أنا مُخير أم مُسير؟
الانسان مخيَّر أم مسيَّر؟
هل رفض فكرة «القضاء والقدر» يضعف الإيمان المسيحي، أم يمكن الإيمان بالله دون اعتبار كل ما يحدث في حياتنا مكتوبًا ومقرّرًا سلفًا منه؟
أنا أرفض فكرة القضاء والقدر رفضاً قاطعاً، وأعتبر موقفي ثورياً تجاهها؛ لأنّها لا تعبّر عن الإيمان المسيحي ولا عن ما يعلّمه لنا الكتاب المقدس، لا في العهد القديم ولا في العهد الجديد، فهذه الفكرة لا تمثّل القانون الأخلاقي الذي وضعه الله للتعامل مع الإنسان، وكما ذكرنا في حلقات سابقة عن موضوع الخطيَّة، فقد أعطى الله الإنسان حرية الاختيار، ولذلك فهو مسؤول عن اختياراته ونتائجها، وهذا المبدأ لا يقتصر على ما حدث في جنة عدن فحسب، حين أوصى الله آدم بعدم الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، إذ اختار أن يأكل منها هو وحواء امرأته، فقد أكلت حواء أولاً وأعطت آدم ليأكل بعد أن أغوتها الحيَّة أي إبليس، كما جاء في سفر "التكوين": ١٦وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً ١٧وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ». (تك٢: ١٦-١٧)، ويضيف سفر "التكوين": ٦فَرَأَتِ الْمَرْأَةُ أَنَّ الشَّجَرَةَ جَيِّدَةٌ لِلأَكْلِ وَأَنَّهَا بَهِجَةٌ لِلْعُيُونِ وَأَنَّ الشَّجَرَةَ شَهِيَّةٌ لِلنَّظَرِ. فَأَخَذَتْ مِنْ ثَمَرِهَا وَأَكَلَتْ وَأَعْطَتْ رَجُلَهَا أَيْضاً مَعَهَا فَأَكَلَ. ٧فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ. (تك٣: ٦-٧)، بل يتكرر الحديث عن حرية الاختيار التي أعطاها الله للإنسان أيضاً في مواضع أخرى، كما نقرأ في سفر التثنية حين يقول الرب: ١٩أُشْهِدُ عَليْكُمُ اليَوْمَ السَّمَاءَ وَالأَرْضَ. قَدْ جَعَلتُ قُدَّامَكَ الحَيَاةَ وَالمَوْتَ. البَرَكَةَ وَاللعْنَةَ. فَاخْتَرِ الحَيَاةَ لِتَحْيَا أَنْتَ وَنَسْلُكَ ٢٠إِذْ تُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ وَتَسْمَعُ لِصَوْتِهِ وَتَلتَصِقُ بِهِ لأَنَّهُ هُوَ حَيَاتُكَ وَالذِي يُطِيلُ أَيَّامَكَ لِتَسْكُنَ عَلى الأَرْضِ التِي حَلفَ الرَّبُّ لآِبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَنْ يُعْطِيَهُمْ إِيَّاهَا». (تث٣٠: ١٩-٢٠) و(يش٢٤: ١٥-١٦).
فالله لا يجبر الإنسان، بل أعطى للإنسان حرية اختًيار ما يريد أن يفعله، ولذا، فهو مسؤول عن نتائج اختياراته في الحياة، ولكن الإنسان ليس مُخيَّراً في كل الأمور، وهذه قضية محورية، فالسؤال الأول دائماً: هل الإنسان مُخيَّر أم مُسيَّر؟ فيجيب البعض بعبارة: "أنا مُخيَّر"، لكن عندما نسأل: وهل الزواج قسمة ونصيب أم لا؟ تكون الإجابة: "نعم، بالطبع قسمة ونصيب"، وهنا يظهر التناقض؛ فكيف يكون الإنسان مخيَّراً، وفي الوقت نفسه يعتبر الزواج مجرَّد قسمة ونصيب؟!، ويتضح من ذلك أن هناك التباساً كبيراً لدى الناس في استخدام هذه المصطلحات وفهم معانيها، فالإنسان ليس كائناً مُطلقاً Absolute Being، ولا هو كائن لانهائي أو غير محدودInfinite Being، بل هو كائن نسبي محدود، خُلق ليختار ضمن حدود وُضعت له.
سؤال: كيف يمكن تبسيط معنى إن الإنسان "ليس كائناً مطلقاً"، بحيث نستخدم تعبيراً أبسط يستطيع أي شخص أن يفهمه بسهولة؟
إن الإنسان كائن محدود في طبيعته وإمكانياته وقدراته؛ فهو يولد ثم يموت، ومحدود الإمكانيات في حياته على الأرض، فهو محدود في كل أبعاده: الزمان والمكان والقدرة والمعرفة، على عكس الله الذي لا يحده الزمان والمكان والقدرة والمعرفة، لأن الله غير محدود، بينما الإنسان يتواجد في مكان واحد في وقت واحد، ولا يعرف كل شيء، ولا يستطيع أن يفعل كل شيء، كما أن حياته لها بداية وهي يوم مولده الذي لم يقم باختياره، ولأن الإنسان كائن محدود وليس مطلقاً، فلا يمكن أن تكون حريته مطلقة، قد يقول أحدهم: "أنا لم أختر يوم ميلادي، إذن أنا مُسيَّر"، وهذا صحيح، فأنت لم تختر يوم ميلادك، ومعظمنا أيضاً لا يختار يوم وفاته، ولم نختَر ملامح وجوهنا ولا لون عيوننا ولا مقدار طولنا، ربما نستطيع أن نغيّر أشياء بسيطة مثل وزننا الذي اخترناه، لكن هناك مجالات كثيرة نحن مُسيَّرون فيها، لذلك، فحرية الإنسان محدودة لأنه كائن محدود، ولا يمكن أن يُمنح صلاحيات غير محدودة، لأن ذلك سيؤدي إلى فوضى ودمار في العالم، ولأننا نعيش مع بعضنا البعض، فإنّ حرية بلا حدود ستؤدّي إلى تدمير حياة الآخرين من حولنا، لذلك، يجب أن نحترم ونراعي حرّية الآخرين، فحرية الإنسان تنتهي عند حدود حرية الآخرين، فلا يحقّ لأحد أن يفرض إرادته بحجّة الحرّية، فلا تكون حرية الإنسان مبرراً لإجبار وإرغام الآخرين على فعل شيء ما، فجميع الناس يمتلكون الحرية وينبغي أن يحترموا حرية بعضهم البعض، بمعنى آخر، لكلّ إنسان حدّ Boundaryيمثل نهاية حريته، وهذه الحدود المتبادَلة هي أساس العيش المشترك.
وبالتالي، فإنّ حريتَنا محدودة طبيعياً، فهناك أمور طبيعية كثيرة نحن فيها مسيَّرون لا مخيَّرون مثل: الولادة، الملامح والشكل، القدرات، ومستوى الذكاء، ومع ذلك نستطيع أن ننمي ذكائنا، ولكن أقصى ما نستطيع فعله لتنمية مستويات الذكاء لدينا قد لا يتجاوز ١٢% أو ١٣% من قدراتنا، لأن الذكاء في الأصل من الصفات الوراثية، وكذلك مواهبنا، فشخصية الإنسان الخاصة بالقدرات، وليس الجوانب الأخلاقية الأدبية، مرتبطة بالجينات الوراثية، أمَّا الأخلاق فليست موروثة، بل مكتسبة نتيجة عوامل المجتمع والظروف والبيئة التي نعيش فيها، إذًن، فالإنسان مُسيَّر في بعض الأمور، لكن في المقابل مُخيَّر في أمور أخرى، فما هي هذه الأمور التي يعتبر الإنسان مُخيَّراً فيها؟ هي الأمور الجوهرية التي تحدّد سعادته الحالية أو في الأبدية، فهذا هو جوهر الموضوع: الإنسان مُخيَّر في الأمور المصيرية والهامّة التي تحدد سعادته الحالية والأبدية، بينما هو مُسيَّر في الأمور الثانوية غير الهامة والتي لا تؤثّر في سعادته، لا في الزمان الحاضر ولا في المستقبل الأبدي.
هل يمكن للإنسان أن يختار السعادة مهما كانت ظروف مولده - كالحروب أو المرض أو البيئة القاسية - وهل نتجاهل الفروق الحقيقية بين الناس في النشأة، والقدرات، والصحة، والمظهر؟
تتوقف سعادة الإنسان على علاقته مع الله، وليس على الظروف التي يعيشها أو الإمكانيات المتوفرة لديه، ولذلك قلت أن الإنسان مُخيَّر في الأمور التي تحدد سعادته الحقيقية، سواء الزمنية أو الأبدية، فالسعادة لا تُقاس بما يمتلكه الإنسان من مال، أو بما يرتديه من ملابس، أو بالمكان الذي يسكن فيه، أو بما يركبه من وسائل انتقال، ولا بمدى غناه أو فقره، بل تتوقف على علاقاته، مبادئه، واتجاه قلبه، ولأجل أي غاية يعيش وكيف يعيش، هذه هي السعادة الحقيقية للإنسان، ولا نقول ذلك باعتبار أننا نشعر بالشبع، ولا نتعرض لمجاعة أو جوع شديد كغيرنا، لكن من المنظور الروحي، إن كان الإنسان مُتصالح مع الله ويعرفه ويعيش معه ويتمتع بشركة معه، حينها يجد السعادة الحقيقية، وهناك فرق كبير بين السعادة والفرح، فالسعادة هو شعور مؤقت يتوقف على العوامل والظروف الخارجية مثل: النجاح والصحة والرخاء، بينما الفرح هو شعور داخلي عميق ثابت بالسعادة، لأنه مرتبط بالمصدر الداخلي وهو الإيمان والثقة بالله، وقد يوجد وسط الألم أو الضيق، وهو من ثمر الامتلاء بالروح القدس، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": ٢٢وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ ٢٣وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هَذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. (غل٥: ٢٢-٢٣)، فالروح القدس يسكن في المؤمن، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ١٦أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ اللهِ وَرُوحُ اللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ (١كو٣: ١٦)، فالله لا يتخلى عن المؤمنين، بل يطعمهم، كما يقول داود في سفر "المزامير": ٢٥أَيْضاً كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقاً تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزاً. ٢٦الْيَوْمَ كُلَّهُ يَتَرَأَّفُ وَيُقْرِضُ وَنَسْلُهُ لِلْبَرَكَةِ. (مز٣٧: ٢٥)، ويقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٣١فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ ٣٢فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. ٣٣لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. (مت٦: ٣١-٣٣)
فالله هو الذي يعول ويطعم الإنسان، ففي وقت المجاعة التي حلّت بشعب إسرائيل، كان الرب يعتني بـ (إيليا النبي) ويعوله بطريقة عجيبة، إذ أرسل الغربان ــ وهي التي اعتادت أن تخطف اللحم ــ لتحمل له اللحم والخبز وتقدّمه له صباحاً ومساءاً، كما جاء في سفر "الملوك الأول": ١وَقَالَ إِيلِيَّا التِّشْبِيُّ مِنْ مُسْتَوْطِنِي جِلْعَادَ لأَخْآبَ: حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي وَقَفْتُ أَمَامَهُ، إِنَّهُ لاَ يَكُونُ طَلٌّ وَلاَ مَطَرٌ فِي هَذِهِ السِّنِينَ إِلاَّ عِنْدَ قَوْلِي. ٢وَكَانَ كَلاَمُ الرَّبِّ لَهُ: ٣انْطَلِقْ مِنْ هُنَا وَاتَّجِهْ نَحْوَ الْمَشْرِقِ، وَاخْتَبِئْ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الأُرْدُنِّ، ٤فَتَشْرَبَ مِنَ النَّهْرِ. وَقَدْ أَمَرْتُ الْغِرْبَانَ أَنْ تَعُولَكَ هُنَاكَ. ٥فَانْطَلَقَ وَعَمِلَ حَسَبَ كَلاَمِ الرَّبِّ وَذَهَبَ فَأَقَامَ عِنْدَ نَهْرِ كَرِيثَ الَّذِي هُوَ مُقَابِلُ الأُرْدُنِّ. ٦وَكَانَتِ الْغِرْبَانُ تَأْتِي إِلَيْهِ بِخُبْزٍ وَلَحْمٍ صَبَاحاً وَبِخُبْزٍ وَلَحْمٍ مَسَاءً، وَكَانَ يَشْرَبُ مِنَ النَّهْرِ. ٧وَكَانَ بَعْدَ مُدَّةٍ مِنَ الزَّمَانِ أَنَّ النَّهْرَ يَبِسَ لأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَطَرٌ فِي الأَرْضِ. (١مل١٧: ١-٧)
في الواقع، إن كانت للإنسان علاقة حقيقية بالله، وإن كان الله حقًّا حيَّاً في حياته، فإنه يمتلك سعادة داخلية (الفرح) لا تنزعها الظروف، عندها يكفيه القليل، لأن الرب يتولاه وهو وليُّه "وليّ حيّ"، كما يشهد "أيوب" قائلاً: ٢٥أَمَّا أَنَا فَقَدْ عَلِمْتُ أَنَّ وَلِيِّي حَيٌّ وَالآخِرَ عَلَى الأَرْضِ يَقُومُ (أي١٩: ٢٥)، ويؤكّد داود في سفر "المزامير": ١٤لِتَكُنْ أَقْوَالُ فَمِي وَفِكْرُ قَلْبِي مَرْضِيَّةً أَمَامَكَ يَا رَبُّ صَخْرَتِي وَوَلِيِّي (مزمور ١٩: ١٤)، ويقول "إشعياء": ١٦فَإِنَّكَ أَنْتَ أَبُونَا وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْنَا إِبْرَاهِيمُ وَإِنْ لَمْ يَدْرِنَا إِسْرَائِيلُ. أَنْتَ يَا رَبُّ أَبُونَا وَلِيُّنَا مُنْذُ الأَبَدِ اسْمُكَ. (إش٦٣: ١٦)، فالرب هو أبونا ووليّ أمرنا، والمسؤول عنَّا، وهو يعتني بنا ويكفينا بما يمنحنا، وقد يكون ما يعطينا قليلاً في نظر العالم، حتى إن وجدنا أنفسنا جياعاً في وقت ما، لكن مع الله نفرح ونشبع، لأن الله هو مصدر شبعنا الحقيقي، كما يقول داود في سفر "المزامير": ٩اتَّقُوا الرَّبَّ يَا قِدِّيسِيهِ لأَنَّهُ لَيْسَ عَوَزٌ لِمُتَّقِيهِ. ١٠الأَشْبَالُ احْتَاجَتْ وَجَاعَتْ وَأَمَّا طَالِبُو الرَّبِّ فَلاَ يُعْوِزُهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْخَيْرِ. (مز٣٤: ٩-١٠).
ويقول بولس الرسول "تعلمت أن أجوع وأن أشبع وأن أستفضل، لكنَّه يشعر بالاكتفاء والسعادة طوال الوقت"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "فيليبي": ١١لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِياً بِمَا أَنَا فِيهِ. ١٢أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضاً أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. ١٣أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي (في٤: ١١-١٣)،
فالجوع والفقر وغيرهما، وكذلك التفاوت في مستويات الذكاء أو حتى المرض، كلّها لا تمنع الفرح في الرب، فالرسول بولس نفسه كان له "شوكة في الجسد" لا نعلم ماهيّتها على وجه التحديد، كما جاء في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٧وَلِئَلاَّ أَرْتَفِعَ بِفَرْطِ الإِعْلاَنَاتِ، أُعْطِيتُ شَوْكَةً فِي الْجَسَدِ، مَلاَكَ الشَّيْطَانِ، لِيَلْطِمَنِي لِئَلاَّ أَرْتَفِعَ. ٨مِنْ جِهَةِ هَذَا تَضَرَّعْتُ إِلَى الرَّبِّ ثَلاَثَ مَرَّاتٍ أَنْ يُفَارِقَنِي. ٩فَقَالَ لِي: «تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ». فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ. ١٠لِذَلِكَ أُسَرُّ بِالضَّعَفَاتِ وَالشَّتَائِمِ وَالضَّرُورَاتِ وَالاِضْطِهَادَاتِ وَالضِّيقَاتِ لأَجْلِ الْمَسِيحِ. لأَنِّي حِينَمَا أَنَا ضَعِيفٌ فَحِينَئِذٍ أَنَا قَوِيٌّ. (٢كو١٢: ٧-١٠)، إذ إن أيّ إعاقة جسدية لا يمكنها أن تعوق وتمنع الإنسان من أن يجد الله ويكون في شركة محبَّة معه، ولا أن يحب الآخر، ولا أن يكون زوجاً صالحاً، أو زوجة صالحة، أو أباً صالحاً، أو ابناً صالحاً، فهذه الأمور لا تعوق الإنسان، لأن العلاقات هي ثمرة اختياراتي: علاقتي بالله وعلاقتي بالناس، والسعادة الحقيقية تقوم على العلاقات لا على امتلاك الأشياء.
فليس ما يدخل الفم هو ما يمنح القلب السعادة، بل ما يملأ القلب بالمحبة والحق هو يفرح القلب، فالناس تظن أنّ السعادة في المأكل والمشرب، كأن يقول أحدهم: "آكل كباب فأفرالإِنْسَانُ،ماماً فأفرح"، لكن هذا وهم، فالحقيقة أنّ الفرح الحقيقيّ ليس في الطعام، بل في القلب المملوء بالسلام والمحبَّة والحق الإلهي، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ١٧لأَنْ لَيْسَ مَلَكُوتُ اللهِ أَكْلاً وَشُرْباً بَلْ هُوَ بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ.(رو١٤: ١٧)، فليس بالخبز وحده يحيا الإنسان، كما جاء في سفر "التثنية": ٣فَأَذَلكَ وَأَجَاعَكَ وَأَطْعَمَكَ المَنَّ الذِي لمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ وَلا عَرَفَهُ آبَاؤُكَ لِيُعَلِّمَكَ أَنَّهُ ليْسَ بِالخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ بَل بِكُلِّ مَا يَخْرُجُ مِنْ فَمِ الرَّبِّ يَحْيَا الإِنْسَانُ (تث٨: ٣)، ويقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٦طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ لأَنَّهُمْ يُشْبَعُونَ. (مت٥: ٦)، فمن يكون في حالة من الجوع والعطش والاشتياق إلى الله وملكوته يشبع بالشركة معه، فالشخص الذي يعيش في القصور ويملك المال الوفير، لكنه لا يعرف كيف يعيش حياة ذات معنى، هو في الحقيقة تعيس، وربما أشد تعاسة من الفقير، فكثيرون ممن أنهوا حياتهم بالانتحار كانوا من المشاهير والأغنياء، فلو كانت السعادة تعتمد على الإمكانيات المادية أو الشهرة أو النجاح، لكان الأغنياء أكثر الناس سعادة، ولكن عند القيام بمسح ميداني بين الأغنياء للإجابة على السؤال التالي: (كم منهم سعيد حقًا؟)، ستجد أن نسبتهم قليلة جدًّا، وأقل حتى من نسبة السعداء بين الفقراء.
إذا كانت الحياة تسير وفق قوانين مطلقة، فهل يترك الله الإنسان خاضعًا لها دون تدخل، أم يتدخل لحماية أولاده؟ وكيف نفهم موت الأبرياء في الحروب والكوارث؟
ينبغي أن نفرّق بين القوانين المطلقة وبين قوانين العلاقات، فالعلاقات لها قوانين خاصة بها، إذ يقول الكتاب المقدس "أجرة الخطيَّة هي موت"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ٢٣لِأَنَّ أُجْرَةَ ٱلْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ، وَأَمَّا هِبَةُ ٱللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِٱلْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو٦: ٢٣)، فمَن يشرب سُمَّاً يموت، ومَن ينفصل عن الله تموت روحه، لأنه ابتعد عن الله مصدر الحياة، فهذا ليس عقاباً، بل نتيجة حتمية وضرورية، وبالمثل، الإنسان الشرير الذي يكره الآخرين يجد الناس تكرهه، وهذه نتيجة طبيعية لأفعاله وليست عقابا مباشراً، كما يقول الكتاب المقدس "الذي يزرعه الإنسان إيَّاه يحصد أيضاً"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية":٧لاَ تَضِلُّوا! اللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضاً. ٨لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. (غل٦: ٧-٨).
هذه هي القوانين الأخلاقية المطلقة التي تعمل وتنفِّذ نفسها بنفسها، لكن هناك أيضاً قانون خاص بالعلاقة مع الله، فالله يقول للإنسان: أنا أريد أن أقيم معك علاقة أيها الإنسان، وهذا القانون يقوم على شرط أساسي هو أنه "إذا طلبتني تجدني"، كما جاء في سفر "إرميا": ١٣وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ .(إر٢٩: ١٣)، ويعلن الرب أيضاً للإنسان: إن صدَّقتني وآمنتَ بي أستطيع أن أتدخَّل في حياتك، أما إن لم تطلبني فلا أفرض نفسي عليك، كما جاء في سفر "الرؤيا": ٢٠هَأَنَذَا وَاقِفٌ عَلَى ٱلْبَابِ وَأَقْرَعُ. إِنْ سَمِعَ أَحَدٌ صَوْتِي وَفَتَحَ ٱلْبَابَ، أَدْخُلُ إِلَيْهِ وَأَتَعَشَّى مَعَهُ وَهُوَ مَعِي. (رؤ٣: ٢٠).
فان لم يؤمن الإنسان بالله، فلن يستطيع الله أن يصنع مشيئته في حياة الإنسان، لأن الإيمان هو الوسيلة التي بها يتم التعامل مع غير المنظور، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": ١وَأَمَّا الإِيمَانُ فَهُوَ الثِّقَةُ بِمَا يُرْجَى وَالإِيقَانُ بِأُمُورٍ لاَ تُرَى... ٦وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لاَ يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الَّذِي يَأْتِي إِلَى اللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الَّذِينَ يَطْلُبُونَهُ. (عب١١: ١، ٦)، لأنَّه في هذا يَرضى الله عن الإنسان، بأن يؤمن الإنسان أولاً بوجود الله، والله يُجازي الذين يطلبونه، إذن، هناك أيضاً قوانين تحدِّد طبيعة العلاقة بين الله والإنسان، فعندما يقبل الإنسان الله بالإيمان، ويُسلِّمه حياته ليملك عليها، ويضع ثقته فيه، يكون قد ائتمن الله على نفسه، إذ يقول الكتاب المقدس "موقن أنه يحفظ وديعتي"، أي أن حياة الإنسان قد صارت وديعة بين يدي الله، وهو أمين أن يحفظها، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "تيموثاوس": ١٢لِهَذَا ٱلسَّبَبِ أَحْتَمِلُ هَذِهِ ٱلْأُمُورَ أَيْضًا. لَكِنَّنِي لَسْتُ أَخْجَلُ، لِأَنَّنِي عَالِمٌ بِمَنْ آمَنْتُ، وَمُوقِنٌ أَنَّهُ قَادِرٌ أَنْ يَحْفَظَ وَدِيعَتِي إِلَى ذَلِكَ اليوم. (٢تي١: ١٢).
ففي نهاية خدمة بولس الرسول، تم الحكم عليه بالإعدام وأستشهد، لكنَّه قبل ذلك أعلن قائلاً: "وقت انحلالي قد حضر"، كما يقول في رسالته لثانية إلى "تيموثاوس": ٦فَإِنِّي أَنَا الآنَ أُسْكَبُ سَكِيباً، وَوَقْتُ انْحِلاَلِي قَدْ حَضَرَ. ٧قَدْ جَاهَدْتُ الْجِهَادَ الْحَسَنَ، أَكْمَلْتُ السَّعْيَ، حَفِظْتُ الإِيمَانَ، ٨وَأَخِيراً قَدْ وُضِعَ لِي إِكْلِيلُ الْبِرِّ، الَّذِي يَهَبُهُ لِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ الرَّبُّ الدَّيَّانُ الْعَادِلُ، وَلَيْسَ لِي فَقَطْ، بَلْ لِجَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ ظُهُورَهُ أَيْضاً. (٢تي٤: ٦-٨)، وقد أنقذه الرب مرَّات عديدة من الموت والسجن والغرق: -
١- تآمر اليهود على بولس الرسول في دمشق لقتله، فأنزله التلاميذ من السور في سلة كبيرة مزودة بالحبال (أع٩: ١٩-٢٥).
٢- كان هناك هجوم من اليهود والأمم اليونانيين ورؤساؤهم لرجم بولس الرسول وبرنابا بالحجارة في مدينة إيقونية فهربا إلى مدينتيّ لسترة ودربة (أع١٤: ١-٦).
٣- أتى يهود من أنطاكيا وإيقونية وأقنعوا الجموع فرجموا بولس الرسول وجرُّوه خارج مدينة لسترة وظنوا أنه مات، لكن الرب أقامه ودخل المدينة ثانية (أع١٤: ١٩-٢٢).
٤- تم إنقاذه من السجن في فيليبي هو وسيلا، بعدما أخرج بولس الرسول روح العرافة من الجارية، فقد حدثت زلزال وفتحت الأبواب وانفكت القيود ونجا من المؤامرة وآمن السجان وأهل بيته (أع١٦: ١٦-٤٠).
٥- أكثر من أربعين رجلاً يهودياً تآمروا لقتله، وسمع ابن أخت بولس الرسول بالكمين المُعد له وأخبر بولس، لكن الرب أنقذه بتدخل القائد الروماني في أورشليم الأمير كلوديوس ليسيوس (أع٢٣: ١٢-٢٥).
٦- تحطمت السفينة، المتجهة به إلى روما لمحاكمته أمام قيصر حسب طلبه، بسبب العاصفة الشديدة، لكن الرب وعد بحفظ جميع النفوس، ونجا بولس الرسول من الغرق مع المسافرين (أع٢٧: ١٤-٤٤).
٧- لدغت الأفعى بولس الرسول واعتبره أهل جزيرة مالطا قاتلاً ولمَّا نجا ولم يتضرر تعجب الناس وظنُّوه إلهاً (أع٢٨: ١-٦).
لقد كانت حياة بولس الرسول عبارة عن سلسلة من أعمال العناية الإلهية حتى جاء الوقت المعيَّن لانحلاله واستشهاده، كما جاء في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ٢٣أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ: فَأَنَا أَفْضَلُ. فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ. فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ. فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ. فِي الْمِيتَاتِ مِرَاراً كَثِيرَةً. ٢٤مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. ٢٥ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ. مَرَّةً رُجِمْتُ. ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ. لَيْلاً وَنَهَاراً قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. ٢٦بِأَسْفَارٍ مِرَاراً كَثِيرَةً. بِأَخْطَارِ سُيُولٍ. بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ. بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي. بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ. بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ. بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. ٢٧فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ. فِي أَسْهَارٍ مِرَاراً كَثِيرَةً. فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ. فِي أَصْوَامٍ مِرَاراً كَثِيرَةً. فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. ٢٨عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ. الاِهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. ٢٩مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟ ٣٠إِنْ كَانَ يَجِبُ الاِفْتِخَارُ، فَسَأَفْتَخِرُ بِأُمُورِ ضُعْفِي. ٣١اَللَّهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ، يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ. ٣٢فِي دِمَشْقَ وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، ٣٣فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيلٍ مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ. (٢كو١١: ٢٣-٣٣)، ويقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "تيموثاوس": ١٠وَأَمَّا أَنْتَ فَقَدْ تَبِعْتَ تَعْلِيمِي، وَسِيرَتِي، وَقَصْدِي، وَإِيمَانِي، وَأَنَاتِي، وَمَحَبَّتِي، وَصَبْرِي، ١١وَاضْطِهَادَاتِي، وَآلاَمِي، مِثْلَ مَا أَصَابَنِي فِي أَنْطَاكِيَةَ وَإِيقُونِيَّةَ وَلِسْتِرَةَ. أَيَّةَ اضْطِهَادَاتٍ احْتَمَلْتُ! وَمِنَ الْجَمِيعِ أَنْقَذَنِي الرَّبُّ. (٢تي٣: ١٠-١١).
إنها قصة تكشف بوضوح أن العلاقة بين الإنسان وبين الله تسير وفق قوانين خاصة، ففي إطار هذه القوانين، إن سلَّمه الإنسان المؤمن حياته وجعله ملكًا عليها، أُصبح الإنسان عندئذٍ ابنه الشرعي الرسمي والمعلن، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٢وَأَمَّا كُلُّ الَّذِينَ قَبِلُوهُ فَأَعْطَاهُمْ سُلْطَاناً أَنْ يَصِيرُوا أَوْلاَدَ اللَّهِ، أَيِ الْمُؤْمِنُونَ بِاسْمِهِ، ١٣اَلَّذِينَ وُلِدُوا لَيْسَ مِنْ دَمٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ جَسَدٍ، وَلاَ مِنْ مَشِيئَةِ رَجُلٍ، بَلْ مِنَ اللَّهِ. (يو١: ١٢-١٣)، فينبغي أن يوُلد الإنسان من الماء والروح، وينال ولادة جديدة من فوق، حيث يقول الرب يسوع المسيح لنيقوديموس، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣فَقَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ». ٤قَالَ لَهُ نِيقُودِيمُوسُ: «كَيْفَ يُمْكِنُ الإِنْسَانَ أَنْ يُولَدَ وَهُوَ شَيْخٌ؟ أَلَعَلَّهُ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ بَطْنَ أُمِّهِ ثَانِيَةً وَيُولَدَ؟» ٥أَجَابَ يَسُوعُ: «ﭐلْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ. ٦اَلْمَوْلُودُ مِنَ الْجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ. ٧لاَ تَتَعَجَّبْ أَنِّي قُلْتُ لَكَ: يَنْبَغِي أَنْ تُولَدُوا مِنْ فَوْقُ. ٨اَلرِّيحُ تَهُبُّ حَيْثُ تَشَاءُ وَتَسْمَعُ صَوْتَهَا لَكِنَّكَ لاَ تَعْلَمُ مِنْ أَيْنَ تَأْتِي وَلاَ إِلَى أَيْنَ تَذْهَبُ. هَكَذَا كُلُّ مَنْ وُلِدَ مِنَ الرُّوحِ». (يو٣: ٣-٨)، وحينها يصبح الإنسان ابناً لله ويصبح الله وليَّ أمره ومسؤولاً عنه، حيث يقول داود في سفر "المزامير": ١اَلرَّبُّ رَاعِيَّ فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ. ٢فِي مَرَاعٍ خُضْرٍ يُرْبِضُنِي. إِلَى مِيَاهِ الرَّاحَةِ يُورِدُنِي. ٣يَرُدُّ نَفْسِي. يَهْدِينِي إِلَى سُبُلِ الْبِرِّ مِنْ أَجْلِ اسْمِهِ. ٤أَيْضاً إِذَا سِرْتُ فِي وَادِي ظِلِّ الْمَوْتِ لاَ أَخَافُ شَرّاً لأَنَّكَ أَنْتَ مَعِي. عَصَاكَ وَعُكَّازُكَ هُمَا يُعَزِّيَانِنِي. ٥تُرَتِّبُ قُدَّامِي مَائِدَةً تُجَاهَ مُضَايِقِيَّ. مَسَحْتَ بِالدُّهْنِ رَأْسِي. كَأْسِي رَيَّا. ٦إِنَّمَا خَيْرٌ وَرَحْمَةٌ يَتْبَعَانِنِي كُلَّ أَيَّامِ حَيَاتِي وَأَسْكُنُ فِي بَيْتِ الرَّبِّ إِلَى مَدَى الأَيَّامِ. (مز٢٣)، ويقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١١أَنَا هُوَ ٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ، وَٱلرَّاعِي ٱلصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ ٱلْخِرَافِ. (يو١٠: ١١).
فعندما يطيع الإنسان المؤمن الله في علاقته معه، ويسير حيثما يقوده، ويفعل ما يريده، فإن الله يكون مسؤولًا أن يُتمّم به مقاصده في المكان الذي وضعه فيه، وأن يدعمه ويعتني به، ويوفّر له احتياجاته من طعام وشراب وثياب، لأن هذا الإنسان المؤمن ابن الله والله مسؤول عنه ووليّ أمره، بشرط أن يمنحه المؤمن الحق كي يسود ويملك على حياته، إذ يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في (الموعظة على الجبل) في إنجيل "متى": ٢٥لِذَلِكَ أَقُولُ لَكُمْ: لاَ تَهْتَمُّوا لِحَيَاتِكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَبِمَا تَشْرَبُونَ وَلاَ لأَجْسَادِكُمْ بِمَا تَلْبَسُونَ. أَلَيْسَتِ الْحَيَاةُ أَفْضَلَ مِنَ الطَّعَامِ وَالْجَسَدُ أَفْضَلَ مِنَ اللِّبَاسِ؟ ٢٦اُنْظُرُوا إِلَى طُيُورِ السَّمَاءِ: إِنَّهَا لاَ تَزْرَعُ وَلاَ تَحْصُدُ وَلاَ تَجْمَعُ إِلَى مَخَازِنَ وَأَبُوكُمُ السَّمَاوِيُّ يَقُوتُهَا. أَلَسْتُمْ أَنْتُمْ بِالْحَرِيِّ أَفْضَلَ مِنْهَا؟ ٢٧وَمَنْ مِنْكُمْ إِذَا اهْتَمَّ يَقْدِرُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى قَامَتِهِ ذِرَاعاً وَاحِدَةً؟ ٢٨وَلِمَاذَا تَهْتَمُّونَ بِاللِّبَاسِ؟ تَأَمَّلُوا زَنَابِقَ الْحَقْلِ كَيْفَ تَنْمُو! لاَ تَتْعَبُ وَلاَ تَغْزِلُ. ٢٩وَلَكِنْ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ وَلاَ سُلَيْمَانُ فِي كُلِّ مَجْدِهِ كَانَ يَلْبَسُ كَوَاحِدَةٍ مِنْهَا. ٣٠فَإِنْ كَانَ عُشْبُ الْحَقْلِ الَّذِي يُوجَدُ الْيَوْمَ وَيُطْرَحُ غَداً فِي التَّنُّورِ يُلْبِسُهُ اللَّهُ هَكَذَا أَفَلَيْسَ بِالْحَرِيِّ جِدّاً يُلْبِسُكُمْ أَنْتُمْ يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ؟ ٣١فَلاَ تَهْتَمُّوا قَائِلِينَ: مَاذَا نَأْكُلُ أَوْ مَاذَا نَشْرَبُ أَوْ مَاذَا نَلْبَسُ؟ ٣٢فَإِنَّ هَذِهِ كُلَّهَا تَطْلُبُهَا الأُمَمُ. لأَنَّ أَبَاكُمُ السَّمَاوِيَّ يَعْلَمُ أَنَّكُمْ تَحْتَاجُونَ إِلَى هَذِهِ كُلِّهَا. ٣٣لَكِنِ اطْلُبُوا أَوَّلاً مَلَكُوتَ اللَّهِ وَبِرَّهُ وَهَذِهِ كُلُّهَا تُزَادُ لَكُمْ. ٣٤فَلاَ تَهْتَمُّوا لِلْغَدِ لأَنَّ الْغَدَ يَهْتَمُّ بِمَا لِنَفْسِهِ. يَكْفِي اليَوْمَ شَرُّهُ. (مت٦: ٢٥-٣٤).
إذن، فهناك قوانين للعلاقة الشخصية مع الله تعطيه الحق أن يتدخَّل، ولكن إن لم ينفذها الإنسان، فليس من حق الله أن يتدخَّل في حياة ذلك الإنسان.
إذا كان الله صالحًا للجميع ويرحم كل أعماله، فكيف نفهم وجود المجاعات والحروب وموت الأبرياء؟ وهل عناية الله تشمل الجميع أم المؤمنين فقط، وكيف نوفّق بين وعد الرحمة وواقع الألم؟
ينبغي أن من يصلي للرب أن يحقق مشيئته لكي يدخل ملكوت الله، إذ يقول الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٢١«لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَا رَبُّ يَا رَبُّ يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. ٢٢كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ: يَا رَبُّ يَا رَبُّ أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ ٢٣فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ! (مت٧: ٢١-٢٣) وتُروى العديد من القصص عن أشخاص صرخوا إلى الله في أوقات الضيق، وعن أعمال عناية إلهية تمثل مراحم الله، وعن مؤسسات إغاثة مسيحية وصلت إلى أماكن صعبة وأنقذت حياة أطفال، حيث يواجه العاملون فيها مخاطر كبيرة، فهل يتدخل الله في حياة البشر جميعاً بقدر متساوٍ، حتى أولئك الذين لا يعرفونه؟ نعم، يتدخل، وهذا ما نشهده في حياتنا، وعلينا أن نميِّز بين صفات الله وتدخلاته: فهو صالح ويريد الخير، ويمنح الهواء لجميع الناس كي يتنفسوا، ويوزع الله عطاياه العامة على كل البشر، سواء للذين يحبونه أم للذين لا يعرفونه، إذ يوصي الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٤٣«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. ٤٤وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ ٤٥لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ. (مت٥: ٤٣-٤٥)، والله يفعل ذلك بشكل يومي، راعياً الخليقة كلها التي خلقها بالقوانين الطبيعية الثابتة التي يحافظ عليها، كإعلان عن رحمته وصلاحه لكل البشرية.
وأحيانًا يتدخل بصورة معجزية لينقذ إنساناً ضمن تلك القوانين، كما حدث مع إيليا النبي، حين أمر الله الغربان أن تعوله وتعطيه خبزاً ولحماً صباحاً ومساءً، ويشرب من ماء النهر (١مل ١٧: ١-٧)، وهذه التدخُّلات تخصُّ خاصة الله، إذ هناك قوانين خاصة للتدخلات الإلهية الاستثنائية، فالاستثناءات نفسها لها نظام وقوانين محددة، لكيلا يكون هناك شعور بالتمييز، فمثلاً، حين يقال: لماذا يُعول إيليا النبي باللحم من الغربان؟ ولماذا لا ينقص الزيت والدقيق لدى المرأة التي من صرفة لصيدون؟ نجيب بأنها قد أعطت رجل الله (إيليا النبي) أولاً مما لديها من طعام وأعالته، فلم ينقص الدقيق والزيت في بيتها حتى انتهاء زمن المجاعة (١مل ١٧: ٨-١٦)، فكل شيء قد يخضع لقوانين استثنائية وضعت لتحقيق مقاصد الله الخاصة.
وهناك مؤمنين وقديسين يعيشون في أوقات من الضيق والمعاناة، إذ يقول بولس الرسول "تعلمت أن أجوع وأن أشبع وأن أستفضل"، كما جاء في رسالته إلى "فيلبي": ١١لَيْسَ أَنِّي أَقُولُ مِنْ جِهَةِ احْتِيَاجٍ، فَإِنِّي قَدْ تَعَلَّمْتُ أَنْ أَكُونَ مُكْتَفِياً بِمَا أَنَا فِيهِ. ١٢أَعْرِفُ أَنْ أَتَّضِعَ وَأَعْرِفُ أَيْضاً أَنْ أَسْتَفْضِلَ. فِي كُلِّ شَيْءٍ وَفِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ قَدْ تَدَرَّبْتُ أَنْ أَشْبَعَ وَأَنْ أَجُوعَ، وَأَنْ أَسْتَفْضِلَ وَأَنْ أَنْقُصَ. ١٣أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي. (في٤: ١١-١٣)، بالإضافة إلى أن بولس الرسول قد تعرَّض للضرب وتمزيق ثيابه وتم وضعه في السجن هو وسيلا، كما حدث في فيليبي (أع١٦: ١٦-٤٠)، فالمعاناة موجودة، لكنها ليست ضد الفرح أي الشعور الداخلي العميق بالسعادة، فالإنسان مُخيَّر في الأمور التي تحدد سعادته، حين يتحمَّل الألم من أجل هدف نبيل، يشعر بالسعادة، وعندما يبكي مع المتألمين، تفيض دموعه لتشبع قلبه، أمَّا إذا تعامل الإنسان مع ألم الآخرين بلا مبالاة، يثقّل الحزن قلبه، إذن، دموع الألم مع المتألمين تُسعد القلب وتُعمّق إحساس الإنسان بالرحمة، فمن يبكي على الناس خوفًا على نفسه لا يجد السعادة، فدموعه تصير مُرَّة ومُرهِقة، أمَّا من يبكي محبَّة ويسعى لراحة الآخرين، فيجد سعادته الحقيقية، وعلى سبيل المثال، الأم تريزا رمز لذلك، فقد تركت كل شيء وعاشت مع المرضى المصابين بالبرص والسرطان والجذام، وأطفال الشوارع والمشرَّدين، عاشت أسعد إنسانة، خدمت الناس ولم تمتلك شيئاً حتى وقت انتقالها إلى السماء، وأنقذت أرواحاً من الموت، وأسست أسراَ وقامت بتربية المحتاجين.
ولكن، كيف أنقذ حزن الأم تريزا المرضى خاصة المصابين بأمراض قاتلة مثل السرطان؟ فقد انتقلوا إلى السماء بكرامة بين أحضان المسيح، وذلك كان جزءاً من خدمتها، بدلاً من أن يموتوا في الشوارع كالحيوانات، وخدمت أولئك البشر بعناية في أوقات الألم وقدمت لهم المحبَّة الحقيقية، والاهتمام، والرحمة، والطعام، والملبس، والراحة، والسرير، فمن يمتلك سيارة فاخرة من الصعب أن تُقدَّم له هدية إلَّا إذا كانت أعظم منها، بينما يسعد الفقير بأبسط الأشياء كرغيف من الخبز يشبع جوعه، أو ملابس، أو شعوره بالمحبَّة والعناية في لحظات الألم والضيق والمعاناة.
إذا كان الله قادرًا أن يرفع المعاناة ويُشبع احتياجات البشر، فلماذا لا يتدخل؟ وكيف نفهم احتضان الأم تريزا للمتألمين بينما يبدو أن الله لا يتدخل بالطريقة نفسها؟
إن القوانين الاستثنائية لها قوانين استثنائية؛ فالله أحيانًا يتدخَّل في حياة إنسان لينقذه من معاناته، فيكسر القوانين الطبيعية والظروف المحيطة، نرى ذلك مثلًا في قصة النبي إيليا حينما أرسل الله الغربان لتطعمه باللحم والخبز، وجعل الزيت والدقيق لا ينفدان لسنوات طويلة لدى الأرملة، ليأكل منهما يوماً بعد يوم (١مل١٧: ١-١٦) وذلك التدخُّل الإلهيّ هو أمر خارق للطبيعة، ويمثل قانوناً استثنائياً، لماذا؟ لأن تلك المرأة آمنت وصدّقت، فحققت الشرط الخاص بالتدخُّل الإلهي الاستثنائي، ولذلك، عندما يأتيني شخص ذو علاقة حقيقية مع الله، ومؤمن حقيقيّ، ويقول لي: "أنا منذ أيام لا أجد ما آكله"، أجد الأمر غير منطقي وأقول في نفسي: "لا بُدَّ أن هناك شيئاً غير صحيح"، فقد يحدث أن أجوع يوماً ثم أشبع، أو أجتاز بمرض أو ضيق، لكن أن يستمر العجز التام مع الإيمان الحقيقي، فهذا يناقض مبدأ عمل الله، ويشهد بذلك ليس فقط (داود) الذي يقول في سفر "المزامير": ٢٥أَيْضاً كُنْتُ فَتىً وَقَدْ شِخْتُ وَلَمْ أَرَ صِدِّيقاً تُخُلِّيَ عَنْهُ وَلاَ ذُرِّيَّةً لَهُ تَلْتَمِسُ خُبْزاً. (مز٣٧: ٢٥)، بل أيضاً جميع الأجيال عبر التاريخ.
إذا كانت قصص التدخّل الإلهي في الكتاب المقدس تبدو استثنائية لكنها كثيرة، فكيف نفهم سياق هذه الأحداث؟ وهل هي القاعدة أم الاستثناء؟
إن الكتاب المقدس هو في جوهره قصة الله مع البشرية، فمن خلاله نرى القوانين العامة التي تحكم حياة البشرية، ونقرأ قصة الله مع الذين عاشوا معه وأحبّوه، وصدّقوه، وائتمنوه على حياتهم، وساروا خلفه وأطاعوه، وما يُميّز الكتاب المقدس أنه لم يختر فقط المواقف المشجِّعة أو الجميلة، بل سجَّل أيضاً المواقف القاسية والمؤلمة، فالكتاب المقدس مليء بأحداث موجعة ولذلك فهو قصة حقيقية، مثل: المناظر البشعة، الحروب القاسية، الخطايا الفاضحة التي كُتبت كما هي دون تجميل أو تزيين، إنه سجلّ حقيقي لحياة البشر يشمل: اللعن، الشتم، القتل، الزنى، السرقة، الخوف والجبن، الهروب، الانهيار، الاحتلال، الخيانة، وكل ذلك كُتب بصراحة مطلقة، بلا تزييف أو تلميع، بل إن هناك مقاطع قاسية لدرجة تدفعنا أن نتساءل: "كيف يمكن أن يحدث هذا؟!، ونحن نقرأ في الكتاب المقدس عن أشخاص وصل بهم الحال إلى أن يطبخوا أبناءهم ويأكلوهم، وذلك يشبه ما نسمع عنه اليوم من مآسٍ في أماكن مثل الصومال وغيرها، حيث تضطر أم أن تضع طفلها على الرصيف لأنه على وشك الموت، إذن، فهناك في الكتاب المقدس نماذج مشابهة لهذه الصور المؤلمة والقاسية، فعلى سبيل المثال: عندما حاصر بنهدد ملك أرام مدينة السامرة فحدث جوع شديد، فأكل الناس أبناءهم، كما جاء في سفر "الملوك الثاني": ٢٤وَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ بَنْهَدَدَ مَلِكَ أَرَامَ جَمَعَ كُلَّ جَيْشِهِ وَصَعِدَ فَحَاصَرَ السَّامِرَةَ. ٢٥وَكَانَ جُوعٌ شَدِيدٌ فِي السَّامِرَةِ. وَهُمْ حَاصَرُوهَا حَتَّى صَارَ رَأْسُ الْحِمَارِ بِثَمَانِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَرُبْعُ الْقَابِ مِنْ زِبْلِ الْحَمَامِ بِخَمْسٍ مِنَ الْفِضَّةِ. ٢٦وَبَيْنَمَا كَانَ مَلِكُ إِسْرَائِيلَ جَائِزاً عَلَى السُّورِ صَرَخَتِ امْرَأَةٌ إِلَيْهِ: خَلِّصْ يَا سَيِّدِي الْمَلِكَ. ٢٧فَقَالَ: لاَ! يُخَلِّصْكِ الرَّبُّ. مِنْ أَيْنَ أُخَلِّصُكِ؟ أَمِنَ الْبَيْدَرِ أَوْ مِنَ الْمِعْصَرَةِ؟ ٢٨ثُمَّ قَالَ لَهَا الْمَلِكُ: مَا لَكِ؟ فَقَالَتْ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ قَالَتْ لِي: هَاتِي ابْنَكِ فَنَأْكُلَهُ الْيَوْمَ ثُمَّ نَأْكُلَ ابْنِي غَداً. ٢٩فَسَلَقْنَا ابْنِي وَأَكَلْنَاهُ. ثُمَّ قُلْتُ لَهَا فِي الْيَوْمِ الآخَرِ: هَاتِي ابْنَكِ فَنَأْكُلَهُ فَخَبَّأَتِ ابْنَهَا. ٣٠فَلَمَّا سَمِعَ الْمَلِكُ كَلاَمَ الْمَرْأَةِ مَزَّقَ ثِيَابَهُ وَهُوَ مُجْتَازٌ عَلَى السُّورِ، فَنَظَرَ الشَّعْبُ وَإِذَا مِسْحٌ مِنْ دَاخِلٍ عَلَى جَسَدِهِ. (٢مل٦: ٢٤-٣٠).
لذلك، فإن القصص القاسية التي نسمعها في الحياة قد تبدو وكأنها تعكس فكرة القدرية؛ فإذا كان كل ما يحدث هو مجرد سيناريو إلهي مكتوب مسبقاً، وما كُتب على الجبين لا بد أن تراه العين، فهذا يعني أن الله هو الذي كتب لذلك الطفل أن يعاني من الجوع الشديد حتى الموت وتدوسه أقدام الناس، ولتلك البلد أن تدخل في حرب أهلية طاحنة، وفي هذه الحالة، يظهر الله وكأنه إلهٍ قاسٍ للغاية، غير أن مثل هذه التصوّرات تتناقض تماماً مع ما يعلنه الكتاب المقدس عن الله، إذ يقول داود في سفر "المزامير": ٩الرَّبُّ صَالِحٌ لِلْكُلِّ وَمَرَاحِمُهُ عَلَى كُلِّ أَعْمَالِهِ. (مز١٤٥: ٩)، فالجوع والموت والدمار التي تعاني منه البشرية هي أمور لا يمكن أن تُفهم على أنها تعبير عن عدم صلاح الله أو قسوة قلبه، فالأمر ليس كما يُقال بأنها أمور قدرية أو عن أن الله مسؤول مباشرة عمّا يحدث؛ فالله لا علاقة له بهذا المفهوم إطلاقاً، الحقيقة أن الله وضع قوانين مطلقة للحياة: (قوانين طبيعية، وأخرى أخلاقية)، وما نراه من مجاعات في كثير من الشعوب غالباً ما يكون نتيجة الفساد العميق المستشري فيها، أو بسبب الحروب الطاحنة التي دمّرت بنيانها، ومثال ذلك، ما حدث في الصومال، إذ كانت الحرب الأهلية هي السبب المباشر في وصول البلاد إلى ما كانت عليه من ظروف قاسية، لدرجة أنه كانت توجد صعوبة بالغة في إدخال المساعدات الإنسانية لتلك البلد.
فالكتاب المقدس يوضِّح أن ما يزرعه الإنسان لا بُدَّ أن يحصده، ويحصده الآخرون من حوله أيضاً، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": ٧لاَ تَضِلُّوا! اللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضاً. ٨لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. ٩فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. (غل٦: ٧-٩)، فليس الشخص ذاته فقط من يجني نتائج أفعاله، بل كثيراً ما يمتد أثر ما يزرعه ليصيب من حوله أيضاً، حيث نرى أن الله قد وضع قوانين للحياة، منها قانون تأثير الإنسان على أخيه الإنسان، فيكون التأثير إمّا إيجابياً بالبنيان والخير، أو سلبياً بالهدم والشر، فالله لم يكتب على أولئك البشر تلك المعاناة والمجاعة على الإطلاق، وإلَّا لصار الله ظالماً وقاسياً جداً، وليس صالحاً ولا إلى الأبد رحمته، كما جاء في سفر "المزامير": ٥لِأَنَّ ٱلرَّبَّ صَالِحٌ، إِلَى ٱلْأَبَدِ رَحْمَتُهُ، وَإِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُهُ. (مز١٠٠: ٥)، وعلى النقيض تماماً، فالقصص التي تشاهدونها وتسمعون عنها لا تثبت وجود ما يُسمى بالقضاء والقدر، بل تؤكد أن القدرية التي يتمسك بها البعض هي في جوهرها تشويه لصورة الله واتهام لله في صلاحه، فالأحداث التي يعيشها العالم تكشف حجم المآسي البشرية، فلنأخذ مثلًا الحربين العالميتين الأولى والثانية، حيث لم يَمُت بضعة آلاف من الأطفال فحسب، بل قُتل نحو سبعين مليون إنسان أو أكثر، فنحن نتحدث عن مجازر بشرية مروِّعة، مثل المحرقة (الهولوكوست) التي ارتكبها هتلر حين كان يحرق اليهود في الأفران، لا مجرَّد طفل يدوس الناس عليه بأقدامهم، وكذلك ما جرى في العراق، حيث كان يسقط العشرات بين قتيل وجريح يومياً، خمسون يُقتلون هنا ومئتان يُصابون هناك، تلك صور دامية تعكس بشاعة ما يصنعه البشر ببعضهم البعض.
إذا كان الله قادرًا أن يميل قلب الملك كما يشاء (أم٢١: ١) ، فلماذا لا يتدخل ليغيّر قلوب الحكام الأشرار ويرفع معاناة الحروب والمجاعات؟
بالضبط، إن الله قادر، لكن الأمر لا يعني أن كل ما يقدر أن يفعله الله سينفذه بالضرورة، إذ تؤكد الآية السابقة أن الله قادر على كل شيء، وهذا حقٌّ لا شك فيه، لكن القدرة الإلهية شيء، والتدخُّل الإلهي في مجريات الأحداث شيء آخر، فهل الله يستطيع أن يفعل أي أمر؟ نعم، وهل هو قادر أن يفعل كل ما يشاء؟ نعم، بالتأكيد، فهو "رب الجنود القادر على كل شيء"، لكن هذا لا يعني أن الله يتدخل دائماً بالطريقة التي نتوقعها نحن، وقد تكررت عبارة "رب الجنود" كثيراً في العهد القديم، كما جاء في سفر "إرميا": ١٧آهِ أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ هَا إِنَّكَ قَدْ صَنَعْتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ بِقُوَّتِكَ الْعَظِيمَةِ وَبِذِرَاعِكَ الْمَمْدُودَةِ. لاَ يَعْسُرُ عَلَيْكَ شَيْءٌ. ١٨صَانِعُ الإِحْسَانِ لأُلُوفٍ وَمُجَازِي ذَنْبِ الآبَاءِ فِي حِضْنِ بَنِيهِمْ بَعْدَهُمُ الإِلَهُ الْعَظِيمُ الْجَبَّارُ رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ (إر٣٢: ١٧-١٨)، كما يقول داود في سفر "المزامير": ١٠مَنْ هُوَ هَذَا مَلِكُ الْمَجْدِ! رَبُّ الْجُنُودِ هُوَ مَلِكُ الْمَجْدِ. سِلاَهْ (مز٢٤: ١٠) و(إش١٠: ١٦) و(زك١: ٣) و(حج٢: ٨).
وقد ذكرت عبارة "الله القدير" أو "القادر على كل شيء" أيضاً في العديد من المواضع بالكتاب المقدس في العهد القديم، كما جاء في سفر "التكوين": ١وَلَمَّا كَانَ أَبْرَامُ ابْنَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ سَنَةً ظَهَرَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ وَقَالَ لَهُ: «أَنَا اللهُ الْقَدِيرُ. سِرْ أَمَامِي وَكُنْ كَامِلاً (تك١٧: ١)، كما وردت في العهد الجديد مرَّات عديدة، إذ يؤكد الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٥فَلَمَّا سَمِعَ تَلاَمِيذُهُ بُهِتُوا جِدّاً قَائِلِينَ: «إِذاً مَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَخْلُصَ؟» ٢٦فَنَظَرَ إِلَيْهِمْ يَسُوعُ وَقَالَ: «هَذَا عِنْدَ النَّاسِ غَيْرُ مُسْتَطَاعٍ، وَلَكِنْ عِنْدَ اللَّهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ». (مت١٩: ٢٥-٢٦).
فلو كان الله يتدخَّل في كل صغيرة وكبيرة، لكان الإنسان مُسيّراً بالكامل من البداية إلى النهاية، ولا يمكن تحميله أي مسؤولية عن أفعاله، وكأننا مجرَّد قطع شطرنج يُحركها الله كيفما يشاء، إذ تحدث لحظات الألم والمعاناة في كل لحظة في الحياة، فهناك العديد من حالات الأطفال الذين يداسون تحت الأقدام، والنساء اللاتي يُعتدى عليهن يومياً، أو الأطفال الذين يعتدى عليهم جنسياً يومياً في جميع أنحاء العالم، فهل المطلوب أن يتدخل الله في كل مرَّة بوقف المُعتدي فوراً أو يرسل ملاكًا يرفع الطفل في الهواء حتى تمر الناس فلا تدوسه الأقدام، ثم يعيده مرة أخرى! لكن الحقيقة أن الله لا يتدخَّل في حياة الإنسان بهذا الشكل، بل وضع قوانين ثابتة، ويتدخَّل من خلال قوانين استثنائية وفق حكمته وعدله، وهذا هو عين العدل الإلهي، فليس كل موقف صعب أو كل صرخة "يا رب" تعني بالضرورة أن الله سيتدخل مباشرة ليغيّر مجرى الأحداث، كما يقول الرب يسوع المسيح في الموعظة على الجبل (مت٧: ٢١-٢٣).
إن من لا يعيش كابن لله في علاقة وشركة محبَّة مع الله، ثم يصرخ في لحظة الاحتياج قائلاً: "يا رب"، لا يوجد قانونٌ إلهيٌّ يُلزِم الله أن يتدخّل لصالحه، أمّا إذا كان الإنسان ابنًا لله، وقد ائتمنه على حياته، ففي أي لحظة يقول فيها: "يا رب" يتدخّل الله حتماً، لكنّه يتدخّل بطريقته هو، وليس كما يرغب الإنسان، فقد تكون طريقة الله في موقفٍ ما أن يترك الإنسان المؤمن يُكمل التجربة، أو أن ينهي حياة ذلك الإنسان في ذلك اليوم فيأخذه إليه ويريحه إلى الأبد، أو أن يسمح للإنسان بأن يجتاز في ضيق، أو حتى بما هو أَشدّ مثل اختطاف أحد الفتيات أو مقتلها كما يحدث في بعض البلاد مثل العراق، وهو يسمح بذلك ضمن مشيئته، لذا ينبغي أن نفهم أن تدخلات الله ليست عشوائية بل تخضع لمشيئته وحكمته، فالله ليس له مشيئة في حياة غير المؤمنين
وقد وضع الله أربعة قوانين للتدخُّل في حياة المؤمنين أنفسهم، فهو لا يحوِّل كل موقفٍ قبيحٍ إلى جميلٍ في لحظته، لكنّه وعد بأنه لن يدعنا نُجرَّب فوق ما نستطيع وأنه سيجعل مع التجربة المنفذ لكي نحتمل، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ١٣لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا. (١كو١٠: ١٣)، والله "يكون معنا في وسط الضيق وينقذنا"، كما جاء في سفر "المزامير": ١٤لأَنَّهُ تَعَلَّقَ بِي أُنَجِّيهِ. أُرَفِّعُهُ لأَنَّهُ عَرَفَ اسْمِي. ١٥يَدْعُونِي فَأَسْتَجِيبُ لَهُ. مَعَهُ أَنَا فِي الضِّيقِ. أُنْقِذُهُ وَأُمَجِّدُهُ. ١٦مِنْ طُولِ الأَيَّامِ أُشْبِعُهُ وَأُرِيهِ خَلاَصِي. (مز٩١: ١٤-١٦)، والله "يحوِّل الشرّ إلى خير"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ٢٨وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ تَعْمَلُ مَعاً لِلْخَيْرِ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَ اللهَ الَّذِينَ هُمْ مَدْعُوُّونَ حَسَبَ قَصْدِهِ. (رو٨: ٢٨)، وحين نطبّق هذه الأحداث القاسية التي تحدث في حياة المؤمنين على القوانين الأربعة التي يضعها الكتاب المقدس، نجد أنها تعمل بانتظام وتظهر فاعليتها بوضوح، لنأخذ أبسط الأمثلة: قصة (يوسف الصدِّيق) وما تعرّض له من خيانة إخوته وبيعه كعبد وسجنه ظلماً؛ أو قصة (أيوب) وما كابده من تجارب قاسية، عند تطبيق القوانين الأربعة على هذه القصص، نرى أن يد الله كانت تعمل وراء الأحداث، فحوَّل الشرور إلى خير أعظم، إذ يقول يوسف لإخوته، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٠أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْباً كَثِيراً. (تك٥٠: ٢٠)، ورغم كل الآلام التي مَرّ بها أيوب، أعلن في النهاية إيمانه وثقته في الله، الذي ردّ له كل شيء له أضعافًا، وأظهر بره وعدله، كما جاء في سفر "أيوب": ١٠وَرَدَّ الرَّبُّ سَبْيَ أَيُّوبَ لَمَّا صَلَّى لأَجْلِ أَصْحَابِهِ وَزَادَ الرَّبُّ عَلَى كُلِّ مَا كَانَ لأَيُّوبَ ضِعْفاً. (أي٤٢: ١٠).
فالإنسان المؤمن، بصفته ابناً لله، يعيش معه ويسير بحسب القوانين الأربعة السابقة التي أعلنها في كلمته المقدسة، ويعلم أن الله يسمح بوجود وحدوث الشر، لكن بشكل محدود، لأن الشر موجود في هذا العالم، والعالم كله وضع في الشرير (١يو٥: ١٩)، فقد أعطانا الله مع التجربة طاقة نجاة ومنفَّذ كي نحتمل، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ١٣لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ، بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا. (١كو١٠: ١٣)، ونقول في الصلاة الربانية، كما جاء في إنجيل "متى": ١٣وَلاَ تُدْخِلْنَا فِي تَجْرِبَةٍ لَكِنْ نَجِّنَا مِنَ الشِّرِّيرِ. لأَنَّ لَكَ الْمُلْكَ وَالْقُوَّةَ وَالْمَجْدَ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ. (مت٦: ١٣)، أي لا تسمح يارب بأن ندخل في تجربة تفوق قدرتنا، والمؤمن واثق أنه حين يسمح الله بالتجربة، فهو يرافقه فيها بحضور إلهي فائق للطبيعة، كما جاء في سفر "إشعياء": ٢إِذَا اجْتَزْتَ فِي الْمِيَاهِ فَأَنَا مَعَكَ وَفِي الأَنْهَارِ فَلاَ تَغْمُرُكَ. إِذَا مَشَيْتَ فِي النَّارِ فَلاَ تُلْذَعُ وَاللَّهِيبُ لاَ يُحْرِقُكَ. (إش٤٣: ٢)، فحضور الله لا يقتصر على التعزية والتشجيع والفرح وسط الألم، بل يعمل أيضاً للتنقية والتطهير ليجعل المؤمن شخصاً أفضل، كما يقول داود في سفر "المزامير": ١٠قَلْباً نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.(مز٥٠: ١٠)، كما يعلم المؤمن أن الله سيتدخّل في النهاية ليحوّل الشر إلى خيرٍ أعظم، وهذا ما يحدث دائماً مع جميع الذين يعرفون الله ويعيشون معه، فحتى تلك التدخلات لم يتركها الله عشوائية، بل أعلن بوضوح لمن يتدخّل، وكيف يتدخّل، وما هي القوانين التي تحكم تدخّله، وقد كتب هذه المبادئ وأعلنها منذ القديم، ولسنا نخترعها الآن لتفسير ما نمرّ به من أحداث، وهذا يؤكد أن فكرة "القدرية" ما هي إلَّا اتهام باطل لله في صلاحه، وتشويه لصورته الحقيقية.
ما هي الشروط التي حددها الله لتدخُّله في حياة المؤمنين؟ نرجو إعطاء مثالاً من الكتاب المقدس يوضّح كيف يتدخّل الله بطريقة استثنائية ليحوّل الشر إلى خير وأن يجد الإنسان منفذاً وطاقة نجاة؟
ذكرتَ أن هناك أربعة أوجه للطريقة الاستثنائية التي يتدخل بها الله، أمّا الشروط فهي: أن تكون حياة الإنسان المؤمن مِلكًا له، وأن يصدّق المؤمن الله ويضع ثقته فيه، وأن يُودع حياته بين يديه، وعندئذٍ يصبح الله وليّ أمره ومسؤولاً عنه، أمَّا إذا لم يكن الإنسان مِلكاً له، إذن فالله غير مسؤول عنه، ولن يكون له الحق بالتدخُّل في حياته، لأن ذلك سيكون اقتحاماً لحرية الإنسان الشخصية، والله يحترم حرية الإنسان، صحيح أن الله يتدخل - بصورة عامة - في التاريخ، نعم، مثلاً: خطة الخلاص التي أعدَّها، فقد تدخَّل واقتحم التاريخ ليرسل الرب يسوع المسيح مُخلِّصاً للعالم، لكي يعالج مشكلة الإنسان ويمنحه الفرصة للرجوع إلى الله، كما أن الله من حين لآخر يتدخَّل في مسار التاريخ ليُبقى النور قائماً، لأن النور (المعرفة) والحرية هما العمودان الأساسيان لقانون حرية الإنسان؛ إذ إن الجهل ينفي وجود الحرية، وإذا غابت الحرية انتفت المسؤولية، إذن، نرى أن الله يتدخّل في التاريخ بصورة عامة؛ مثل خطة الخلاص، أو حين يُبقي النور مضيئًا للبشرية من وقت إلى آخر، عبر أعمال إلهية فائقة للطبيعة في مكان أو زمان معيّن، كظهور للملائكة، أو ظهور علامة للصليب في موضع محدّد، كل ذلك ليؤكّد للبشرية: "أنا موجود، أنا حقيقي، ولستُ أخدعكم"، ولكن التدخًّلات الشخصية الفردية في حياة الناس متوقفة على العلاقة اللي بينهم وبينه.
لنأخذ مثالًا من قصة يوسف، فهي من أكثر القصص المعروفة للجميع، ومن خلالها يمكننا أن نرى بوضوح هذه المبادئ الأربعة، فقد امتلأ قلب إخوة يوسف حسدًا وغيظًا منه بسبب محبَّة أبيهم يعقوب (إسرائيل) الخاصة له، إذ صنع له قميصاً ملوناً يميّزه عنهم، وزاد الأمر سوءاً عندما بدأ يوسف يقصّ عليهم أحلامه التي كانت تشير إلى علو شأنه وسيادته عليهم وخضوعهم له، ففي الحلم الأول رأى أنهم كانوا في الحقل يحزمون حزماً، وإذا بحزمته قد قامت وانتصبت واحتاطت حزم إخوته والتفَّت حولها وسجدت حزمهم لحزمته، وفي الحلم الثاني رأى الشمس والقمر وأحد عشر كوكباً يسجدون له، فوبَّخه أبوه على ذلك، بينما امتلأ إخوته حسداً وكراهية ضده (تك٣٧: ١-١١) حتى قرروا التخلّص منه وقتله، لكنَّ الله أنقذه من خلال تدخُّل الأخ الأكبر (رأوبين)، إذ طلب منهم أن يطرحوه في البئر فقط ولا يقتلوه، كما رفض (يهوذا) أن يقتلوه واقترح عليهم بيعه للتجار الإسماعيليين، ولكن رجال مديانيِّون هم الذين أخرجوه من البئر وباعوه، كما جاء في سفر "التكوين": ١٨فَلَمَّا أَبْصَرُوهُ مِنْ بَعِيدٍ قَبْلَمَا اقْتَرَبَ إِلَيْهِمِ احْتَالُوا لَهُ لِيُمِيتُوهُ. ١٩فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: «هُوَذَا هَذَا صَاحِبُ الأَحْلاَمِ قَادِمٌ. ٢٠فَالآنَ هَلُمَّ نَقْتُلْهُ وَنَطْرَحْهُ فِي إِحْدَى الآبَارِ وَنَقُولُ: وَحْشٌ رَدِيءٌ أَكَلَهُ. فَنَرَى مَاذَا تَكُونُ أَحْلاَمُهُ». ٢١فَسَمِعَ رَأُوبَيْنُ وَأَنْقَذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَقَالَ: «لاَ نَقْتُلُهُ». ٢٢وَقَالَ لَهُمْ رَأُوبَيْنُ: «لاَ تَسْفِكُوا دَماً. اطْرَحُوهُ فِي هَذِهِ الْبِئْرِ الَّتِي فِي الْبَرِّيَّةِ وَلاَ تَمُدُّوا إِلَيْهِ يَداً» - لِكَيْ يُنْقِذَهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ لِيَرُدَّهُ إِلَى أَبِيهِ...٢٦فَقَالَ يَهُوذَا لإِخْوَتِهِ: «مَا الْفَائِدَةُ أَنْ نَقْتُلَ أَخَانَا وَنُخْفِيَ دَمَهُ؟ ٢٧تَعَالُوا فَنَبِيعَهُ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ وَلاَ تَكُنْ أَيْدِينَا عَلَيْهِ لأَنَّهُ أَخُونَا وَلَحْمُنَا». فَسَمِعَ لَهُ إِخْوَتُهُ. ٢٨وَاجْتَازَ رِجَالٌ مِدْيَانِيُّونَ تُجَّارٌ فَسَحَبُوا يُوسُفَ وَأَصْعَدُوهُ مِنَ الْبِئْرِ وَبَاعُوا يُوسُفَ لِلإِسْمَاعِيلِيِّينَ بِعِشْرِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَأَتُوا بِيُوسُفَ إِلَى مِصْرَ. (تك٣٧: ١٨-٢٢، ٢٦-٢٨).
وهكذا لم يسمح الله أن تُختتم حياة يوسف، لأن له خطة في حياته، فأنقذه من الموت، وإن كان قد بيع عبداً، فالله "لا يدعنا نُجرَّب فوق ما نحتمل"، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "كورنثوس": ١٣لَمْ تُصِبْكُمْ تَجْرِبَةٌ إِلاَّ بَشَرِيَّةٌ. وَلَكِنَّ اللهَ أَمِينٌ الَّذِي لاَ يَدَعُكُمْ تُجَرَّبُونَ فَوْقَ مَا تَسْتَطِيعُونَ بَلْ سَيَجْعَلُ مَعَ التَّجْرِبَةِ أَيْضاً الْمَنْفَذَ لِتَسْتَطِيعُوا أَنْ تَحْتَمِلُوا. (١كو١٠: ١٣)، كما منح الله يوسف طاقة نجاة ومنفذ، إذ أعطى له نعمة في عينيّ (فوطفيار) رئيس شرطة فرعون (أي وزير الداخلية حالياً)، وبدلاً من أن يظل عبداً خادماً صار مديراً للمنزل ووكيلاً عليه وكان يوسف رجلاً ناجحاً وبارك الرب بيت المصري وحقله (تك٣٩: ١-٦)، غير أن امرأة فوطيفار راودته عن نفسه إذ كان حسن المنظر، وطلبت منه أن يضطجع معها ورفض يوسف فسيده قد وضع كل شيء في يده فلم يشأ أن يخطئ وألحَّت على يوسف كثيراً ولكنَّه ظل متمسكاً بأمانته، كما يضيف سفر "التكوين": ٧وَحَدَثَ بَعْدَ هَذِهِ الأُمُورِ أَنَّ امْرَأَةَ سَيِّدِهِ رَفَعَتْ عَيْنَيْهَا إِلَى يُوسُفَ وَقَالَتِ: «اضْطَجِعْ مَعِي». ٨فَأَبَى وَقَالَ لامْرَأَةِ سَيِّدِهِ: «هُوَذَا سَيِّدِي لاَ يَعْرِفُ مَعِي مَا فِي الْبَيْتِ وَكُلُّ مَا لَهُ قَدْ دَفَعَهُ إِلَى يَدِي. ٩لَيْسَ هُوَ فِي هَذَا الْبَيْتِ أَعْظَمَ مِنِّي. وَلَمْ يُمْسِكْ عَنِّي شَيْئاً غَيْرَكِ لأَنَّكِ امْرَأَتُهُ. فَكَيْفَ أَصْنَعُ هَذَا الشَّرَّ الْعَظِيمَ وَأُخْطِئُ إِلَى اللهِ؟» (تك٣٩: ٧-٩)، وعندما كانا على انفراد يوماً طلبته فأمسكت ثوبه وهرب منها، فنادت أهل البيت وافترت عليه أنه أراد أن يعتدي عليها ويضطجع معها وأنه هرب عندما صرخت، وحين عاد زوجها أخبرته فغضب على يوسف وسجنه في سجن أسرى الملك، وكان الرب مع يوسف أيضاً ووجد نعمة في عينيّ رئيس بيت السجن، وأوكله رئيس السجن بكل الأسرى، وكان الرب ينجحه مهما صنع. (تك٣٩: ١١-٢٣)، فأصبح يخدم في السجن بدلاً من أن يُحبَس في الزنزانة، وهكذا يرى الإنسان بصفته ابنٍاً لله، أن الله لا يترك الشر ليُفسد خطته لحياته لأن حياة المؤمن بين يديه، بل يضع له حدوداً، "فلا يدعنا نجرب فوق ما نستطيع" (١كو١٠: ١٣).
فقد يقع على المؤمن الظلم مثل بقية البشر، لكنَّ الله يعطي المؤمن طاقة نجاة كي يحتمل، كما منح (يوسف) نعمة في عينيّ فوطيفار، ونعمة في عينيّ السجان، ونعمة في عينيّ فرعون في نهاية الأمر، هذه النعمة لم تُخرجه من السجن فوراً، لكنها أعطته قوة للاحتمال، فطاقة النجاة ليست دائماً خلاصاً من الضيق، بل معونة لاحتماله، ولهذا تقول الآية: "لكي نحتمل" (١كو١٠: ١٣)، ثم نرى أن الرب كان مع يوسف في كل مراحل الطريق وباركه، كما تكررت عبارة: "وكان الرب مع يوسف" في القصة أربعة مرَّات، كما جاء في سفر "التكوين": ٢وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يُوسُفَ فَكَانَ رَجُلاً نَاجِحاً. وَكَانَ فِي بَيْتِ سَيِّدِهِ الْمِصْرِيِّ.
وقد كان يوسف يتمنى أن تتحوّل طاقة النجاة التي اختبرها إلى خلاصٍ كامل من محنته، إذ كان يوسف يحلم بخلاصٍ يبدّل واقعه الأليم، غير أن انتظار تحقق هذا الخلاص استمر ثلاثة عشر عاماً، وقد لا يتحقق أحياناً بحسب رغبة الإنسان أو توقيته، لذلك نقول إن طاقة النجاة التي يمنحها الله ليست لتحقيق أحلامنا، بل لتمكيننا من احتمال التجربة والصبر عليها، لكن الأهم من كل ذلك أن الرب كان مع يوسف بصورة فائقة للطبيعة طوال رحلته، كما تؤكد العبارة المتكررة في القصة: "وكان الرب مع يوسف" (تك ٣٩: ٢، ٢١، ٢٣)، فلم يكن حضور الله مجرَّد تعزية أو تشجيع أو فرح وسط الألم والظلم، بل كان أيضاً حضوراً من أجل تنقيته وإعداده للمأمورية التي أعدها له الله، فقد حوَّل الرب هذا الشاب المدلَّل، الذي تربى في كنف أبيه مرتدياً القميص الملوَّن، إلى رجلٍ ناضج يفهم في الاقتصاد والسياسة، إذ تعلَّم تدبير بيت فوطيفار، رئيس الشرطة أي وزير الداخلية حالياً، وكذلك قام بالاهتمام بالحقل بما يحتويه من غنم وبقر، فصار الله يُهيِّئه بخطوات دقيقة لمستقبله العظيم، فتعلّم يوسف علم الاقتصاد، ثم حين أُلقي في السجن، لم يكن في سجن عادي، بل في سجن سياسي، حيث كان مسجوناً فيه رئيس السقاة ورئيس الخبازين، فتعلّم هناك السياسة أيضاً، في وسط تلك الظروف الصعبة، كان الله يُنقّيه ويُعدّه لتحقيق مقاصده.
كان يوسف متهمًا ظلماً بالاعتداء على امرأة فوطيفار رئيس شرطة فرعون (أي وزير الداخلية في عصرنا الحالي)، وهي تهمة خطيرة بلا مخرج، كما أنه كان عبداً غريباً لا يملك أي حقوق، وقد سخطَ فرعونُ على خصيَّيْه، رئيسِ السقاةِ ورئيسِ الخبَّازين، لأنهما أذنبا في حقِّه، فسجنهما مع يوسف، وحلُم الاثنان حلماً في ليلةٍ واحدة، ولم يجدا تفسيراً لحلميهما فحزنا، وطلب يوسف منهما أن يقصا حلميهما كي يفسرهما، إذ رأى رئيسُ السقاة في حلمه أن شجرةَ كرمة أمامه، ولها ثلاثةُ قضبان، وقد أفرخت ونضجت وأنتجت عنباً، فعصر العنبَ وأعطى كأسَ عصيرِ العنبِ لفرعون، فأخبره يوسف أن الثلاثةَ قضبان هي ثلاثةُ أيام، وبعدها سيعود إلى عمله، وطلب منه أن يذكره عند فرعون ليُخرجه من السجن، لأنه بريء. (تك٤٠: ١-١٥)، وقص على يوسف رئيس الخبازين حلمه أيضاً عندما عبَّر جيداً عن حلم رئيس السقاة، حيث حلم بثلاثة سلال فوق رأسه، في السل الأعلى طعام لفرعون صنعة يد الخباز والطيور تأكله، ففسر يوسف أن الثلاثة سلال هي ثلاثة أيام أيضاً حيث سيعلِّقه فرعون على خشبة وتأكل الطيور لحمه، وحدث ذلك بالفعل يوم ميلاد فرعون، كما أعاد فرعون رئيس السقاة إلى عمله إذ نجا أحدهما ومات الآخر، ولكنه رئيس السقاة نسي يوسف فلم يذكره عند فرعون. (تك٤٠: ١٦-٢٣).
بعد عامين، حلم فرعون حلماً، حيث هو واقف عند النهر، وكانت هناك سبع بقرات خارجة من النهر حسنة المنظر وسمينة، وكانت ترعى في روضة، وهناك سبع بقرات أخرى خارجة من النهر أيضاً ولكنها قبيحة المنظر ورقيقة اللحم وقفت بجوار البقرات الأولى وأكلتها، وحلم حلماً آخر وهو سبع سنابل خارجة من ساق واحدة سمينة وحسنة وسبع سنابل رقيقة، فابتلعت السنابل الرقيقة السنابل السمينة، وفشل جميع السحرة والحكماء في تفسير الحلمين، وأخبره رئيس السقاة عن يوسف الغلام العبراني الذي فسَّر الأحلام وتحققت، واستدعى فرعون يوسف وفسَّر حلم فرعون، فالبقرات السبعة الحسنة والسنابل السبع الحسنة هما سبع سنين شبع عظيم في مصر، والبقرات السبع القبيحة والسنابل السبع الفارغة هي سبع سنين جوع شديد، وطلب يوسف من فرعون تعيين رجل حكيم على أرض مصر، وأن يجمع خُمس غلة مصر في سنوات الشبع تحسباً لسنوات الجوع، فعيَّن فرعون يوسف على أرض مصر ونادوا أمامه اركعوا، وأعطاه فرعون خاتمه وأسماه "صفنات فعنيح"، وزوَّجه أسنات بنت فوطي فارع كاهن أون، وكان عمر يوسف ثلاثون عاماً، وفعل يوسف كل ما اتفقوا عليه، وأثمرت الأرض في سبع سنين وقام يوسف بتخزين القمح والطعام. (تك٤١: ١-٤٩).
فصار يوسف الرجل الثاني في مصر بعد فرعون، وأنجب يوسف ولدين قبل سنة الجوع وهما: منسَّى لأن الرب أنساه تعبه، وإفرايم لأن الرب جعله مثمراً، وجاءت السبع سنوات الجوع وجاءت الأرض كلها لتشتري قمحاً من يوسف. (تك٤١: ٥٠-٥٧)، وهكذا حوّل الله الشرّ إلى خير، كما جاء في سفر "التكوين": ٢٠أَنْتُمْ قَصَدْتُمْ لِي شَرّاً أَمَّا اللهُ فَقَصَدَ بِهِ خَيْراً لِكَيْ يَفْعَلَ كَمَا الْيَوْمَ لِيُحْيِيَ شَعْباً كَثِيراً. (تك٥٠: ٢٠)، كما جعل الله من كل الألم والمظالم التي مرّ بها يوسف طريقًا لتحقيق قصده الإلهي، إذ لم تُفسد كل الظروف القاسية خطته الأصلية في حياة هذا الإنسان الذي اجتاز التجارب دون أن يدرك تماماً كيف كان الله يتمِّم مقاصده فيه، فرأينا تحقيق الأربعة أوجه للطريقة الاستثنائية للتدخُّل الإلهي، وكيف كان يوسف يجتاز فيه دون أن يراهم ويشعر بهم.
لم يكن يوسف يرى نهاية واضحة لطريقه، لكن ما ثبّت قلبه وجعله يواصل المسيرة حتى النهاية لم يكن فقط رؤيته للحلم الذي رآه في صغره، بل رؤيته الأعمق لحضور الله معه وشعوره بالمعية الإلهية في كل خطوة، لذلك لم يتذمّر من الله، بل بقي متمسكًا بالثقة فيه، تاركًا المجال له أن يتدخَّل في وقته، لم يفقد الأمل قط، فلو كان فقد الأمل لتوقف عن خدمة السجَّان أو عن خدمة فرعون لاحقًا، وربما قال: "وما شأني؟ ليدبر كلٌّ أمره"، لكنه لم يفعل ذلك، لقد احتفظ يوسف بإيمانه، ولم يتذمر أو يتمرد أو يفقد الرجاء. وليس هذا سلوكًا نابعاً من طبيعة شخصية هادئة أو متزنة، لأن الإنسان المظلوم لا يتصرف بهذه الطريقة عادة، بل السبب الحقيقي هو علاقته العميقة بالله، فقد كان يوسف مدلّلاً ومحبوباً من أبيه، ومع ذلك أظهر نضجاً روحياً عجيباً في بيت فوطيفار وفي السجن، مخالفاً لطبيعته في فترة شبابه الأولى، لذلك أؤمن أن علاقته الشخصية بالله كانت هي المفتاح الذي جعل كل اختياراته صحيحة، لأن العلاقة مع الله هي التي تحدد اختيارات الإنسان.
كيف نفهم فكرة «القدرة على الاحتمال» أمام آلام قاسية تسحق الإنسان؟ وهل الله قدّر هذا الألم، أم يمنح طاقة لاحتماله؟ وهل يشمل ذلك الجميع أم المؤمنين فقط؟
هذه ليست خطة الله، بل خطة البشر، فالأمر هنا معاكس تماماً لفكرة القدرية، لكننا كثيراً ما نخلط بينهما، فالله يتدخَّل في حياة كل إنسان يضع ثقته فيه، ولا يعلّمنا الكتاب المقدس فكرة القدرية، حين يقول: «إِنْ شَاءَ الرَّبُّ وَعِشْنَا"، كما جاء في رسالة "يعقوب": ١٣هَلُمَّ الآنَ أَيُّهَا الْقَائِلُونَ: «نَذْهَبُ الْيَوْمَ أَوْ غَداً إِلَى هَذِهِ الْمَدِينَةِ أَوْ تِلْكَ، وَهُنَاكَ نَصْرِفُ سَنَةً وَاحِدَةً وَنَتَّجِرُ وَنَرْبَحُ». ١٤أَنْتُمُ الَّذِينَ لاَ تَعْرِفُونَ أَمْرَ الْغَدِ! لأَنَّهُ مَا هِيَ حَيَاتُكُمْ؟ إِنَّهَا بُخَارٌ، يَظْهَرُ قَلِيلاً ثُمَّ يَضْمَحِلُّ. ١٥عِوَضَ أَنْ تَقُولُوا: «إِنْ شَاءَ الرَّبُّ وَعِشْنَا نَفْعَلُ هَذَا أَوْ ذَاكَ». (يع٤: ١٣-١٥)، فهذه الآية لا تعبّر عن فكرٍ قدريّ، ولا تعني أن الله يفرض علينا الأحداث ويقدِّر لنا الأمور دون إرادتنا، أمّا الفكر القدري الذي يقول إن كل ما يحدث قد قُدّر مُسبقًا علينا من الله، فهو فكر يُشوِّه صورة الله الصالح الكثير الرحمة المُحب، لأننا إن قبلنا بذلك، نكون قد اتهمنا الله بالظلم والقسوة والسادية، وكأنّه إلهٌ يستمتع بعذابات البشر، وهذا فكر مرفوض تماماً، لأن إله الكتاب المقدس ليس إلهًا ساديَّاً، بل إله محبة ورحمة وصلاح، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى": ٨وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ ٱللهَ، لِأَنَّ ٱللهَ مَحَبَّةٌ .(١يو٤: ٨، ١٦)، كما جاء في سفر "المزامير": ٥لأَنَّ الرَّبَّ صَالِحٌ. إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتُهُ وَإِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُهُ. (مز١٠٠: ٥)، ويقول داود: ٨اَلرَّبُّ حَنَّانٌ وَرَحِيمٌ، طَوِيلُ ٱلرُّوحِ وَكَثِيرُ الرحمة. (مز١٤٥: ٨).
إنّ قسوة ظروف الحياة هي في حدّ ذاتها أعظم دليل على بطلان الفكر القدري، فلو كان هناك إنسان قد وُلد في ظروف مريحة ومرفّهة، ورأى الآخرين يعيشون في نفس ظروفه، لربما كان ميّالًا إلى الإيمان بالقدرية، لأنه كان سيرى الحياة جميلة ويظنّ أن الله قد قدّر له الخير فحسب، لكن الواقع مختلف، إذ إن أغلب العالم يعيش في معاناة شديدة، ولكن لا يمكن أن يكون هذا هو قدر الله لهم، إن كان الله هو من قرّر أن يعيش الناس في البؤس والشقاء، فذلك يعني أنه يستمتع برؤية البشر يتألّمون! فحينئذٍ لا يكون "صَالِحاً، وَلاَ إِلَى الأَبَدِ رَحْمَتُهُ، وَلاَ إِلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ أَمَانَتُهُ"(مز١٠٠: ٥)، فالواقع أن أغلبية البشر يعانون من الألم أكثر مما يذوقون الفرح، وفي مصر مثلاً يعيش أكثر من ٤٠٪ من السكَّان تحت خط الفقر، وفي دول أخرى كالصومال تبلغ نسبة الفقراء نحو ٩٩.٩٪.
وإن تأملنا التاريخ الإنساني، نرى أن الحروب والمجازر والمظالم شكّلت القسم الأكبر منه، منذ العصور القديمة إلى اليوم، حتى إن أوروبا وحدها ذاقت ويلات حربين عالميتين دامتا أكثر من أربعين عاماً، وقد تتابعت الإمبراطوريات عبر التاريخ، فكلٌّ منها كانت تسحق التي تسبقها، وهكذا ظلّ تاريخ البشرية، منذ بدايته حتى يومنا هذا، حافلًا بالمآسي والمظالم والألم أكثر بكثير من لحظات الفرح؛ فأزمنة الأتراح غلبت وتجاوزت أوقات الأفراح في صفحات التاريخ الإنساني، فلا يمكن أن تكون تلك المآسي مكتوبة ومقدّرة من الله، لأن الله عادل ورحيم، وأذكر أنني كنت ذات يوم مستقلاً سيارة أجرة (تاكسي)، وكان السائق يتحدث عن جريمة قتل شهيرة، فقال لي: "يا بيه، مقدّر ومكتوب". فسألته: "لمن مكتوب؟ للذي قُتِل؟" قال: "طبعاً، مكتوب له يموت"، قلت له: "وأمّا القاتل؟" قال: "هو كمان مكتوب له يقتل، عشان ده يموت!"، فقلت: "إذن لماذا يُدان القاتل ويُعاقب إذا كان الله هو من قدّر عليه القتل؟،" فهو في هذه الحالة ليس قاتلاً بالاختيار، لكنَّه قاتل بالجبر، إن هذا المنطق يلغي حرية الإنسان تماماً، ويحوّله إلى آلة مسيّرة، وهو فكر يتعارض مع صلاح الله وعدله وقانونه الأدبي الأخلاقي، الذي أعطى للإنسان حرية الاختيار وأن يكون مسؤولاً عن اختياره، لذلك فأنا أرفض مفهوم القدرية.
والأمر نفسه ينطبق على فكرة "القَسْمَة والنصيب" في الزواج. فكم من زيجات فاشلة يعيش أصحابها في تعاسة دائمة لأن شخصياتهم لا تنسجم مع بعضها البعض على الإطلاق! فهل يمكن القول إن الله هو من جمعهم ليعيشوا في شقاء؟! كلا، لأن الله لا يربط بين شخصين ليعذّبهم.، إذ يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "متى": ٦إِذاً لَيْسَا بَعْدُ اثْنَيْنِ، بَلْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. فَالَّذِي جَمَعَهُ اللَّهُ لاَ يُفَرِّقُهُ إِنْسَانٌ». (مت١٩: ٦) و(مر١٠: ٩)، فلا تعني الآية أن كل زواج يتم هو من ترتيب الله، لذلك ففكرة "القَدرية" و"القَسْمَة والنصيب" ليست سوى اتهامٍ لصلاح الله، لأن الله لا يُخطئ في محبَّته، ولا يريد الشر أو التعاسة للبشر.
هل يمكن اعتبار الإيمان بالقدرية نوعاً من توقير الله، لأنه القدير والقادر على كل شيء، فكيف أقول إذًا إنه لا يستطيع أن يتدخَّل؟
إن الله قادر أن يتدخَّل، لكنه يمنع نفسه عن التدخُّل احتراماً للقوانين التي وضعها، فالله إله محترم، يحترم كلمته وقراراته، فقد اعتدنا نحن كبشر على أن من يملك السلطة لا يحترم كلمته مع الآخرين ويفرض إرادته عليهم، فيقهرهم بقوته؛ الرجل يقهر المرأة لأنه أقوى، والحاكم يقهر الشعب لأنه يملك السلطة والقوة، لكن الله ليس كذلك، لأن الذي يقهر غيره إنما يعوّض نقصاً في داخله، أمَّا الله فهو كامل وليس فيه نقص، إذ يؤكد الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٤٨فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ. (مت٥: ٤٨)، فالله قدير وقادر حقًّا، لكنَّه يختار أن يحترم حرية الإنسان، فيمنع نفسه بإرادته عن فرض التدخُّل، فقدرته خاضعة لإرادته، لا إرادته خاضعة لقدرته، فالله لا يفعل كل ما يقدر عليه، بل يفعل ما يريد، وما يريده نابع من طبيعته الصالحة، هو يستطيع أن يُدمّر الشر فوراً، لكنه يختار أن يعمل من خلال القوانين التي وضعها، ويحترم هذه القوانين ليعلّمنا نحن أيضاً احترامها، نحن اعتدنا أن واضع القانون يضع نفسه فوق القانون، لكن الله ليس كذلك، واضع القانون الإلهي هو أول من يلتزم به.
قبل أن تجمع المجموعة
هذا الدرس هو ٢٣ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.
- ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
- ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
- ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.
«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ٨ بقيت دروس لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً