الوحي - الأناجيل الأربعة

الدرس ٢ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. الوحي - الأناجيل الأربعة

    في الحلقة السابقة، ناقشنا ثلاث كلمات استفهامية هامة تساعدنا في فهم أي موضوع عند الإجابة عليها، وهي: ماذا؟ لماذا؟ وكيف؟، ومن خلال هذه الأسئلة نستطيع أن نفهم ونحيا بوعي وإدراك كبير، كما تطرقنا إلى مفهوم الإيمان موضحين أنه ليس نقيض الفهم، بل نقيض العيان، بالإضافة إلى ذلك، بدأنا الحديث عن الوحي الذي يمكننا من الفهم والحياة، حيث إن كلمة الله لم تكن وحياً حرفياً لأن "الحرف يقتل" وإنما كانت وحياً ينقل إلينا المعنى، ونواصل في هذه استكمال شرح هذا الموضوع.

    ذكرنا أن الكتاب المقدس يتكوّن من كتابات سبقت مجيء المسيح (العهد القديم) وكتابات جاءت بعده (العهد الجديد)، كما تناولنا كيفية تجميع هذه الكتابات وترجمتها إلى اللغة اليونانية، فأصبح لدينا نسختين قبل مجيء المسيح وهما: النسخة العبرية الآرامية والنسخة اليونانية.

    متى وكيف تمت ترجمة العهد القديم إلى اليونانية؟

    هذه الترجمة - المعروفة بالترجمة السبعينية - تمت بأمر من الإمبراطور الروماني في الإسكندرية عام ٢٥٠ ق.م، حيث تم استدعاء سبعين شيخاً وتم وضع كل منهم في غرفة منفصلة لترجمة الكتاب المقدس (العهد القديم) من اللغة العبرية والآرامية إلى اليونانية القديمة لأنها كانت اللغة الرسمية في ذلك الوقت، وعندما انتهوا تبين أن ترجماتهم متطابقة تماماً دليلاً على أنها صادقة وأمينة، وتم جمع الكتاب المقدس (العهد القديم) بدءًا من موسى وأسفاره الخمسة وحتى سفر ملاخي وهو آخر الأنبياء، وإلى جانب الترجمة اليونانية فنحن ما زلنا نحتفظ أيضًا بالنسخة العبرية الآرامية، مما يضمن الحفاظ على النصوص الأصلية.

  2. لماذا يحتوي العهد الجديد على أربعة أناجيل بدلًا من الاكتفاء بإنجيل واحد؟

    قد تم تدوين وتسجيل أقوال وحياة السيد المسيح من قبل أربعة أشخاص وليس شخصاً واحداً نظرا لغنى تعاليمه وحياته، فلو قام شخص واحد فقط بتسجيلها، لكانت رؤيته مقتصرة على زاوية واحدة، ويمكن تشبيه ذلك بتصوير برنامج تلفزيوني، حيث تُستخدم عدة كاميرات، وكل مصور يلتقط المشهد من زاويته الخاصة، مما ينتج في النهاية صورة بانورامية مجسًمة، وبما أن روايات الأربعة متوافقة أو متشابهة إلى حد كبير، فإن هذا يؤكد أن القصة التي قاموا بروايتها صادقة وحقيقية، وقد كتب كتّاب الأناجيل الأربعة إلى جماعات مختلفة، فكتب متى (لليهود) وكتب مرقس (للرومان) وكتب لوقا (لليونانيين) وكتب يوحنا (للعالم أجمع)، فهؤلاء الأربعة كتبوا ما سمعوه وما رأوه كشهود عيان بنفس المحتوى والمعنى والروح، وركز متى على المسيح (الملك) وركز مرقس على المسيح (الخادم) الذي سدد احتياجات الآخرين وركز لوقا على معجزات المسيح وحياته (كابن الإنسان) وركز يوحنا على ألوهية المسيح (ابن الله).

    هل أثّرت شخصيات كتّاب الأناجيل الأربعة في كتاباتهم؟

    بالطبع، فعلى سبيل المثال ركز "لوقا" الطبيب على معجزات السيد المسيح وتتبع قصة حياته بأكثر دقة وتفصيلاً بدءاً من الميلاد وحتى القيامة، فتميز أسلوب كتابته بالدقة في ترتيب الأحداث وتسلسلها التاريخي ووضوح المعلومات التي يقدمها، حيث يقول:

  3. إِذْ كَانَ كَثِيرُونَ قَدْ أَخَذُوا بِتَأْلِيفِ قِصَّةٍ فِي الأُمُورِ الْمُتَيَقَّنَةِ عِنْدَنَا كَمَا سَلَّمَهَا إِلَيْنَا الَّذِينَ كَانُوا مُنْذُ الْبَدْءِ مُعَايِنِينَ وَخُدَّاماً لِلْكَلِمَةِ رَأَيْتُ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ تَتَبَّعْتُ كُلَّ شَيْءٍ مِنَ الأَوَّلِ بِتَدْقِيقٍ أَنْ أَكْتُبَ عَلَى التَّوَالِي إِلَيْكَ أَيُّهَا الْعَزِيزُ ثَاوُفِيلُسُ لِتَعْرِفَ صِحَّةَ الْكَلاَمِ الَّذِي عُلِّمْتَ بِهِ. (مت١:١-٣)

    تمامًا كما هو الحال في أسفار العهد القديم، فقد عبّر كل كاتب عن نبوته بأسلوبه الخاص، ولكن بإلهام إلهي ويقول بطرس: ٢١لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ. (٢بط١:٢١) لذلك استخدم الشاعر الأسلوب الشعري، وكتب سليمان الحكيم بلغة راقية جداً، بينما كتب الشخص البسيط بأسلوب بسيط ومباشر وكذلك فعل "عاموس" راعي الغنم، إذ جاءت كتاباته بأسلوب بسيط يتناسب مع خلفيته، أما "إشعياء" فقد كتب بأسلوب أدبي راقٍ، وفي العهد الجديد لم تكن لغة بولس اليونانية فصيحة فكتب بلغة بسيطة بينما كتب يوحنا بلغة يونانية فصيحة مع إن بولس كتاباته اللاهوتية أعمق وشرحه اكثر تعقيداً لكن لغته أبسط، فلو كان الوحي إملاءً مباشراً من قبل الله، لكانت جميع الأسفار مكتوبة بأسلوب واحد نثراً أم شعراً وهذا ما لم يحدث، لذلك ما يهمنا حقاً هو أن يكون المعنى غير متضارب ومنطقي وواقعي ينطبق في الحياة ويتحقق من خلال الإجابة على الأسئلة التالية: ماذا؟ ولماذا؟ وكيف؟، إذ إن أي رسالة غير مقنعة لا يمكن أن تكون من الله.

  4. أليس من الضروري أن يكون الكتاب المقدس مقنعًا لجميع الناس حتى يُعتَبر دليلًا على أنه موحى به من الله؟

    بالطبع، فالكتاب المقدس مقنع للعقل البشري كله وليس جماعة من الناس فقط، فجميع الذين آمنوا بالمسيح وأتبعوه لم يكونوا في الأصل مسيحيين، فعلى سبيل المثال، رغم أن الديانة اليهودية لم تعترف بمجيء السيد المسيح إلا أن بولس الذي كان يُدعى شاول الطرسوسي ويضطهد الكنيسة أصبح رسولاً للمسيحية، وكذلك آمن الكثيرون الرومان واليونانيين، وعلى الرغم من أن المسيحية تحمل تعاليم يصعب على البعض قبولها - مثل تجسد الله، وموته من أجل البشرية، وقيامته من الأموات - إلا أن الإنجيل يستمر في الانتشار بين غير المسيحيين في مختلف أنحاء العالم، وكلما كانت الرسالة الإيمانية تحمل تفاصيل عميقة ومعقدة، كان ذلك دليلًا على أصالتها وعدم تحريفها.

    في سفر "أعمال الرسل"، يروي "لوقا" الأحداث التاريخية موضحاً ما قاله وما فعله السيد المسيح، بينما تقدم الرسائل شرحاً وتفسيرًا معمقًا لمعاني موت المسيح وقيامته وأسبابها إضافة إلى تفسير الأسباب التي تقف وراء أقواله وأفعاله، ودوري أنا كمؤمن هو أن أعيش وفق هذه التعاليم وأسلك كما سلك المسيح، وتكمن أهمية الأناجيل الأربعة في أنها تشكّل معًا صورة بانورامية متكاملة، بحيث لا يمكن الاستغناء عن أي منها أو الاكتفاء بإنجيل واحد فقط، لأن كل منهم يؤكد ويكمّل ويثبت صحة الآخر.

  5. ويُختتم الكتاب المقدس بـ “رؤيا يوحنا اللاهوتي" وهو سفر رؤيوي يتناول العالم الروحي، حيث يسلط الضوء على الماضي والحاضر والمستقبل بنظرة رؤيويه جميلة من خلال رؤيا للسماء وللعالم الإلهي السماوي الذي لا نراه بعيوننا، ولكننا نؤمن به بأرواحنا، وبذلك تتشابه تركيبة أسفار العهد الجديد لتركيبة اسفار العهد القديم فكلاهما يضم أسفاراً تاريخية وأسفاراً نبوية وأسفاراً للشريعة.

    لماذا لم يكن وحي الكتاب المقدس وحياً حرفياً أي إملاءً من قبل الله رغم أنه كان حرفياً في وقت من الأوقات؟

    الله كتب لموسى ولشعب إسرائيل ولنا "الوصايا العشر" بإصبعه على ألواح حجرية، ولكن الوحي في العهد القديم والعهد الجديد هو وحي ينقل إلينا "المعنى" ولم يكن وحياً حرفياً، وهناك قيمتان في أن يكون الوحي معنى وليس حرف وهما:

    يمكننا ترجمة الكتاب المقدس وتصبح كلمة الله مُتاحة بالتساوي لجميع الناس تبعاً للغاتهم التي يتحدثون بها فالله لم يميّز ويخاطب مجموعة معينة من الناس، وبالتالي ينبغي أن أتعلّم هذه اللغة كي أستطيع قراءة كلمة الله، فتعرف الترجمة العربية باسم "الكتاب المقدس" وكذلك الترجمة الإنجليزية، لأن فيها "المعنى" تم شرحه وتوضيحه، أما إذا كان الوحي "لفظياً" فهذا يعني ضرورة دراسة لغة واحدة فقط لقراءة الكتاب المقدس باللغة التي أوحى بها الله لكتّاب الوحي.

  6. كلمة الله – كما قال السيد المسيح – هي روح وحياة، حيث يقول: اَلْكَلَامُ ٱلَّذِي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ. (يو٦:٦٣)، فإذا كانت وحياً لفظياً سأعبد اللفظ ولن أبحث عن المعنى، وطالما الوحي معنى فأنا أبحث عن المعنى لأن القيمة دائماً في المعنى، فلو كان الوحي لفظياً سأقوم بحفظه وتسمعيه بينما هو معنى لذلك أسعى لكي أفهمه وأقتنع به وأعيشه. والمعنى وما يتضمنه من رسالة ينبغي أن يغيرني من الداخل ويخترق قلبي كما قال السيد المسيح: وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ». (يو٨:٣٢).

    هل وجود لغة واحدة للكتاب المقدس يجعل من السهل على العقل استيعابه؟

    يكون الأمر سهل في حالة أن أكون من متحدثي اللغة الأصليين، ولكن إذا لم أكن كذلك فالله لا يريدني أنا، فمثلاً، إذا كان هناك من يتحدث اللغة العبرية وخاطبه الله بها وهو يفهمها ويقدسها باعتبارها كلمته، فهذا يعني أنه لم يخاطبني ولم يردني أنا لأنه لم يكلمني بلغتي التي أفهمها، لذلك، إذا كان الوحي لفظيًا، فسيتوجب عليَّ تعلم العبرية حتى أتمكن من قراءة الكتاب المقدس بلغته الأصلية التي أوحى بها الله، لكن في حالتنا، حيث يُنظر إلى الوحي على أنه معنى وليس حرفًا، فلا حاجة لي لتعلم العبرية أو الآرامية أو اليونانية.

  7. ما الذي يمنع أن يكون الوحي لفظياً وأستطيع أن أفهمه وأعيشه وأطبقه في حياتي في نفس الوقت؟

    في هذه الحالة سأقوم بحفظه فقط لأنه مقدس، والحفظ كارثة لأننا تربينا أن نحفظ دون أن نفهم كي ننجح في الامتحان ونحصل على أعلى الدرجات.

    ماذا لو تعاملنا مع الوحي على أنه معنى فقط، وبدأ كل شخص يفسره بالطريقة التي تعجبه؟

    لا يمكن أن يحدث ذلك، لأن المعنى قد تكرر عدة مرّات عبر الكتاب المقدس، فمثلاً لم يذكر مرة واحدة فقط أن الوصية الأساسية هي المحبة بل أكد عليها مراراً وتكراراً، ولا يمكن أن يحفظ شخص ما هذه الكلمة حسب تفكيره فيما يعني الحب، لكن الله شرح لنا معنى الحب بوضوح ولم يتركها مجرد لفظ، فالمحبة التي يقصدها ليست امتلاكًا بل عطاء، الحب ليس أن تأخذ بل أن تمنح، ليس أن تسيطر على أحد بل أن تخدم، لذلك، عندما يكون الوحي معنى، فأنا أستطيع فهمه، وعندما أفهمه، يمكنني أن أعيشه في حياتي، فالمسيح لم يعطِ شرائع وأحكامًا أو يضع حدودًا بين الحلال والحرام، بل قدم لنا مبادئ قائمة على المحبة، حيث قال: اَلْمَحَبَّةُ لاَ تَصْنَعُ شَرّاً لِلْقَرِيبِ فَالْمَحَبَّةُ هِيَ تَكْمِيلُ النَّامُوسِ.(رو ١٣:١٠)، وكذلك: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ».(لو١٠:٢٧).

  8. كيف نكمّل القوانين والشرائع الخاصة بنا إن لم يكن هناك تمسكاً بالحرف واللفظ؟

    لنأخذ مثالاً من الكتاب المقدس، عندما دعا الله إبراهيم وتعامل معه وقطع معه عهداً لم يعطه قوانين وشرائع كي يفعلها ويحيا بها، بل يقول الكتاب المقدس: «فَآمَنَ إِبْرَاهِيمُ بِاللَّهِ فَحُسِبَ لَهُ بِرّاً» وَدُعِيَ خَلِيلَ اللَّهِ.(يع ٢:٢٣) والمقصود بخليل الله أي صديقاً لله، وكذلك عندما يتحدث الكتاب أيضاً عن أخنوخ فيقول: وَسَارَ أَخْنُوخُ مَعَ اللهِ وَلَمْ يُوجَدْ لأَنَّ اللهَ أَخَذَهُ.(تك٥:٢٤)، وعبارة "سار مع الله" أي أنه كان يسير مع الله كصديقين مقربين حتى رفعه الله إلى السماء، ولم تكن هناك قوانين أيضاً في ذلك الوقت أيضاً.

    كيف يمكن تفسير وجود قوانين وشرائع في سفر التثنية؟

    سفر التثنية هو أحد أسفار موسى الخمس وقبل زمن موسى كان الإيمان يتمثل في أشخاص عرفوا الله وعاشوا معه في علاقة صداقة وشركة حب، فعندما سُئل السيد المسيح عن خلاصة الوصايا العشر في العهد القديم وما يُعرف بـ "الوصية العظمى"، أجاب قائلاً: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ». (لو١٠:٢٧).

  9. فالمحبة ليست مجموعة من القوانين والشرائع، حيث إن الإيمان المسيحي لا يتضمن أسئلة من نوع: هل أستخدم قدمي اليمنى أم اليسرى؟ هل أسلّم بيدي اليمنى أم اليسرى؟ كم خطوة يجب أن أسير؟ إلى أين أذهب؟ ومن أين أعود؟، فالمحبة لا يمكن أن نضع لها قوانين، بل تُبنى على مبادئ فقط، فحين نضع لها قوانين ستصبح إرغام وإلزام وستفقد جوهرها ولا تعود حباً. إن الفهم الصحيح يقود الإنسان إلى التحرر من القوانين الشكلية ويكشف أن القصد الأساسي هو إقامة علاقة حقيقية وشركة عميقة مع الله حيث يجد الإنسان الشبع الحقيقي في محبة الله.

    إذا كان البشر يميلون إلى مخالفة القوانين حتى في وجودها، فكيف يكون الحال في غيابها تمامًا، خاصة وأن المسيح لم يضع قوانين صريحة؟

    هناك فرق كبير بين مجتمع يحتاج إلى قوانين ينظمها دستور Constitution وهو أمر ضروري لكل أمة او شعب وقابل للتغيير عبر العصور، وبين العلاقة التي يقيمها الله مع الإنسان، حيث تؤثر في الدستور عوامل عديدة مثل: حجم السكان، طبيعة المجتمع، الزمن الذي يعيش فيه، والحالة الاقتصادية، مما يجعله في تطور دائم ليتناسب مع احتياجات المجتمع المتغيرة، ولذلك تقوم الشعوب بمراجعة الدستور الخاص بها باستمرار وتعمل على تغييرها وتعديلها، بينما الله لا يتعامل معنا بنفس الطريقة.

  10. فمن الصعب أن نقوم بتنفيذ دستور قديم أو شريعة قديمة في العصر الحاضر لأنها لم تعد تناسب العصر الحاضر ولا التطور التكنولوجي والبيئة الجديدة بينما كانت مناسبة في زمنها السابق، فالمسيح عندما جاء أبطل ناموس الوصايا في الفرائض الخاصة بالعهد القديم ولم يضع شرائع وقوانين لتنظيم المجتمع ولكنه لم يبطل الناموس أو القانون الأخلاقي في الوصايا العشر، فالمسيح لم يأت ليؤسس شعباً كشعب إسرائيل بل ليبني كنيسة جامعة تضم المؤمنين من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة، كما يقول يوحنا في سفر الرؤيا: وَهُمْ يَتَرَنَّمُونَ تَرْنِيمَةً جَدِيدَةً قَائِلِينَ: «مُسْتَحِقٌّ أَنْتَ أَنْ تَأْخُذَ السِّفْرَ وَتَفْتَحَ خُتُومَهُ، لأَنَّكَ ذُبِحْتَ وَاشْتَرَيْتَنَا لِلَّهِ بِدَمِكَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ وَلِسَانٍ وَشَعْبٍ وَأُمَّةٍ.(رؤ٥:٩)، بينما تضع كل أمة دستورها الخاص بها الذي يحكمها في هذا الزمان ويقبل التغيير، لكنّ الله لا يضع قانوناً لنغيّره، وتم وضع الناموس لشعب إسرائيل لأنه كان شعب يحتاج إلى دستور لكي يحكم القاضي من خلال الشرائع والاحكام، وليست هذه الوصايا الإلهية أي الوصايا العشر وإن لم يذكرها الله فهي مكتوبة في ضمائرنا وقلوبنا: لا تقتل، لا تسرق، لا تزني، لا تكذب (خر٢٠:١-١٧) و(تث٥:٦-٢١)، وأعظمها جميعها الوصية الأولى كما لخصها السيد المسيح في أن : «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُدْرَتِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ وَقَرِيبَكَ مِثْلَ نَفْسِكَ». لو١٠:٢٧)، فالمحبة لا يمكن الالتفاف حولها.

  11. عند قراءة الأناجيل الأربعة، تظهر بعض الاختلافات في تفاصيل الأحداث، مثل مشهد دخول المسيح إلى أورشليم، فهل تُعد هذه الاختلافات سببًا للتشكيك في مصداقية الكتاب المقدس؟

    على العكس تماماً، فهذا الأمر يؤكد مصداقيته، فلو كان الوحي في الكتاب المقدس وحياً لفظياً حرفياً وإملائياً من قبل الله لظهرت اختلافات قد تثير التساؤلات، بينما الوحي هو وحياً ينقل المعنى فقط وبالتالي لا فرق بين القول بأن المسيح دخل أورشليم راكباً على جحش ابن أتان والأتان (أمه) تسير بجانبه، أو أنه راكب على جحش والأتان (أمه) تركوها وراءهم، ففي كلتا الحالتين، تظل الحقيقة ثابتة أن المسيح دخل أورشليم راكباً على جحش وليس على حصان.

    فالمعنى الأساسي للقصة لم يتأثر على الإطلاق، لقد دخل المسيح أورشليم كملك روحي متواضع وليس كملك سياسي وقائد عسكري وهذا هو المعنى المقصود، حيث يقول السيد المسيح: اَلْكَلَامُ الذي أُكَلِّمُكُمْ بِهِ هُوَ رُوحٌ وَحَيَاةٌ.(يو٦:٦٣)، فالوحي كان متعلقاً بالمعنى وكتّاب الأناجيل كتبوا استناداً على ما أوحى به المسيح من معنى، فاللفظ ليس هو الوحي بل الوحي هو الرسالة التي يتضمنها المعنى، فالمسيح دخل أورشليم راكباً على جحش ابن أتان تحقيقاً للنبوة في سفر "زكريا" بالعهد القديم: اِبْتَهِجِي جِدّاً يَا ابْنَةَ صِهْيَوْنَ اهْتِفِي يَا بِنْتَ أُورُشَلِيمَ. هُوَذَا مَلِكُكِ يَأْتِي إِلَيْكِ. هُوَ عَادِلٌ وَمَنْصُورٌ وَدِيعٌ وَرَاكِبٌ عَلَى حِمَارٍ وَعَلَى جَحْشٍ ابْنِ أَتَانٍ. (زك٩:٩)

  12. فالملك السياسي يدخل المدينة راكباً على حصان وسط موكب ضخم مهيب، بينما المسيح دخل متواضعاً راكباً على حمار واستقبله الناس بذعف النخيل فتحقق ما جاء في النبوة المذكورة.

    ولا يهم دقة اللفظ بل دقة المعنى هي الأهم، وقد اتفقنا على أن الوحي ينقل المعنى مما يسمح بترجمة الكتاب دون أن يفقد رسالته، والمعنى يجعلني أتعلم كيف أعيش بينما اللفظ قيد وإجبار، وعندما أبحث عن المعنى وأفهمه يحدث التغيير الحقيقي في حياتي، كما قال السيد المسيح: وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ».(يو٨:٣٢)، فالله لا يريدنا أن نقوم بأداء سلوك خارجي بينما قلوبنا لا تحمل الإيمان الحقيقي ولا يريدنا أن نرتدي قناع زائف أو ننفذ قوانين شكلية فالرب يتعامل مع ما بداخل قلوبنا وأعماقنا، فندما يتغير ما بداخلي أستطيع أن أسلك باستقامة وبصدق وليس برياء وتصنع والتواء، فقد كان أكثر من هاجم السيد المسيح هم الكتبة والفريسين رجال الدين اليهودي المتدينين المنفذين للشريعة بالحرف وقلوبهم مليئة بالبُغضة والكراهية والحقد والحسد، وقد أخبرهم المسيح أنهم ينفذون حرف الوصية وهذا ما لا يريده، حيث كانوا يعشّرون الشبث والنعنع، فقال المسيح: وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُعَشِّرُونَ النَّعْنَعَ وَالشِّبِثَّ وَالْكَمُّونَ وَتَرَكْتُمْ أَثْقَلَ النَّامُوسِ: الْحَقَّ وَالرَّحْمَةَ وَالإِيمَانَ. كَانَ يَنْبَغِي أَنْ تَعْمَلُوا هَذِهِ وَلاَ تَتْرُكُوا تِلْكَ. (مت٢٣:٢٣).

  13. فعندما يكون الوحي معنى وحق ونور يخترقني من داخلي ويغيّر قلبي ويعلمني كيف أحب وأتواضع وأكون صادق وحقيقي، فأقوم بتنفيذ الحق والحب لأني أصبح لدي القدرة على الحب فلا ارتكب الخطية ليس خوفاً من نتائجها وعقابها رغم أني أحب الخطية.

    هل يمكن لشخص أن يحب شخصًا آخر بصدق في قلبه بينما يسرقه ويعتدي على حقوقه؟

    إذن، فهذا الشخص لا يُحب، لأن بولس يقول: «المحبة لا تصنع شرًا للقريب، فالمحبة هي تكميل الناموس» (رو ١٣:١٠). وقد وضع الكتاب المقدس تعريفًا للمحبة، إذ قال: «بهذا قد عرفنا المحبة: أن ذاك وضع نفسه لأجلنا، فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة» (١يو ٣:١٦). كما قال أيضًا: «مغبوطٌ هو العطاء أكثر من الأخذ» (أع ٢٠:٣٥)، وتكمن الفائدة الحقيقية في المحبة؛ فعندما أحب الآخرين أعيش في سعادة وأشعر بالاكتفاء في حياتي، لأن خيري يكمن في أن أحب غيري. وعندما أُسعد إنسانًا، أشعر بسعادة تفوق تلك التي أشعر بها عند تلقي هدية، لأن إسعاد الآخرين يملأ قلبي بفرح أعمق وأصدق.

    هل العيش بناءاً على المحبة فقط من دون قوانين واضحة هو نوع من المثالية المبالغ فيها؟ وهل يمكن أن تكون المحبة وحدها هي الدستور الذي يحكم علاقتي بالله والناس؟

  14. أعتقد أنني إن لم أعش المحبة مع زوجتي فلن أكون سعيداً بل سأعيش تعيساً، فلا يوجد قانونً آخر يضمن سعادتي سوى قانون المحبة في تعاملي مع زوجتي والذي يقوم على التواضع والوضوح والصراحة والصدق والعطاء والتخلي والغفران، فالمحبة هي أساس العلاقة الزوجية السعيدة، وبالتالي هي أساس علاقتي مع أبنائي لأنني إن لم أعش هذه المحبة معهم فلن أشعر بالسعادة أيضاً، وكذلك هي أساس علاقة الأبناء مع بعضهم البعض فالمحبة هي التي تجلب السعادة، ثم في بقية العلاقات الإنسانية الآخرى كالأصدقاء فإن لم أعش المحبة مع الأصدقاء لن أحصل على علاقة صداقة مشبعة، فالناس - مع الأسف - تريد أن تعيش السعادة بدون إظهار المحبة لبعضهم البعض، ونأخذ مثالاً من بيئة العمل، ففي العمل لو أصبح مبدأنا هو المنافسة بين الزملاء فالنتيجة لن تكون في مصلحة العمل ذاته وجميعاً نعلم مفهوم فريق العمل أو روح الفريق Team Work وهو أن نعمل لمصلحة الآخر وأن نتصف بالمصداقية مع العملاء وهذا هو سر نجاح الشركات، ويحتوي الكتاب المقدس على قيم الملكوت وهي المبادئ الواجب إتباعها في العلاقات الإنسانية داخل العائلة والعمل وحينما نكسر هذه القيم نخسر كل شيء، وكلنا نرى مشكلة التفكك الأسري التي تحدث في بيوتنا كما أن نسبة الشعور بالسعادة الزوجية بين الأزواج قليلة جداً بسبب رفض مبدأ المحبة بمعنى التخلي والإخلاء والتواضع وأن أجعل الطرف الآخر يشعر بأنه ذو أهمية أكبر مني.

  15. علينا أن نضع حياة السيد المسيح أمام أعيننا نموذجاً ومثالاً يحتذى به، فرغم أنه هو المحبة الفائقة فقد خانه الآخرون، ولكن الجميع يمجدون اسمه في كل أنحاء العالم، وكذلك غاندي الذي هزم الإمبراطورية البريطانية وكتب اسمه بحروف من ذهب، وكلاهما أظهر المحبة من منطلق القوة، فيظل هذا هو المبدأ الصحيح والسليم لذلك ينبغي أن أتجاهل فكرة أنني عندما أعيش المحبة في علاقاتي الإنسانية مع الآخرين فلن أجد من يعاملني بالطريقة ذاتها.

اعرِضها كقائد مجموعة — الدرس نفسه، بإعدادٍ للّقاء

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ٢٩ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً