إسرائيل
إسرائيل
نتناول في هذه الحلقة موضوعاً شائكاً وشديد التعقيد، وهو موضوع "إسرائيل"، ذلك الموضوع الذي يثير كثيراً من التساؤلات والجدل، فلماذا يختار الله شعباً معيَّناً ويجعله شعباً مميَّزاً؟ وهل لهذا التميُّز مصداقيَّة حقيقية، إذْ إنَّ كل أمَّة وكل حضارة ترى نفسها شعباً مميَّزاً، ولديها كتاباتها التي تؤكِّد ذلك؟
إنَّها قضية كبيرة جداً، وأظن أنَّه ينبغي علينا أن نبدأ بالسؤال الأبسط: ما هي إسرائيل قديماً؟ ولماذا اختار الله شعباً من دون سائر الشعوب، ولماذا كان شعبُ إسرائيل بالذات؟، إذ قال لهم: «تكونون لي خاصَّةً وأمَّةً مقدَّسةً»، كما جاء في سفر "الخروج": ٥فَالآنَ إِنْ سَمِعْتُمْ لِصَوْتِي وَحَفِظْتُمْ عَهْدِي تَكُونُونَ لِي خَاصَّةً مِنْ بَيْنِ جَمِيعِ الشُّعُوبِ. فَإِنَّ لِي كُلَّ الأَرْضِ. ٦وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ». (خر١٩: ٥-٦).
دعونا نُجيب أولًا عن السؤال المتعلِّق بالسبب الكامن وراء هذا الاختيار، ثم ننتقل بعد ذلك إلى السؤال التالي: لماذا هذا الشعب تحديداً دون غيره؟ لقد اتفقنا على أنَّه منذ سقوط آدم ودخول الخطيَّة إلى العالم، صار العالم في حاجة إلى مُخلِّص، وأنَّ الأعمال لا تستطيع أن تُنقذ الإنسان من مشكلته الروحية والأخلاقية، لأنَّ الإنسان طبيعته فاسدة، وليس من المعقول أن تُصلح الأعمال الصالحة الفساد الكامن في داخله.
لذلك، كان الإنسان في حاجة إلى معجزة إلهية لإصلاحه من الداخل ليصير خليقة جديدة، لأنَّ الطبيعة البشرية قد فسدت، ولأنَّ ما في داخل الإنسان قد فسد، فإنَّ ما يصدر عنه حتى في أفضل صوره يظل غير صالح، وإضافة إلى ذلك، فإن الخطايا التي يرتكبها الإنسان - كما ذكرنا - يصعُب إصلاحُها، فلو افترضنا مثلاً أن إنساناً قد فقأ عينَيّ شخصٍ آخر، فهل إذا قدَّم مالاً لشخصٍ مختلف يكون قد أصلح الخطيَّة الذي ارتكبها في حق غيره؟! لا وجود لمثل هذا المنطق في الواقع، ولا يوجد حتى في القضاء الإنساني ما يقبل أن تُمحى الجرائم والسيئات السابقة بأعمال صالحة لاحقة، إذ إن الفداء يقتضي وجود الفادي، وهو الرب يسوع المسيح الذي يخلِّص شعبه من خطاياهم، إنَّه كان لا بُدَّ أن يأتي في الوقت المناسب تماماً وهو "ملء الزمان"، ولم يكن كافياً أن يأتي في الزمن المناسب فحسب، بل كان لا بُدَّ أن يأتي من شعبٍ ينتظره؛ شعبٍ يُقال له: "إنَّ المسيَّا آتٍ"، ويكون هذا الشعب أمينًا في حفظ الوحي المقدَّس والنبوَّات، لكي تتحقَّق النبوَّات ويتم ما قيل، إذ قد استؤمنوا على أقوال الله، أَمَّا أَوَّلاً فَلأَنَّهُمُ اسْتُؤْمِنُوا عَلَى أَقْوَالِ اللهِ.(رو٣: ١-٢)، لأنَّه لو جاء الرب يسوع المسيح دون أن يكون هناك شعب، لقالوا له: من أنت؟ ولماذا جئت؟ وماذا تريد أن تفعل؟ فلن يكون للأمر أيّ معنى، ما لم يكن هناك سياق واضح، وكان لا بُدَّ أن تبدأ القصة من بدايتها، ومن ثمَّ، فإن الله، لكي يحقِّق وعد مجيء المسيَّا، كان بحاجة إلى ماذا؟ إلى شعب يسير معه في مسيرة متواصلة،
ويُرسل إليه أنبياء، وهؤلاء الأنبياء يكتبون النبوَّات وتُحفَظ في سجلات هذا الشعب، إذ ليس الأمر أن يظهر نبي هنا وآخر هناك، لأنَّه مَن الذي سيجمع هذا التراث، ومَن الذي سيكون أمينًا على حفظه وتسليمه من جيل إلى جيل؟ ومن ثمَّ، كان هناك احتياج إلى شعب خاص يتعامل الله معه بطريقة خاصة، ويُعدّه إعداداً خاصاً لمجيء المسيَّا.
هل اختار الله شعب إسرائيل تحديداً دون غيره، لأنَّه أفضل من جميع الشعوب؟
لم يكونوا أفضل الشعوب على الإطلاق، لا من حيث كثرة العدد ولا من حيث كونهم بارِّين أمام الله، ولكن من أجل محبَّة الله لهم، وحفظه القسم الذي أقسمه للآباء إبراهيم وإسحاق ويعقوب، كما جاء في سفر "التثنية": ٧ليْسَ مِنْ كَوْنِكُمْ أَكْثَرَ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ التَصَقَ الرَّبُّ بِكُمْ وَاخْتَارَكُمْ لأَنَّكُمْ أَقَلُّ مِنْ سَائِرِ الشُّعُوبِ. ٨بَل مِنْ مَحَبَّةِ الرَّبِّ إِيَّاكُمْ وَحِفْظِهِ القَسَمَ الذِي أَقْسَمَ لآِبَائِكُمْ أَخْرَجَكُمُ الرَّبُّ بِيَدٍ شَدِيدَةٍ وَفَدَاكُمْ مِنْ بَيْتِ العُبُودِيَّةِ مِنْ يَدِ فِرْعَوْنَ مَلِكِ مِصْرَ.(تث٧: ٧-٨)، فالقصة تبدأ بأبينا إبراهيم؛ فكما أن الله وجد نوحاً فاختاره ليبدأ به قصة جديدة للبشرية بعد الطوفان وبعد سقوط الإنسان في شخص آدم، كذلك بدأ مع إبراهيم مساراً جديداً في تاريخ الخلاص، فقد بحث الله عن شخصٍ يُصدِّقه، فكان إبراهيم؛ وهذا التصديق هو الإيمان، لأن الخطة الإلهية للخلاص مبنية بأكملها على النعمة والإيمان، فقد اختار الله شخصاً كان مستعداً أن يُصدِّق الله، وأن إبراهيم وهو بلا طفل، يستطيع أن يُعطيه ابنًا هو إسحاق، وأن يكون له نسل، وأن تتم كل هذه الوعود، فدعاه الله أن يترك أرضه وعشيرته، وأن يذهب إلى أرض غريبة ويتغرَّب فيها، لأن هذا الشعب سيعيش في تلك الأرض، وليس مجرَّد امتدادٍ للسكان الذين كانوا يعيشون في أرض الكلدانيين، بل هو شعب جديد تماماً، سيبدأ بدايةً جديدة بالكامل، وسيأخذ موقعاً جغرافيَّاً مختلفاً عن المكان الذي كان يعيش فيه سابقاً، فكان لا بُدَّ أن يكون هناك شخص يصدِّقه، وهذا ما يُعطي معنى لقصة إسحاق، عندما طلب الرب من إبراهيم منه أن يقدِّم إسحاق مُحرقة، فقد صار لدى إبراهيم طفلاً بعد ما مضي أكثر من خمسة وعشرين سنة من وعد الرب له، وبعد أن كبر الطفل قليلاً، قال الرب له: "قدِّمه ذبيحة".
لم يتردد إبراهيم، وذهب ليقدِّم ابنه إسحاق ذبيحة، وهنا منح الله له شهادة، قائلاً لإبراهيم: "تستحق أن أقطع معكَ هذا العهد"، وعندما قال: «علمت أنك لم تمسك ابنك وحيدك عني»، أقسم الرب بذاته وقال: "إني أباركك بركة، وأكثِّرك تكثيراً، وتتبارك في نسلك جميع قبائل الأرض"، فقد قال إبراهيم لنفسه ما معناه: "لو ذبحت إسحاق، سيقيمه الله من الأموات"، كما يقول كاتب الرسالة إلى "العبرانيين": ١٧بِالإِيمَانِ قَدَّمَ إِبْرَاهِيمُ إِسْحَاقَ وَهُوَ مُجَرَّبٌ - قَدَّمَ الَّذِي قَبِلَ الْمَوَاعِيدَ، وَحِيدَهُ ١٨الَّذِي قِيلَ لَهُ: «إِنَّهُ بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». ١٩إِذْ حَسِبَ أَنَّ اللهَ قَادِرٌ عَلَى الإِقَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ أَيْضاً، الَّذِينَ مِنْهُمْ أَخَذَهُ أَيْضاً فِي مِثَالٍ. (عب١١: ١٧-١٩)، فأظهر إبراهيم إيمانه بشكل لا يقبل الشك؛ ذلك الرجل يصدِّق الله، فلم يقتصر الأمر على أنَّه ترك أهله وعشيرته وذهب إلى الأرض التي أرَاه الله إيَّاها فحسب، بل قبِل أيضاً أن يقدِّم إسحاق، الذي فيه كل المواعيد، فقال الله: «بذاتي أقسمت»، ودخل الله في عهد مع إبراهيم قائلاً: «إني سأجعلك أمَّة عظيمة»، وكان هذا العهد مع إبراهيم ليس لمجرَّد أن يُعطى له شعب، بل لكي يتبارك في نسله جميع قبائل الأرض، فليس المقصود أن تتبارك أنسالك، بل "في نسلك"، أي إن شخصاً واحداً سيأتي من صلبه داخل هذا الشعب، وبه "سيتبارك جميع قبائل الأرض"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": ١٦وَأَمَّا الْمَوَاعِيدُ فَقِيلَتْ فِي «إِبْرَاهِيمَ وَفِي نَسْلِهِ». لاَ يَقُولُ «وَفِي الأَنْسَالِ» كَأَنَّهُ عَنْ كَثِيرِينَ، بَلْ كَأَنَّهُ عَنْ وَاحِدٍ. «فِي نَسْلِكَ» الَّذِي هُوَ الْمَسِيحُ. (غل٣: ١٦)، إذن، اختار الله إبراهيم ليكون شعباُ لكي يأتي منه الرب يسوع المسيح، الذي تتبارك فيه كل الشعوب، فلم يختَر الله الشعب من أجل الشعب نفسه، بل اختاره من أجل المسيح، لكي تصل نعمة الله إلى جميع الناس، وكان هناك حاجة إلى شعب لكي يكون هناك تاريخ لإعلان الله المتدرِّج، ولكي يكون هناك عهد قديم، ولكي يكون، فيما بعد، عهد جديد.
هل تتفق مع الرأي القائل إن الرب يسوع المسيح قد جاء لليهود فقط الذين لم يقبلوه، وبعد رفضهم المستمر له، قام بتكليف التلاميذ بعد قيامته بأن يكرزوا للأمم، ومع ذلك، بقيت محبَّته وقلبه مع أولئك الذين خانوه؟
ليس صحيحاً أن الرب يسوع المسيح قد جاء لشعب إسرائيل ولليهود وحدهم، لأنَّ الوعد الذي أعطاه الله لإبراهيم هو: "ويتبارك في نسلكَ جميع قبائل الأرض"، فلم يعد اسمه أبرام، بل إبراهيم، لأنَّ الرب يقول له: "أجعلكَ أباً لجمهور من الأمم (تك١٧: ٣-٦)، فالوعد الإلهي مع إبراهيم لم يكن لنسله فقط، إذ يقول يوحنا الحبيب «إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ»، أي: جاء إلى مَن؟ إلى خاصته أولاً، وليس «فقط»، فهناك فرق جوهري بين كلمتيّ: "أولًا" و"فقط"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١١إِلَى خَاصَّتِهِ جَاءَ، وَخَاصَّتُهُ لَمْ تَقْبَلْهُ. ١٢وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ.(يو١: ١١-١٢)، فهناك فرق بين أن أقول: «أنا جئتُ إليك أولًا»، وبين أن أقول: «أنا جئتُ إليك فقط»، فالكتاب المقدَّس لم يقل «فقط»، بل قال «أولاً»، ولم يرفضه خاصته جميعهم، بل كان من بينهم مَن قبِله وآمن به، إذ إن جميع التلاميذ الاثني عشر كانوا من اليهود، فكل الذين قبلوه أعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله، أيّ المؤمنون باسمه، وذلك من خاصته من اليهود ومن غير اليهود، إذ فُتح الرب يسوع المسيح الباب للجميع، لكنَّه لم يأتِ مقتصراً على شعب إسرائيل فقط، فقد جاء الرب يسوع المسيح إلى شعب إسرائيل أولاً، لأنَّه الشعب الذي كان ينتظره، ومن خلاله كان من المفترض أن يصل إلى جميع شعوب الأرض، وعندما رفضوه ولم يقبلوه، أصبحت الرسالة موجَّهة أكثر إلى الخارج ومنها إلى الداخل، لكن لم يكن المقصود أنَّهم وحدهم فقط، وإنما هم أولاً، فقد قام بتكليف التلاميذ بعد قيامته بالكرازة للأمم فيما يعرف بـ (الإرسالية الكبرى أو التكليف العظيم)، ويؤكِّد بولس الرسول على الفكرة ذاتها بقوله: "لليهودي أولاً، ثم لليوناني". (رو١: ١٦)، ولماذا شعب إسرائيل أولاً؟ لأنهم هم من حفظوا العهد والوحي المقدَّس، وساروا طريقاً طويلاً مع الله، فوضع لهم أولوية لا أكثرية، بمعنى أن الشعب الذي كان لديه علم مسبق بالموضوع، يبلّغه أن الأمر قد تحقَّق، فلم يكن الرب يسوع ليذهب إلى الشعوب الذين لا ينتظرونه ويقول لهم: «أنا جئت»، لأنهم سيكونون في حيرة ويقولون: «من أنت؟!» لذلك، كان بولس الرسول في كل مدينة، حتى في الإمبراطورية الرومانية، يذهب أولاً إلى المجمع اليهودي، ثم إذا رفضوه، يقول: «إذن، سأذهب إلى الأمم، فقد كان لليهود الحق أن يسمعوا أولاً، لأنهم حفظوا الكلمة المقدَّسة وعاشوا بها؛ أي إنَّهم سلكوا طريقاً طويلاً، ولذلك أُعطاهم حقَّهم لأنَّهم قطعوا هذا المشوار، فهم أصحاب حق، ولا يُعقل أن يحرِمهم منه، كأنَّه استخدمهم ثم ألقى بهم جانباً، كلا، لقد أعطاهم بولس الرسول حقَّهم، أمَّا إن كانوا لا يريدون هذا الحق، فسيمنح للآخرين، فمنذ العصر الرسولي الأول، فُتح الباب أمام الأمم، وصارت الرسالة موجهة أساساً لهم. ومع انهيار أورشليم وخرابها سنة ٧٠م، وسقوط الدولة العبرية ودمار الهيكل الثاني، انتهت القصة رسمياً؛ فقد احترقت سلسلة الأنساب، وانتهى الوجود الرسمي لهذا الشعب الذي عاش في ذلك المكان.
إذن، لماذا وُجد الشعب؟ وما مغزى هذا الشعب؟ عندما اتفق الله مع إبراهيم، لم يكن هناك شعب بعد، فقال له: «سأعطيك شعباً، فنسلك سيصير أمَّة عظيمة»، فقد أنجب ابنا واحداً وهو إسحاق، بعد أن كانت سارة عاقراً لا تنجب أيّ من ممات، ومنه ستنشأ أمَّة عظيمة، وحقَّق الله وعده، فرافقهم في مسيرتهم، فنزلوا إلى مصر وتكاثروا هناك، ثم عادوا إلى أرض الموعد، حيث عاشوا وتكاثروا، لكنهم وقعوا في الخطيَّة وتلقوا التأديب مرَّات عدة، واستمرت هذه القصة الطويلة حتى مجيء الرب يسوع المسيح.
يرى بعض الناس أن هناك أولوية لشعب إسرائيل ما زالت مستمرة، ٢٩لأَنَّ هِبَاتِ اللهِ وَدَعْوَتَهُ هِيَ بِلاَ نَدَامَةٍ. (رو١١: ٢٩)، ويرون أن خطة الله هي أن يُكرم هذا الشعب ويباركه، وعندما رفضوا، فتح ذلك الطريق أمام الأمم فنشأت الكنيسة، ومع ذلك يعتقدون أن لله خطة مميَّزة باقيًة لهم، وأن ملامح هذه الخطة تحقَّقت في قيام دولة إسرائيل الحديثة، وعندما يأتي المسيح قريباً سيتمِّم جميع المواعيد، فهل يثير هذا الفهم إشكالية لنا نحن كمسيحيين؟
أنا أختلف مع هذه النظرية شكلاً وموضوعاً، لأنَّ الكتاب المقدَّس يتحدَّث بوضوح عن إسرائيل منذ مجيء المسيح: من هي إسرائيل؟ من هو الشعب الآن؟ من هو شعب الله؟ إذ ترِد آيات كثيرة في العهدين القديم والجديد توضِّح هذا الأمر بجلاء، ولا بُدَّ من مراجعة الفكرة نفسها: مع من كان العهد الإلهي؟ لقد كان مع إبراهيم، فهل كان إبراهيم من شعب إسرائيل؟ كلا، بل كان أباهم، ولم يكن هناك شعب يدعى إسرائيل في ذلك الوقت، كما أن الوعد الذي أُعطاه الرب لإبراهيم هو المسيح، والمسيح يكون بركةً لمن؟ لجميع البشر، ولذلك قال الرب لإبراهيم أنه صار "أباً لجمهور من الأمم"، ومن ثمّ، فإنَّ الخطة الأصلية هي المسيح والخلاص الموجَّه إلى العالم أجمع، لا إلى شعب بعينه، وإلَّا بدا الأمر وكأن الله يميّز بين البشر تمييزاً انتقائياً، ثم يأتي لاحقاً زمن داود، حيث نعلم أن المسيَّا هو ابن داود، ومع ذلك يقول داود في سفر "المزامير": ١قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي: اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ.(مز١١٠: ١)، وهذه هي الآية التي اقتبسها الرب يسوع المسيح وطرحها في صيغة سؤال على الفريسيِّين، كما جاء في إنجيل "متى": ٤١وَفِيمَا كَانَ الْفَرِّيسِيُّونَ مُجْتَمِعِينَ سَأَلَهُمْ يَسُوعُ: ٤٢«مَاذَا تَظُنُّونَ فِي الْمَسِيحِ؟ ابْنُ مَنْ هُوَ؟» قَالُوا لَهُ: «ابْنُ دَاوُدَ». ٤٣قَالَ لَهُمْ: «فَكَيْفَ يَدْعُوهُ دَاوُدُ بِالرُّوحِ رَبّاً قَائِلاً: ٤٤قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي اجْلِسْ عَنْ يَمِينِي حَتَّى أَضَعَ أَعْدَاءَكَ مَوْطِئاً لِقَدَمَيْكَ؟ ٤٥فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟» ٤٦فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ أَنْ يُجِيبَهُ بِكَلِمَةٍ. وَمِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ لَمْ يَجْسُرْ أَحَدٌ أَنْ يَسْأَلَهُ بَتَّةً. (مت٢٢: ٤١-٤٦)، ففي هذه الآية يتحدث داود عن المسيَّا، والسؤال: كيف يكون المسيَّا ابنَ داود، بينما داود نفسه يدعوه «ربّه»؟ إذ يقول: «قَالَ الرَّبُّ لِرَبِّي»، وهذه إحدى الآيات التي تتحدَّث عن ألوهية المسيح بوضوح شديد: الآب مع الابن، إذ إن لفظ «الرب» يشير إلى
أقنوم الآب، ولفظ «ربي» يشير إلى أقنوم الابن، وعندما سألهم الرب يسوع المسيح: ٤٥فَإِنْ كَانَ دَاوُدُ يَدْعُوهُ رَبّاً فَكَيْفَ يَكُونُ ابْنَهُ؟». (مت٢٢: ٤٥)، سكتوا ولم يستطيعوا الإجابة، لأن الإعلان الإلهي كان واضحاً: هذا المسيَّا هو من نسل إبراهيم، ثم من نسل داود، أيّ من سبط يهوذا.
ومع إن موسى كان من نسل لاوي، فقد تغيَّر السبط، وانقسمت المملكة، فصارت هناك مملكة شمالية، وأخرى جنوبية، التي كان المُلك فيها من نسل يهوذا، ذلك السبط الذي خرج منه «الأسد الخارج من سبط يهوذا»، إذ إن يعقوب اجتمع ببنيه وأخبرهم بما سيحدث لهم في آخر الأيام، ونطق بنبوَّاتٍ تحمل دلالات واضحة عن السبط الذي منه يأتي المُلك والمسيّا، وهناك آيات كثيرة تؤكِّد أن مجيء المسيح ليس فقط من سبط يهوذا، بل أيضاً من نسل داود نفسه، الذي منه يأتي المسيَّا المنتظر، اذن الحديث هنا عن المسيَّا، وليس عن شعب إسرائيل ذاته، ثم، ماذا يقول بولس الرسول؟ هناك مقطع رائع في رسالته إلى غلاطية أصحاح ٣، حيث يشير إلى أن العهد الذي قطعه الله مع موسى جاء بعد مرور ٤٣٠ سنة من الوعد الإلهي لإبراهيم، (غل٣: ١٧) ، فالعهد الذي قطعه الله مع موسى في جبل سيناء، أيّ عهد الناموس العهد القديم "لا ينسخ عهداً قد تمكن من الله مع إبراهيم" أيّ لا يُلغي ولا يبطل العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم، فالعهد الأصيل هو عهد الله مع إبراهيم، والناموس لم ينسخ هذا العهد ولم يلغِه، بل يظل العهد الأصيل هو المسيح، الذي هو محور وعد الله وخلاصه، ويرتبط الوعد الأصيل بالنعمة والإيمان، أمَّا الناموس فهو ناموس الأعمال، وليس ناموس النعمة ولا ناموس الإيمان، إذن، فالعهد الذي قطعه الله مع موسى وشعب إسرائيل في جبل سيناء لم يُلغِ الوعد الأصلي الذي قطعه مع إبراهيم، وهو وعد بشأن الرب يسوع المسيح، الذي يقول للتلاميذ في العشاء الأخير عشاء عيد الفصح: "هذه الكأس هي للعهد الجديد بدمي"، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٧وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ ٢٨لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا.(مت٢٦: ٢٧-٢٨)، فالعهد الجديد هو العهد الأصيل الذي قطعه الرب مع إبراهيم، وبالتالي لم يكن الغرض الأساسي من اختيار شعب لكي يقوم الرب بتدليله أو بتمييزه عن بقيَّة الشعوب دون غيره، بل كان الوعد الأصلي هو المسيح والعهد الجديد، الذي ابتدأ مع إبراهيم، فالمسيح قدَّم نفسه بروح أزلي. (عب٩: ١٤-١٥).
ما هو موقف شعب إسرائيل من الرب يسوع المسيح، وماذا كان موقفه تجاههم؟
دعونا نقرأ مقطعاً كتابياً هاماً قاله السيد المسيح بنفسه، وهو المثل الشهير المعروف بـ (الكَرْم والكرَّامين)، وقد أدرك اليهود أنَّه يتحدَّث عنهم، وهي قصة جميلة للغاية، تُظهِر بوضوح موقف الشعب في نظر المسيح شخصياً، إذ كان يتوجَّه بالحديث إلى رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب داخل هيكل أورشليم. (مت٢١: ٣٣-٤٦)،
فهذه هي قصة الأنبياء (عبيد رب الكرْم): إذ كان الله يرسل أنبياءه طوال الوقت إلى هذا الشعب، لكنَّهم قتلوا الأنبياء ورجم المرسَلين، حيث يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٣٧«يَا أُورُشَلِيمُ يَا أُورُشَلِيمُ يَا قَاتِلَةَ الأَنْبِيَاءِ وَرَاجِمَةَ الْمُرْسَلِينَ إِلَيْهَا كَمْ مَرَّةٍ أَرَدْتُ أَنْ أَجْمَعَ أَوْلاَدَكِ كَمَا تَجْمَعُ الدَّجَاجَةُ فِرَاخَهَا تَحْتَ جَنَاحَيْهَا وَلَمْ تُرِيدُوا. ٣٨هُوَذَا بَيْتُكُمْ يُتْرَكُ لَكُمْ خَرَاباً! (مت٢٣: ٣٧-٣٨)، ثم أرسل لهم ربُّ الكرْم ابنه (أيّ المسيح)، فالرب يسوع يتحدَّث عن نفسه هُنا، فهو يسرد القصة على هذا النحو: الآب غرس كرماً وسلَّمه إلى إسرائيل، وهم هنا الكرَّامون، تماماً كما يقول في موضع آخر: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان" يعني الفكرة ذاتها، كما جاء في إنجيل يوحنا: ٥أَنَا الْكَرْمَةُ وَأَنْتُمُ الأَغْصَانُ. الَّذِي يَثْبُتُ فِيَّ وَأَنَا فِيهِ هَذَا يَأْتِي بِثَمَرٍ كَثِيرٍ لأَنَّكُمْ بِدُونِي لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْعَلُوا شَيْئاً. (يو١٥: ٥)، وبعد ذلك أرسل عبيده ليجنوا الثمر، ليأخذ النتيجة، أيّ ليعيشوا بالبرّ والتقوى، لكنَّهم قتلوهم ورجموهم، فقال في النهاية: سأرسل ابني، لعلّهم يهابونه، فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه، وهو كما سيحدث: سيأخذونه خارج أورشليم وسيقتلونَه، فهو يتحدَّث برمز صريح وواضح، فاليهود هم الذين حكموا على أنفسهم، ولذلك فإن ملكوت الله ينزع منهم ويُعطى لأمَّة تعمل أثماره،
إذن، فالأمَّة التي ستُعطي ثمارها ستكون شعب الله، أيّ الكنيسة، التي أصبحت الأمة المختارة، والتي تصنع الثمار، والتي تؤمن وتقبل الرب يسوع المسيح، وهذا الكلام ينطبق على كل شخص يؤمن بالمسيح، ولذلك كان الوعد الإلهي لإبراهيم:"يتبارك في نسلك جميع قبائل الأرض"، كما جاء في سفر "التكوين": ١٨وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي».(تك٢٢: ١٨)، لذلك، توجد الكنيسة في جميع أنحاء العالم من كل قبيلة وأمَّة وشعب ولسان (رؤ٥: ٩)، فالوعد الذي قيل لإبراهيم إنَّه "يتبارك في نسلك جميع قبائل الأرض"، قد تحقَّق في شخص الرب يسوع المسيح، ومُجسَّد في الكنيسة، التي هي جسد المسيح، والكنيسة فعلاً هكذا: كنيسة وليست دولة، وهي توجد في كل قبيلة وأمَّة وشعب ولسان، إذ يقول الكتاب المقدَّس عن الكنيسة إنَّها شعب الله والأمَّة المقدَّسة، أيّ أنَّ الألقاب التي أُعطيت لإسرائيل في العهد القديم، أُعطيت نصاً للكنيسة في العهد الجديد، كما يؤكِّد بطرس الرسول في رسالته الأولى: ٩وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ.(١بط٢: ٩)، وهي الكلمات ذاتها التي استخدمها العهد القديم للحديث عن شعب إسرائيل، كما ورد في سفر "الخروج": ٦وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ». (خر١٩: ٦).
ما الذي يمنع أن تستمرّ الكنيسة في نوال البركة، وفي الوقت نفسه يعود شعب إسرائيل، لا بوصفه شعباً مميَّزاً فحسب، بل ليؤمن أيضاً بالمسيح فتتضاعف البركة ويصير ذلك مصدر فرح لنا، كما تشير الخطة التي تتحدَّث عنها بعض الكنائس الغربية؟
ينبغي ملاحظة أن جميع الرسل كانوا من اليهود، فبولس الرسول، الذي اضطهد الكنيسة في البداية، كان أصلاً يهوديَّاً، فالكنيسة الأولى كان جزءٌ كبيرٌ منها من اليهود والأمم، وقد اندمجوا معاً وصاروا جسداً واحداً، ومما يؤكِّد ذلك أنَّه قد حدث تذمّر من بعض الأرامل اللواتي كنّ من الدخلاء الذين تهوَّدوا، لأنَّه تم إهمالهم في الخدمة اليومية، وقد اتفقنا أن بعض اليهود قد آمن بالرب يسوع المسيح بالإضافة إلى الكثيرين من الأمم، وهذا هو الوعد الأصلي، فالرب هو أبونا ونحن أبناؤه وبناته، إذ يقول الرب: «ها أنا أقطع معكم عهداً جديداً، فتكونون لي بنين وبنات، وأكون لكم إلهًا، وأكون لكم أباً ،إذن العهد الجديد قائم على علاقة الأبوة والبنوية، وهذا ما تحقّق بالفعل في شخص الرب يسوع المسيح؛ فالذين قبلوه صاروا أولاد الله، سواء كانوا من اليهود أو من الأمم (يو١: ١٢)، ولم يعُدّ هناك فرق بين الاثنين: «ليس يهودي ولا يوناني»، إذ زال التمييز بين الاثنين، وصار الجميع في المسيح واحداً، وبذلك صرنا نحن شعب الله الجديد والأمَّة الجديدة، لكن هذه الأمَّة ليست دولة، بل هي كنيسة قائمة في كل دولة من كل قبيلة وأمَّة وشعب ولسان، وهكذا اتّضح الأمر: هذا هو ما قاله الله لإبراهيم، كما ذكرنا، وقد تحقّق بالفعل، وهو أيضاً ما قاله لداود، وقد تحقّق بالفعل، إذ يقول الرب لداود بفم ناثان النبي: "أقيم بعدكّ نسلكَ"، فالناموس لا يلغي الوعد الأصلي، فلماذا الناموس؟ ليكون مُؤدِّبنا للمسيح، ويعلّمنا حاجتنا إليه، ويؤكّد فكرة الكفَّارة والفادي، فهو جاء ليهيّئنا للمسيح، ولم يكن بديلًا عن العهد الأصلي بين الله وإبراهيم، وقد انهارت الدولة اليهودية سنة ٧٠م، وانتقلنا إلى مرحلة جديدة، وصارت الكنيسة موجودة في كل أمَّة، وقبيلة، وشعب، ولسان.
ما مدى صحة الرأي القائل إن الله قد بارك شعب إسرائيل بركة أرضية، وأن هذه البركة ما زالت سارية ومستمرة حتى بعد مجيء السيد المسيح، وبعد أن صارت الكنيسة هي شعبه، بوصف ذلك تحقيقاً للوعد الإلهي؟
يذكر التاريخ أنَّه في سنة ٧٠م تعرّضت مدينة أورشليم للدمار، ويقول المؤرخون إنها كانت مجزرة لم يشهد التاريخ مثلها، وذلك بقيادة القائد الروماني تيطس، حين حاصر مدينة أورشليم ودمَّرها، ولم يترك حجراً على حجر إلَّا ونقضه، كما سبق أن تنبّأ الرب يسوع المسيح، ويؤكِّد الرب يسوع المسيح نبوَّة دانيال عن خراب أورشليم في موعظته على جبل الزيتون، وفي العصر الحديث، خلال الحرب العالمية الثانية وما ارتكبه الرئيس الألماني النازي أدولف هتلر، فإذا افترضنا أن البركة الجسدية قد استمرت مع شعب إسرائيل، فإن ضربة تيطس ومذبحة هتلر لليهود المعروفة بـ (الهولوكوست) تُظهر عكس ذلك، إذ إنَّ ما حدث لهم نادر الحدوث بين الشعوب من حيث المعاناة المادية الواقعية، أمَّا الحديث عن أنَّهم قدَّموا للبشرية أعظم الاختراعات وأنَّهم نالوا جائزة نوبل مرَّات عديدة، فالحقيقة أن الحائزين على تلك الجوائز هم يهود من حول العالم وليسوا من دولة إسرائيل، ولذلك، ينبغي التفريق بين دولة إسرائيل واليهود، فاليهود هم أناس يدينون بالديانة اليهودية، بينما إسرائيل هي دولة قائمة في الشرق الأوسط، وعلينا الانتباه جيداً أن الحق ينبغي أن يكون كتابياً ومنطقياً (أي مُقنعاً) وواقعياً، وقد ذكرنا ثلاثة أمور هامة وهي: العهد الذي قطعه الله مع ابراهيم والمتعلِّق بالرب يسوع المسيح، والعهد الإلهي مع داود عن المسيح، بالإضافة إلى أنَّه عند مجيء المسيح لم تقبله خاصته، لكن كل الذين آمنوا به وقبلوه صاروا أولاد الله (يو١: ١١-١٢).
هل يدعم الكتاب المقدس الفكرة، التي يطرحها بعض الناس والقائلة بوجود شعبين: شعب روحي وهم الكنيسة وملكوت الله، وشعب مادي وهم إسرائيل، أم أنَّ هذه الفكرة مُجرَّد ابتكار بشري هدفه تأييد دولة إسرائيل، فيصبح لديهم مبرِّر كتابي لذلك التأييد؟
لنرى موقف بولس الرسول بشأن إسرائيل، خصوصاً أن البعض يُعلّق عليه أنَّه يقول إنَّهم ما زالوا الشعب المختار والأمَّة المختارة، وبالطبع، لم يقل الرب يسوع المسيح نفسه ذلك، بل قال بوضوح شديد: «إن ملكوت الله يُنزَع منكم ويُعطى لأمَّة تعمل أثماره، كما جاء في إنجيل "متى": ٤٢قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «أَمَا قَرَأْتُمْ قَطُّ فِي الْكُتُبِ: الْحَجَرُ الَّذِي رَفَضَهُ الْبَنَّاؤُونَ هُوَ قَدْ صَارَ رَأْسَ الزَّاوِيَةِ. مِنْ قِبَلِ الرَّبِّ كَانَ هَذَا وَهُوَ عَجِيبٌ فِي أَعْيُنِنَا؟ ٤٣لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ مَلَكُوتَ اللَّهِ يُنْزَعُ مِنْكُمْ وَيُعْطَى لأُمَّةٍ تَعْمَلُ أَثْمَارَهُ. (مت٢١: ٤٢-٤٣)، فلم يُشر إلى أيّ امتياز مستقبلي لشعب إسرائيل.
لذلك، ناقش بولس الرسول هذه القضية ثلاث مرَّات في رسائل مختلفة، وهذا يؤكِّد المعنى، لأنَّ الأمر الذي لا يتكرَّر قد لا يكون مقصود، أمَّا ما يتكرَّر بثبات عَبْر الرسائل والإنجيل والكتاب المقدَّس ككل، فهذا يدل على أن هذا هو المعنى المقصود بكل صوره المختلفة.
رسالة بولس الرسول إلى "رومية": -
يوضِّح بولس الرسول من هو شعب إسرائيل حسب الجسد ومن هو شعب الله الحقيقي أي إسرائيل حسب الموعد في أصحاح (٩)، حين يقول: ٣فَإِنِّي كُنْتُ أَوَدُّ لَوْ أَكُونُ أَنَا نَفْسِي مَحْرُوماً مِنَ الْمَسِيحِ لأَجْلِ إِخْوَتِي أَنْسِبَائِي حَسَبَ الْجَسَدِ ٤الَّذِينَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ وَلَهُمُ التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالِاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ ٥وَلَهُمُ الآبَاءُ وَمِنْهُمُ الْمَسِيحُ حَسَبَ الْجَسَدِ الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهاً مُبَارَكاً إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. ٦وَلَكِنْ لَيْسَ هَكَذَا حَتَّى إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ قَدْ سَقَطَتْ. لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ ٧وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعاً أَوْلاَدٌ. بَلْ «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ». ٨أَيْ لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ، بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً. (رو٩: ٣-٨)
فماذا يريد أن يُعلنه لنا بولس الرسول؟ هذه من الآيات الهامة التي تتحدَّث بوضوح شديد عن ألوهية المسيح، إذ يشير إلى أن الرب يسوع المسيح جاء من شعب إسرائيل بحسب الجسد لأنَّه من سبط يهوذا، وهو أيضاً «الْكَائِنُ عَلَى الْكُلِّ إِلَهاً مُبَارَكاً إِلَى الأَبَدِ»، ثم يطرح بولس الرسول السؤال الجوهري: ما الذي حدث إذن؟ «وَلَكِنْ لَيْسَ هَكَذَا حَتَّى إِنَّ كَلِمَةَ اللهِ قَدْ سَقَطَتْ»، لأنَّ الوعد الإلهي كان لهم، فهل يعني ذلك أنَّ الله قد غيّر كلامه، أو أنَّ البركة التي وعد بها لم تتحقّق؟ يجيب بولس الرسول موضِّحاً سبب عدم سقوط كلمة الله: «لأَنْ لَيْسَ جَمِيعُ الَّذِينَ مِنْ إِسْرَائِيلَ هُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ ٧وَلاَ لأَنَّهُمْ مِنْ نَسْلِ إِبْرَاهِيمَ هُمْ جَمِيعاً أَوْلاَدٌ»، بل إن الوعد الأصلي لإبراهيم كان محدَّداً بقوله: «بِإِسْحَاقَ يُدْعَى لَكَ نَسْلٌ»، إذ يعلن أنَّه «لَيْسَ أَوْلاَدُ الْجَسَدِ هُمْ أَوْلاَدَ اللهِ بَلْ أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ يُحْسَبُونَ نَسْلاً»، أيّ أولاد الإيمان لا أولاد الجسد، ومن ثمّ فإنَّ العهد الذي قطعه الله مع إبراهيم هو وعد مرتبط بأولاد الإيمان لا بأولاد الجسد، وهُنا يتضح من هو الإسرائيلي الحقيقي: إنَّه الذي يؤمن، لا من ينتمي إلى نسل إبراهيم بحسب الجسد، لأن الوعد تعلّق بإسحاق، ابن الموعد وابن الإيمان، لا بإسماعيل ابن الجسد، وهو ما يشرحه بولس الرسول لاحقاً بوضوح ودون لبس في رسالته إلى "غلاطية".
ثم يوضّح بولس الرسول أنَّه لم يعًدّ هناك فرق بين اليهودي واليوناني أيّ الأممي غير اليهودي، وذلك في أصحاح (١٠): ١٢لأَنَّهُ لاَ فَرْقَ بَيْنَ الْيَهُودِيِّ وَالْيُونَانِيِّ لأَنَّ رَبّاً وَاحِداً لِلْجَمِيعِ غَنِيّاً لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ. ١٣لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَدْعُو بِاسْمِ الرَّبِّ يَخْلُصُ.(رو١٠: ١٢-١٣)، فمنذ الآن فصاعداً لا يوجد تمييز أو فرق بين الناس، لأنَّ «رَبًّا وَاحِدًا لِلْجَمِيعِ، غَنِيًّا لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَدْعُونَ بِهِ»، فمعيار الخلاص لم يعد الانتماء الجسدي ولا العِرقي، بل دعوة اسم الرب والإيمان به، فلا فرق بعد الآن بين اليهود وغيرهم من الأمم، فكل من يدعو باسم الرب يخلص، ويصبح من شعب الله، ومن أولاد الله، ومن أولاد إبراهيم، ومن أولاد الموعد، ويشرح بولس الرسول الفكرة نفسها مرة أخرى في روميه أصحاح (١١)، حتى لا يُساء فهمها، مقدّماً شرحاً بديعاً، ويتضح من المقطع الكتابي أن رفض إسرائيل للمسيح لم يكن نهاية القصة، بل أدَّى إلى فتح طريق الخلاص للأمم، ففهمت الكنيسة الأولى أن الخلاص لم يكن مقصوراً على اليهود وحدهم، بل هو متاح للعالم أجمع، ثم يقوم بولس الرسول بشرح الفكرة بطريقة رمزية، إذ هناك زيتونة، وهذه الزيتونة كان بها أغصان قُطعت وأُزيلت، وأنتم أيُّها الأمم، الذين لستم يهوداً، كنتم كزيتونة بريَّة طُعِّمتم فيها، فأصبحتم شُركاء في أصل الزيتونة ودسمها، إذن، على سبيل المثال: أنا الذي لست يهودياً، أنا مصري وقد آمنت بالرب يسوع المسيح، فطُعِّمت في أصل الزيتونة، فمن هو أصل الزيتونة؟ إبراهيم، فهو أبو المؤمنين، الذي أنجب إسحاق وذلك النسل، أمَّا الذين لم يؤمنوا منهم، فقد قُطِعوا وأُزيلوا من الزيتونة، فعلى المؤمنين من الأمم أن يكون لديهم مهابة ومخافة فلا يستكبرون، لأنَّهم إن لم يثبتوا في عدم الإيمان أيّ إذا رجعوا عن عدم الإيمان وصاروا مؤمنين، فإنَّهم سيُطعَّمون في الزيتونة مرَّة أخرى، لأنَّ الله قادر أن يُطعِّمهم أيضاً، إذن، هناك زيتونة واحدة: الكنيسة، وهي تمثل أولاد إبراهيم، فالذي لم يؤمن يُزال منها، والذي يؤمن يُغرس فيها.
فما الذي يؤكِّد أنَّها زيتونة واحدة، شعب واحد، أمَّة واحدة، وكنيسة واحدة دون تفرقة؟ إذ يقول الرب يسوع المسيح: خِرَافِي تَسْمَعُ صَوْتِي وَأَنَا أَعْرِفُهَا فَتَتْبَعُنِي.(يو١٠: ٢٧) ، وهو يتحدَّث عن الذين آمنوا من اليهود، ثم يقول في موضع آخر، كما ورد في الإنجيل ذاته: ١٦وَلِي خِرَافٌ أُخَرُ لَيْسَتْ مِنْ هَذِهِ الْحَظِيرَةِ يَنْبَغِي أَنْ آتِيَ بِتِلْكَ أَيْضاً فَتَسْمَعُ صَوْتِي وَتَكُونُ رَعِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَرَاعٍ وَاحِدٌ.(يو١٠: ١٦)، وبذلك يتضح أنّ الخلاص لم يكن مقصوراً على اليهود وحدهم، حيث يقول: "فتكون رعية واحدة وراعٍ واحد"، إذن، الذين من خلفية يهودية آمنوا به، والذين من خلفية غير يهودية آمنوا به، فماذا يريد الله منهم؟ أن يكونوا رعية واحدة لراعٍ واحد، فهي زيتونة واحدة ورعية واحدة، الذي يؤمن يصبح جزءاً منها، والذي لا يؤمن، سواء كان يهودياً أو غير يهودي، يُزال ويُقطع منها، أمَّا النظرية الأخرى التي يطرحها البعض، القائلة بوجود شعبين: شعب حسب الجسد وآخر حسب الإيمان، وأن الله يباركهم جسدياً لأنَّهم أولاد الجسد، ويباركنا روحياً لأنَّنا أولاد الروح والإيمان، فأين ذكرت هذه النظرية؟! فنحن لا نجد لها أثر في الكتاب المقدس.
لقد تحدثنا عن رسالة بولس الرسول إلى رومية، التي تشرح مفهوم شعب الله الحقيقي بوصفهم أولاد الإيمان وليس أولاد الجسد، فهي زيتونة واحدة، فماذا عن رسالتيّ غلاطية وتسالونيكي الأولى، ورسالة بطرس الرسول الأولى اللاتي تؤكِّد الفكرة ذاتها؟
أود أن أؤكِّد هذه الحقيقة مرَّة أخرى، لأنَّه للأسف، ما يُقال اليوم يُعرف بالمسيحية الصهيونية، وهي نظرية صهيونية دخلت إلى الإيمان المسيحي لتعضيد دولة إسرائيل، وبالطبع ليس كل مسيحي صهيوني، لكن هذه الفكرة أدخلت السياسة إلى الدين، وهذا يشوِّه إيماننا المسيحي وموقفنا البريء من أيّ انحياز لدولة عدوانية تسلب الأرض والشعب وتقهر الناس وتأخذ حقوقهم بالباطل، لذلك، نريد أن نتأكَّد: هل الكتاب المقدس يؤكد ما أقوله، أم أنني أحمِّل الكلام أكثر من معناه؟ لنأخذ مقطعاً كتابياً بالغ الأهمية من رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية"، الذي كثيراً ما يُتهم اليوم أنَّه هو أصل الفكرة، بينما الحقيقة أنَّه على العكس تماماً، وفي رأيي، لو كان بولس الرسول موجوداً اليوم، لكان اليهود قد رجموه، واعتبروه ضد السامية، وحُوكم وتمت المطالبة بقطع رأسه.
يقول بولس الرسول: ٢١قُولُوا لِي، أَنْتُمُ الَّذِينَ تُرِيدُونَ أَنْ تَكُونُوا تَحْتَ النَّامُوسِ، أَلَسْتُمْ تَسْمَعُونَ النَّامُوسَ؟ ٢٢فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ أَنَّهُ كَانَ لِإِبْرَاهِيمَ ابْنَانِ، وَاحِدٌ مِنَ الْجَارِيَةِ وَالآخَرُ مِنَ الْحُرَّةِ. ٢٣لَكِنَّ الَّذِي مِنَ الْجَارِيَةِ وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ، وَأَمَّا الَّذِي مِنَ الْحُرَّةِ فَبِالْمَوْعِدِ. ٢٤وَكُلُّ ذَلِكَ رَمْزٌ، لأَنَّ هَاتَيْنِ هُمَا الْعَهْدَانِ، أَحَدُهُمَا مِنْ جَبَلِ سِينَاءَ الْوَالِدُ لِلْعُبُودِيَّةِ، الَّذِي هُوَ هَاجَرُ. ٢٥لأَنَّ هَاجَرَ جَبَلُ سِينَاءَ فِي الْعَرَبِيَّةِ. وَلَكِنَّهُ يُقَابِلُ أُورُشَلِيمَ الْحَاضِرَةَ، فَإِنَّهَا مُسْتَعْبَدَةٌ مَعَ بَنِيهَا. ٢٦وَأَمَّا أُورُشَلِيمُ الْعُلْيَا، الَّتِي هِيَ أُمُّنَا جَمِيعاً، فَهِيَ حُرَّةٌ. ٢٧لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «افْرَحِي أَيَّتُهَا الْعَاقِرُ الَّتِي لَمْ تَلِدْ. اهْتِفِي وَاصْرُخِي أَيَّتُهَا الَّتِي لَمْ تَتَمَخَّضْ، فَإِنَّ أَوْلاَدَ الْمُوحِشَةِ أَكْثَرُ مِنَ الَّتِي لَهَا زَوْجٌ». ٢٨وَأَمَّا نَحْنُ أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَنَظِيرُ إِسْحَاقَ، أَوْلاَدُ الْمَوْعِدِ. ٢٩وَلَكِنْ كَمَا كَانَ حِينَئِذٍ الَّذِي وُلِدَ حَسَبَ الْجَسَدِ يَضْطَهِدُ الَّذِي حَسَبَ الرُّوحِ، هَكَذَا الآنَ أَيْضاً. ٣٠لَكِنْ مَاذَا يَقُولُ الْكِتَابُ؟ «اطْرُدِ الْجَارِيَةَ وَابْنَهَا، لأَنَّهُ لاَ يَرِثُ ابْنُ الْجَارِيَةِ مَعَ ابْنِ الْحُرَّةِ». ٣١إِذاً أَيُّهَا الإِخْوَةُ لَسْنَا أَوْلاَدَ جَارِيَةٍ، بَلْ أولاد الحرة. ((غل٤: ٢١-٣١).
وهنا يدحض بولس الرسول تعليماً انتشر في كنائس غلاطية ينادي بالعودة إلى الناموس أولاً ثم الإيمان بالرب يسوع المسيح، حيث يخاطبهم متسائلاً: أما سمعتم ما يقوله الناموس؟ أنتم الذين تريدون أن تكونوا ناموسيين ثم تؤمنوا بالرب يسوع المسيح، ويبدأ في شرح الفكرة، فالناموس، أيّ شريعة موسى، يُعلن أنَّه كان لإبراهيم ابنين: واحداً من الجارية اسمه إسماعيل، وواحداً من الحرَّة اسمه إسحاق، أمَّا الذي من الجارية فقد وُلِدَ حسب الجسد، أيّ بقدرة بشرية عادية، إذ إنَّ إبراهيم لم يكن عاقراً، وكانت هاجر شابة قادرة على الإنجاب، فولدت إسماعيل، بينما الذي من الحرَّة فقد وُلِدَ بوعد، أيّ بمعجزة إلهيَّة، إذ جاء إسحاق من سارة وهي في التسعين من عمرها، بعد أن كانت عاقراً وانقطعت عنها عادة النساء، فكان الميلاد بقوة الوعد لا بقوة الجسد.
يقدِّم بولس الرسول هاجر وسارة بوصفهما رمزين لعهدين مختلفين: العهد القديم، أيّ ناموس موسى، والعهد الجديد الذي يمثله الإنجيل والمسيح، لأن هاجر من العربية من سيناء، فهي ترمز إلى جبل سيناء حيث أُعطي الناموس في سيناء، ويقابله اليوم ما يسمِّيه بولس الرسول «أورشليم الحاضرة»، إذ هي مستعبدة مع بنيها؛ أيّ إن أورشليم المادية وشعب إسرائيل بحسب الجسد يُرمَز إليهم بهاجر لا بسارة، لأن أمّهم الروحية هي هاجر، بوصفها رمزاً للعهد القديم القائم على الناموس، وهكذا يتكوَّن خط واحد: إسرائيل بحسب الجسد، والناموس، وأورشليم الحاضرة، وهاجر، أمّا «أورشليم العليا» السماوية، التي هي أمّنا جميعاً، فهي حرَّة، وقد سبق "إشعياء" فدعاها «العاقر التي لم تلد»، أيّ سارة، ونحن، بحسب تعليم بولس الرسول، نظير إسحاق أولاد الموعد، أيّ أولاد العهد الجديد المؤمنين بالرب يسوع المسيح، سواء كنَّا من اليهود أو من الأمم، فنحن أولاد إسحاق أولاد سارة، وكما اضطهد الذي وُلد حسب الجسد، أيّ إسماعيل، الذي وُلد حسب الروح، أيّ إسحاق، هكذا يحدث الآن أيضاً؛ ولذلك لا يرث إسرائيل بحسب الجسد مع أولاد الله بالإيمان بالرب يسوع المسيح، إذ يقول الكتاب: «اطرد الجارية وابنها»، أيّ إن أبناء النسل الجسدي المرتبطين بأورشليم الحاضرة لا يرثون مع أبناء الحُرّة، أولاد إسحاق، الذين هم الكنيسة وشعب الله الحقيقي. ويخاطب بولس الرسول أهل تسالونيكي وهي مقاطعة رومانية في أوروبا في اليونان حالياً، وهم المؤمنين من الأمم قائلاً: ١٤فَإِنَّكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ صِرْتُمْ مُتَمَثِّلِينَ بِكَنَائِسِ اللهِ الَّتِي هِيَ فِي الْيَهُودِيَّةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، لأَنَّكُمْ تَأَلَّمْتُمْ أَنْتُمْ أَيْضاً مِنْ أَهْلِ عَشِيرَتِكُمْ تِلْكَ الآلاَمَ عَيْنَهَا كَمَا هُمْ أَيْضاً مِنَ الْيَهُودِ، ١٥الَّذِينَ قَتَلُوا الرَّبَّ يَسُوعَ وَأَنْبِيَاءهُمْ، وَاضْطَهَدُونَا نَحْنُ. وَهُمْ غَيْرُ مُرْضِينَ للهِ وَأَضْدَادٌ لِجَمِيعِ النَّاسِ ١٦يَمْنَعُونَنَا عَنْ أَنْ نُكَلِّمَ الأُمَمَ لِكَيْ يَخْلُصُوا حَتَّى يُتَمِّمُوا خَطَايَاهُمْ كُلَّ حِينٍ. وَلَكِنْ قَدْ أَدْرَكَهُمُ الْغَضَبُ إِلَى النِّهَايَةِ. (١تس٢: ١٤-١٦)، حيث يوضِّح بولس الرسول أن الذين من اليهود وآمنوا بالرب يسوع المسيح في منطقة اليهودية يُضطهدون من قِبل اليهود، أمَّا المؤمنون من الأمم، فيُضطهدون أيضاً من قِبل الأمم أيّ من أهلهم وعشيرتهم، فاليهود هم الذين قتلوا الرب يسوع المسيح، ويُعدّون أضداداً لجميع الناس، مُعتبرين أن كل الناس أعداء لهم.
وعندما نقرأ رسالة بطرس الأولى، إذ يخاطب الكنيسة، نجد أنَّه يلقَّب الكنيسة بكل الألقاب التي كانت تُطلق على الشعب القديم، كلمةً كلمةً، فقد نُقلت وأُطلقت على الكنيسة في العهد الجديد: ٩وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجِنْسٌ مُخْتَارٌ، وَكَهَنُوتٌ مُلُوكِيٌّ، أُمَّةٌ مُقَدَّسَةٌ، شَعْبُ اقْتِنَاءٍ، لِكَيْ تُخْبِرُوا بِفَضَائِلِ الَّذِي دَعَاكُمْ مِنَ الظُّلْمَةِ إِلَى نُورِهِ الْعَجِيبِ.(١بط٢: ٩)، تماماً كما تكلَّم الرب مع موسى، كما جاء في سفر "الخروج": ٦وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي مَمْلَكَةَ كَهَنَةٍ وَأُمَّةً مُقَدَّسَةً. هَذِهِ هِيَ الْكَلِمَاتُ الَّتِي تُكَلِّمُ بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ». (خر١٩: ٦).
لماذا انتهجت الكنيسة الغربية موقفاً داعماً لدولة إسرائيل، بينما اتّسم موقف كثير من المسيحيين في الشرق الأوسط بالتحفّظ تجاه القضية الفلسطينية، على الرغم من عدالتها ونبلها، ولا سيما بعد تقديمها بوصفها قضية إسلامية بحتة، مما دفع بعض المسيحيين إلى التعامل معها بالتجاهل أو اللامبالاة أو الحذر والخوف، خاصة في ضوء ما تعرّض له بعضهم من اضطهاد أو ظلم؟
تقوم النظرية القائلة إنَّ هؤلاء هم «شعب الله» على أفكار ظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، ولا سيّما في نهايات القرن التاسع عشر، وهو ما مهَّد الطريق لوعد بلفور بإعطاء اليهود حقّ العودة، وهذه هي الصهيونية المسيحية التي أعادت طرح فكرة أن هذا الشعب هو شعب الله، وأن من حقّه أن يعود إلى الأرض، وأنها أرضه، إلى غير ذلك من الطروحات، وهو ما ساهم في تحقيق وعد بلفور عملياً، وبدء مشروع إعادة الشعب، مع دعمٍ غربي واضح لهذه الفكرة، غير أن هذا في جوهره أمر سياسي بحت، ومشروع سياسي خالص، والمأساة الحقيقية أن بعض الكنائس الغربية بدأت تنظر إلى هذه الفكرة على أنَّها حقيقة كتابية، من دون سند كتابي واضح، فقد طُرحت في البداية أفكار بتوطين اليهود في أماكن أخرى كالبرازيل، ثم قيل: لا، بل فلسطين، حتى يكون للأمر بُعد ديني، وهكذا اختلط الدين بالسياسة، وللأسف، تبنَّت بعض الكنائس الغربية هذه الفكرة، وراحت تقول: «نعم، هؤلاء هم شعب الله، وعلينا أن نؤيدهم، لأن الكتاب يقول: "أبارك مباركيك وألعن لاعنيك"، لذلك أرادوا أن يباركوا إسرائيل لكي يباركهم الله كما يعتقدون، لكن هل هؤلاء هم حقاً شعب الله؟ إنَّهم - بحسب الوصف الكتابي - الذين قتلوا الرب يسوع المسيح، وقتلوا أنبياءهم، واضطهدوا الرسل، ويمنعون التبشير، وهم أضداد لجميع الناس (١ تس٢: ١٤–١٦).
فلا ينبغي لنا أن نقف إلى جانب إسرائيل سياسياً، بل أن نكرز لهم بالإنجيل كما نكرز لجميع الناس، نكرز لليهودي وللأممي، فلا توجد قضية عادلة تجعلنا نتبنى موقفاً سياسياً لهم، للأسف، دخل هذا الفكر كنظرية مسيحية جعلت بعض الكنائس الغربية تتبناه وتدعمه سياسياً تحت غطاء تحقيق الإرادة الروحية لله، وارتبط بمفهوم المُلك الألفي، وظهرت في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، بينما كانت القرون السابقة بريئة من هذا الفكر، وقد ظهرت مرَّة واحدة في القرن الثالث أو الرابع وحوربت واعتُبرت بدعة واختفت، إلى أن عادت للظهور مجدَّداً في القرن التاسع عشر، وحتى قبل وصول الإسرائيليين، كانت نسبة المسيحيين في فلسطين تتجاوز ٢٥% من عدد السكان، خاصة في الأماكن المقدَّسة مثل بيت لحم والقدس، لكن نتيجة الاضطهاد الذي وقع عليهم من اليهود ومن المسلمين، هاجر معظمهم وأصبحت نسبتهم اليوم حوالي ٢% فقط، فالقضية لم تكن في الأصل قضية إسلامية بحتة، لكنَّها اليوم تأخذ الطابع الديني مع مطالبة اليهود بدولة عبرية خالصة، فصار الصراع ملوَّناً بالبعد الديني، وصار الدين أداة لتحقيق مكاسب سياسية، وهذا يتعارض تماماً مع إيماننا ومبدأ فصل الدين عن الدولة، فالسياسة لا شأن لها بالدين، والدين لا شأن له بالسياسة.
ما هو موقفنا - كمسيحيِّين - من الظلم الواقع على الفلسطينيين، الذين طُردوا وهُجّروا من أرضهم؟
أرى أن الكنيسة ينبغي أن تقف إلى جانب حقوق الإنسان، فلهذا الشعب حقٌّ في هذه الأرض، وقد اُمتهنت كرامته، واغتُصِبت أراضيه، وحُرِم من حقِّه في وطن، رغم أن الأمم المتحدة أقرَّت له بهذا الحق، إلَّا أن كثيرين يرفضون منحه إيَّاه، بل إنَّ إسرائيل تُعَدّ من أكثر الدول مخالفة لقرارات الأمم المتحدة دون مساءلة أو عقاب، وأنا بوصفي متكلِّماً مسيحياً دولياً أقول هذا الكلام في الغرب، وإن قوبل بالرفض، لأنَّ قراءة الشواهد الكتابية بهذا الترتيب تفتح أعين البعض فيقولون: «لم نقرأ الكتاب المقدس بهذا المعنى من قبل»، ومع أنَّ لنا أصدقاء في الغرب يؤمنون بهذا الرأي وينادون به، إلَّا أن الصهيونية هناك قد سيطرت على أقوى أداتين اليوم وهما: الإعلام والاقتصاد، فتمارس غسيل أدمغة واسع النطاق، لكن من يزور الأراضي المقدسة ويذهب إلى فلسطين لا إلى إسرائيل يكتشف الحقيقة، ويرى كيف تُغتصب الحقوق الإنسانية علناً، إذ يُقام جدار فاصل يفصل الإنسان عن بيته وأرضه في ليلة واحدة، فتُنتزع منه أرضه التي يعيش منها دون تعويض مالي، في مشهد يجري أمام أنظار المجتمع الدولي بلا اعتراض، لذلك وبضمير مسيحي نعلن أنَّ ما يحدث هو ظلم صارخ، وننادي به ونجهر به، مع إدراكنا أن هذا الموقف محفوف بالمخاطر، لأن الصهيونية لها قوة وبطش، ومن يقف في مواجهتها قد يتعرض للأذى، ورغم ذلك، فنحن لا نصمت، وذلك لأنَّني أرغب في توصيل الحقيقة إلى الغرب وتصحيح المفاهيم الخاطئة لديهم، المشكلة أنَّنا، كمسيحيين إنجيليين، نواجه اتهامات بأنَّنا تابعون للكنيسة الغربية، بينما نحن في الحقيقة طائفة مشيخية، وهذه الطائفة في الغرب من بين القلائل الذين يرفضون هذا الفكر شكلاً وموضوعاً.
ما الرسالة التي توجّهها للمسيحيين- خاصة العرب- الذين يشعرون بالعجز تجاه الظلم في فلسطين أو بأنهم متَّهمون بأنهم جزء من المشكلة؟
الرسالة التي أودّ توصيلها هي أن الفهم الصحيح لكلمة الله هو الأمل لتصحيح الأوضاع الخاطئة وإرجاع الحق إلى صاحبه، والمخرج من المأزق الذي نحن فيه، وأنا، نيابة عن الكنيسة، أطالب المجتمع الدولي بأن يمنح الشعب الفلسطيني حقَّه الشرعي في الحياة، وأن يقف ضد ظلم إسرائيل للفلسطينيين، فالشعب الفلسطيني موجود منذ أيَّام داود، وأعتقد أنَّه تاريخياً وجغرافياً يكاد يكون نفس الشعب، فاليهود الذين يعيشون اليوم في إسرائيل لا يستطيعون إثبات نسبهم بإسرائيل، لأن سجلات الأنساب قد حُرقت في سنة ٧٠م، وكثير من اليهود الحاليِّين في إسرائيل، الذين جاءوا من الحبشة (أثيوبيا) أو روسيا، ليس لهم أيّ صلة تاريخية بشعب إسرائيل القديم، فهم يهود بالديانة فقط، وليسوا من نسل إسرائيل الأصلي كجنس Race، لذا لا يمكن اليوم الادَّعاء بأنَّهم يمثلون الشعب القديم بعد مرور آلاف السنين، ومع ذلك، حتى في أيَّام داود، أمر الله شعب إسرائيل بالحفاظ على الشعب الفلسطيني، وقد دافع الرب عن حق الفلسطينيين، قائلاً لهم ما معناه: "لا تُفَنّوا هذا الشعب، أريد أن يظل موجوداً"، فعندما وعد الله الشعب بالأرض أعطاهم الأرض كلها، بما في ذلك أرض أبيمالك أيّ مدينة جرار، والتي كان يسكنها أقطاب الفلسطينيين الخمسة، غير أن الرب ترك بعض الأمم ليمتحن بهم شعب إسرائيل، كما جاء في سفر "القضاة": ١فَهَؤُلاَءِ هُمُ الأُمَمُ الَّذِينَ تَرَكَهُمُ الرَّبُّ لِيَمْتَحِنَ بِهِمْ إِسْرَائِيلَ, كُلَّ الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوا جَمِيعَ حُرُوبِ كَنْعَانَ ٢(إِنَّمَا لِمَعْرِفَةِ أَجْيَالِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِتَعْلِيمِهِمِ الْحَرْبَ. الَّذِينَ لَمْ يَعْرِفُوهَا قَبْلُ فَقَطْ) ٣أَقْطَابُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ الْخَمْسَةُ وَجَمِيعُ الْكَنْعَانِيِّينَ وَالصَّيْدُونِيِّينَ وَالْحِّوِيِّينَ سُكَّانِ جَبَلِ لُبْنَانَ مِنْ جَبَلِ بَعْلِ حَرْمُونَ إِلَى مَدْخَلِ حَمَاةَ. ٤كَانُوا لاِمْتِحَانِ إِسْرَائِيلَ بِهِمْ، لِيُعْلَمَ هَلْ يَسْمَعُونَ وَصَايَا الرَّبِّ الَّتِي أَوْصَى بِهَا آبَاءَهُمْ عَنْ يَدِ مُوسَى. (قض٣: ١- ٤) و(قض٢: ٢٠-٢٣)، فلم يأمر الرب بإبادة شعب فلسطين، كما جاء في سفر "صموئيل الثاني": ١٩وَسَأَلَ دَاوُدُ مِنَ الرَّبِّ: «أَأَصْعَدُ إِلَى الْفِلِسْطِينِيِّينَ؟ أَتَدْفَعُهُمْ لِيَدِي؟» فَقَالَ الرَّبُّ لِدَاوُدَ: «اصْعَدْ لأَنِّي دَفْعاً أَدْفَعُ الْفِلِسْطِينِيِّينَ لِيَدِكَ». (٢صم٥: ١٩).
قبل أن تجمع المجموعة
هذا الدرس هو ٢٦ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.
- ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
- ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
- ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.
«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ٥ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً