيَّة، لأن الوصيَّة الإلهية كُتبت خصيصاً لأولاد الله، أما من هم خارج العلاقة مع الله فإنهم لا يقدرون أن يحيوا بها، وهنا يحدث الخلط عندما تحوَّلت المسيحية إلى ديانة قائمة على الشرائع والأحكام، بينما في حقيقتها هي علاقة حيّة مع الله، فوحدهم أبناء الله، الذين لهم شركة وعلاقة معه، قادرون أن يعيشوا الوصايا، فالوصية الإلهية لم تُكتب للعالم عامةً، بل لأولاد الله، ولهذا نجد أن المجتمعات الغربية، عندما ابتعدت عن الله، تعاملت مع المسيحية كدين اجتماعي فقط، فصار الطلاق مثلاً أمراً عادياً مسموحاً به عندهم، أمّا الكنيسة فليست مسؤولة عن ذلك؛ الكنيسة تُقيم عهد الزواج، لكنَّها لا تسمح بالطلاق، فإذا كان الإنسان نفسه لا يريد أن يخضع لوصايا الله ولا يرعب في أن يعيش مع الله، فليس للكنيسة شأن به، والمشكلة أننا كثيراً ما نزج بأنفسنا في ما لا يخصنا، ورغم أن هذا الكلام قد يبدو صادماً، إلَّا أنه هو الحق: عندما نتدخل فيما ليس من شأننا نصير في حالة من الارتباك ولا نعرف كيف نتصرف.

  9. إذا كان الإنسان يخطئ في قراراته، فلماذا لا يُسمح له بالرجوع عن زواج فاشل، بينما يُمنح حرية الابتعاد عن الله نفسه؟

    كلمة العهد تعني الالتزام الذي نطق به الإنسان وأقرَّه، لا مجرَّد كلام يُقال، فعندما يقف الشاب أمام الكنيسة ليتزوج، يُسأل: هل تقبل هذه الفتاة زوجة لك ؟ فيجيب: نعم. ثم يُسأل: هل تتعهد أن تحبها وتكون مخلصاً لها في الضيق والوسع، في الصحة والمرض، ما دمتما على قيد الحياة؟ فيجيب: نعم، ونفس الأسئلة يتم توجيهها إلى الفتاة أمام الكنيسة، فهي عهود متبادلة بين الزوجين، فالعهد في الزواج ليس أمراً تجريبياً أو مشروطًاً، كأن يقول الرجل لزوجته: "سنجرب عامين أو ثلاثة ثم نقرر إن كنت سأكمل أم لا"، فالزواج يقوم على العهد الأبدي بين الزوجين، وكذلك فإن العلاقة بين الإنسان المؤمن وبين الله هي علاقة عهد، فلا يليق بالإنسان أن يخبر الله بأنه سيسير معه لفترة زمنية محدودة، بل على العكس تماماً، يذهب المؤمن إلى الله ويقول له: "أعطيك حياتي كلها للأبد، أنا لك وانت لي، أنا ملكك وأنت ملكي"، فهذا التزام أبدي لا ينتهي، فالعهد مع الله لا يستمر لفترة مؤقتة، بل هو التزام أبدي حتى الموت.

  10. ولكن هل يستطيع الإنسان أن يكسر العهد؟ نعم، يستطيع، فكما يمكن للإنسان أن يترك الله بإرادته وباختياره الحر وحينئذ يخسر كل شيء، هكذا أيضاً في الزواج، لأنه عهد يستطيع الرجل أن يكسره أن يزني ويخون زوجته أو يطردها من البيت أو يهجر هو البيت وكذلك المرأة، ولكنَّه بذلك يكون خارج وصية الله، وهذا يشبه ما حدث مع آدم حين أوصاه الرب بألَّا يأكل من شجرة معرفة الخير والشر في جنة عدن، فقد كان قادراً أن يأكل منها، لأن الله قد أعطاه حرية الاختيار، كما جاء في سفر "التكوين: ١٦وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً ١٧وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ». (تك٢: ١٦-١٧، ٣: ١-٣(، وهذا ما حدث بالفعل فقد أكل آدم وحواء كليهما من ثمر الشجرة واختارا بإرادتهما الحرة الانفصال والاستقلال عن الله، كما يضيف السفر ذاته: ٦فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ. ٧فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. (تك٣: ٦-٧)، إذن، فالعهد لا يلغي حرية الإنسان، لكنه في جوهره التزام أبدي مدى الحياة، لأنه عهد وليس عقداً، فالعقد اتفاق زمني محدد المدَّة كأن يكون لخمس سنوات مثلاً قابلة للتجديد تلقائياً، أو يمكن لأحد طرفي العقد فسخه وفق شروط متفق عليها في بنود العقد، مثل دفع غرامة مالية معينة للطرف الآخر تعويضاً عمَّا أصابه من ضرر، أما العهد فليس له مدة زمنية معينة، ولا يُلغى بشروط بشرية، لأنه قائم على علاقة أبدية، ومع ذلك، يبقى للإنسان حرية أن يكسره وينقضه، غير أن هذا يضعه خارج وصية الله في الكتاب المقدس.

  11. لماذا تتجاهل الكنيسة معاناة البعض في زواجهم ولا تقدّم حلولًا، رغم إيمانها بحرية الإنسان وإرادته؟

    إن الوصايا الإلهيّة قد كُتبت للمؤمنين وليست موجّهة إلى عامة الناس، فالزواج عبارة عن عهد بين الرجل والمرأة أمام الله، وفي ذات الوقت هو عقد مدني أمام الدولة من أجل حفظ الحقوق القانونية كزوج وزوجة: كالإنجاب وتسجيل الأبناء باسم الزوج، وحق الميراث، وتنظيم العلاقات الاجتماعية، إذن، فهناك عهد أمام الله وعقد أمام الدولة، والكنيسة هي المسؤولة عن إقامة عهد الزواج، بينما الدولة هي التي يفترض بها أن تكون مسؤولة عن تحرير عقد الزواج، وهذا ما كان يحدث قبل تأسيس الكنيسة قديماً، وهذا ما يحدث في الدول الغربية، إذ يذهب الزوجان أولاً إلى مكتب الأحوال المدنية لتحرير وإبرام العقد، ثمّ يتقدّمان إلى الكنيسة ليُعلنا العهد أمام الله والتوجه له بالصلاة ليبارك تلك الزيجة، ولذلك، فإن العقد يتم تحريره أمام مؤسسات الدولة ويتعلّق بحقوق الزوجين الشخصية والمدنية، أمّا العهد فهو سرّ مقدّس قائم أمام الله يُقام في الكنيسة، وعندما ينقض الرجل عهده مع زوجته - سواء بالزنى والخيانة أو بالترك والهجر - فإنّه يكون قد خسر كلَّ شيء، وخسر علاقة الزواج برمتها، ويستطيع أحد الزوجين اللجوء إلى المحكمة ورفع قضية للحصول على الطلاق، فذلك أمر مدني قد يترتب عليه نزاعات حول المال والأولاد، لكن أمام الله يكون قد خان العهد، وهو ما يمثل حرية الإنسان في اختيار ما يفعل.

  12. وفي بلادنا، تتدخل الكنيسة المصرية في هذا الشأن فصارت تقوم بتحرير عقود الزواج بجانب إقامة العهود المتبادلة بين الزوجين، رغم أنها في الأساس ليست معنيّة بالعقد المدني، بل بما هو روحي، مثل: الشهادة على العهد، ورعاية هذا العهد بالحب والمصالحة، فقد سأل الفريسيِّون الرب يسوع المسيح عن جواز إعطاء الجزية لقيصر من عدمه، فأجاب قائلاً: ١٩أَرُونِي مُعَامَلَةَ الْجِزْيَةِ». فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً. ٢٠فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» ٢١قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ». (مت٢٢: ١٩-٢١)، إذ قد صارت الكنيسة هي المتحكمة وصاحبة السلطان في طلاق الزوجين أو في تزويج أحدهما مرة أخرى أو عدم تزويجه، وأنا أرى أن ذلك ليس هو دور الكنيسة الحقيقي، فهي ليست معنية بأمور الطلاق والزواج من جديد، بينما فعلت الكنيسة الغربية الصواب حين فصلت بين ما هو روحي وما هو مدني "ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، إذ إن الكنيسة ليست ديناً ودولة معاً، فدور الكنيسة هو ما هو روحي فقط، أمَّا ما هو مدني فيُترك للدولة، فدور الكنيسة هو إقامة عهود الزواج وليس الطلاق، أي أن تبني ولا تهدم، فإذا أراد أحد الأشخاص الحصول على الطلاق وهدم علاقة الزواج فعليه الذهاب إلى المحكمة والقضاء وليس إلى الكنيسة، فالكنيسة لا يليق بها أن تكون شريكاً في أمور الطلاق، لأن هذا هو نوع من الهدم، مما أدخلها في أزمة حقيقية ومفادها: هل يسمح بالطلاق أم لا؟ هل هو حرام أم حلال؟، إذن، فالكنيسة وصيّة على عهد الزواج فقط، إذ تقيمه وتشهد له وتثبّته، وتعلّم الرجل أن يُحب امرأته، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٢٥أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضاً الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا (أف٥: ٢٥)، وتعمل على مصالحة الزوجين متى حدث خلاف بينهما، لأن دورها هو الشركة في الحق لا في الباطل.

  13. إذا قام أحد الأشخاص بنقض عهد الزواج، ثم حضر إلى الكنيسة وطلب أن تغفر خطيته، ورغب في الزواج مرة أخرى وتجديد عهده، ليبدأ حياة جديدة ويصبح إنساناً ملتزماً، فهل يتم السماح له بذلك ؟

    نعم، بشرط أن يكون ذلك الشخص هو الطرف البريء والمجني عليه في العلاقة الزوجية، حسب ما ينُص عليه التعليم الكتابي، إذ وضع الكتاب المقدس شرطين أو سببين أساسيين لكي تعطي الكنيسة تصريحاً لشخص ما بالزواج مرة أخرى وفقاً للزواج الكنسي، وهما: (الزنى والترك)، لأن كلاهما يتضمَّن كسراً للعهد المقدس بين الزوج والزوجة، فعندما يُحبّ الإنسان - رجلاً أو امرأة - شخصاً ما ثم يصير لشخص آخر غير شريك حياته، يكون بذلك قد كسر العهد الذي بينهما، وكذلك في حالة إذا ترك أحد الطرفين الآخر، أو طرده من حياته، فقد نقض أيضاً عهد الزواج، ولهذا فإن من خان العهد بالزنى والترك لا يحق له أن يتزوج ثانية، أمّا الطرف المتضرر، أي البريء والمجني عليه، فهو الذي يحق له أن يتزوج من جديد، حيث يقول الرب يسوع المسيح أن ما جمعه الله لا يفرقه إنسان، وأن الطلاق يكون لعلة الزنى، كما جاء في إنجيل "متى": ٣وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» ٤فَأَجَابَ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟» ٥وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. ٦إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». ٧فَسَأَلُوهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقُ؟» ٨قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا. ٩وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي».(مت١٩: ٣-٩).

  14. كما يمكن للشخص البريء المتضرر من علاقة زوجية أن يتزوج زواجاً مدنياً، لأن هذا هو شأنه وليس شأن الكنيسة، لأن دور الكنيسة يتعلَّق فقط بالجانب الروحي أي العهد، وليس بالجانب المدني أي العقد، ولو التزمت الكنيسة بهذا المبدأ لتخلَّصنا من العديد من المشكلات التي تنشأ بين الأزواج في العلاقة الزوجية، ولكن الكنيسة قد أدخلت نفسها في أمور جعلتها تتصرف وكأنها قاضٍ في محكمة، فتحكم بأن هذا شخص زانٍ وذاك ليس زانياً، أو أن هذا يُعدّ بطلان زواج وذاك لا يُعدّ كذلك، إلخ، فكل ما بني على باطل فهو باطل، وبالفعل هناك ما يطلق عليه (بطلان زواج)، فمثلاً، إذا تزوج شخص بآخر على أساس أنه صاحب هوية ما أو يحمل مؤهلاً دراسياً أو يمتهن مهنة ما وتم اكتشاف أن هويته مزورة، فإن ذلك الزواج يُعدّ زواجاً باطلاً، ومن الطبيعي أن تحكم المحكمة ببطلان الزواج ولكنها تطالب الكنيسة بتقديم مستندات بذلك الشأن، رغم أنها قضية مدنية ولا علاقة لها بالكنيسة وبالجوانب الروحيةـ وهذا هو الزواج الكنسي، بينما يستطيع الإنسان أن يتزوج مرَّة أخرى زواجاً مدنياً إذا أراد فهذه حرية شخصية، فالكنيسة لا تتحكم في هذه الأمر.

  15. هل غياب الطلاق في المسيحية يزيد معاناة الزواج ويشجّع على الإساءة، بينما وجوده قد يدفع الزوجين إلى الالتزام أكثر خوفًا من الانفصال؟

    إنّ نسبة الطلاق في المجتمعات التي تبيح الطلاق أعلى بكثير من نسبة الطلاق في المجتمعات التي لا تسمح به، أن المبادئ التي أعلنها لنا الكتاب المقدس، وهى مبادئ منطقية وصحيحة، ولا يمكن استبدالها بغيرها، فالزواج لا يمكن اعتباره عقداً، لأن العقد بطبيعته علاقة مصلحة ومنفعة متبادلة، بينما الزواج - في قصد الله - هو علاقة حبّ وبذل وعطاء النفس، حيث يُعطي كل طرف نفسه بالكامل لشريك حياته، فتحدث المعجزة وهي أن "يصير الاثنان جسداً واحداً"، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٤لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.(تك٢: ٢٤) ، وإن لم تحدث هذه الوحدة فلن تتحقق السعادة الزوجية، إذ سيبقى الزوجان مجرَّد شخصين يعيشان تحت سقف واحد وفي بيت واحد، لكن دون اندماج والتحام حقيقي، وهذا هو السبب الجوهري لغياب السعادة الزوجية لدى الكثير من الأزواج والزوجات، لأنه لم تحدث عملية تزاوج روحي بينهما، فظلَّ كلٌ منهما شخصاً منفصلاً مستقلاً كما كان قبل زواجهما، وعندئذٍ يستمر الانقسام ويردِّد الطرفان هذه الكلمات: مالي ومالك، أولادي وأولادك، سريري وسريرك، كرامتي وكرامتك، فيتحول البيت إلى ساحة نزاع دائم، أمَّا إذا تمت الوحدة بين الزوجين فسوف يشتركان معاً في حياتهما اليومية: ينامان على سرير واحد ويستعملان حماماً واحداً ويشعران أن الأبناء هبة مشتركة بينهما معاً، ويحدث بينهم انسجاماً وتوافقاً، وهذه الوحدة هي نتاج العهد الأبدي المقدس أمام الله ذو المشاركة الكاملة بنسبة ١٠٠%، وليس العقد البشري القابل للفسخ ذو المشاركة الجزئية، فإن لم يكن الزواج عهداً فلن يتحقق على النحو الكامل.

  16. ما رأيك في قول الشاعر اللبناني جبران خليل جبران إن المحبَّة بين الزوجين تقوم على أن يستمتع كلٌّ منهما باختلافه وتميُّزه عن الآخر، وأن يكونا معاً دون التصاق، مثل عمودين يحملان سقفاً واحداً، وكأوتار العود المتباعدة التي تصدر لحناً واحداً ؟

    إنَّ الزواج - في منظور الكتاب المقدَّس - لا يكتمل ما لم تتحقق الوحدة الحقيقية بين الزوجين، فالمطلوب أن يشعر الزوج أنه هو وامرأته شخصاً واحداً وأن امرأته جزءاً لا يتجزأ منه وأنها تسكن بداخله، كما عبَّر آدم عند خلق حواء حيث يقول ٢٣فَقَالَ آدَمُ: «هَذِهِ الآنَ عَظْمٌ مِنْ عِظَامِي وَلَحْمٌ مِنْ لَحْمِي. هَذِهِ تُدْعَى امْرَأَةً لأَنَّهَا مِنِ امْرِءٍ أُخِذَتْ». (تك٢: ٢٠-٢٣) ، ولهذا السبب أطلقت الكنيسة على الزواج تسمية "سرّ الزيجة"، إذ يقول بولس الرسول "هذا السر عظيم"، كما ورد في رسالته إلى "أفسس": ٢٨كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. ٢٩فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضاً لِلْكَنِيسَةِ. ٣٠لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. ٣١مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الِاثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. ٣٢هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. ٣٣وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا. (أف٥: ٢٨-٣٣)، والسؤال المطروح هنا هو: لماذا يعتبر سر الزواج سراً عظيماً؟ والإجابة تكمن في أن المعادلة البشرية خارج عهد الزواج هي كالآتي: (واحد + واحد اثنان)، وبالتالي، فإن (واحد + واحدةاثنان) أيضاً وليس واحد ونصف، لأن المرأة مساوية للرجل في الكرامة والمكانة، فكلاهما مخلوقان على صورة الله، كما جاء في سفر التكوين": ٢٧فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك١: ٢٧)، ويقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": ١١غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ. (١كو١١: ١١)، بينما الزواج المسيحي يقوم على معادلة فريدة هي: (واحد + واحدة = واحد)، وهي معادلة لم تتحقق في الكثير من الزيجات، ولذلك لم تنعم بالسلام والهناء والسعادة الزوجية، لأن الوحدة الروحية بين الزوجين لم تتحقق، فيظلّ الزوجان منفصلين في كيانهما الداخلي باعتبارهما شخصين وليس شخصاً واحداً، ولكلٌّ منهما حياته الخاصة: أصدقاؤه، اهتماماته، وهواياته بعيداً عن شريكه، ثم يلتقيان فقط تحت سقف واحد، فإن هذا لا يُعتبر زواجاً مسيحياً حقيقياً، فهما يعيشان كأن الزوج ما زال أعزب وكأن الزوجة ما زالت عزباء وإن كانا يعيشان داخل بيت واحد.

  17. هل يمكن أن يُقام عهد الزواج في المسيحية مع أكثر من فرد في الوقت نفسه، مع العلم أن العهد هو أن يُعطي الزوج والزوجة نفسيهما وكل ما يملكان لبعضهما البعض بنسبة ١٠٠%؟

    أعتقد أنّ المفهوم الذي شرحناه ينفي هذه الفكرة ويدحضها تماماً، والسبب في ذلك أنّ النص الكتابي صريح لا لبس فيه، إذ جاء في سفر "التكوين": ٢٤لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً..(تك٢:٢٤)، ويؤكد الرب يسوع المسيح على هذه الوصية الإلهية، كما جاء في إنجيل "متى": ٥وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. ٦إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». (مت١٩: ٥-٦)، والمقصود أن الرجل يتزوج من امرأة واحدة فقط، وليس اثنتين ولا ثلاثة ولا أربعة ولا خمسة سيدات، وهذه الآية قد تكررت عبر الزمن ومنعت فكرة تعدد الزوجات، وهذا ما يؤكده الرب يسوع المسيح بقوله: "لأنه من البدء لم يكن هكذا"، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٣وَجَاءَ إِلَيْهِ الْفَرِّيسِيُّونَ لِيُجَرِّبُوهُ قَائِلِينَ لَهُ: «هَلْ يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ لِكُلِّ سَبَبٍ؟» ٤فَأَجَابَ: «أَمَا قَرَأْتُمْ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْبَدْءِ خَلَقَهُمَا ذَكَراً وَأُنْثَى؟» ٥وَقَالَ: «مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونُ الاِثْنَانِ جَسَداً وَاحِداً. ٦إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». ٧فَسَأَلُوهُ: «فَلِمَاذَا أَوْصَى مُوسَى أَنْ يُعْطَى كِتَابُ طَلاَقٍ فَتُطَلَّقُ؟» ٨قَالَ لَهُمْ: «إِنَّ مُوسَى مِنْ أَجْلِ قَسَاوَةِ قُلُوبِكُمْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تُطَلِّقُوا نِسَاءَكُمْ. وَلَكِنْ مِنَ الْبَدْءِ لَمْ يَكُنْ هَكَذَا. ٩وَأَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلاَّ بِسَبَبِ الزِّنَا وَتَزَوَّجَ بِأُخْرَى يَزْنِي وَالَّذِي يَتَزَوَّجُ بِمُطَلَّقَةٍ يَزْنِي». (مت١٩: ٣-٩)، فالمبدأ الأساسي هو أن يتزوج الرجل بامرأة واحدة، غير أن البعض من الناس كسروا هذا المبدأ الكتابي لعدم إدراكهم المعنى الحقيقي له، فسلكوا وتصرفوا بطريقة خاطئة، وقد جاءت مناسبة الآية السابقة عندما سأل الفريسيُّون الرب يسوع المسيح عن جواز أن يُطلِّق الرجل امرأته، حيث أجابهم بأنه لا وجود لمبدأ الطلاق على الإطلاق إلَّا لعلة الزنى والترك وقد أعطاهم موسى كتاب طلاق لقساوة قلوبهم.

  18. هل تعني آية متى ١٩:٨ أن الله قد يسمح ببعض الأمور تحت ضغط الواقع، رغم أنها ليست ضمن قصده الأصلي؟

    نعم، قد يحدث ذلك أمام قساوة القلوب وعدم الفهم، فقد سمح الله لليهود من الناحية الاجتماعية أن يفعلوا أمراً لا يوافق عليه، لأنهم لا يستطيعون ادراك وفهم حقيقة هذا الأمر، لذلك ينبغي علينا أن نفهم جيداً مفهوم الإعلان في الكتاب المقدس، دعونا نشرح هذا الأمر، فعلى سبيل المثال اتخذ (آدم) زوجة واحدة وهي (حواء)، التي خلقها الله من واحدة من أضلاعه (تك٢: ٢٠-٢٤)، ويضيف سفر "التكوين": ٢٠وَدَعَا آدَمُ اسْمَ امْرَأَتِهِ «حَوَّاءَ» لأَنَّهَا أُمُّ كُلِّ حَيٍّ.(تك٣:٢٠)، فكانت لآدم زوجة واحدة هي حواء رغم أنهما قد أنجبا بناتاً كثيرة بجانب قايين وهابيل، وقد كان مسموحاً للرجال قديماً أن يتزوجوا من بناتهم وأخواتهم، ومن الأمثلة الأخرى نجد أن الآباء قد اتخذوا لأنفسهم زوجة واحدة فقط على النحو التالي:

    ١- نوح، عندما دخل إلى الفلك للنجاة من الطوفان كان معه زوجة واحدة وأبنائه الثلاثة وزوجاتهم، كما جاء في سفر "التكوين": ٦وَلَمَّا كَانَ نُوحٌ ابْنَ سِتِّ مِئَةِ سَنَةٍ صَارَ طُوفَانُ الْمَاءِ عَلَى الأَرْضِ ٧فَدَخَلَ نُوحٌ وَبَنُوهُ وَامْرَأَتُهُ وَنِسَاءُ بَنِيهِ مَعَهُ إِلَى الْفُلْكِ مِنْ وَجْهِ مِيَاهِ الطُّوفَانِ.(تك٧: ٦-٧).

  19. ٢- إبراهيم، تزوَّج من امرأة واحدة وهي (سارة)، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٩وَاتَّخَذَ أَبْرَامُ وَنَاحُورُ لَهُمَا امْرَأَتَيْنِ: اسْمُ امْرَأَةِ أَبْرَامَ سَارَايُ وَاسْمُ امْرَأَةِ نَاحُورَ مِلْكَةُ بِنْتُ هَارَانَ أَبِي مِلْكَةَ وَأَبِي يِسْكَةَ. ٣٠وَكَانَتْ سَارَايُ عَاقِراً لَيْسَ لَهَا وَلَدٌ. (تك١١: ٢٧-٣٠)، وأعطى الله لأبرام اسم إبراهيم وأعطى لساراي اسم سارة، حيث نقرأ في السفر ذاته: ٥فَلاَ يُدْعَى اسْمُكَ بَعْدُ أَبْرَامَ بَلْ يَكُونُ اسْمُكَ إِبْرَاهِيمَ لأَنِّي أَجْعَلُكَ أَباً لِجُمْهُورٍ مِنَ الأُمَمِ... ١٥وَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «سَارَايُ امْرَأَتُكَ لاَ تَدْعُو اسْمَهَا سَارَايَ بَلِ اسْمُهَا سَارَةُ. (تك١٧: ٥، ١٥)، بينما نعلم أن ابراهيم لم يتزوج من (هاجر) جارية سارة، بل أعطته سارة إيَّاها لتنجب لها نسلاً، لأن سارة كانت عقيمة لا تنجب، وعندما حملت هاجر توقف إبراهيم عن معاشرتها، حيث يخبرنا سفر "التكوين": ١وَأَمَّا سَارَايُ امْرَأَةُ أَبْرَامَ فَلَمْ تَلِدْ لَهُ. وَكَانَتْ لَهَا جَارِيَةٌ مِصْرِيَّةٌ اسْمُهَا هَاجَرُ ٢فَقَالَتْ سَارَايُ لأَبْرَامَ: «هُوَذَا الرَّبُّ قَدْ أَمْسَكَنِي عَنِ الْوِلاَدَةِ. ادْخُلْ عَلَى جَارِيَتِي لَعَلِّي أُرْزَقُ مِنْهَا بَنِينَ». (تك١٦: ١-٢)، وعند مغادرة هاجر هي وابنها إسماعيل لم يتزوَّج إبراهيم وظلت سارة هي الزوجة الوحيدة له، وعندما ماتت سارة تزوج إبراهيم من (قطورة)، كما جاء في السفر ذاته: ١وَعَادَ إِبْرَاهِيمُ فَأَخَذَ زَوْجَةً اسْمُهَا قَطُورَةُ ٢فَوَلَدَتْ لَهُ زِمْرَانَ وَيَقْشَانَ وَمَدَانَ وَمِدْيَانَ وَيِشْبَاقَ وَشُوحاً. (تك٢٥: ١-٢)، لذلك تظل حقيقة أن إبراهيم لم تكن لديه إلَّا زوجة واحدة.

  20. فالله لم يكن موافقاً على معاشرة إبراهيم لهاجر جارية سارة، ولم يبارك تلك المعاشرة، وبالتالي لم يكن موافقاً على إنجاب اسماعيل، فقد أخبر الله ابراهيم أنه "بإسحاق يُدعي لك نسل"، كما جاء في سفر "التكوين": ٩وَرَأَتْ سَارَةُ ابْنَ هَاجَرَ الْمِصْرِيَّةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ لإِبْرَاهِيمَ يَمْزَحُ ١٠فَقَالَتْ لإِبْرَاهِيمَ: «اطْرُدْ هَذِهِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا لأَنَّ ابْنَ هَذِهِ الْجَارِيَةِ لاَ يَرِثُ مَعَ ابْنِي إِسْحَاقَ». ١١فَقَبُحَ الْكَلاَمُ جِدّاً فِي عَيْنَيْ إِبْرَاهِيمَ لِسَبَبِ ابْنِهِ. ١٢فَقَالَ اللهُ لإِبْرَاهِيمَ: «لاَ يَقْبُحُ فِي عَيْنَيْكَ مِنْ أَجْلِ الْغُلاَمِ وَمِنْ أَجْلِ جَارِيَتِكَ. فِي كُلِّ مَا تَقُولُ لَكَ سَارَةُ اسْمَعْ لِقَوْلِهَا لأَنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ. (تك٢١: ٩-١٢)، كما أخبر الله ابراهيم أنه سيقيم عهده الأبدي مع اسحاق ابنه من سارة وليس مع اسماعيل، كما نقرأ: ١٨وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِلَّهِ: «لَيْتَ إِسْمَاعِيلَ يَعِيشُ أَمَامَكَ!» ١٩فَقَالَ اللهُ بَلْ سَارَةُ امْرَأَتُكَ تَلِدُ لَكَ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ إِسْحَاقَ. وَأُقِيمُ عَهْدِي مَعَهُ عَهْداً أَبَدِيّاً لِنَسْلِهِ مِنْ بَعْدِهِ. ٢٠وَأَمَّا إِسْمَاعِيلُ فَقَدْ سَمِعْتُ لَكَ فِيهِ. هَا أَنَا أُبَارِكُهُ وَأُثْمِرُهُ وَأُكَثِّرُهُ كَثِيراً جِدّاً. اثْنَيْ عَشَرَ رَئِيساً يَلِدُ وَأَجْعَلُهُ أُمَّةً كَبِيرَةً. ٢١وَلَكِنْ عَهْدِي أُقِيمُهُ مَعَ إِسْحَاقَ الَّذِي تَلِدُهُ لَكَ سَارَةُ فِي هَذَا الْوَقْتِ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ». ٢٢فَلَمَّا فَرَغَ مِنَ الْكَلاَمِ مَعَهُ صَعِدَ اللهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ. (تك١٧: ١٨-٢٢).

  21. كما أمر الرب ابراهيم أن يطرد هاجر مع ابنها، لأن ابراهيم اختار الحل البشري للإنجاب ولم ينتظر الحل الإلهي والوعد الإلهي له، فالرب قد عاتبه وقام بتبكيته لأنه فعل ما لا يخبره به، ولكن عندما طردها ابراهيم وتاهت في البريَّة ظهر لها ملاك الرب ورأت بئر ماء وسقت ابنها، لأنه لا ذنب لها ولكن لم يوافق الله على هذه العلاقة ولم يباركها، حيث نقرأ: ١٤فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحاً وَأَخَذَ خُبْزاً وَقِرْبَةَ مَاءٍ وَأَعْطَاهُمَا لِهَاجَرَ وَاضِعاً إِيَّاهُمَا عَلَى كَتِفِهَا وَالْوَلَدَ وَصَرَفَهَا. فَمَضَتْ وَتَاهَتْ فِي بَرِّيَّةِ بِئْرِ سَبْعٍ. ١٥وَلَمَّا فَرَغَ الْمَاءُ مِنَ الْقِرْبَةِ طَرَحَتِ الْوَلَدَ تَحْتَ إِحْدَى الأَشْجَارِ ١٦وَمَضَتْ وَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ بَعِيداً نَحْوَ رَمْيَةِ قَوْسٍ لأَنَّهَا قَالَتْ: «لاَ أَنْظُرُ مَوْتَ الْوَلَدِ». فَجَلَسَتْ مُقَابِلَهُ وَرَفَعَتْ صَوْتَهَا وَبَكَتْ. ١٧فَسَمِعَ اللهُ صَوْتَ الْغُلاَمِ. وَنَادَى مَلاَكُ اللهِ هَاجَرَ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ لَهَا: «مَا لَكِ يَا هَاجَرُ؟ لاَ تَخَافِي لأَنَّ اللهَ قَدْ سَمِعَ لِصَوْتِ الْغُلاَمِ حَيْثُ هُوَ. ١٨قُومِي احْمِلِي الْغُلاَمَ وَشُدِّي يَدَكِ بِهِ لأَنِّي سَأَجْعَلُهُ أُمَّةً عَظِيمَةً». ١٩وَفَتَحَ اللهُ عَيْنَيْهَا فَأَبْصَرَتْ بِئْرَ مَاءٍ فَذَهَبَتْ وَمَلَأَتِ الْقِرْبَةَ مَاءً وَسَقَتِ الْغُلاَمَ. (تك٢١: ١٤-١٩).

  22. ٣- اسحاق، ابن ابراهيم من سارة، تزوَّج من امرأة واحدة وهي (رفقة)، كما ورد في سفر "التكوين": ٦٧فَأَدْخَلَهَا إِسْحَاقُ إِلَى خِبَاءِ سَارَةَ أُمِّهِ وَأَخَذَ رِفْقَةَ فَصَارَتْ لَهُ زَوْجَةً وَأَحَبَّهَا. فَتَعَزَّى إِسْحَاقُ بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ. (تك٢٤: ٦٧) و(تك٢٥: ٢٠).

    هل يغيِّر الله المبدأ الذي وضعه ويُعطي حِلاً أي إذناً عندما تتأزم الأمور؟

    إن الله لا يُغيِّر مبدأه على الإطلاق، بل يتعامل مع الإنسان على قدر النور أو المعرفة المتاحة له، وليس على نور كامل لم يصل إلى الإنسان بعد، إذ يتعامل مع الإنسان وفق ما يراه ويدركه، أمَّا النور الذي أدركه شعب اسرائيل، فبسبب قساوة قلوبهم واختلاطهم بالأمم والشعوب التي عاشوا وسطها، فلم يتمكَّنوا من فهم وإدراك ناموس الله الكامل، لذلك أؤكِّد: أن الوصايا الإلهية موجَّهة للمؤمنين، ولا تصلح لغير المؤمنين، فشعب اسرائيل كانوا قساة القلوب بلا إيمان حقيقي، فلم يتمكنوا من الالتزام بالناموس، لذلك أعطاهم موسى كتاب طلاق حتى تتمكّن المرأة من الزواج مرة أخرى، ولم يفعل موسى ذلك من تلقاء نفسه، بل كان الأمر مرتبطًا بالشريعة الوضعية الخاصة بالشعب، فقد كان موسى يمتلك شريعة يحكم بها الشعب، أي دستوراً مدنياً وضعياً ليس على مستوى المبادئ السامية، لأنهم لن يستطيعوا أن يعيشوه، لأنهم لم يكونوا على هذا المستوى، لذلك سنّ لهم قانونًا يتناسب مع وضعهم الروحي والاجتماعي، والمقصود هنا أن موسى هو من أعطاهم كتاب الطلاق وليس الله، فالله لم يمنحهم كتاب طلاق، وهذا يوضح مبدأ "وضوح النور": فمع مرور الزمن، كانت البشرية تزداد ظلمة روحية بدلاً من أن تنفتح على النور، ولهذا كان لابُدَّ من مجيء الرب يسوع المسيح.

  23. إذ إن نوح والآباء كانوا يفهمون الله أكثر مما كان عليه الحال في أيام داود، فقد تزوَّج داود من نساء كثيرات، وارتكب خطايا كثيرة كالزنى مع بثشبع وقتل زوجها أوريَّا الحثِّي أحد قادة جيش اسرائيل (٢ صموئيل١١ كاملاً)، وقد رفع الرب إثمه عنه كما أخبره ناثان النبي (٢صم١٢: ١-١٤) ثم أنجب داود من بثشبع سليمان وناثان وغيرهما بعد موت الابن الأول (٢صم١٢: ١٥-٢٥)، وعاش داود في مغائر الأرض مطارداً أغلب سنوات حياته (١صم٢٤: ١-٣)، أما سليمان ابن داود من بثشبع فقد تزوج الكثير من النساء، ٧٠٠ من الأميرات و٣٠٠ من السراري، كما جاء في سفر "الملوك الأول": ١وَأَحَبَّ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ نِسَاءً غَرِيبَةً كَثِيرَةً مَعَ بِنْتِ فِرْعَوْنَ: مُوآبِيَّاتٍ وَعَمُّونِيَّاتٍ وَأَدُومِيَّاتٍ وَصَيْدُونِيَّاتٍ وَحِثِّيَّاتٍ ٢مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: [لاَ تَدْخُلُونَ إِلَيْهِمْ وَهُمْ لاَ يَدْخُلُونَ إِلَيْكُمْ، لأَنَّهُمْ يُمِيلُونَ قُلُوبَكُمْ وَرَاءَ آلِهَتِهِمْ]. فَالْتَصَقَ سُلَيْمَانُ بِهَؤُلاَءِ بِالْمَحَبَّةِ. ٣وَكَانَتْ لَهُ سَبْعُ مِئَةٍ مِنَ النِّسَاءِ السَّيِّدَاتِ، وَثَلاَثُ مِئَةٍ مِنَ السَّرَارِيِّ. فَأَمَالَتْ نِسَاؤُهُ قَلْبَهُ. (١مل١١: ١-٣).

    هذا يبيّن لنا أنّ النور الأدبي عبر تاريخ البشرية كان أكثر إشراقًا كلما اقتربنا من البداية، وكلما تقدمنا في مسار التاريخ أخذ ذلك النور يضعف شيئاً فشيئاً، رغم وجود الأنبياء، لذلك، كان من الضروري أن يأتي المسيح ليُعيد النور من جديد، ويُظهر الصورة الحقيقية كما كانت منذ البدء، ولهذا جاء المسيح ليقول بوضوح: "يكفي، فقد آن الأوان لاستعادة المقياس الإلهي الصحيح." والمقياس هو: رجل واحد لامرأة واحدة مدى الحياة، وهذا ما كان منذ جنة عدن. فنراه في مثال آدم، ثم في حياة لوط وإبراهيم وإسحاق، أمَّا يعقوب فقد خُدع من خاله لابان فقبل الخديعة، ومن هناك بدأ الانحراف يتكرّر عبر الأجيال، حيث ارتكب أبناء يعقوب الخطايا: خطيَّة رأوبين (ابن ليئة) مع بلهة سرية أبيه وجارية راحيل (تك٣٥: ٢٢)، وخطيَّة يهوذا بزواجه من بنت شوع الكنعانية ضد قصد الله (تك٣٨: ١-١١) ثم خطيته مع ثامار - زوجة ابنيه عير وأونان – ظاناً أنها زانية وأنجب منها فارص وزارح (تك٣٨: ١٢-٣٠).

  24. - القديسة مريم العذراء، كانت زوجة واحدة لزوج واحد هو (يوسف النجَّار) وكانا مخطوبين، ولكنهما في حكم المتزوجين حسب الشريعة اليهودية، كما جاء في إنجيل "متى": ١٨أَمَّا وِلاَدَةُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَكَانَتْ هَكَذَا: لَمَّا كَانَتْ مَرْيَمُ أُمُّهُ مَخْطُوبَةً لِيُوسُفَ قَبْلَ أَنْ يَجْتَمِعَا وُجِدَتْ حُبْلَى مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. ١٩فَيُوسُفُ رَجُلُهَا إِذْ كَانَ بَارّاً وَلَمْ يَشَأْ أَنْ يُشْهِرَهَا أَرَادَ تَخْلِيَتَهَا سِرّاً. ٢٠وَلَكِنْ فِيمَا هُوَ مُتَفَكِّرٌ فِي هَذِهِ الأُمُورِ إِذَا مَلاَكُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ لَهُ فِي حُلْمٍ قَائِلاً: «يَا يُوسُفُ ابْنَ دَاوُدَ لاَ تَخَفْ أَنْ تَأْخُذَ مَرْيَمَ امْرَأَتَكَ لأَنَّ الَّذِي حُبِلَ بِهِ فِيهَا هُوَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. ٢١فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».... ٢٤فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ يُوسُفُ مِنَ النَّوْمِ فَعَلَ كَمَا أَمَرَهُ مَلاَكُ الرَّبِّ وَأَخَذَ امْرَأَتَهُ. ٢٥وَلَمْ يَعْرِفْهَا حَتَّى وَلَدَتِ ابْنَهَا الْبِكْرَ. وَدَعَا اسْمَهُ يَسُوعَ. (مت١: ١٨-٢١، ٢٤) و(لو١: ٢٦-٣٨) و(لو٢: ١-٧)، إذن نرى أن الإعلان عن المبدأ الإلهي القائل بزواج الرجل من زوجة واحدة فقط كان واضحاً ثم انخفض وتلاشى، ثم عاد للظهور والارتفاع من جديد ليصبح ثابتاً ومستقراً، فالشعوب والمجتمعات تؤثران على النور الأدبي الذي يصل إلى الإنسان أي على قيمه ومفاهيمه الحياتية بحسب مقدار النور (المعرفة).

  25. هل يمكن اعتبار تعدد الزوجات حلًّا عمليًا لمشكلات الزواج بحجة أن الرجل يميل بطبيعته للتعدد، وأنه أقل ضررًا من الوقوع في الزنى؟

    في المجتمعات الغربية، نجد أن الرجل والمرأة كليهما معرَّضان للسقوط في خطيَّة الزنى والخيانة الزوجية، فلا يقتصر الأمر على الرجل وحده، بل إن أغلب حالات الطلاق هناك تنشأ بسبب ارتباط المرأة عاطفياً برجل آخر، أكثر مما تنشأ بسبب انجذاب الرجل لامرأة أخرى، هذا إن لم تكن النسبة متساوية بيت الطرفين، لذلك، لا يصح القول إن الرجل أكثر نزوعاً وميلاً للنظر إلى نساء أخريات، أو أنه لا تكفيه زوجة واحدة، في حين أن الزوجة يمكن أن تكتفي بزوج واحد يملأ قلبها وعينيها، وعلى هذا الأساس، لا يجوز تشبيه الرجل بالشجرة التي يسكنها العديد من العصافير، لأن الشجرة قد يأوي إليها ألف عصفور، بينما الرجل فلا يمكنه أن يتزوج ألف امرأة.

    فلا يوجد أي أساس علمي يؤيّد مثل هذا الادعاء؛ بل إن البعض يستخدم هذه الحجج لتبرير أهوائه وأفعاله الخاطئة، فالرجل والمرأة كلاهما يشعران بالملل من علاقة زوجية خالية من الحب والاتحاد الحقيقي بينهما، ولكن إن كانت العلاقة الزوجية مُشبعة بالحب والغرام والعشق والتفاهم والصداقة والمودّة والوحدة ـ كما قصدها الله في عهد الزواج السر العظيم ـ فلن يكون هناك مجال للشعور بالملل في العلاقة الزوجية على الإطلاق، أمَّا ما يُسمّى "عين فارغة" فليس هو إلَّا قلّة تأديب وتهذيب وتربية وانضباط داخلي، فالحل والعلاج لا يكمن في أن يتزوج الرجل من امرأة ثانية أو ثالثة أو رابعة، بل يحتاج الإنسان إلى أن يتغيّر من الداخل أولاً فينعكس هذا التغيير على سلوكه وتصرفاته الخارجية.

  26. كما تحدث الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل) عن العين البصيرة والعين المظلمة فهي سراج الجسد، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٢سِرَاجُ الْجَسَدِ هُوَ الْعَيْنُ فَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ بَسِيطَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ نَيِّراً. ٢٣وَإِنْ كَانَتْ عَيْنُكَ شِرِّيرَةً فَجَسَدُكَ كُلُّهُ يَكُونُ مُظْلِماً فَإِنْ كَانَ النُّورُ الَّذِي فِيكَ ظَلاَماً فَالظَّلاَمُ كَمْ يَكُونُ! (مت٦: ٢٢-٢٣).

    إذن، المشكلة ليست في "إشباع العين الفارغة" بالزواج الثاني أو الثالث، بل في تغيير القلب من الداخل، فالذي لا يشبع داخلياً لن يُشبَع أبداً مهما أُضيف له من الخارج، فالعين لا تشبع من النظر، كما جاء في سفر "الجامعة": ٨كُلُّ الْكَلاَمِ يَقْصُرُ. لاَ يَسْتَطِيعُ الإِنْسَانُ أَنْ يُخْبِرَ بِالْكُلِّ. الْعَيْنُ لاَ تَشْبَعُ مِنَ النَّظَرِ وَالأُذُنُ لاَ تَمْتَلِئُ مِنَ السَّمْعِ. (جا١: ٨)، فالأجدر أن يواجه الإنسان المشكلة الكامنة داخله ويعالجها، لا أن يسمح لنفسه بأمور تغذي تلك الخطيَّة وتشبع رغباته الداخلية، وأقول مرَّة أخرى، فكما أن الرجل قد يملّ من علاقة مملة، فالمرأة أيضاً تملّ من علاقة مملة، إذ لا فرق بينهما في هذا الأمر، بل إن المرأة غالباً ما يكون احتياجها للمشاعر والعواطف أعمق بكثير من احتياج الرجل، بينما يميل الرجل أكثر إلى الجانب الجسدي، وهذا مفهوم سيكولوجي، فإذا لم يُحب الرجل زوجته ولم يمنحها مشاعر الحب ويُشعرها بقيمتها وغلاوتها عنده، وأنها أغلى ما في حياته، فلن يُشبعها حقاً، وعندما يتزوج بامرأة ثانية أو ثالثة، فإنه يُرسل إليها رسالة جارحة: "أنتِ لا تملئين عيني"، فيحطمها داخلياً، وبذلك، بدلاً من أن يمنحها الأمان والحب، يوزّع مشاعره على أكثر من امرأة، فهو يشعرها بأنها غير كافية، فلا يصح أن يُشبع الرجل نفسه فقط على حساب تحطيم زوجته، فالرجل ليس أهم من المرأة في منظور الله، بل كلاهما متساويان تماماً.

  27. كيف يوضح لنا التعليم الكتابي أن الرجل والمرأة متساويين في الكرامة والإنسانية أمام الله؟

    في المنظور الإلهي، خلق الله الرجل والمرأة على صورته كشبهه، كما جاء في سفر التكوين": ٢٧فَخَلَقَ اللهُ الإِنْسَانَ عَلَى صُورَتِهِ. عَلَى صُورَةِ اللهِ خَلَقَهُ. ذَكَراً وَأُنْثَى خَلَقَهُمْ. (تك١: ٢٧)، فالمرأة، كما الرجل كائن أدبي وروحي كامل ومتساويين، والاختلاف بينهما بيولوجي أي في التكوين العضوي فقط، لكن كليهما يمتلك روحاً خالدة، كما جاء في سفر "الجامعة": ٧فَيَرْجِعُ التُّرَابُ إِلَى الأَرْضِ كَمَا كَانَ وَتَرْجِعُ الرُّوحُ إِلَى اللَّهِ الَّذِي أَعْطَاهَا. (جا١٢: ٧)، فالرجل والمرأة متساويان وليس أحدهما دون الآخر، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": ١١غَيْرَ أَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ مِنْ دُونِ الْمَرْأَةِ وَلاَ الْمَرْأَةُ مِنْ دُونِ الرَّجُلِ فِي الرَّبِّ. (١كو١١: ١١)، إذن، فالمرأة مساوية للرجل في إنسانيتها وكرامتها، فهي كائن بشري كامل متكامل، والاختلاف بين الجنسين يقتصر على الجانب البيولوجي، لكنَّه لا يمس القيمة الإنسانية أمام الله، أمَّا النظرة المجتمعية القديمة التي كانت تحتقر ولادة الأنثى حتى تصل إلى وأد وقتل البنات، فهي فكر متخلف لا يمت لحق الله بصلة، فالخلية الجنينية منذ لحظة تكوّنها من اتحاد الحيوان المنوي مع البويضة وتحديد نوع الكروموسومات إن كان ذكرًا أم أنثى، هي كائن بشري كامل متساوٍ في القيمة والكرامة أمام الله، ولكن الاختلاف في الجانب البيولوجي فقط،.

  28. فالرجل يظن أحياناً أن امرأة واحدة لا تكفيه، بينما يتعامل مع المرأة كأنها تستطيع الاكتفاء بنصف رجل أو بربع رجل! ولو سألنا المرأة: هل تُشبَعين بنصف رجل؟ لكان الجواب: بالطبع لا، وهنا يظهر جرح عميق؛ إذ يُهمَّش احتياج المرأة ويُعتبر غير مهم، بينما يُقدَّم شبع الرجل على أنه الأولوية، هذا التفكير في جوهره أنانية، ويكشف عن كبرياء الرجل الذي يتصوَّر نفسه أكثر إنسانية وأهمية وقيمة من المرأة، كما أن تعدد الزوجات يخالف طبيعة الرجل، وهذا افتراض غير صحيح، لأن ذلك يجعل الزواج مُجرَّد عقد يمكن أن يُدخَل فيه شركاء آخرون، بينما في الحقيقة الزواج بحسب قصد الله ليس عقداً بل عهداً مقدّساً، فإذا اعتبرناه عقداً بشرياً فيمكن إضافة أطراف إليه، أمّا إن فهمناه عهداً إلهياً فحينئذٍ لا مجال لإشراك أحد فيه، أمَّا العهد فإن كل من الزوج والزوجة يُعطي نفسه وكل ما له للآخر بنسبة ١٠٠% وحينها لن يتبقى شيئاً لشخص آخر غيرهما، وليس من حق أي طرف أن يمنح ذاته لغير شريكه، وإذا كان الارتباط كاملاً وشاملاً، فلا مجال لامتلاك أو مشاركة مع آخر خارج إطار هذا العهد.

  29. كيف يوضّح لنا المفهوم المسيحي للزواج مسألة موافقة الزوجة على أن يتزوّج زوجها بامرأة أخرى، حتى وإن كانت راضية عن ذلك؟

    قد تقبل الزوجة أن يتزوج زوجها من امرأة أخرى، ليس لأنها مقتنعة بتلك الفكرة، بل لأنها مضطرة لذلك خوفاً من الطلاق أو لحاجتها المادية لمن ينفق عليها، إذ ترى أن عواقب الرفض ستكون أشد ضرراً عليها، فليس بيدها حيلة، لكن لو تُرك لها حرية الاختيار الحقيقية، فإنها ستختار أن يكون زوجها لها وحدها بنسبة ١٠٠% ولا تشاركها فيه أية امرأة أخرى.

    فعندما كتب بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس مبيّناً صفات (الأسقف/ القس/ الراعي)، قال إن يكون "بعل امرأة واحدة" أي زوجاً لامرأة واحدة، كما جاء في رسالته الأولى: ١صَادِقَةٌ هِيَ الْكَلِمَةُ: إِنِ ابْتَغَى أَحَدٌ الأُسْقُفِيَّةَ فَيَشْتَهِي عَمَلاً صَالِحاً. ٢فَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الأُسْقُفُ بِلاَ لَوْمٍ، بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، صَاحِياً، عَاقِلاً، مُحْتَشِماً، مُضِيفاً لِلْغُرَبَاءِ، صَالِحاً لِلتَّعْلِيمِ (١تي٣: ١-٢) و(تي١: ٥-٦)، وكذلك أوصى بولس الرسول أن يكون (الشمامسة / الخدَّام) "كل بعل امرأة واحدة"، كما ورد في رسالته الأولى إلى "تيموثاوس": ١٢لِيَكُنِ الشَّمَامِسَةُ كُلٌّ بَعْلَ امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ، مُدَبِّرِينَ أَوْلاَدَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ حَسَناً (١تي٣: ١٢)، والسبب في ذلك أنّه في ذلك العصر كان هناك وثنيون قد آمنوا بالرب يسوع المسيح واعتمدوا، لكن بعضهم كان متزوجاً بأكثر من امرأة، وهؤلاء لا يصلحون للخدمة الكهنوتية، لأن (الأسقف/ القس/ الراعي) وكذلك (الشماس/الخادم) يجب أن يكون كلاهما قدوة ومثالاً حيَّاً لشعب الله، أي زوج لامرأة واحدة، وهذا هو المثال الذي قصده بولس الرسول وهو العودة إلى قصد الله منذ بدء الخليقة في جنة عدن، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٤لِذَلِكَ يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ وَيَكُونَانِ جَسَداً وَاحِداً.(تك٢: ٢٤).

  30. فالزواج المسيحي ليس عقداً بشرياً مؤقتاً، بل هو عهد إلهي أبدي يقوم على وحدة كاملة بين رجل واحد وامرأة واحدة، ليصيرا جسداً واحداً في شركة حُب لا تنقسم، وهذه الوحدة هي سر السعادة الزوجية، وليست السعادة في إدخال أطراف أخرى في العلاقة.

    كيف ينظر التعليم المسيحي إلى تعدد الزوجات كحل لمشكلات مثل العقم أو المرض الذي يمنع الزوجة من تلبية احتياجات زوجها؟

    أثبتت الإحصائيات العلمية أن النسبة الأكبر للمصابين بالعقم هم من الرجال وليس من النساء، وطالما أن الزوج لا يسمح لزوجته أن تنجب عن طريق إقامة علاقة مع رجل آخر غيره، حتى وإن تم تسجيل الطفل باسمه، إذن، فمن المفترض ألَّا يسمح لنفسه أيضاً بإقامة علاقة مع امرأة أخرى غير زوجته وشريكة حياته لذات السبب، فالمبدأ واضح: فما لا يسمح به الإنسان لغيره لا يسمح به لنفسه، وما لا يرضاه الإنسان لنفسه لا يرضاه لغيره، وهذا أبسط مبادئ العدالة الإنسانية، إذ يؤكِّد الرب يسوع المسيح كما جاء في إنجيل "متى": ١٢فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً بِهِمْ لأَنَّ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ. (مت٧: ١٢)، وهي ما يُطلق عليه تسمية (القاعدة لذهبية)، فينبغي على الإنسان أن بعامل الآخرين بالطريقة ذاتها التي يرغب أن يُعامل بها، وإن لم يفعل الإنسان ذلك سيكون مُرائياً وكاذباً وخادعاً لنفسه، ولذلك، فإن الزواج - بحسب التعليم المسيحي - هو عهد أبدي مقدس بين الزوج والزوجة، يشمل جميع الظروف: في الضيق والوسع، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، كما أنه قبل منح شهادة الزواج يتم إجراء جميع التحاليل والفحوصات الطبية الدقيقة للتأكد من خلوّ الرجل والمرأة من جميع الأمراض ومعرفة قدراتهما الإنجابية، وحينها يعلم الطرفين ما إذا كان الطرف الآخر مصاباً بمرض ما من عدمه، كأن يكون عقيماً أو مصاباً بمرض السكري، أو الروماتويد أو Systemic Lupus Erythematosus أي الذئبة الحمراء، وكذلك لمعرفة الأعراض والمضاعفات المحتملة لهذه الأمراض إن وجدت، وبعد إطلاع الطرفين على نتائج هذه التحاليل والفحوصات، يتخذ كل منهما قراره الواعي بالموافقة على الزواج، بناء على المعرفة الواضحة، فيقام بينهما عهد الزواج الأبدي المقدس.

  31. هل يُعدّ تعدد الزوجات حلًّا لمشكلة العنوسة بحجة مساعدة الفتيات أو بسبب اختلال التوازن بين عدد النساء والرجال؟

    هذه هي المرة الأولى التي أسمع فيها أن تعدد الزوجات يُعتبر حلًا لمشكلة العنوسة، فكل ما اعتدت سماعه دائماً هو أن نسبة المواليد من الإناث أعلى من نسبة المواليد من الذكور، وأود أن أوضح رقماً بيولوجياً دقيقاً: بعض الأشخاص الذين لا يمتلكون معرفة علمية يزعمون أن عدد النساء في أي مجتمع يفوق عدد الرجال بأربعة أضعاف، لكن الواقع العلمي يثبت خلاف ذلك، من الناحية البيولوجية، احتمال أن يولد الجنين ذكراً أو أنثى متساوٍ تقريباً، أي حوالي ٥٠% لكل جنس، لذلك تكون النسبة غالباً٥٠% ذكور و٥٠% إناث، أمَّا في حالات الحروب أو الكوارث، فقد يقل عدد الرجال قليلًا فيصبح ٤٩.٥% مقابل ٥٠.٥% إناث، وفي مصر على سبيل المثال، نجد أن أعداد الرجال أكثر قليلًا: حوالي ٥١% ذكور و٤٩% إناث.

    إذن، لا يوجد مبرر علمي لافتراض أن هناك فائضاً كبيراً في أعداد الفتيات، ولا يمكن استخدام هذه الحجة لتبرير تعدد الزوجات بغرض "مساواة فرص الزواج" بين الجنسين، فالفكرة البيولوجية التي تُطرح بهذا الشكل مرفوضة علمياً وواقعياً، فهي ليست مبنية على الواقع أو الإحصائيات، ومع ذلك يُذكر البعض أنها حقيقة، إضافة إلى ذلك، إذا افترضنا أن الهدف هو توفير الزواج للفتيات اللواتي لا يجدن فرصتهن، فماذا عن العديد من الشباب الذين لا يستطيعون الزواج؟ كيف سيتم حل مشكلتهم؟ فمن غير المقبول أن نصرِّح للشباب بارتكاب خطيَّة الزنى لإشباع احتياجاتهم، على اعتبار أنهم يستطيعون فعل ما يريدون بحرية، بينما الفتيات مقيدات خاصة في مجتمعاتنا الشرقية ولذلك سيتم تزويجهم من خلال تطبيق فكرة تعدد الزوجات، فهذا منطق بشري وليس منطقاً إلهياً، ولذلك، ينبغي الالتزام تطبيق بالمنطق الإلهي وتعاليم ووصايا الكتاب المقدس التي تمنع تعدد الزوجات إلَّا في حالتيّ الزنى والترك أي التخلي عن الزوجة كما أوضحنا.

اعرِضها كقائد مجموعة — الدرس نفسه، بإعدادٍ للّقاء

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ١٠ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً