الوصايا

الدرس ٣٠ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. الوصايا

    كيف نفهم وصايا تبدو شديدة مثل «إن أعثرتك يدك أو عينك فاقطعها»؟ هل المقصود تطبيقها حرفيًا، حتى لو أدّى لتشويه الجسد كما فعل سمعان الخراز الذي طبَّق الوصية حرفيًا عندما نظر إلى امرأة فشعر أن عينه تعثّره فقلعها بالمخراز؟، أم أنها تعبير رمزي عن ضرورة الحسم الجذري مع أسباب الخطية؟

    حسناً، لنأخذ هذه الوصية كمثال، فهي سهلة الفهم لأنَّها واضحة المعنى جدًا، أولاً، لو كان المقصود بها التطبيق الحرفي، لقال: «إن أعثرتك عيناك»، لأنَّ الإنسان لا يرى بعين واحدة فقط، وعندما يشتهي، ليست عين واحدة هي التي تشتهي فقط، بل كلاهما يشارك في ذلك، وبالتالي لا يمكن أن يميِّز الإنسان أي العينين هي التي اشتهت، فيقوم بقلع تلك العين فقط دون الأخرى، فلو كان سمعان الخراز الاسكافي يطبِّق الوصية حرفيًا، عندما نظر إلى امرأة بعينيه الاثنتين واشتهى بكلتيهما، لكان ينبغي له أن يقلع كلتا عينيه وليس عيناً واحدة كما فعل؛ إذن فليست لدينا وصية تُؤخذ على نحوٍ حرفي.

    ويشرح الربُّ يسوع المسيح ذلك عندما قال: «أنا الخبز النازل من السماء…جسدي مأكل حق، ودمي مَشرب حق»، فشعر الكثير من تلاميذه بصعوبة الوصية وصعوبة كلامه وقالوا له: «نحن لا نفهم ما تقول»، عندها أوضح لهم قائلاً: «الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة، الحرف يقتل، لكن الروح هو الذي يحيي، الجسد لا يفيد شيئًا»، فقد أعطانا الرب مقاييساً معينة هامة جداً لفهم الوصية، ويجب أن نفهم دائمًا أنَّ الرب يسوع المسيح، عندما يتحدَّث في العهد الجديد، فإنَّه يتحدَّث عن «روح وحياة»، وليس عن الحرف، لأنَّ الحرف يقتل، وبما أنَّ سمعان الخراز إنساناً بسيطاً ومُخلصاً، لذلك فعندما تصرَّف بهذه الطريقة، كان كأنَّه يقول للرب: «أنا لا أريد أن أشتهي ما هو خاطئ»، وهذا يبيِّن لنا مدى استعداده للتخلِّي عن كل ما يعثّره، أمَّا لو كان قد نفَّذ الوصية حرفيًا، لكان ينبغي له أن يقلع كلتا عينيه، وهذا ما فهمه مثله مثل الكثيرين الذين لا يفهمون المعنى الروحي العميق للوصية، ومع ذلك، فقد استخدمه الله رغم محدودية فهمه، لأنَّ الرب رأى صدقه وإخلاصه، فاستخدمه لعمل عظيم جدًا، فالمشكلة ليست في العين فهي لا تشتهي، كما أنَّ اليد أو الرجل لا تعثرنا، بل تكمن المشكلة في الشهوة الكامنة في داخلنا وهي التي تعثرنا، فعين الإنسان تعمل كالمرآة، عندما تنظر تعكس الصورة وتنقلها إلى الداخل لتُظهر ما في القلب، فالشهوة مكانها قلب الإنسان، فالرب يسوع المسيح لا يقصد المعنى الحرفي حين يقول: «إن أعثرتك يدك فاقطعها» ولا أنَّ شخصًا آخر يقطعها لك، فهو لا يتحدَّث عن حدود أو أحكام، وإنَّما يتحدث عن المعنى الروحي الأعمق: كل ما يجعل المؤمن يسقط، ويعيقه، ويفقده سلامه، ويمنعه من أن يعيش إرادة الله الصالحة، يجب أن يتنازل عنه أو يتجنبه، فعلى سبيل المثال، إذا كانت هناك علاقة خاطئة في حياة المؤمن، فما العمل؟ عليه أن يقطعها وينهيها على الفور، وإذا كان هناك مكان يُبعده عن الله، فما الحل؟ لا ينبغي أن يذهب إليه، بذلك، يعلِّمنا الكتاب المقدَّس مبدأً جوهريًا وهو: ضرورة التنازل عن كل ما يُعثرنا ويحرمنا من التمتع بعلاقة حقيقية مع الرب، فقد كان الرب يسوع المسيح ما يمكن أن نُسمّيه شخصاً راديكاليَّاً Radical أي ثوريًا وقاطعاً، غير متساهل إطلاقًا، فالحق واضح وصريح، والنور واضح وصريح، وكل ما قاله السيِّد المسيح كان واضحاً وصريحًا دون أي تخفيف، إذ يقول: "لا يقدر أحد أن يخدم سيدين الله والمال"، فلا يمكن للإنسان أن يحب الله ويحب المال معاً في الوقت نفسه (مت٦: ٢٤)، فهو يقول: لا تحبوا المال ولا تحبوا الأشياء، بل أحبوا الناس، فإذا أحببنا الناس بصدق، فلن نحب الأشياء، وإذا أحببنا الأشياء، فلن نستطيع أن نحب الناس حقًا، لماذا؟ أبسط مثال: إذا أحب الإنسان شخصًا، وكان لديه شيء يعطيه له، لكنَّه يحب ذلك الشيء، فلن يعطيه لذلك الشخص، والعكس، إذا أعجبته أشياء يملكها الآخر، فماذا سيفعل؟ سيأخذها منه، إذن، أيُّهما نختار أن نحب: الشخص أم الشيء؟ الله أم المال؟ العطاء أم الأخذ؟ بالتأكيد نحب الله والإنسان والعطاء، فالفكرة واضحة: لا يمكن جمع الأمرين معًا؛ فلا تستطيع الجمع بين المحبَّة والشهوة، ولا بين التواضع والكبرياء، فالمقصود في وصية قطع كل ما يعثر المؤمن (مر٩: ٤٣-٤٨): كونوا صارمين مع أنفسكم، واضحين وحاسمين وأقوياء، وكل ما يعثركم أي ما يجعلكم تسقطون ويعيق مسيرتكم تجاه المحبَّة والله والحق، ينبغي أن تقطعوه وتتخلَّصوا منه دون مساومة، على سبيل المثال، إذا كنت الإنسان يسير ومعه قوالب حديد في رجليه تمنعه من الحركة والسير، فهل يخفِّف منها؟ لا، بل يفكَّها تمامًا ليتمكَّن من الجري بحرية في السباق، هكذا أيضًا، لنطرح كل ثِقل والخطيَّة المحيطة بنا بسهولة، ولنحاضر بالصبر في الجهاد، فكما أنَّ الشخص الذي يجري لا يحمل معه حديدًا ولا حقيبة تثقل حركته لكي يستطيع الجري في السباق، بل يرتدي أخف الملابس ليصل بأسرع وقت ممكن، هكذا يجب أن نفهم وصايا السيِّد المسيح: الهدف ليس تطبيقها حرفيًا فقط، بل إدراك معناها الروحي العميق، وفهم ما يريد أن يقوله لنا إذ يقول: "الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة"(يو٦: ٦٣)، فالرب يطلب منَّا أن نفهم ما يقوله جيدًا.

  2. هل الله، في رحمته، يمكن أن يقضي على إنسان بسبب خطأ ارتكبه أو يجعل عقوبته أن يعيش بقية عمره في ذلٍّ دائم وهو يتذكَّر خطيَّته باستمرار (مر٩: ٤٣-٤٨)؟ وهل يحتاج المجتمع فعلًا إلى عقوبات وقوانين صارمة وواضحة - قد تصل إلى حد قطع يد السارق - حتى ينضبط ويتحقَّق الأمان؟

    أقول إنَّ حرفية هذه الوصية تُفرغها من معناها؛ لأنَّه إذا نظر الإنسان نظرة واشتهى فقلع عينًا، فالعين الأخرى قد تشتهي أيضًا، وإذا قطع يدًا فقد تسرق اليد الأخرى، فالمقصود إذن ليس التطبيق الحرفي للوصية، بل التخلي عن كل ما يعطِّل المسيرة الروحية ويعيقها ويُعثر الإنسان، أمَّا فيما يتعلَّق بمسألة القوانين والعقوبات، فهي من اختصاص الدولة، وليس للكنيسة شأن في ذلك، فالدولة تضع القانون الذي تراه مناسبًا ورادعًا، بما يتناسب مع العصر الذي تعيش فيه، فهي إذن قضية لا شأن للكنيسة بها في جوهر إيماننا المسيحي.

    ماذا يفعل من تُعثره عيناه أمام النساء في بيئة عمل تضم عارضات أزياء مثلًا، أو من دخل في علاقة عاطفية خاطئة لكنَّه مضطر إلى العمل مع الطرف الآخر؟ فإذا طبَّق مبدأ «القطع» قد يضطر إلى ترك العمل كلِّه، وربما لا يجد عملاً بديلًا؛ فماذا يفعل في هذه الحالة؟

  3. إذا قرر شخص أن يترك العمل - إمَّا لأنَّه يريد قطع العلاقة، أو لأنَّه ضعيف ويتعثَّر أمام ما يراه - فيمكنه تغيير العمل، فالله سيهتم ويجد له فرصة أخرى، لأنَّ هذه هي النقطة الجوهرية: البداية تكون بالتعامل مع القلب أولًا، أي إصلاح ما في الداخل قبل كل شيء، فإذا صُلِح قلب الإنسان فتوقفت العثرة الداخلية فذلك أمر جيد، لكن إذا بقي هناك علاقة عاطفية فهي تقيّد المؤمن، فهذا القيد يجب أن يتعامل معه؛ فيقطعه، كيف يقطعه؟ العلاقة العاطفية نفسها لن تتغيَّر بمجرَّد تغيُّر قلبه، لأنَّ العواطف ليست أزرارًا يمكن التحكم فيها داخليًا، ما يقطع العلاقة العاطفية هو الابتعاد عن مصدرها؛ أي تغيير المكان أو الظروف التي تجعله يُعثر عن طريق إيجاد مكان بديل، وإلَّا سيجعله ذلك يسقط في مسيرته الروحية.

    كيف نفهم وصية «من لطمك على خدك الأيمن فحوّل له الآخر»؟ هل يقصد بها التطبيق الحرفي بحيث لا يُقاوَم المعتدي إطلاقًا، أم أنها تحمل معنى أعمق في التعامل مع الشر؟

    مرَّة أخرى، هذا يعكس فكرة الحرفية في الوصية، لأنَّه في الجزء الآخر من التعليم يقول أيضًا: من أخذ ثوبك فاترك له الرداء أيضاً، من سخرك ميلاً فاذهب معه أيضاً ميلين، وبذلك يشير إلى أن الهدف ليس التطبيق الحرفي الجامد، فهذه هي الحرفية في الوصية، لكن ماذا يريد السيِّد المسيح أن يقول حقًا؟ لننظر إلى ثلاثة أمور متتالية: لم يقصد فقط "من لطمك على خدك"، بل يريد أن نُدرك المبدأ الكامن وراء الوصية، وهذا ما ينبغي أن يفهمه المؤمن وهو: "لا تنتقموا لأنفسكم"، فالمبدأ هو عدم الانتقام، وكذلك فإنَّ المبدأ هو: "إن جاع عدوك فأطعمه، وإن عطش فاسقه"، لأنَّك إن فعلت هذا تجمع جمر نار على رأسه، لا يغلبنك الشر اغلب الشر بالخير"، إذن، فالمبدأ واضح: من يقاوم الشر بالشر يسقط روحياً، لأنَّه بذلك يصنع الشر أيضًا، بمعنى أنَّ شخصاً يصنع شراً بشخص آخر، فإذا قاوم الشر بالشر صار شريراً أيضاً، كما يزداد الشر، فتصبح المعركة دائرة لا تنتهي، كل طرف يضرب الآخر، والخسائر متبادلة، لأنَّه لم يتعرض للضرب فحسب، بل ارتكب خطأً آخر حين ضرب بالمقابل؛ فالضرب المتبادل يحوِّله من مظلوم إلى ظالم، وهناك فرق بين الدفاع عن النفس، مثل إمساك يد المُعتدي حتى لا يؤذيني ويضربني، وبين أن أهاجمه وأضربه، إذن، ما أتحدث عنه هنا ليس التصرُّف الفعلي، بل المبدأ الأساسي نفسه، وهناك مشهد يمثِّل هذا الموقف: فقد تعرَّض أحد الأشخاص للضرب على عينه، فحوَّل الخد الآخر، وحدث ذلك أمام الناس، فشعر الشخص المُعتدي بالحرج الشديد، لأنَّه ظهر أمام الجميع من الأقوى؟ الشخص الذي يغفر لمن يسيء إليه هو الأقوى وهو هُنا المعتدى عليه، لكن الغفران يجب أن يكون عند المقدرة وليس في حالة الضعف، ومثَلنا الأعلى في هذا هو الرب يسوع المسيح، فإذا نظرنا إلى حياته نجد أنَّه لم يكن شخصًا ضعيفًا، بل كان قويًا، وكان أعداؤه الكارهون له يخافونه، لأنَّه يصنع المعجزات والآيات، وكان صارمًا وواضحًا وصريحًا ومحبوبًا في الوقت ذاته، وكذلك بولس الرسول وبطرس الرسول، فلا أحد من شخصيات العهد الجديد كان ضعيفًا على الإطلاق.

  4. هل يدعو الإيمان المسيحي إلى الاستكانة والقبول بالإهانة والضرب، أم أنَّ هذا فهم خاطئ لتعليم الرب يسوع المسيح عن عدم مقاومة الشر (مت٥: ٣٨-٣٩)؟

    ليس هذا هو المقصود من تعليم السيِّد المسيح على الإطلاق، ولكنَّه عندما ذهب إلى الصليب "ظُلم أمَّا هو فتذلَّل ولم يفتح فاه"، ففي أثناء المحاكمة، حين لَطَمَه أحدهم في البداية، لم يلتزم الصمت، بل قال له: «لماذا تضربني؟ إن كنتُ قد تكلَّمتُ ردياً فاشهد على الردي، وإن حسنًا فلماذا تضربني؟»؛ فكان سؤاله إعلانًا للحق، لا خضوعًا لظلم أو استكانة، فلماذا فعل الرب يسوع المسيح ذلك؟ لكي يبيِّن أنَّه لم يخطئ، لئلا يُؤخذ عليه أنَّه المخطئ، فقد صحَّح موقفه قائلاً ما معناه: «أنا لستُ مُخطئًا، فأنا باختياري أتحمّل الإهانة والضرب الآن، لأنَّني متجه إلى الصليب برجليّ»، إذن، لم يكن يهمُّه ما سيحدث له، لأنَّه يريد أن يتحقَّق ذلك.

    لنأخذ مثالًا آخر: بولس الرسول، فقد أُلقي القبض عليه في "فيلبّي" بسبب الروح الشرِّير الذي أخرجه من الجارية، فأمسكوه وضربوه وألقوا به في السجن، وفي السجن كان هو وسيلا يصلِّيان ويسبِّحان الله، فحدث زلزال عظيم، فانفتحت الأبواب وانفكت قيود المسجونين، وحينها أخذ بولس الرسول يكلِّمهم عن الربِّ يسوع المسيح، فتاب كثيرون وآمنوا به، أمَّا السجَّان، فلمَّا ظن أنَّ المسجونين قد هربوا، فقرَّر أن يقتل نفسه، لكن بولس الرسول أنقذه قائلاً: «لا تفعل بنفسك شيئًا رديًا، لأنَّ جميعنا ههنا»، فتأثر السجّان، وآمن وقبِل الرب يسوع واعتمد هو وكل أهل بيته، حيث أخذه السجَّان إلى بيته، وكان في استطاعة بولس الرسول أن يترك السجَّان الذي ضربه وعذّبه ليقتل نفسه، ليكون عبرة لمن يمدّ يده بالظلم، لكنَّه لم يفعل ذلك، ثمَّ فوجئوا في نهاية الأمر بأنَّه يُعلن هويته الحقيقية قائلاً: «أنا روماني» وكذلك سيلا، فكانت دهشتهم عظيمة، وقال السجَّان لبولس الرسول وهو مندهشاً ما معناه: «انت روماني؟! لماذا لم تقل ذلك منذ البداية؟ كان بالإمكان تجنُّب كل هذه المرحلة؛ لم تكن لتتعرَّض للضرب ولا للسَّجن، فبحكم جنسيتك الرومانية، لا يحق لأحد أن يمد يده عليك إلَّا بعد محاكمة عادلة، فلماذا قبلت كل ذلك؟»، لقد أراد بولس الرسول دخول السجن، وزيارة من بداخله من الناس، ونقل رسالة الإنجيل إليهم، فضحَّى بحقِّه، لكن لو كان إنسانًا ضعيفًا، لمَا كشف عن هويته الرومانية في نهاية الأمر، فهو يقول ما معناه: "لقد فعلت ذلك ليس من ضعف، بل من محبَّة"، وهذا ما يشير إليه الكتاب المقدَّس: «أن يتنازل المؤمن عند المقدرة لأنه يحب»، وهكذا تنازل الرب يسوع المسيح عند المقدرة لأنَّه اختار الصليب، تحقيقًا لمشيئة الله ولمحبَّته للبشر، فقد "ظلم أمَّا هو فتذلل" (إش٥٣: ٧)، لم يدافع عن نفسه لأنَّه يريد أن يذهب إلى الصليب، فإذن، ما هو المبدأ؟ - المبدأ كما يقول بولس الرسول: "لا تنتقموا لأنفسكم..."(رو١٢: ١٩)، ويقول أيضاً: لا تقاوموا الشر بالشر: ١٧لاَ تُجَازُوا أَحَداً عَنْ شَرٍّ بِشَرٍّ. مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ قُدَّامَ جَمِيعِ النَّاسِ. (رو١٢: ١٧)، فماذا يطلب بولس الرسول من المؤمن؟ نجده يقول: "اغلب الشر بالخير" (رو١٢: ٢١).

  5. كيف يمكن تطبيق مبدأ العفو الوارد في الوصية، عندما يكون الإنسان مغلوبًا على أمره، بلا حماية أو سلطة، ويتعرَّض للضرب والاعتداء، بحيث لا تتوافر لديه القدرة على الرد أو العفو عند المقدرة؟

    يتم ذلك من خلال أن يكون المؤمن قادراً على أن يحب، وأن ينظر إلى عينيّ ذلك المُعتدي ويقول له: «أنا أحبُّك من قلبي، وإذا جاءت الأيام بعد خروجي من هُنا ووقعت انت بين يديّ، فسأدافع عنك»، وهذا ما حدث مع السيدة الهولندية المسيحية كوري تن بوم Corrie ten Boom التي تعرَّضت للتعذيب في سجون الألمان، وعندما خرجت من السجن، بحثت عن السجَّان الذي أساء إليها وذهبت لزيارته، فالمقصود بعبارة «العفو عند المقدرة» هو أن يكون المؤمن قادرًا على أن يكره، وأن يتمنى الشر لغيره، وأن يضرب من أساء إليه عندما يقع بين يديه، لكنَّه لن يفعل ذلك، حتى أثناء تلقيه الضربات من الشخص المُعتدي أو بعد ذلك حينما تحين له الفرصة، لأنَّ المحبَّة توقف الشر، كما يقول الكتاب المقدس: «إن جاع عدوك فاطعمه، وإن عطش فاسقه».(رو١٢: ٢٠)، المحبَّة توقف الشر؛ فلا نُطفئ النار بالنار، بل نُطفئها بما يمنع اشتعالها، سواء بالماء أو بغاز ثاني أكسيد الكربون، فعندما نمنع عنها الأكسجين تنطفئ، كما جاء في تعليم السيِّد المسيح: «لا تُقاوموا الشر» (مت٥: ٣٩)، لأنَّ اليد التي تصنع الشر تلوِّث صاحبها بالشر أيضًا.

  6. كيف نفهم وصية «عدم مقاومة الشر» في ضوء تفسيرين: الأول يرى أنها تهدف لهزيمة الشر وربح المعتدي، حتى بالرد عليه لتصحيح سلوكه، والثاني يعتبرها دعوة للارتقاء وعدم رد الإهانة بإهانة؟

    أختلف معك تمامًا، فهذا ليس ما علَّمه الإنجيل، ولا ما فعله السيِّد المسيح، ولا ما قام به التلاميذ والرسل، إذا كان المؤمن قويًا، سيمسك يد الشخص المُعتدي فقط، دون أن يضربه أو يؤذيه، ويقول له: "أنا أقدر أن أمنعك من ضربي، بل وأقدر أن أؤذيك أيضًا، لكنَّني لن أفعل ذلك، فلتكمل إن أردت الضرب"، ولكن ليس بمعنى أن يهاجمه المؤمن ويضربه، وهذا هو تعليم الكتاب المقدَّس، وأنا لم أجعل الوصية حرفية على الإطلاق وليس ما أقصده أنَّني سأفعل هكذا، بل أريد أن نلتزم بالمبدأ: "لا تقاوم الشر بالشر"؛ فالضرب أو اللطم على الخد شر، والمؤمن ليس قاضيًا ليحكم على أحد، ولن يمد يده ليضرب أو ليؤذي أحدًا، ولن يجرح أحدًا، ولن يهين كرامته، ولن يشتمه، وهذا ما يخبرنا به الكتاب المقدَّس عن الرب يسوع المسيح: "إذا شُتم لم يكن يشتم عوضاً".(١بط٢: ٢١-٢٣)، فالمؤمن لا يردُّ الشر بالشر، بل يردُّ الشر بالخير، ويردُّ الكراهية بالحُب.

  7. وبالتالي، فالوصية ليست حرفية، فلا يُقصد بها أن يترك المؤمن رداءه لأحد ويذهب بدونه، ولا أن يسير ميلين فقط لا ثلاثة أميال (مت٥: ٤٠-٤١)، بل المقصود هو الفهم العميق للمبدأ والمفهوم الذي تقصده الوصية، إذ يقول الرب يسوع المسيح لتلاميذه: "الكلام الذي أكلمكم به هو روح وحياة"، ومن هذا المنطلق، يشرح الوصية بقوله: "لا تقاوموا الشر"، وبالنسبة لي، إذا رأيت شخصًا يضرب ابني، سأدافع عنه، فحين يكون صغيرًا أعلِّمه: «لا تدع أحدًا يضربك، وإذا ضربك أحد اضربه»، أمَّا عندما يكبر فأعلِّمه: «لا تضرب أحدًا»، لكي يعلم أنَّه قادر على الدفاع عن نفسه، لكنَّه يختار ألَّا يفعل ذلك، فلا أريده أن يشعر بالقهر؛ فقبل تكوين الشخصية الأخلاقية، لا يمكن منع أحد من ضربه وهو صغير، ولكنَّه يستطيع أن يدفع المعتدي بعيداً عنه، فيعرف الآخر أنَّه ليس مُباحاً للضرر، لاحقًا، يعفو برغبته ويختار ألَّا يقاوم الشر بالشر، فأنا لن أدافع عن ابني باستخدام الشر، ولن ألجأ إلى بلطجية لضرب المُعتدي، فأنا لن أضرب من يحاول الاعتداء على ابني، لكن سأمسكه وأمنعه، دون إيذائه، لأبيّن له أنَّني أحمي ابني، فعلى سبيل المثال، تعرَّض ابني للضرب من بعض زملائه بالمدرسة، لأنَّه كان متفوقًا ورفض السماح لهم بالغش في الامتحانات، فذهبت إلى المديرة (الناظرة) وقلت لها: إذا لم تستطيعي حماية ابني، فسآخذه وأنقله من مدرستك، فقد ضُرب ابني لأنَّه لم يسمح لهم بالغش، فقالت لي: "ابنتي لا تغش"، والحقيقة أن ابنتها تقوم بالغش وكذلك الطلاب الآخرين، فكان لا بُدَّ أن أتدخَّل لحماية ابني.

  8. وإذا تعرَّض المؤمن للضرب أو الإيذاء من أحد الأشخاص عند خروجه من منزله، فلا يضربه، بل يستطيع أن يلجأ إلى القانون، وإن لم يوجد من ينصفه فالله يحميه، أمّا ما حدث في لبنان، حين ردَّ بعض المسيحيين على حرق الكنائس بحرق أملاك المُعتدين، فقد أسهم ذلك في إشعال حرب أهلية استمرت إحدى عشرة عاماً؛ فمقاومة الشر بالشر ليست من تعليم الكتاب المقدَّس، والرب يسوع المسيح لم يفعل ذلك، كما أنَّ التلاميذ قُبِض عليهم وأُهينوا ومع ذلك غيَّروا العالم دون أن يلجؤوا إلى العنف، وكذلك غاندي لم يسلك هذا الطريق، أمَّا وسيلة تفريغ الغل والغضب تكون بأن يغفر المؤمن، لأنَّ الغفران يشفيه، والمحبَّة تغيّر الآخرين، فالناس تعرف جيداً الفرق بين الضعف والمحبَّة.

    كيف نفهم قول المسيح إن الإنسان لكي يكون مثمرًا يجب أن يموت كحبة الحنطة، مع دعوته للدخول من الباب الضيق واحتمال الضيق؟ هل هذا يعني حياة قاسية بلا فرح، أم أن المقصود معنى روحي أعمق؟

    أنا مختلف تمامًا مع هذا الرأي، ومتفق جدًا مع الوصية، لكن القضية الكبرى تكمن في فهمنا لها، فالكتاب المقدس يتحدَّث عن ثمر الروح، وأول هذا الثمر هو المحبَّة، ثم الفرح، ثم السلام.(غل٥: ٢٢-٢٣)، ولم يكن الأمر مقتصرًا على الفرح الروحي فحسب، إذ يُشير العهد الجديد إلى أن الكنيسة كانت تمتلئ من الفرح والروح القدس.(أع١٣: ٥٢)، وواحدة من السمات المميِّزة لكنيستنا في العبادة هي الفرح والابتهاج والموسيقى المملوءة بالفرح، وكل من يشاهد الكنيسة يرى فرحتها واضحة حتى في الأوقات الصعبة، فمثلًا في يوم رأس السنة، يُسمع الهتاف والفرح والتهليل والتصفيق والزغاريد، وهذه هي روح العهد الجديد؛ ليست الغم ولا العبوس، فالكنيسة الأولى كانت كنيسة مفعمة بالفرح، وهذا ما يجعل العالم ينظر إليها ويقول: "ما أروع حالهم!"، فقد كان "لهم نعمة لدى جميع الشعب".(أع٢: ٤٦-٤٧).

  9. فبماذا نحن فرحون؟ نحن فرحون بوجود الرب معنا، وفرحون ببعضنا البعض، وفرحون داخل الكنيسة وخارجها، أنا شخصيًا أشعر بالفرح، ويزداد فرحي بحضور الرب وسط الجماعة، وحتى في العهد القديم، عندما بكى الشعب وقت نحميا، قال لهم: «فرح الرب هو قوتكم، لا تحزنوا ولا تبكوا، بل افرحوا واحتفلوا، وامنحوا نصيبًا للناس، واجعلوا الأمر عيدًا لا مأتمًا»، وعندما قرأوا الوصية أدركوا وقالوا: «يا له من أمر عظيم! هل أخطأنا كل هذا؟» فدعاهم نحميا إلى اعتبار ذلك فرحًا لتوبتهم ورجوعهم عن الخطيَّة، وعدم تحويله إلى مأتم، فنحن بطبعنا نميل إلى تحويل الأمور إلى مأتم ونواح، بينما يريدنا الرب أن نجعلها أفراحًا، والتراث الشرقي الخاص بالترانيم يحمل نغمة حزينة، لأنَّ هذا جزء من طبيعة مجتمعنا، لكن ثمر الروح، يبدأ بالمحبَّة: محبَّة الله ومحبة المؤمن للآخرين، وما يليها دائمًا هو الفرح، فالمحبَّة تثمر وتنتج فرحًا.

    ولم يكن الرب يسوع المسيح شخصًا عبوسًا على الإطلاق، فلا يمكن أن يكون مصدر الفرح حزينًا، على الرغم من وصفه بـ "رجل أوجاع ومختبر الحَزَن"، فقد عاش الرب يسوع في عالمنا، وأتصوَّر أنَّ لدى الله نوع من الفرح في الخليقة، فحين ننظر إلى بعض الحيوانات نجد فيها خفة دم مما يثير الضحك، وتعبّر عن جمال وفرح الحياة، وهكذا، ثمر الروح يشمل المحبة والفرح والسلام (غل٥: ٢٢-٢٣)، وهذه الثلاثة هي أول ثمر الروح القدس.

  10. إذا كنا مدعوين للفرح، فلماذا يدعونا المسيح إلى «موت حبة الحنطة» والدخول من الباب الضيّق؟ هل يتعارض ذلك مع الفرح أم يشير إلى معنى أعمق؟

    إنَّ المقصود هُنا أن ننتبه إلى جوهر مشكلة الإنسان، والتي تكمن في كبريائه وأنانيته، فالمشكلة الحقيقية تكمن في داخل الإنسان، والذي يمنعه من أن يعيش علاقة صحيحة مع الله ومع الآخرين هو مركزية الذات، أي التركيز على الذات أو ما يُسمى اليوم عبادة الذات، وفي بعض المجتمعات يُقال إنَّ الإنسان يعبد ذاته بدلًا من الله ويعيش لنفسه وبنفسه، وهذا هو جوهر عبادة الذات، بينما يقول الرب يسوع المسيح: «انظروا إلى الطبيعة، فحبَّة الحنطة، إذا لم تقع في الأرض وتمت وتذوب، لن تأتي بثمر، بل تبقى وحدها». بمعنى أن من يحاول الحفاظ على ذاته يبقى وحيدًا ومنفصلًا عن الآخرين، ومن يُخلِّص نفسه يهلكها، أمَّا من يهلك نفسه يجدها، والمقصود بعبارة "يهلك نفسه" هو أن يستغني الإنسان عن ذاته، إذ يقول السيِّد المسيح: "إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه"، أي ينسى نفسه، فإذا نَسِيَ الإنسان نفسه، وتجاوز ذاتَه، وقَبِلَ أن يموت عن نفسه، وليس بمعنى أن يُميت نفسه، فحبَّة الحنطة لا تموت بمعنى انعدامها، بل تموت عن شكلها واستقلاليتها، أي يُنكر الإنسان نفسه، وينساها، ويضعها وراء ظهره، فعندما ينسى الإنسان نفسه ويتجاوزها، يتمكَّن من مقابلة الله والناس ويشعر بالفرح الحقيقي، فكلَّما خرج الإنسان من ذاته، قابَلَ الله والناس، وأحبَّ الله والناس بصدق، عندها يجد ذاته الحقيقية، ويكتشف أنَّ الله يحبُّه.

  11. هل يجب ألَّا يشعر الإنسان بالفرح بنفسه حين يقوم بأمر جيد، أو ينجح في أمر ما، أو يقدِّم شيئًا مميزًا، ويُقدِّر الناس وجوده؟ هل يُمنع عن الإنسان أن يفرح بنفسه؟

    مرة أخرى، إنَّ السعادة الحقيقية ليست في الأخذ، وإنَّما السعادة في العطاء، إذ يقتبس بولس الرسول كلمات الرب يسوع المسيح: "مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ"، وعندما يُدخل الإنسان السعادة إلى قلوب الآخرين، يزداد شعوره بالفرح بنفسه بطريقة تفوق ما يشعر به عندما يُدخل الآخرون السعادة إلى قلبه، ويجب الانتباه إلى الترتيب الذي يوضِّحه الله، فهو عكس المنطق الشائع عند الناس، إذ يظن الكثيرون: "إذا اعتنيت بنفسي سأنجح"، بينما يقول الله ما معناه: "إن التركيز على الذات وحدها يجعل الإنسان وحيدًا، وإذا حاول أن ينقذ نفسه ويحميها، سيظل محبوسًا داخل قوقعته وشرنقته، فمن يُخلِّص نفسه ويهتم بنفسه فقط، ويعيش داخل نفسه، فإنَّه يعيش في سجن حقيقي، ويصبح أنانيًا ومتكبراً ومنفصلًا عن الله والناس طوال حياته، ويصير حزيناً تعيساً، ولا يحقِّق ذاته"، أمَّا تحقيق الذات الحقيقي فيكون من خلال عطاء الذات، وحين يقول بولس الرسول: "حسنة هي الغيرة في الحسنى"، فإنَّ المقصود هُنا هو الغيرة في الحسنى، وليس الغيرة من الآخرين، ولكن عندما يتنافس الإنسان مع الآخرين ويقارن نفسه بهم، يحدث داخله أحد أمرين: إمَّا أن يشعر بالدونية وصغر النفس، وهو شعور بغيض جدًا، أو أن يشعر بالتعالي والتكبُّر على الآخرين ظناً منه أنَّه أفضل منهم، وهو شعور أيضًا بغيض جداً يجعل الناس تتضايق منه، أمَّا عندما يتخلى عن المنافسة مع الآخرين، ويخرج من ذاته، يتحقَّق الطموح الحقيقي؛ فالطموح هو المحبَّة، والطموح هو العطاء، وهذا ما نراه في الرب يسوع المسيح، عندما قال له تلميذاه: "هناك أناس يونانيِّون يريدون رؤيتك"، فأجاب: "أنا حبَّة الحنطة التي ستموت"، وعندما ماتت غيَّرت العالم بأكمله. (يو١٢: ٢٠-٢٤)، وعندما نطبِّق هذا الكلام على أرض الواقع مع الله، يظهر أنَّ مشكلة الإنسان تكمن في أنانيته وكبريائه، وانحصاره في ذاته، وأنَّه يعيش لنفسه وبنفسه، فإذا لم يقبل الإنسان أن يموت عن نفسه ليحيا لله وللناس، وإذا لم يقبل أن يتنازل عن نفسه، أن ينسى نفسه، أن يضعها وراء ظهره ليجد الله ويجد الآخرين، فسوف يعيش تعيسًا طوال حياته، وهذا ما أمارسه مع نفسي شخصياً، فأقول لسامح: "أنت تعلم أنَّك لست أهم شخص"، ففي المخيمات والأنشطة الرياضية التي نديرها، لدينا خمس قيم تتدرَّج في الأهمية، وآخر قيمة هي الأهم، نحن نقول: "أنا الثالث"؛ أي أنَّني رقم ثلاثة، أمَّا في العالم، فكل شخص يعيش لنفسه ويرى نفسه رقم واحد، فلماذا نقول "أنا رقم ثلاثة" لأنَّ الله أولًا، والإنسان الآخر ثانيًا، وأنا ثالثًا، وهذا هو تعليم الرب يسوع المسيح حين يقول: «تحب الرب إلهك، وتحِب قريبك كنفسك» أي كأنَّه نفسك، إذن، فالسؤال المطروح هو: في أيُّ مرتبة ينبغي للمؤمن أن يضع نفسه؟ والاجابة: في المرتبة رقم ثلاثة، فإذا وُضِع الشخص نفسه في المرتبة الثالثة في علاقته بزوجته، وبأولاده، وبالناس الذين يخدمهم، وفي عمله، فسوف يحقِّق نجاحًا هائلًا، ويجد ذاته، وسيحبه الناس، وسيُحقّق نجاحه في الحياة، ويصل إلى هدف وجوده، ويكتشف أنَّه يُغيّر العالم من حوله، وأنَّه يقوم بأعمال هامة جدًا، أمَّا إذا وُضِع الشخص نفسه في المرتبة الأولى، فسوف تُفسد حياته، وقد ينتهي به المطاف ليقول لنفسه: "ضاع العمر".

  12. لنفترض مثلًا أن هناك زميلين في العمل، وكلاهما يطمح إلى المنصب نفسه، وسيخوضان منافسة شريفة، لكنَّ أحدهما يعلم أنَّ زميله الآخر لديه نقطة ضعف معيّنة، ولو كشفها ستقل أسهمه ويحصل هو على المنصب، مع العلم أنَّ تلك المعلومة حقيقية وليست افتراءً، فماذا يفعل في هذه الحالة، هل ينكر ذاته ويتجاهل الأمر؟ وكيف يمكن إنكار الذات مع الاحتفاظ بالطموح؟ وماذا يُطلق على هذا التصرُّف؟

    هذا يُعدّ نموذجًا لتعليم غير مسيحي؛ فالسؤال الجوهري هو: هل السعي موجَّه نحو المنصب ذاته أم نحو مصلحة الشركة أو المؤسسة المالكة لذلك العمل؟ إذا كان الطموح منصبًّا على المصلحة الشخصية والخير الذي سيعود على ذلك الموظف، فهذا يعني أن هذا الشخص يعيش لنفسه ومنحصر حول ذاته وعينه على المنصب فقط ويريد أن يتنافس مع زملائه، أمَّا إذا كان الهدف هو تقدّم المؤسسة وازدهارها، فإنَّه يبذل الجهد لمصلحة الشركة أو المؤسسة، وقد أدركت بعض الشركات العالمية أنَّ التنافس الداخلي، الذي يهدف إلى أن يُظهر كل موظف أفضل ما لديه، يقلل نسبة المبيعات ومكاسب الشركات، فتحوّلت الشركات إلى ثقافة التعاون والعمل بروح الفريق وعدم المنافسة فيما بينهم، فازدهرت الشركات وأنتجت وحقَّقت نسب مبيعات مرتفعة، وذلك عندما أصبحت المصلحة الجماعية هي الأهم وليست المصلحة الشخصية الفردية، فتغيّرت القيم، وبدأوا في تطبيق تعليم الكتاب المقدَّس والمبادئ المسيحية، وبدلًا من أن يكون الاهتمام كما في الماضي مُنصبًّا على قيمة المبيعات التي يحقِّقها كلُّ فرد، بحيث يحصل من يحقِّق أعلى مبيعات على نسبة خاصة من الأرباح، أصبح التوجّه هو تحقيق أعلى المبيعات كفريق واحد وتوزيع الأرباح على الجميع؛ فازدادت المبيعات لأنَّهم يعملون بروح الفريق الواحد، هذه هي القيم المسيحية في جوهرها: روح الفريق، وتقديم مصلحة الشركة أو المؤسسة على المصلحة الشخصية، فعندما يعمل الموظف لصالح شركته ويتنازل عن بعض حقوقه الشخصية، ترتقي المؤسسة بأكملها، والمدير حين يختار من يستحق الترقية، سيختار من يضع مصلحة الشركة أولًا، لا من يسعى وراء مصلحته الشخصية.

  13. إذن، بدأ أسلوب العمل داخل الشركات يتغيَّر من المنافسة بين الموظفين لتحقيق أرباح فردية إلى التعاون والعمل بروح الجماعة، إذ تبيّن أنَّ النجاح يتحقَّق عندما يعمل الجميع معًا، بينما يؤدّي التنافس الداخلي بين بعضهم البعض إلى فشل الجميع، فالذاتية خطر على الإنسان والإنسانية، وفي البيت تنطبق الفكرة نفسها؛ فإذا وضع كلٌّ من الزوجين نفسه أولًا ضاعت العلاقة الزوجية، أمَّا إذا كان الله أولًا، ثم يأتي الطرف الآخر ثانيًا، ويضع كلٌّ منهما نفسه في المرتبة الثالثة، عاشا في سعادة حقيقية، هذا هو المبدأ: حبَّة الحنطة (القمح)، إذا حافظت على ذاتها بقيت وحدها ولم تأتِ بثمر، أمَّا إذا تنازلت عن ذاتها من أجل الآخر فإنَّها تُثمر، وتسعد الآخرين، وتحقِّق ذاتها في الوقت نفسه.

    هل يمكن أن تكون المنافسة مع النفس فقط؟ أي أن يسعى الإنسان إلى بذل أقصى ما لديه، لا ليتميَّز عن الآخرين، بل ليحقِّق أفضل ما خلقه الله لأجله، وأن يكون أفضل شخص بحسب الصورة التي أرادها الله له؟

    هذه العبارة تبدو جميلة، ولكن نهايتها خاطئة، لأنَّها في النهاية تتمحور وتدور حول ذات الإنسان، لذلك ينبغي تصحيحها بالقول: إنَّ المنافسة مع النفس لا تكون بهدف تمجيد الذات، بل بهدف أن يكون المؤمن هو الشخص الذي أراده الله، ليحقِّق إرادة الله ويمجِّده، عندئذٍ يدور حول الله ويصير الله مركز حياته، هذا هو جوهر الإيمان المسيحي: أن يعيش المؤمن لغاية أسمى، وأن يحيا لله، فالله أوجده بإمكانيات معيّنة ولغرض محدَّد، وهو يسعى إلى تحقيق هذا الغرض، وهذا ما يعبّر عنه بولس الرسول في تعليمه بقوله: "أسعى نحو الغرض، دعوة الله العليا في المسيح يسوع"، ويتحدَّث بولس الرسول عن «الجعالة»، أي الجائزة التي هي دعوة الله، قائلاً: إنَّه يسعى لكي يُدرك الذي من أجله أدركه المسيح، فالله دعاه لغرض، وهو يريد أن يحقِّق هذا الغرض، هذا هو تحقيق الذات الحقيقي: أن ينتهي المؤمن من حياته وقد أتمّ ما أوجده الله من أجله، تلك هي السعادة الحقيقية، لا أن يصبح أعظم شخص في نظر الناس.

  14. فقد كانت مازر تريزا مثالًا حقيقيًا لإنسانة نسيت نفسها وأعطت نفسها بالكامل لخدمة مجتمع الفقراء ومرضى الجذام وأطفال الشوارع، وفي نهاية حياتها لم تترك ثروة مادية تُذكر سوى رداء واحد وشبشب، ولكنَّها تركت تأثيرًا عميقًا في نفوس البشر، غيّرت حياة كثيرين، وتركت قدوة ومَثل وقيمة إنسانية عظيمة، لقد حقَّقت إرادة الله في حياتها، ومن أجل أن تصل إلى ذلك نسيت نفسها، فلو كانت تبحث عن راحتها الشخصية ونفسها وبيتها وزوجها وكرامتها ومكانتها الاجتماعية، لمَا ذهبت أصلًا إلى الهند، وهُنا تكمن القضية: ما هو مركز حياة المؤمن؟ أهو الذات أم الله؟، فإذا عاش المسيح في المؤمن، وكان الله هو الملك والمركز الذي يعيش الإنسان من أجله، فإن ذلك يتيح له تحقيق ذاته الحقيقية، أمَّا إذا أصبح الإنسان مركز ذاته، فلن يحقِّق ذاته، بل سيضيعها، لذلك، يُطرح السؤال الأساسي عند كل عمل: من هو الهدف الإنسان أم الله؟ هل أفعل ذلك من أجل الله، مستعينًا بقدرته، لأمجِّد اسمه فيصفق الناس له، أم لأجل نفسي وبإمكانياتي لأتلقى التصفيق من الناس؟ فالعمل من أجل الله يجلب الفرح، أمَّا العمل لأجل النفس يجعل الإنسان تعيساً.

  15. قد يكون هناك إنسان لا يفعل إلَّا ما هو سيئ، وتبدو شخصيته بأكملها مُتعبة، ولا يوجد انسجام أو توافق في علاقتنا معه، قد نستطيع أن نتعامل معه من بعيد بصورة طبيعية، لكن هل يُطلَب منَّا أن نحبُّه ونفني أنفسنا من أجله؟ أليس في ذلك نوعٌ من المبالغة؟

    لقد وضعت الوصية بطريقة واضحة المعالم، إذ يقول الرب يسوع المسيح: "تحب قريبك كنفسك"، فسأله الناموسي: "من هو قريبي؟"، فأجابه الرب يسوع بما معناه: قريبك هو كل انسان آخر، كل من نختلف معه أو نتفق معه في العقيدة أو الملة، وحكى قصة السامري الصالح، وبالتالي، فإن زوجتي قريبي، وابني قريبي، وجاري قريبي، ومن يعتنق ما أعتنق قريبي، ومن لا يعتنق ما أعتنق قريبي، فالمحبَّة تشمل الجميع، فلم تكن العلاقة بين اليهودي والسامري مجرَّد عداوة، بل كان اليهودي يحتقر السامري ويعامله بازدراء شديد، وينظر إليه نظرة فوقية قاسية، ومع ذلك، فإنَّ الذي صنع المعروف مع اليهودي لم يكن يهوديًا، بل كان السامري، ولذلك سأل الرب: «من صار له قريب؟» وكانت الإجابة: الذي صنع معه الإحسان والرحمة، ثم قال الرب يسوع: "أحبوا أعداءكم"، فعندما قال الرب يسوع: «أحبوا أعداءكم»، بدا السؤال غريباً: كيف يُحب الإنسان عدوّه الذي يكرهه ولا يطيقه؟ فالقريب قد يكون شخصًا يمكن إقامة علاقة طبيعية معه وصُنع الإحسان إليه، أمَّا العدو فهو الذي يضمر العداء ويرفض إقامة أي علاقة، لذلك أوضح الرب يسوع معنى هذه المحبَّة بقوله: «باركوا لاعنيكم، أحسنوا إلى مبغضيكم وصلّوا لأجل الذين يسيئون إليكم». (مت٥: ٤٤)، إذن فمحبَّة المؤمن للعدو هي أفعال عملية لا تقوم على المشاعر أو العلاقات الإنسانية المعتادة، وليس من بينها الجلوس ومشاركة الطعام معه، فمحبَّة العدو تُترجم إلى ثلاثة أفعال وهي: (بارك - أحسِن - صلِّي)، فماذا تعني بارك؟ أن يباركه المؤمن، أي يتمنى له الخير؛ وماذا تعني أحسِن؟ أن يُحسن إليه، أي إن احتاج إلى شيء وكان في الإمكان مساعدته فلا يُمنع عنه؛ وماذا تعني صلِّي؟ أن يُصلِّي لأجله طالبًا له البركة، فالمحبَّة هنا ليست مشاعر أو مجاملات أو لقاءات ودّية، فليس هذا هو المقصود بالمحبَّة، فمحبَّة العدو لا تعني إقامة علاقة ودّية معه أو دعوته إلى لقاء اجتماعي، فلو ذهب الإنسان إلى عدوّه ليعرض عليه الجلوس معه وشرب فنجان قهوة، فقد يرفضه رفضًا قاطعًا.

  16. هل تُعَدُّ شروط تحقيق الوصية التي وُضعت لمحبَّة العدو هي نفسها شروط تحقيق الوصية الخاصة بمحبَّة القريب؟

    أبداً، فهما مختلفان تماماً، عندما يُقال: "أحبوا أعداءكم"، فالثلاثة أفعال المذكورة - أي أن أبارك، وأن أحسِن، وأن أصلِّي لأجله - لا تنطوي على إقامة علاقات إنسانية، وإنَّما هي مجرَّد أفعال عملية، فإذا احتاج العدو إلى شيء، نقدمه له أو نرسله إليه، دون أن تكون هناك علاقة صداقة بيننا، وليس الأمر مرتبطاً بعدم رغبتنا في أن يكون صديقاً لنا، بل لأنَّه هو الذي لا يريد أن تكون بيننا صداقة، ولا يهمنا رد فعله حينئذٍ، والفرق واضح بين الحالتين، فهذه هي المحبَّة مع العدو، أمَّا مع القريب، فنحبّه كما نحب أنفسنا، فليست محبَّة فقط بل قبول أيضاً، حتى وإن كان مختلفاً معنا، نقبله كما هو، والمقصود بكلمة (نقبله) أي نتعامل معه بود، فالرب يسوع كان يقبل العشارين والخطاة، وعندما سأله الكتبة والفريسيون: "كيف تكون ابن الله وتقبل العشارين والخطاة؟"، استخدم الثلاثة أمثال الشهيرة التي وردت في إنجيل لوقا أصحاح (١٥) وهي: (الخروف الضال، الدرهم المفقود، والابن الضال)، لقد وُجّهوا التهمة إليه قائلين: «كيف تقبل العشارين والخطاة؟ كيف تقبل هؤلاء الزناة والزواني النجسين؟ كيف تقبلهم وتشاركهم الطعام وتتحدث إليهم؟ كيف تقبلهم وهم أشرار ورائحتهم كريهة؟، فقبول الآخر يعني قبول التحدُّث معه، ومشاركته الطعام، أي قبوله كإنسان، حتى وإن كان مختلفًا عنَّا كمسيحيين، فالقبول هنا يشير إلى إقامة علاقة، على سبيل المثال، إذا جاء شخص ذو مظهر غريب إلى الكنيسة، فعلينا أن نرحَّب به ونعامله بود ونقول له: "أهلاً وسهلاً".

  17. هل يمكن لوم بعض المسيحيين الذين يرفضون أصحاب الديانات الأخرى؟ فربما يظهر من الخارج أنَّهم يحبُّون ويقبلون الجميع، لكن داخليًا يفرضون قطيعة أو جمودًا تجاههم؟

    طبعًا، إذا لم يستطع بعض المسيحيين أن يقبلوا أصحاب الديانات الأخرى، فهذا يعني أنَّهم لا يشعرون بالمحبَّة تجاههم، أمَّا العدو الذي لا يقبلنا، فنحن غير قادرين على إقامة علاقة إنسانية معه من نوع الصداقة، فمحبَّتنا للآخرين لا تكون مشروطة بأن يكونوا مثلنا؛ فنحن نتمنى لهم الخير في قلوبنا، إذ نحبُّهم لأنَّهم بشر، والله يحبُّنا جميعًا، وهو يعرف من سيقبله ومن لن يقبله، ورغم ذلك فالله يحب الجميع، فالجميل في الأمر أنَّ الحُب الحقيقي يكون لذات الإنسان نفسها، وليس لحاجة أو قصد معيَّن؛ فالمحبَّة الحقيقية تعني أن نحب الإنسان لذاته، فهو يستحق المحبَّة في ذاته كونه إنسان، ونقبله كما هو، ونقبل إقامة علاقة إنسانية معه، فقد قبل الرب يسوع المسيح العشَّارين والخُطاة وكان يشاركهم الطعام، وقد تاب البعض منهم مِثل: المرأة الخاطئة، والعشَّار في مّثل الفريسيّ والعشَّار، وزكَّا رئيس العشَّارين، واللص اليمين على الصليب، والمرأة السامرية، والمرأة الزانية، والبعض منهم لم يتب، وقد قبِل الربُّ يسوع الغني الذي جاء إليه ونظر إليه وأحبَّه أيضاً، فماذا فعل الغني؟ مضى وترك الرب يسوع، إذن فالمحبَّة والقبول يرتبطان أحدهما بالآخر طالما أنَّ هذا الشخص أو ذاك لا يضمر كراهية لنا ولا يرفض إقامة علاقة إنسانية معنا، أمَّا إذا كان يضمر الكراهية لنا ولا يرغب في أي تواصل معنا، فلا نفرض أنفسنا عليه، بل (أبارك، أحسِن، وأصلِّي لأجله).

قبل أن تجمع المجموعة

هذا الدرس هو ٣٠ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.

  1. ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
  2. ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
  3. ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.

«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.

تُعرَض الصفحة الآن بإعداد قائد المجموعة. اعرِضها كدارس

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ١ بقي درسٌ واحد لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً