تحريف الكتاب المقدس - المخطوطات
تحريف الكتاب المقدس – المخطوطات
في هذه الحلقة، نسلط الضوء على قضية تشغل أذهان الكثيرين وهي الادعاءات المتعلقة بـ "تحريف الكتاب المقدس"، وللرد على تلك الادعاءات وتفنيدها يصبح من الضروري إعادة طرح الأسئلة التي تتردد لمواجهتها والإجابة عليها.
هل تم تحريف الكتاب المقدس؟ وإن حدث ذلك فمن قام بالتحريف؟ ومتى حدث ذلك؟ وكيف حدث ذلك؟ ومن المسؤول عن حفظ الكتاب المقدس؟
نستطيع الاجابة على هذه الأسئلة الخاصة بادعاءات تحريف الكتاب المقدس من خلال تقديم أربعة أسباب أو أدلة تثبت وتؤكد استحالة حدوث مثل هذا التحريف، وتنقسم هذه الأسباب إلى قسمين وهما: سببان من خارج الكتاب المقدس وسببان من داخل الكتاب المقدس أي من نصوصه ذاتها.
الأسباب المستمدة من خارج الكتاب المقدس:
أولا: - المنطقي/ العقلاني.
- العلمي/ المادي.
وليس له علاقة بمحتوى الكتاب المقدس، بل بالعلم بشيء مادي ملموس ومن خلاله يؤكد العلم والبحث العلمي استحالة تحريف الكتاب المقدس.
الأسباب المستمدة من داخل الكتاب المقدس:
ثالثا: التاريخي: - وهو الإثبات التاريخي، فالتاريخ يشهد بصحة الكتاب المقدس.
رابعاً: اللاهوتي:
وهو الإثبات اللاهوتي، أي الدليل المعنوي والمحتوى الداخلي للكتاب المقدس الذي يؤكد استحالة تحريفه، فأي محاولة للتلاعب بكلمة الله سواء بالحذف أو الإضافة أو إدخال فكر بشري ستؤدي حتمًا إلى ظهور تعارض واضح وتناقض في تسلسل المحتوى، فالكتاب المقدس يحتوي على (٦٦ سفراً) وكتبه ما يزيد عن (٤٤ كاتباً) عبر حقبة زمنية طويلة تمتد من زمن موسى حتى نهاية القرن الأول الميلادي، ورغم ذلك، فقد تميّز أولئك الكتّاب جميعاً بالفكر الواحد والتركيز على قضية واحدة دون أي تناقض أو تعارض فيما بينهم، وبالتالي فأي تلاعب أو تدخل بشري يسهل اكتشافه.
ما المقصود بالسبب أو الدليل المنطقي/ العقلاني؟
يؤكد السبب أو الدليل المنطقي العقلاني بأنه إذا كان الله موجوداً - وهذه هي الحقيقة الثابتة المؤكدة - وقد كلمنا الله من خلال الرسل والأنبياء وألقى علينا كلمته المقدسة وأرسل إلينا رسائله فمن المنطقي أن يكون هو المسؤول عن المحافظة على كلمته المقدسة ورسائله التي أرسلها إلينا، ومن المستحيل أن يسمح الله لأحد أن يعبث أو يتلاعب بها فتصل إلينا بشكل مغاير لما أراده وأوحى به، حيث وعد الله بحفظ كلمته المقدسة في العهدين القديم والجديد، فالوحي هو ما قد أوحى به الله للرسل والأنبياء ليكتبوا للناس بغرض إيصال كلمته ورسالته لهم ومن أجل ذلك أطلقنا على رسالته "الإنجيل" أي الأخبار المفرحة، كما أن "النبوة" هي رسالة من الله للشعب، فقد خلق السماوات والأرض وخلق الإنسان وقرر أن يخاطبه ويخبره بطرقه المستقيمة وبحبه له ويطلب منه أن يتوب ويرجع إليه ويحيد عن طرقه المعوجّة، إذن، لا يسمح الله لأحد بالتلاعب بكلمته المقدسة ورسائله التي أرسلها للناس كي لا تصل إلى الأجيال التالية بصورة مغايرة ومناقضة عما أراده وأوحى به، ولنأخذ مثلاً، أنا أب وخاطبتك لإيصال رسالة إليك وأريدك أن تخبر أخيك بالرسالة ذاتها ولكنني اكتشفت أن شخصاً ما أخذ تلك الرسالة وتلاعب بها فلم تستطع انت إيصالها لأخيك، فحينها ينبغي عليّ أن أتدخل كي أحافظ عليها لأني لا أحبك انت وحدك بل أحب أخاك أيضاً، فالله يحافظ على كلمته المقدسة من جيل إلى جيل فهذه مسؤوليته وليست مسؤوليتنا - نحن البشر - حيث وعد الله بالحفاظ على كلمته.
هل يمكن اعتبار الاتهامات التي تُوجَّه إلينا والأفكار التي تراودنا بمثابة تنبيه من الله لوجود خطأ ما يحتاج إلى المراجعة والتصحيح؟
هذا أمر مستحيل، لأن الله لم يكن ليترك أجيالاً عديدة مضت تزيغ وتنخدع دون أن يعلن لها الحقيقة، فمن غير المنطقي أن يكشف الله لنا الحقيقة ويخبرنا بها الآن بعد مرور مئات السنين، وبالتالي تصبح هذه الاتهامات غير صحيحة على الإطلاق، فقد مرّ نحو ألفين عاماً على كتابة أسفار العهد الجديد وسبقه العهد القديم بأكثر من ألف عام، ومع ذلك حافظ الله على كلمته المقدسة دون تغيير، فقد أكد السيد المسيح بنفسه أن الكلمة المقدسة في العهدين القديم والجديد ستظل محفوظة ولن تزول إلى الأبد، فمن العهد القديم قال: فَإِنِّي الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِلَى أَنْ تَزُولَ السَّمَاءُ وَالأَرْضُ لاَ يَزُولُ حَرْفٌ وَاحِدٌ أَوْ نُقْطَةٌ وَاحِدَةٌ مِنَ النَّامُوسِ حَتَّى يَكُونَ الْكُلُّ.(مت ٥: ١٨).
لماذا يكون من غير المحتمل وجود تحريف في جزء من الكتاب المقدس دون أن يشمل ذلك الكتاب بأكمله؟
هذا الأمر مستحيل، لأن القول بذلك يعني إنكار أن الله قد كلّم موسى وداود وأنه لا وجود للزبور أو المزامير أو سليمان وهم ليسوا بأنبياء والله لم يكلمهم، فإما أن نقبل بهذا الافتراض الخاطئ، أو نؤكد بأن كلمة الله باقية ومحفوظة ولم ولن يعبث بها أحد وهذا ما نؤمن به.
هل من الجائز وجود كتابات أخرى موحى بها، ولكنها لم تصل إلينا؟
هذا الأمر مستحيل، لأنه لو كان صحيحًا، فهذا يعني أن الله لم يحفظ كلمته المقدسة، إذ تم تدوين كتابات لم يقم بحفظها وبالتالي فُقدت ولم تصل إلينا، وهذا يتعارض مع حقيقة أن الله حافظ على كلمته عبر الزمن وعبر الأجيال، فنحن - كمسيحيين - ما زلنا متمسكين بالعهد القديم - رغم أننا لسنا يهوداً - لأننا نؤمن أنه كلمة الله، لذلك نرفض تماماً فكرة التحريف والتلاعب بالكلمة المقدسة والقول أن الله قد تكلم ثم تعرضت كلمته للتحريف والتلاعب أو يخبرنا أحد بأن كتابنا موحى به من الله ولكن قد تم تحريفه فهذه ليست إساءة لنا كمسيحيين مؤمنين بل إساءة إلى الله نفسه إذ يُنسب إليه عدم قدرته على حفظ كلمته وهو أمر لا يتفق مع طبيعته الإلهية فالله كلي القدرة.
لماذا تمت إضافة كتاب اليهود "العهد القديم" إلى كتابنا "العهد الجديد “على الرغم من اختلافنا معهم؟
لقد أضفنا كتابهم إلى كتابنا ليس فقط لأن "العهد القديم" هو كلمة الله بل أيضاً لأنه يشكل دليلاً على صحة إيماننا المسيحي في "العهد الجديد"، على الرغم من أن الشعب اليهودي لا يزال ينتظر مجيء السيد المسيح إلى اليوم لأنهم لا يؤمنون بحقيقة مجيئه الأول والتي أشارت إليه (٣٠٠ نبوّة) في العهد القديم حيث تحدثت عن المسيا المنتظر وعن مجيئه وحددت مكان ميلاده وأعماله وكافة التفاصيل المتعلقة به والمعروفة لدينا، وهذه النبوّات هي دليل صحة العهد الجديد وصحة الإنجيل، فالله قد أخبر شعبه بمجيء المسيح الملقب بـ "عمانوئيل" والذي سيولد من عذراء وسيكون اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام ، حيث يقول أشعياء: وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ السَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا الْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ «عِمَّانُوئِيلَ».(إش٧:١٤)، وكذلك: لأَنَّهُ يُولَدُ لَنَا وَلَدٌ وَنُعْطَى ابْناً، وَتَكُونُ الرِّيَاسَةُ عَلَى كَتِفِهِ، وَيُدْعَى اسْمُهُ عَجِيباً، مُشِيراً، إِلَهاً قَدِيراً، أَباً أَبَدِيّاً، رَئِيسَ السَّلاَمِ.(إش٩:٦)، فجميع هذه النبوّات وغيرها قد تحققت في المسيح، لكنّ غالبية اليهود لم يقبلوه فقد تصوروه بناءاً على عقليتهم البشرية إذ كانوا يتوقعون مجيئه كملك وقائد حربي عظيم يهزم العالم ويجعلهم أسياد هذا العالم كما أرادوا، بينما جاء المسيح مخلصاً للإنسان من خطاياه وليكون ملكاً روحياً ورباً للقلوب وليس ملكاً على العروش فهو الذي يغيّر حياة الناس للأفضل ويقيم الموتى ويدعو الأشياء غير الموجودة موجودة، حيث يقول إشعياء: وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. (إش٥٣:٥)
فاختلافنا معهم في نوع المسيا وقد احتفظنا بالعهد القديم لأن الله تكلّم لأولئك الأنبياء، وبالتالي هي كلمة الله الموحى بها.
ما هو الدليل العلمي/ المادي لإثبات استحالة التحريف؟
الإثبات الأول لوجود الله هو الخليقة ذاتها فالخليقة تشهد أنه يوجد إله خالق عظيم، فطالما كانت هناك معجزة إذن هناك من قام بعمل تلك المعجزة، وإن كنا لا نجده ولا نراه، فهذا دليل وإثبات منطقي واضح على وجود صانع المعجزة لأنها لا تحدث من تلقاء نفسها، فالله لم يترك لنا فقط دليل وإثبات منطقي عقلاني بل ترك لنا أيضاً دليل علمي مادي ملموس وهو "المخطوطات" فمنذ قديم الزمان - قبل اختراع ماكينات الطباعة - كانت تتم كتابة الكتب بخط اليد ولذلك يُطلق عليها اسم "مخطوطة" وقد يتم الكتابة على أوراق البردي أو على جلود الغزال أو على ألواح حجرية وتتوقف الكتابة سواء بواسطة الريشة أو بالحفر على نوع المواد أو الخامات المتاحة والمستخدمة في ذلك الوقت، ومن خلال هذه المخطوطات نُسخت النصوص من خلال عملية النقل بخط اليد لتنتقل عبر الأجيال، وكان الكتبة هم المسؤولون عن كتابة ونسخ أسفار العهد القديم، أي التوراة والمزامير وبقية الأسفار والكتب المقدسة، وهم فئة متميزة من الناس خضعوا لتدريب وتعليم خاص واتّبعوا معايير واشتراطات دقيقة في عملية الكتابة والنقل، ومنها: الالتزام بعدد معين من الأسطر التي ينبغي كتابتها في اليوم الواحد، وأن يتم ترك مسافة معينة بين الكلمة والكلمة التي تليها، بالإضافة إلى القيام بمراجعة دقيقة لما تم تدوينه وكتابته، مع تحديد ساعات العمل، وذلك من أجل تجنب حدوث خطأ وضمان عدم سقوط أي حرف أو كلمة أثناء عملية الكتابة والنسخ حتى لا يحدث تحريفاً لكلمة الله، وظل أولئك الكتبة يمارسون وظيفتهم في كتابة ونسخ الكتب المقدسة حتى وقت مجيء المسيح.
ما الذي تمثله المخطوطات بالنسبة للدليل العلمي والمادي على استحالة تحريف الكتاب المقدس؟
من الأدلة التي تثبت استحالة تحريف الكتاب المقدس (مخطوطات الكتاب المقدس – ترجمات الكتاب المقدس – أقوال الآباء – المؤرخون)، وتُعد المخطوطات من أقوى الأدلة العلمية والمادية التي تؤكد استحالة تحريف الكتاب المقدس، إذ تم العثور على آلاف المخطوطات التي تعود إلى عصور مختلفة، مكتوبة بلغاتها الأصلية (العبرية، الآرامية، اليونانية القديمة)، في أماكن متعددة مثل مصر وفلسطين والأردن.
وقد بلغ عدد مخطوطات العهد الجديد وحده نحو ٢٤ ألف مخطوطة، بالإضافة إلى حوالي ١٠٠ ألف مخطوطة للعهد القديم، وآلاف النصوص بلغات قديمة كاليونانية واللاتينية.
ومن أبرز هذه المخطوطات: بردية ٥٢(حوالي ١٣٠م) وبردية ٩٠ (حوالي ١٥٠م)، وهما يحتويان على آيات من إنجيل يوحنا.
كما تؤكد الترجمات القديمة صحة الكتاب المقدس، مثل:
الترجمة السبعينية (القرن الثالث قبل الميلاد – للعهد القديم).
الترجمات القبطية (القرون ٣ – ٥م – للعهدين).
الفولجاتا (القرن الرابع الميلادي – الترجمة اللاتينية الرسمية).
الترجمة البشيطا (القرن الخامس الميلادي – الترجمة السريانية).
إضافة إلى ذلك، أقوال الآباء الأوائل مصدراً موثقاً، إذ تحتوي كتاباتهم ومراسلاتهم على أكثر من ٣٦ ألف اقتباس من العهد الجديد وحده، يمكن من خلالها تجميع نصوص العهد الجديد بالكامل تقريباً.
كل هذه الأدلة تُظهر بوضوح أن الكتاب المقدس قد نُقل بأمانة عبر القرون، مما يجعل احتمال تحريفه أمراً غير قائم من الناحية التاريخية والنقدية النصية.
جدول اقتباسات الآباء من أسفار "العهد الجديد"
الاباء
الأناجيل
الأعمال
رسائل بولس
الرسائل الجامعة
الرؤيا
المجموع
جاستن مارتر
(١٠٠- ١٦٥م)
٢٦٨
١٠
٤٣
٦
٣
٣٣٠
إيريناوس(١٧٠م)
١٠٣٨
١٩٤
٤٩٩
٢٣
٦٥
١٨١٩
أكليمندس
(١٥٠-٢١٢م)
١٠١٧
٤٤
١١٢٧
٢٠٧
١١
٢٤٠٦
أوريجانوس (١٨٥-٢٥٤م)
٩٢٣١
٣٤٩
٧٧٧٨
٣٩٩
١٦٥
١٧٩٢٢
ترتيليان
(١٦٠-٢٢٠م)
٣٨٢٢
٥٠٢
٢٦٠٩
١٢٠
٢٠٥
٧٢٥٨
هيبوليتوس (١٧٠-٢٣٥م)
٧٣٤
٤٢
٣٨٧
٢٧
١٨٨
١٣٧٨
المجموع
١١٠
١١٤١
١٢.٤٤٣
٧٨٨
٦٣٧
٣١.١١٣
٤- المؤرخون: كان للمؤرخين أيضاً، الذين عاشوا في نفس الفترة الزمنية، لهم دور مهم في إثبات صحة أحداث الكتاب المقدس وقد ذكروا الكثير منها في كتاباتهم، من بين أولئك المؤرخين نجد "يوسيفوس" وهو مؤرخ يهودي كتب واحدة من أعظم المؤلفات وهي "تاريخ اليهود القديم" وفي جزئيه الثامن عشر والتاسع عشر تحدث عن "يوحنا المعمدان" وعن شخص "المسيح" ويذكر الحاكم الروماني "بيلاطس البنطي" وهو العصر الذي عاش فيه المسيح والأحداث التي يوردها إنجيليّ "متى" و"لوقا"، بالإضافة إلى مراسلات "بيليني" حاكم ولاية بيثينية - التي تقع في شمال تركيا حالياً - إلى الإمبراطور "تراجان" سنة ١١٥م وتحدث فيها عن حياة المسيح وبعض المشكلات التي أثارها اليهود مع "بيلاطس البنطي" حيث حاولوا عزله من وظيفته وتحدث عن "كريستوس" أي المسيح وحقيقة صلبه، بجانب وجود كتابات لكثير من معلمي اليهود ولكنها ضد المسيح وتحتوي على حقيقة المسيح التاريخية وكثير من أقواله التي رفضها اليهود.
هل إذا تمت مقارنة ترجمات الكتاب المقدس، بعد إعادتها إلى لغات مثل الإنجليزية أو الفرنسية، سنجد بينها نوعًا من التطابق؟
إن الدلالة الهامة لفكرة المخطوطات تنحصر في فرضية حدوث تلاعب في نصوص تلك المخطوطات في أي زمان ومكان، ففي هذه الحالة سيتم النسخ من النسخة التي تم العبث بها، ولكننا سنعود إلى المخطوطات التي تم العثور عليها وتجميعها وهي: ٢٤ ألف مخطوطة للعهد الجديد بعضها كاملة لكل العهد الجديد وبعضها لإنجيل يوحنا فقط مثل بردية جون رايلاند (بردية ٥٢) فإذا وجدنا اختلافا فالمخطوطة تثبت لنا حدوث التحريف وإذا وجدنا تطابقاً فالمخطوطة تثبت لنا استحالة التحريف، وهذا ينطبق أيضاً على الآيات المقتبسة في أقوال الآباء الأوائل المأخوذة من الكتاب المقدس، فلو كان هناك تحريفاً لوجدنا اختلافا في الآيات المقتبسة في مراسلات أولئك الآباء وهذا لم يحدث، وتم تحديد تواريخ تلك المخطوطات للتأكيد على عدم وجود اختلافات بينها رغم التفاوت في زمن كتابتها وتنوعها ما بين إنجيل يوحنا فقط والعهد الجديد كله وجزء من العهد الجديد، فعندما نجد التطابق بينها في إنجيل يوحنا ومتى ومرقس وأعمال الرسل والرسائل يصبح لدينا دليل علمي مادي يؤكد أن احتمالية حدوث تحريف للكتاب المقدس تعتبر مستحيلة، فكتابات الفلاسفة مثل أفلاطون وأرسطو لم تتعرض للتحريف رغم وجود أعداد قليلة من مخطوطات تلك الكتابات ما بين سبعة وعشرة مخطوطات ولم يشكك أحد في مدى صحتها، فكيف يكون الحال بالنسبة للكتاب المقدس الذي عثرنا له على ٢٤ ألف مخطوطة للعهد الجديد فقط.
إذا كانت مخطوطة "جون رايلاند" (بردية ٥٢)، الموجودة حاليًا في إنجلترا، وتعود إلى عام ١٣٠م وتحتوي على آيات من إنجيل يوحنا، فكيف يمكن أن يكون يوحنا قد كتبها بنفسه كشاهد عيان في وقت السيد المسيح؟
كتب يوحنا إنجيله ما بين عامي ٨٠ و١٠٠م (حوالي سنة ٩٠ أو ٩٥م)، وهو أقرب التلاميذ إلى المسيح، إذ يُلقب بـ "التلميذ الذي كان يسوع يحبه" (يو ٢١:٢٠). ولنفرض أنه كتب إنجيله عام ٩٠م، وكان عمره يقارب عمر المسيح، فإن المخطوطة التي عُثر عليها – والتي تعود إلى عام ١٣٠م – من المؤكد أنه لم يكتبها بنفسه، بل هي نُسخة من إنجيله، لأنه كان قد انتقل إلى السماوات في عام ١٠٠م.
ولا توجد النسخة الأصلية لأي مخطوطة لأية قطعة أدبية في العالم، ولكن الفارق الزمني بين كتابة إنجيل يوحنا (٩٠م) وبين المخطوطة (١٣٠م) هو ٤٠ عامًا فقط، أي ضمن نفس الجيل، حيث يُعد الجيل في المفهوم التاريخي حوالي أربعين عامًا. وهذا يجعل بردية ٥٢ تنتمي إلى الجيل الأول من نُسخ إنجيل يوحنا، مما يمنحها مصداقية كبيرة.
بالإضافة إلى ذلك، هناك مخطوطة أخرى تعود إلى عام ١٥٠م وتُطابق مخطوطة ١٣٠م، وكذلك المخطوطات اللاحقة مثل: السينائية (عام ٣٠٠م)، والفاتيكانية (عام ٣٥٠م)، والإفرايمية (عام ٤٠٠م) – وكلها تحتوي على نفس النصوص التي وُجدت في مخطوطة ١٣٠م. لهذا السبب لم يتمكن الشيوعيون من هدم المسيحية، لأن هذه المخطوطات المتطابقة تمثل دليلًا علميًا ماديًا يثبت استحالة تحريف الكتاب المقدس.
وجدير بالذكر أن جميع هذه المخطوطات موجودة ومعروضة في متاحف عالمية كبرى، مثل: المتحف البريطاني، ومتحف الفاتيكان، ودير سانت كاترين في جبل موسى. ويستطيع أي شخص أن يطّلع عليها من خلال المواقع الإلكترونية، ويمكنه رؤيتها وطباعتها. وهي مكتوبة باللغات الأصلية: العبرية، الآرامية، واليونانية القديمة، وهي لغات لا تزال تُدرَّس في الجامعات، بخلاف اللغة الهيروغليفية التي اندثرت وتحتمل معاني متعددة، لأنها كانت تعتمد على الصور والأشكال.
هل السبب وراء الادعاءات الخاصة بتحريف الكتاب المقدس يعود إلى وجود بعض الاختلافات في ترجمات الكتاب المقدس، كما ورد في سفر أيوب: فَقَالَتْ لَهُ ٱمْرَأَتُهُ: "أَنْتَ مُتَمَسِّكٌ بَعْدُ بِكَمَالِكَ؟ بَارِكِ ٱللهَ وَمُتْ!"(أي٢:٩)
بترجمة فان دايك، وفي ترجمة أخرى تقول له زوجته: "إلعن الله ومت"؟
هذه النسخ هي مجرد ترجمات وليست الأصل، فنحن لدينا ٥٧٠٠ نسخة للعهد الجديد باللغة اليونانية الأصلية وطالما أننا نحتفظ بتلك المخطوطات نستطيع أن نصحح الترجمة، فترجمة هذه الآية إلى اللغة العربية "بارك الله ومت" تختلف عن ترجمتها إلى اللغة الإنجليزية "إلعن الله ومت" وعندما نعود إلى هذه الآية في النص الأصلي العبري نجدها (إلعن الله ومت) فالمترجم لم يصدق أن زوجة أيوب قد فقدت عقلها وطلبت منه ذلك، فنحن نحتفظ بالمخطوطة الأصلية ونستطيع أن نعود إليها.
هل يستطيع أي شخص عادي ليس باحثاً أو دارساً أن يعود إلى المخطوطة الأصلية وإلى النسخة العبرية؟
يستطيع أي شخص الاستعانة بالترجمات المختلفة للكتاب المقدس من خلال تطبيق بعنوان "الكتاب المقدس بكل اللغات" ويمكن تحميله على الموبايل والكمبيوتر ويحتوي على ترجمات للكتاب المقدس إلى اللغات: العربية والإنجليزية والفرنسية والألمانية والعبرية واليونانية وغيرها، فهناك عدة ترجمات إلى اللغة العربية مثل: فان دايك والترجمة التفسيرية (كتاب الحياة) والترجمة العربية المشتركة، وغيرها، وكذلك توجد ترجمات إنجليزية الحديثة، ومنها: New International Version (NIV) و New American Standard Version (NASV) وذلك للتأكد من فهم المعنى الأصيل فالمطلوب هو البحث عن المعنى، لذلك قراءة الترجمات المختلفة للكتاب المقدس توضح وتبرز المعنى المقصود.
قبل أن تجمع المجموعة
هذا الدرس هو ٣ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.
- ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
- ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
- ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.
«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ٢٨ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً