أسئلة عن الفداء (٣)

الدرس ١٩ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. أسئلة عن الفداء (٣)

    لماذا انتظر الله آلاف السنين للفداء، بينما كان يمكن التدخل منذ سقوط آدم لتجنب معاناة البشرية، علماً أن خطة الفداء كانت محددة منذ الأزل؟

    يمكن الإجابة على الجزء الأول من السؤال حين نقرأ أن "المسيح قدَّم نفسه للآب بروح أزليّ"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": ١٤فَكَمْ بِٱلْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ المسيح، الذي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلهِ بِلَا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا الله الحي !(عب٩: (١٤، والمقصود هُنا أن الفداء والكفَّارة قد حدثا بالفعل منذ سقوط آدم وحواء في الخطيَّة، ولذلك، عندما تاب كل من آدم وحواء قبِل الله توبتهما بناء على كفارة المسيح، وهي تفهم ضمنياً عندما صنع لهما الرب أقمصة من جلد لستر عورتهما، كما جاء في سفر "التكوين": ٢١وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.(تك٣: ٢١)، وكذلك عندما "آمن إبراهيم حُسب له براً"، كما يضيف السفر ذاته: ٦فَآمَنَ بالرب فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا .(تك١٥: ٦)، وأيضاً، عندما يقول داود في سفر "المزامير": ١طُوبَى لِلَّذِي غُفِرَ إِثْمُهُ وَسُتِرَتْ خَطِيَّتُهُ. ٢طُوبَى لِرَجُلٍ لاَ يَحْسِبُ لَهُ الرَّبُّ خَطِيَّةً وَلاَ فِي رُوحِهِ غِشٌّ. (مز٣٢: ١-٢)، فلم يحسب له الرب خطيَّة بناءً على عمل الفداء الذي تم بالفعل، إذ قُدِّمت الكفَّارة بروح أزليّ لتغطي البشرية جميعها.

  2. أمَّا إجابة الجزء الثاني من السؤال فتدور حول سبب حدوث الفداء والكفَّارة في ذلك الوقت من التاريخ، حيث يقول الكتاب المقدس أنه في "ملء الزمان جاء ابن الإنسان"، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": ٤وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزمان، أَرْسَلَ الله ابنه مَوْلُودًا مِنِ امرأة، مَوْلُودًا تَحْتَ الناموس. (غل٤:٤)، ويمكن تشبيه الزمن بدائرة، فقد (جاء المسيح في ملء الزمان) أي في مركز الزمن، و(قدم نفسه بروح أزليّ) أي أنه قد غطَّى بكفَّارته جميع من كانوا قبله، كما أنه قد جاء في لحظة من التاريخ مما يسمح باستمرار تأثير عمله الكفَّاري على الصليب لجميع من جاءوا بعده، فلا ينتهي عمله بنهاية الأيام التي قضاها على الأرض.

    إذن، فلدينا نقطتان هامتان هما فيما يتعلق بزمن مجيء الرب يسوع المسيح

  3. أزلية واستمرارية عمل المسيح الكفاري.

    وثانياً: استعداد البشرية لاستقبال ذلك العمل الإلهي.

    إذ إنه قبل ذلك التاريخ كانت قدرة البشرية على تسجيل تاريخها من خلال عمليات التدويِن والحفظ ضعيفة للغاية، بجانب أنه لم يكن هنا طرق كافية تسمح بانتشار الحقيقة عبر العالم، ولذلك، كان عصر الإمبراطورية الرومانية هو أفضل وأنسب العصور القديمة لمجيء المسيح، حيث احتلت جميع الدول المُطلة على حوض البحر الأبيض المتوسط، وتم إنشاء الطرق والمُدن وخطوط الملاحة والسفر، ولكن ذلك لم يكن هناك سوى الحروب والتدمير وكل ما لا يحفظ ويضمن للشيء البقاء والاستمرارية عبر العصور، فقد أزالت ومحت كل الحضارات التي سبقتها مثل الحضارة المصرية التي تبقى منها القليل من السجلات والوثائق المبعثرة.

    إذا كنا نفكر بنفس المبدأ وهو أزليِّة واستمرارية عمل المسيح الكفَّاري واستعدادات البشرية لاستقبال الفداء الإلهي، فلماذا لم يأتِ المسيح في عصر التكنولوجيا الحديثة، حيث ينتشر الخبر بضغطة زر واحدة فيذاع في كل الدنيا؟

    إذا جاء المسيح في القرن الـ٢٠م أي عصر التكنولوجيا الحديثة، سيكون مجيئه في وقت متأخر جداً، بينما يستطيع المجيء من ألفيّ سنة قبل انتشار التكنولوجيا ونحتفظ أيضاً بإنجيله وكلمته كما هي لدينا الآن في الكتاب المقدس، حيث إن مجيئه في ذلك الوقت يمثل قيمة كبيرة جداً، إذ جاء في أبدر لحظة في التاريخ تحقق استمرارية ما فعله، وأبدر لحظة في التاريخ تكون البشرية فيها في حالة استعداد تام، فقد اتفقنا سوياً أن مجيء الرب يسوع يهدف إلى إعلان النور (المعرفة) عن: (من هو الله الكامل الحقيقي)، و(من هو الإنسان الكامل الحقيقي)، بجانب تحقيق (الفداء) الذي قدَّمه المسيح بروح أزليّ لدى الله (عب٩: ١٤) ليكون ملموساً وواضحاً للبشرية كلها، فذلك كان أفضل وقت في التاريخ لمجيء المسيح، وأبدر وقت في التاريخ في زمن الإمبراطورية الرومانية، التي سيطرت على منطقة حوض البحر المتوسط بأكملها، واستقرت لأطول فترة زمنية، لكن ما قبل هذا كان عبارة عن حروب وامبراطوريات تسقط وتنهار وتدوم لفترة زمنية قليلة، حيث تدمِّر وتمحو الدول الكبيرة ما قبلها من دول وحضارات، لذلك، فقد كان الاحتفاظ بالعهد القديم أمراً صعباً للغاية، وبالكاد تم الاحتفاظ بأسفاره لليهود فقط ولم يخرج إلى العالم، ثم تمت ترجمته قبل مجيء الرب يسوع المسيح، وهي الترجمة المعروفة بـ (الترجمة السبعينية) حوالي ٢٥٠ ق.م بمدينة الإسكندرية في مصر في ذلك العصر الذهبي، وذلك استعداداً لمجيء المسيح، فصار العهد القديم مُتاحاً للقراءة باللغة اليونانية، التي هي لغة الحضارة والثقافة في ذلك الوقت في جزء كبير من العالم، والتي استخدمها الرومان أنفسهم، بمعنى أنهم احتفظوا باللغة اليونانية والحضارة اليونانية بينما ظلت لغة الدولة الرسمية هي اللغة اللاتينية، رغم وجود اللغة الآرامية واللغة العبرية في ذلك الوقت، لذلك فقد كان ذلك الزمن التاريخي هو أنسب وأفضل وقت لمجيء المسيح إلى العالم من حيث استمرارية ما يقوم به، وأن ينتشر الإنجيل في كل أرجاء العالم، فقد كانت هناك طرق معبَّدة وخطوط ملاحية للبواخر لا نظير لها مكّنت الكنيسة من السفر من مكان إلى آخر، فقد كان هناك تمهيد تاريخي لمجيء المسيح التاريخي.

  4. ماذا لو جاء المسيح للفداء في وقت مبكر، للحد من الشر المتسارع، علماً بأن الخليقة كلها تئن وتنتظر الخلاص بسبب فساد الطبيعة البشرية بعد ابتعاد الإنسان عن الله؟

    لم يترك الله نفسه بلا شاهد في جميع الفترات التاريخية، وهذا ما نراه في العهد القديم، فقد كان هناك أنبياء وصوت إلهي بشكل مستمر، وذلك لدعوة الشعوب للرجوع إلى الله، وليس شعب إسرائيل فحسب، بل أيضاً للشعوب الأخرى، وذلك ما نجده في قصة (يونان) وشعب مدينة (نينوى) الواقعة في مملكة آشور قديماً (العراق حالياً)، فمدينة نينوى بأكملها تتوب وترجع إلى الله بمناداة نبي وهو يونان، كما جاء في سفره: ١ثُمَّ صَارَ قَوْلُ الرَّبِّ إِلَى يُونَانَ ثَانِيَةً: ٢«قُمِ اذْهَبْ إِلَى نِينَوَى الْمَدِينَةِ الْعَظِيمَةِ وَنَادِ لَهَا الْمُنَادَاةَ الَّتِي أَنَا مُكَلِّمُكَ بِهَا». ٣فَقَامَ يُونَانُ وَذَهَبَ إِلَى نِينَوَى بِحَسَبِ قَوْلِ الرَّبِّ. أَمَّا نِينَوَى فَكَانَتْ مَدِينَةً عَظِيمَةً لِلَّهِ مَسِيرَةَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ. ٤فَابْتَدَأَ يُونَانُ يَدْخُلُ الْمَدِينَةَ مَسِيرَةَ يَوْمٍ وَاحِدٍ وَنَادَى: «بَعْدَ أَرْبَعِينَ يَوْماً تَنْقَلِبُ نِينَوَى». ٥فَآمَنَ أَهْلُ نِينَوَى بِاللَّهِ وَنَادُوا بِصَوْمٍ وَلَبِسُوا مُسُوحاً مِنْ كَبِيرِهِمْ إِلَى صَغِيرِهِمْ. ٦وَبَلَغَ الأَمْرُ مَلِكَ نِينَوَى فَقَامَ عَنْ كُرْسِيِّهِ وَخَلَعَ رِدَاءَهُ عَنْهُ وَتَغَطَّى بِمِسْحٍ وَجَلَسَ عَلَى الرَّمَادِ. ٧وَنُودِيَ فِي نِينَوَى عَنْ أَمْرِ الْمَلِكِ وَعُظَمَائِهِ: «لاَ تَذُقِ النَّاسُ، وَلاَ الْبَهَائِمُ، وَلاَ الْبَقَرُ، وَلاَ الْغَنَمُ شَيْئاً. لاَ تَرْعَ وَلاَ تَشْرَبْ مَاءً. ٨وَلْيَتَغَطَّ بِمُسُوحٍ النَّاسُ وَالْبَهَائِمُ وَيَصْرُخُوا إِلَى اللَّهِ بِشِدَّةٍ وَيَرْجِعُوا كُلُّ وَاحِدٍ عَنْ طَرِيقِهِ الرَّدِيئَةِ وَعَنِ الظُّلْمِ الَّذِي فِي أَيْدِيهِمْ (يون٣: ١-٨).

  5. فالله لم يترك البشرية يوماً ما، إذ لم يترك نفسه بلا شاهد عبر التاريخ، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ١٦الَّذِي فِي الأَجْيَالِ الْمَاضِيَةِ تَرَكَ جَمِيعَ الأُمَمِ يَسْلُكُونَ فِي طُرُقِهِمْ - ١٧مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَتْرُكْ نَفْسَهُ بِلاَ شَاهِدٍ - وَهُوَ يَفْعَلُ خَيْراً يُعْطِينَا مِنَ السَّمَاءِ أَمْطَاراً وَأَزْمِنَةً مُثْمِرَةً وَيَمْلأُ قُلُوبَنَا طَعَاماً وَسُرُوراً». (أع١٤: (١٧-١٦، كما أعطى لشعبه كلمته المقدسة - في العهد القديم - وصارت سراجاً لأرجل الناس ونوراً لطريقهم، كما جاء في سفر "المزامير" ١٠٥سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي.(مز١١٩: ١٠٥)، وقد أهدت كلمة الرب الكثير من البشر، وتنبأ الأنبياء في العهد القديم على العديد من مدن العالم وليس على إسرائيل فحسب، مثل: نبوَّات من جهة كل من: دمشق، آرام، مصر، مواب، عمُّون، آدوم، فلسطين، صور، صيدا، بابل، نينوى، قيدار، عيلام ، كما نرى في أسفار: إشعياء، إرميا، حزقيال، عاموس، ناحوم، صفنيا، فالله يرسل كلمته للشعوب وللأمم عبر الأجيال ولم يترك نفسه بلا شاهد، بجانب شهادة الضمير البشري في قلب الإنسان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ١٤لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ ١٥الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً (رو٢: ١٤-١٥).

  6. كيف أعدَّ الله البشرية لقبول فكرة الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح؟

    وهذا هو الجزء الثاني من إجابة السؤال الخاص بزمن مجيء الرب يسوع المسيح وهو الأكثر أهمية، أي مدى الاستعداد البشري لقبول فكرة الفداء، فلم يكن ممكناً أن يأتي الرب يسوع قبل أن يُعد الله الشعب من خلال الناموس والشرائع والأحكام التي وضعها في العهد القديم، بالإضافة إلى النبوَّات المتعددة عن مجيء المسيَّا المنتظر، وهو ليس أحد الأنبياء بل أعلى وأسمي من الأنبياء بكثير جداً، فلا يمكن أن يتساوى الرب يسوع المسيح ابن الله مع إيليا أو أليشع، فالتمهيد لمجيء الرب يسوع المسيح كان ضرورياً وهاماً للغاية، حيث وضع الله الناموس من أجل إعداد وتجهيز البشرية لمجيء الرب يسوع، ويجيب بولس الرسول عن سبب وضع الله للناموس، كما جاء في رسالته إلى "غلاطية": ١٩فَلِمَاذَا النَّامُوسُ؟ قَدْ زِيدَ بِسَبَبِ التَّعَدِّيَاتِ، إِلَى أَنْ يَأْتِيَ النَّسْلُ الَّذِي قَدْ وُعِدَ لَهُ، مُرَتَّباً بِمَلاَئِكَةٍ فِي يَدِ وَسِيطٍ. (غل٣: ١٩)، فالناموس كان مؤدبنا للمسيح، كما يوضِّح بولس الرسول في الرسالة ذاتها: ٢٤إِذاً قَدْ كَانَ النَّامُوسُ مُؤَدِّبَنَا إِلَى الْمَسِيحِ، لِكَيْ نَتَبَرَّرَ بِالإِيمَانِ. ٢٥وَلَكِنْ بَعْدَ مَا جَاءَ الإِيمَانُ لَسْنَا بَعْدُ تَحْتَ مُؤَدِّبٍ. (غل٣: ٢٤-٢٥).

  7. فقد أظهر الناموس عدم قدرة الإنسان على حل مشكلته بنفسه، بل أنه يحتاج إلى تدخل إلهي، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ٢٠لأَنَّهُ بِأَعْمَالِ النَّامُوسِ كُلُّ ذِي جَسَدٍ لاَ يَتَبَرَّرُ أَمَامَهُ. لأَنَّ بِالنَّامُوسِ مَعْرِفَةَ الخطيَّة. (رو٣: ٢٠)، وأظهر لنا الناموس أيضاً أن الإنسان لا يستطيع إظهار برَّه الشخصي الذاتي، كما يؤكد بولس الرسول في الرسالة ذاتها: ٢٣إِذِ الْجَمِيعُ أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ اللهِ. (رو٣: ٢٣)، والإنسان لا يستطيع إصلاح العوج الذي به، كما ورد في سفر "الجامعة": ١٥اَلْأَعْوَجُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَوَّمَ، وَٱلنَّقْصُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُجْبَرَ. (جا١: ١٥)، ولا يمكن للإنسان أن يحيا في طرق الله المستقيمة، كما يقول داود في صلاته في سفر "المزامير": ٤طُرُقَكَ يَا رَبُّ عَرِّفْنِي. سُبُلَكَ عَلِّمْنِي. (مز٢٥: ٤)، ولا يمكنه أن يحفظ الوصايا الإلهية جميعها، كما ورد في رسالة "يعقوب": ١٠لِأَنَّ مَنْ حَفِظَ كُلَّ ٱلنَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الكل. (يع٢: ١٠)، فقد انتظر الله ذلك الزمن الطويل قبل أن يتمم عمل الفداء في شخص الرب يسوع المسيح وذلك ليبرهن للإنسان أنه مهما حاول أن يلتزم بعمل الوصايا فهو لن يستطيع على الإطلاق.

  8. فالناموس يؤكد عدم قدرة الإنسان على حفظ الوصايا لأنه يرتكب الخطيَّة، والحل في تقديم ذبيحة كفارية في كل مرة يخطئ فيها الإنسان، كما جاء في سفر "اللاويين": ١١لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. (لا١٧:١١( و(عب٩: (٢٢، وحتى من قبل وضع الناموس في زمن إبراهيم، نرى أنه صنع مذبحاً ليقدم ابنه اسحاق كما طلب منه الرب، ثم طلب منه ملاك الرب أن يرفع يده عن ابنه، وقدم عِوضاً عنه ذبيحة، كما جاء في سفر "التكوين": ٩ فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. ١٠ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. ١١فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ إِبْرَاهِيمُ». فَقَالَ: «هَئَنَذَا» ١٢فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئاً لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». ١٣فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكاً فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضاً عَنِ ابْنِهِ. (تك٢٢: ٩-١٣)، وأيضاً عند إخوتنا المسلمين، يُقال: "وفديناه بذبح عظيم"، وليس: وفديناه بعفو عظيم.

  9. إذن، فقد أعدَّ اللهَ ذاكرة البشرية لقبول فكرة أن الإنسان يحتاج إلى تقديم ذبيحة كفَّارية عن خطاياه، وليس إلى عفو، وذلك من خلال الناموس بداية من إبراهيم إلى وقت مجيء المسيح، وبالتالي، حين جاء المسيَّا المنتظر كان الإنسان قد أدرك من خلال اختباره الطويل أنه غير قادر على نوال الخلاص بنفسه، لأنه يحتاج إلى مُخلِّص وليس إلى نبيّ، فقد جاء أنبياء كثيرون وتكلَّموا بكلمة الله، وقدَّم الإنسان ذبائح حيوانية كفَّارية، ولكنها لم تقدر أن تحل محل البشر الخطأة، لذلك، كان الإنسان بحاجة إلى مُخلِّص فادي، وليس إلى مزيد من الوصايا والشرائع والأحكام، ولهذا السبب، عندما جاء الرب يسوع المسيح لم يأتِ بوصايا وشرائع وأحكام، بل أتى بحياة جديدة ولم يأتِ بدين جديد، فالمسيحية ليست ديانة جديدة، كما يقول الرب يسوع المسيح في إنجيل "يوحنا": ١٠اَلسَّارِقُ لَا يَأْتِي إِلَّا لِيَسْرِقَ وَيَذْبَحَ وَيُهْلِكَ، وَأَمَّا أَنَا فَقَدْ أَتَيْتُ لِتَكُونَ لَهُمْ حَيَاةٌ وَلِيَكُونَ لَهُمْ أَفْضَلُ. (يو١٠:١٠).

    هل يمكن اعتبار صلب المسيح البريء حدثًا تاريخيًا وسياسيًا واجتماعيًا، حدث في زمن محدد ليُعلن محبة الله ويُعيد العلاقة بينه وبين الإنسان، رغم رفض اليهود له ورغبتهم في ملك أرضي، بينما هو المخلّص الروحي؟

  10. هذه هي النظرة التاريخية الإنسانية، ولكن الرب يسوع المسيح قد تنبأ للتلاميذ مرات عديدة بأنه سيتم إلقاء القبض عليه وصلبه وذلك قبل أن يتم ذلك بكثير، فقد أراد اليهود أن يلقوا القبض عليه مرات كثيرة، ولكنهم لم يستطيعوا ونجا الرب يسوع من بينهم لأن ساعته لم تأت بعد، وكان يستطيع أن ينجو إلى النهاية لو أراد ذلك، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣٠فَطَلَبُوا أَنْ يُمْسِكُوهُ، وَلَمْ يُلْقِ أَحَدٌ يَدًا عَلَيْهِ، لِأَنَّ سَاعَتَهُ لَمْ تَكُنْ قَدْ جَاءَتْ بَعْدُ. (يو٧: ٣٠)، فالرب يسوع المسيح الذي صنع الآيات والمعجزات العديدة يستطيع أن ينجو من القبض عليه ومن صلبه إذا أراد ذلك، فالذي سار على الماء وسط البحر يستطيع أن ينجو من القبض عليه بسهولة، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٤وَأَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ قَدْ صَارَتْ فِي وَسَطِ الْبَحْرِ مُعَذَّبَةً مِنَ الأَمْوَاجِ. لأَنَّ الرِّيحَ كَانَتْ مُضَادَّةً. ٢٥وَفِي الْهَزِيعِ الرَّابِعِ مِنَ اللَّيْلِ مَضَى إِلَيْهِمْ يَسُوعُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ. ٢٦فَلَمَّا أَبْصَرَهُ التَّلاَمِيذُ مَاشِياً عَلَى الْبَحْرِ اضْطَرَبُوا قَائِلِينَ: «إِنَّهُ خَيَالٌ». وَمِنَ الْخَوْفِ صَرَخُوا! ٢٧فَلِلْوَقْتِ قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «تَشَجَّعُوا! أَنَا هُوَ. لاَ تَخَافُوا». (مت١٤: ٢٤-٢٧) و(مر٦: ٤٥-٥٢) و(يو٦: ١٦-٢١)، ولكن الرب يسوع المسيح قد جاء لفداء وخلاص البشرية، ولذلك، عندما جاءوا لإلقاء القبض عليه، سألهم الرب يسوع: من تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري، فقال لهم: أنا هو، فرجعوا وسقطوا على الأرض، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣فَأَخَذَ يَهُوذَا الْجُنْدَ وَخُدَّاماً مِنْ عِنْدِ رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْفَرِّيسِيِّينَ وَجَاءَ إِلَى هُنَاكَ بِمَشَاعِلَ وَمَصَابِيحَ وَسِلاَحٍ. ٤فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» ٥أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. ٦فَلَمَّا قَالَ لَهُمْ: «إِنِّي أَنَا هُوَ» رَجَعُوا إِلَى الْوَرَاءِ وَسَقَطُوا عَلَى الأَرْضِ.٧فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». ٨أَجَابَ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ». ٩لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَداً». (يو١٨: ٣-٩)، وحين أخرج بطرس الخنجر وضرب عبد رئيس الكهنة، قال له الرب يسوع: أعد سيفك إلى غمده، وأخبره بأنه يستطيع أن يطلب من الآب اثنيّ عشر جيشاً من الملائكة لحمايته، كما ورد في إنجيل "متى": ٥٠فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «يَا صَاحِبُ لِمَاذَا جِئْتَ؟» حِينَئِذٍ تَقَدَّمُوا وَأَلْقَوُا الأَيَادِيَ عَلَى يَسُوعَ وَأَمْسَكُوهُ. ٥١وَإِذَا وَاحِدٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَ يَسُوعَ مَدَّ يَدَهُ وَاسْتَلَّ سَيْفَهُ وَضَرَبَ عَبْدَ رَئِيسِ الْكَهَنَةِ فَقَطَعَ أُذْنَهُ. ٥٢فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «رُدَّ سَيْفَكَ إِلَى مَكَانِهِ. لأَنَّ كُلَّ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ السَّيْفَ بِالسَّيْفِ يَهْلِكُونَ! ٥٣أَتَظُنُّ أَنِّي لاَ أَسْتَطِيعُ الآنَ أَنْ أَطْلُبَ إِلَى أَبِي فَيُقَدِّمَ لِي أَكْثَرَ مِنِ اثْنَيْ عَشَرَ جَيْشاً مِنَ الْمَلاَئِكَةِ؟ ٥٤فَكَيْفَ تُكَمَّلُ الْكُتُبُ: أَنَّهُ هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ؟». (مت٢٦: ٥٠-٥٤).

  11. فقد كان صلب الرب يسوع المسيح حدثاً تاريخياً له مبرراته المنطقية وهي:

    أولاً: حسد اليهود له، كما يقول الحاكم الروماني بيلاطس البنطي في إنجيل "متى": ١٧فَفِيمَا هُمْ مُجْتَمِعُونَ قَالَ لَهُمْ بِيلاَطُسُ: «مَنْ تُرِيدُونَ أَنْ أُطْلِقَ لَكُمْ؟ بَارَابَاسَ أَمْ يَسُوعَ الَّذِي يُدْعَى الْمَسِيحَ؟» ١٨لأَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُمْ أَسْلَمُوهُ حَسَداً. (مت٢٧: ١٧-١٨).

    ثانياً: رفض اليهود له، فقد أرادوه ملكاً أرضياً، بينما هو جاء مخلِّصاً روحياً، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ١٥وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ. (يو٦:١٥)، فمملكة الرب يسوع "ليست من هذا العالم"، كما يؤكد في حديثه مع الحاكم الروماني بيلاطس البنطي: ٣٦أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». ٣٧فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي». (يو١٨:٣٦-٣٧)، فأسلمه اليهود للرومان الذين خوفاً من ثورة اليهود قاموا بصلبه، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٤فَلَمَّا رَأَى بِيلاَطُسُ أَنَّهُ لاَ يَنْفَعُ شَيْئاً، بَلْ بِالْحَرِيِّ يَحْدُثُ شَغَبٌ أَخَذَ مَاءً وَغَسَلَ يَدَيْهِ قُدَّامَ الْجَمْعِ قَائِلاً: «إِنِّي بَرِيءٌ مِنْ دَمِ هَذَا الْبَارِّ. أَبْصِرُوا أَنْتُمْ». ٢٥فَأَجَابَ جَمِيعُ الشَّعْبِ: «دَمُهُ عَلَيْنَا وَعَلَى أَوْلاَدِنَا». ٢٦حِينَئِذٍ أَطْلَقَ لَهُمْ بَارَابَاسَ وَأَمَّا يَسُوعُ فَجَلَدَهُ وَأَسْلَمَهُ لِيُصْلَبَ. (مت٢٧: ٢٤-٢٦)، فقد كان الرب يسوع المسيح يستطيع أن ينجو بنفسه ولم ينج وأسلم نفسه طواعية لتحقيق عمل الفداء والخلاص الذي جاء من أجله.

  12. لماذا لا تُعتبر قصة صلب المسيح مجرد حدث تاريخي كبقية الذين ماتوا من أجل مبادئهم مثل سقراط، ولماذا اعتبرت الجماعة المسيحية الأولى أن المسيح إلهًا، هل لتعلّيه وتمييز إيمانهم عن اليهود؟

    لم يعلن سقراط أنه إله، ولم يقدِّم نفسه ذبيحة لتحقيق الفداء ولم يرفض أن يكون ملكاً أرضياً كما فعل الرب يسوع المسيح، بينما أعلن المسيح أنه الله المتجسِّد وأعلن ألوهيته مراراً وتكراراً، فنحن كمسيحيين لم نقم بادِّعاء ألوهية المسيح، بل هو الذي أعلن لنا ذلك بشكل واضح، كما تشهد بذلك نصوص الكتاب المقدس، حيث يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣٠أَنَا وَالآبُ وَاحِدٌ». (يو١٠: ٣٠)، ويقول أيضاً: "من رآني فقد رأى الآب" كما جاء في الإنجيل ذاته: ٨قَالَ لَهُ فِيلُبُّسُ: «يَا سَيِّدُ أَرِنَا الآبَ وَكَفَانَا». ٩قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنَا مَعَكُمْ زَمَاناً هَذِهِ مُدَّتُهُ وَلَمْ تَعْرِفْنِي يَا فِيلُبُّسُ! اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى الآبَ فَكَيْفَ تَقُولُ أَنْتَ أَرِنَا الآبَ؟ (يو١٤: ٨-٩)، فلا يستطيع نبي أن يعلن ما أعلنه الرب يسوع عن نفسه، كما نرى الإعلان ذاته عن ألوهية المسيح عندما تأكد توما أن المسيح قد قام من الأموات، فقال له: "ربي وإلهي"، فلم يقل له المسيح أنه ليس ربه وليس إلهه، بل أن صمت المسيح يعني قبوله الإعلان عن طبيعته الإلهية، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٦وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ». ٢٧ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، بَلْ مُؤْمِناً». ٢٨أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلَهِي». ٢٩قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا». (يو٢٠: ٢٦-٢٩).

  13. فقد أعلن المسيح ألوهيته مراراً وتكراراً، كما أنه أوضح أنه جاء ليموت ليفدي ويخلص البشرية وليس ليملك مُلكاً أرضياً، فقد أراد اليهود أن يقيموه ملكاً فانصرف عنهم، (يو٦:١٥)، وفي المحاكمة مع الحاكم الروماني بيلاطس البنطي قال: "مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ" (يو١٨:٣٦)، ولم يدافع عن نفسه لأنه أمام بيلاطس، كما جاء في إنجيل "متى": ١١فَوَقَفَ يَسُوعُ أَمَامَ الْوَالِي. فَسَأَلَهُ الْوَالِي: «أَأَنْتَ مَلِكُ الْيَهُودِ؟» فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ». ١٢وَبَيْنَمَا كَانَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخُ يَشْتَكُونَ عَلَيْهِ لَمْ يُجِبْ بِشَيْءٍ. ١٣فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَمَا تَسْمَعُ كَمْ يَشْهَدُونَ عَلَيْكَ؟» ١٤فَلَمْ يُجِبْهُ وَلاَ عَنْ كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى تَعَجَّبَ الْوَالِي جِدّاً. (مت٢٧: ١١-١٤)، فقد جاء كي يموت ويحقق الفداء الإلهي لخلاص البشرية، وتنبأ إشعياء عن صلب المسيح، حيث يقول: ٤لَكِنَّ أَحْزَانَنَا حَمَلَهَا، وَأَوْجَاعَنَا تَحَمَّلَهَا. وَنَحْنُ حَسِبْنَاهُ مُصَاباً مَضْرُوباً مِنَ اللَّهِ وَمَذْلُولاً. ٥وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. ٦كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. ٧ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. (إش٥٣: ٤-٧)، فالرب يسوع المسيح جعل نفسه ذبيحة إثم، وسكب للموت نفسه وحمل خطيَّة كثيرين، كما يضيف "إشعياء": ١٠أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. ١١مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. ١٢لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خطيَّة كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. (إش٥٣: ١٠-١٢).

  14. كيف أعلن الرب يسوع المسيح أنه سيلقى القبض عليه ويصلب ويقوم في اليوم الثالث، وكيف كان رد فعل التلاميذ؟

    لقد أخبر الرب يسوع المسيح التلاميذ الاثني عشر مراراً وتكراراً أن ابن الإنسان سيسلم إلى أيدي الناس ويقتل ويقوم في اليوم الثالث، وقد انتهره بطرس، ولكن المسيح طلب منه أن يبتعد عنه ووصفه بالشيطان وبأنه معثرة له، كما جاء في إنجيل "متى": ٢١مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. ٢٢فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!» ٢٣فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ». (مت١٦: ٢١-٢٣)، فنصوص الإنجيل واضحة وتشهد عن إصرار الرب يسوع على أن يموت، لأنه جاء إلى العالم من أجل تحقيق الفداء الإلهي، فهو لم يأتِ ليملك مُلكاً أرضياً، بل ليخلِّص البشر من خطاياهم وليس من الرومان والحكم الروماني، فهو ليس منجِّي سياسي، حيث يعتقد اليهود أن المسيَّا المنتظر هو مُخلِّص سياسي لهم ولايزالون ينتظرونه إلى الآن، بينما جاء المسيح مُخلِّصاً روحياً، لأن الخطيَّة هي مشكلة روحية، كما يقول ملاك الرب ليوسف زوج القديسة مريم العذراء في الحلم في إنجيل "متى": ٢١فَسَتَلِدُ ابْناً وَتَدْعُو اسْمَهُ يَسُوعَ لأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ».(مت١: ٢١).

  15. كما أنه من بين نتائج عمل المسيح الكفاري على الصليب أن يستعيد الإنسان علاقته الروحية مع الله من جديد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ١٠لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ. (رو٥: (١٠، وأن يستعيد الإنسان إنسانيته وليس ليستعيد حريته السياسية، فالحرية السياسية هي نتاج الحرية الروحية وليست سبباً للحرية الروحية، لأن الحرية السياسية لا تؤدي إلى الحرية الروحية، كما أن الحرية الاقتصادية لا تؤدي إلى الخلاص الأبدي، لكن الخلاص الروحي هو الذي يؤدي إلى حرية سياسية ويؤدي إلى حرية اجتماعية، كما يقول الرب يسوع في إنجيل "يوحنا": ٣٢وَتَعْرِفُونَ الْحَقَّ وَالْحَقُّ يُحَرِّرُكُمْ» (يو٨: ٣٢)، ويقول أيضاً: ٣٦فَإِنْ حَرَّرَكُمْ ٱلِٱبْنُ فَبِالْحَقِيقَةِ تَكُونُونَ أَحْرَارًا .(يو٨: ٣٦)، وهذا ما حدث بالفعل، وهذا ما فعلته المسيحية في العالم بأكمله كنتيجة للنهضة الروحية وليس كسبب للنهضة الروحية.

    هل كانت الجماعة المسيحية الأولى بحاجة إلى رمز تاريخي أي صلب المسيح وقيامته لكي تلتف حوله ومن ثم تصبح جماعة؟

    لقد سجَّل المؤرخين المدنيين secular تلك الأحداث التاريخية المتعلقة بمجيء المسيح وصلبه وقيامته في عهد الحاكم الروماني بيلاطس البنطي، حيث صنع المسيح العديد من الآيات والعجائب، وهي قصة تاريخية تم تسجيلها وتوثيقها في سجلات التاريخ، فلا يستطيع أحد أن يدَعي أنها لم تحدث، فقيامة الرب يسوع المسيح هي قصة حقيقية شاهدها خمسمائة شخص وماتوا من أجلها وفي سبيلها، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": ٣فَإِنَّنِي سَلَّمْتُ إِلَيْكُمْ فِي الأَوَّلِ مَا قَبِلْتُهُ أَنَا أَيْضاً: أَنَّ الْمَسِيحَ مَاتَ مِنْ أَجْلِ خَطَايَانَا حَسَبَ الْكُتُبِ ٤وَأَنَّهُ دُفِنَ وَأَنَّهُ قَامَ فِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ حَسَبَ الْكُتُبِ ٥وَأَنَّهُ ظَهَرَ لِصَفَا ثُمَّ لِلِاثْنَيْ عَشَرَ. ٦وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ ماِئَةِ أَخٍ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ. وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا. (١كو١٥: ٣-٦)، إذن، لا يستطيع أحد أن يقوم بتأليف واختراع رواية من أجل أن يكون له هوية معينة ويموت من أجل تلك الرواية التي قام بتأليفها، فلا يمكن أن يموت أحد من أجل كذبة، بل قد يموت من أجل خدعة خُدع بها من قبل شخص ما، فقد يفعل ذلك شخص أو اثنان فقط، ولكن أن يموت خمسمائة شخص في سبيل حقيقة قيامة الرب يسوع فإن هذا يؤكد صدق تلك الحقيقة.

  16. فكتابات بولس الرسول يتم تدريسها ضمن أقسام الفلسفة بكبرى الجامعات في العالم، لما تحمله رسائله من عمق فلسفي يعكس فلسفة الكتابة وفلسفة الفكر الإنساني، فقد استشهد بولس الرسول في سبيل حقيقة يقينية إذ رأى الرب يسوع المُقام من الأموات، والذي اعترضه وهو في طريقه إلى دمشق، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ١أَمَّا شَاوُلُ فَكَانَ لَمْ يَزَلْ يَنْفُثُ تَهَدُّداً وَقَتْلاً عَلَى تَلاَمِيذِ الرَّبِّ فَتَقَدَّمَ إِلَى رَئِيسِ الْكَهَنَةِ ٢وَطَلَبَ مِنْهُ رَسَائِلَ إِلَى دِمَشْقَ إِلَى الْجَمَاعَاتِ حَتَّى إِذَا وَجَدَ أُنَاساً مِنَ الطَّرِيقِ رِجَالاً أَوْ نِسَاءً يَسُوقُهُمْ مُوثَقِينَ إِلَى أُورُشَلِيمَ. ٣وَفِي ذَهَابِهِ حَدَثَ أَنَّهُ اقْتَرَبَ إِلَى دِمَشْقَ فَبَغْتَةً أَبْرَقَ حَوْلَهُ نُورٌ مِنَ السَّمَاءِ ٤فَسَقَطَ عَلَى الأَرْضِ وَسَمِعَ صَوْتاً قَائِلاً لَهُ: «شَاوُلُ شَاوُلُ لِمَاذَا تَضْطَهِدُنِي؟» ٥فَسَأَلَهُ: «مَنْ أَنْتَ يَا سَيِّدُ؟» فَقَالَ الرَّبُّ: «أَنَا يَسُوعُ الَّذِي أَنْتَ تَضْطَهِدُهُ. صَعْبٌ عَلَيْكَ أَنْ تَرْفُسَ مَنَاخِسَ». ٦فَسَأَلَ وَهُوَ مُرْتَعِدٌ وَمُتَحَيِّرٌ: «يَا رَبُّ مَاذَا تُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَ؟» فَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: «قُم وَادْخُلِ الْمَدِينَةَ فَيُقَالَ لَكَ مَاذَا يَنْبَغِي أَنْ تَفْعَلَ». (أع٩: ١-٦)، كما يخبرنا بولس الرسول أنه قد زار السماء، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": ١إِنَّهُ لاَ يُوافِقُنِي أَنْ أَفْتَخِرَ. فَإِنِّي آتِي إِلَى مَنَاظِرِ الرَّبِّ وَإِعْلاَنَاتِهِ. ٢أَعْرِفُ إِنْسَاناً فِي الْمَسِيحِ قَبْلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. أَفِي الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ، أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. اخْتُطِفَ هَذَا إِلَى السَّمَاءِ الثَّالِثَةِ. ٣وَأَعْرِفُ هَذَا الإِنْسَانَ. أَفِي الْجَسَدِ أَمْ خَارِجَ الْجَسَدِ؟ لَسْتُ أَعْلَمُ. اللهُ يَعْلَمُ. ٤أَنَّهُ اخْتُطِفَ إِلَى الْفِرْدَوْسِ، وَسَمِعَ كَلِمَاتٍ لاَ يُنْطَقُ بِهَا، وَلاَ يَسُوغُ لِإِنْسَانٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهَا. (٢كو١٢: ١-٤)، فقصة قيامة الرب يسوع هي حقيقة يقينية مؤكدة، فقد استشهد من أجلها بولس الرسول وجميع الرسل، وقام بولس الرسول بزرع كنائس عديدة خلال رحلاته التبشيرية الثلاث، حيث كرز في آسيا الصغرى (تركيا حالياً) وقبرص ومقدونية واليونان وإيطاليا، وغيرها، مثل كنائس: غلاطية، وأنطاكيا بيسيدية، وأفسس، وكولوسي، وفيليبي، وتسالونيكي، وكورنثوس، وغيرها، وقد غيَّر تاريخ العالم بأكمله بشهادته وكرازته.

  17. كيف ترد على الادِّعاء القائل بأن الرب يسوع المسيح قد جاء برسالة مختلفة، وأن بولس الرسول هو من أسس المسيحية بصورتها المعروفة لنا اليوم؟

    لو كان بولس الرسول هو الذي أسس المسيحية، إذن، لصار كلامه يختلف عمَّا جاء في الأناجيل الأربعة التي لم يكتبها، فقد كتب متى (إنجيل متى) وهو من التلاميذ الاثني عشر، كما جاء في إنجيل "متى": ٩وَفِيمَا يَسُوعُ مُجْتَازٌ مِنْ هُنَاكَ رَأَى إِنْسَاناً جَالِساً عِنْدَ مَكَانِ الْجِبَايَةِ اسْمُهُ مَتَّى. فَقَالَ لَهُ: «أتبعني». فَقَامَ وَتَبِعَهُ. (مت٩:٩)، وقد كتب يوحنا (إنجيل يوحنا) وهو تلميذ الرب يسوع المسيح الذي كان في حضنه، كما جاء في إنجيل "يوحنا":٢٣وَكَانَ مُتَّكِئاً فِي حِضْنِ يَسُوعَ وَاحِدٌ مِنْ تلاَمِيذِهِ كَانَ يَسُوعُ يُحِبُّهُ. (يو١٣: ٢٣)، وقد كتب لوقا (إنجيل لوقا) وقد كان رفيقاً لبولس الرسول في رحلاته التبشيرية الثانية والثالثة ورحلة روما، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "كولوسي": ١٤يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ لُوقَا الطَّبِيبُ الْحَبِيبُ، وَدِيمَاسُ. (كو٤: ١٤)، حيث اتفقت رسائل بولس مع إنجيل لوقا رفيقه، وقد كتب مرقس (إنجيل مرقس) وهو ابن مريم أخت برنابا، وقد كان مرافقاً لبولس في رحلته التبشيرية الأولى، ولكنَّه فارقه ثم رجع فيما بعد، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٢٥وَرَجَعَ بَرْنَابَا وَشَاوُلُ مِنْ أُورُشَلِيمَ بَعْدَ مَا كَمَّلاَ الْخِدْمَةَ وَأَخَذَا مَعَهُمَا يُوحَنَّا الْمُلَقَّبَ مَرْقُسَ. (أع١٢: ٢٥) و(أع١٥: ٣٧-٤١)، كما كان من العاملين مع بولس الرسول، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": ١٠يُسَلِّمُ عَلَيْكُمْ أَرِسْتَرْخُسُ ٱلْمَأْسُورُ مَعِي، وَمَرْقُسُ ٱبْنُ أُخْتِ بَرْنَابَا، الذي أَخَذْتُمْ لِأَجْلِهِ وَصَايَا. إِنْ أَتَى إِلَيْكُمْ فَٱقْبَلُوهُ. (كو٤: ١٠)، ومرقس أيضاً كان تلميذاً لبطرس الرسول، وقد كتب إنجيله نقلاً عنه، وقد دعاه بطرس ابنه أي ابنه الروحي، كما جاء في رسالة بطرس الأولى: ١٣تُسَلِّمُ عَلَيْكُمُ ٱلَّتِي فِي بَابِلَ المختارة مَعَكُمْ، وَمَرْقُسُ أبني. (١بط٥: ١٣) والذي رافق القصة بأكملها من أولها إلى آخرها، ولم يكن هناك أي نوع من التناقض أو الاختلاف بين الأناجيل الأربعة والرسائل، فلا ينكر أي منهم لا الصليب ولا القيامة ولا الفداء ولا الكفَّارة ولا الغفران، وبالتالي، إذ لا يوجد أي تناقض في الفكر اللاهوتي - ولو ضئيل - رغم وجود عدد كبير من الأسفار والرسائل، حتى أن رسالة العبرانيين التي لم يكتبها بولس الرسول تُعدّ أكبر شهادة عن من هو المسيح وعن عمل الفداء والكفارة، وعن الفرق بين العهد القديم والعهد الجديد، ولذلك نقول إن من لديه أي ادِّعاء فعليه إثباته، بدلاً من أن يردد ادِّعاءات وكلام مرسل دون أي دليل أو برهان.

  18. هل صارت المسيحية أقل قبولاً لدى البعض من أفكار وديانات أخرى تفترض أن الإنسان إذا أحب الله وعمل أعمالاً صالحة يمكن أن يكون مقبولاً لديه مهما كان دينه أو فكره، حيث إن المسيحية تحصر طريق القبول لدى الله في شخص الرب يسوع المسيح وحده (يو١٤: ٦)؟

    لا، فالأمر ليس كما يتم الترويج له في فكر العصر الجديد New Age والذي يقول إن: "كل الطرق تؤدي إلى روما"، وهو تيار فكري روحي ظهر في النصف الثاني من القرن الـ٢٠م خصوصاً في الغرب ويمزج بين عناصر من ديانات وفلسفات مختلفة (بوذية، هندوسية، غنوصية، صوفية، وعلم النفس الحديث)، فالديانات الأخرى - في معظمها - تؤكد أن طريقها وحده هو الصحيح دون سواه، أمَّا في المسيحية فالأمر يختلف، فنحن نؤمن بما أعلنه بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ١٤لأَنَّهُ الأُمَمُ الَّذِينَ لَيْسَ عِنْدَهُمُ النَّامُوسُ مَتَى فَعَلُوا بِالطَّبِيعَةِ مَا هُوَ فِي النَّامُوسِ فَهَؤُلاَءِ إِذْ لَيْسَ لَهُمُ النَّامُوسُ هُمْ نَامُوسٌ لأَنْفُسِهِمِ ١٥الَّذِينَ يُظْهِرُونَ عَمَلَ النَّامُوسِ مَكْتُوباً فِي قُلُوبِهِمْ شَاهِداً أَيْضاً ضَمِيرُهُمْ وَأَفْكَارُهُمْ فِيمَا بَيْنَهَا مُشْتَكِيَةً أَوْ مُحْتَجَّةً. (رو٢: ١٤-١٥)، فنحن لدينا هذا القانون: (الذين بلا ناموس هم ناموس لأنفسهم)، والمقصود هنا أن الشخص الذي لم يصل إليه هذا الإعلان الإلهي وهذه الحقيقة والحق الكتابي وهذا الإنجيل قبل مجيء المسيح أو بعد مجيء المسيح، يتعامل معه الله بناءً على الضمير الداخلي والناموس الداخلي، والمقصود هنا الضمير المُطلق الذي يُشعر الإنسان بالارتياح أو بعدم الارتياح في أمر من الأمور، وهو عكس الضمير النسبي الذي يسمح للإنسان بتبني فكرة خاطئة قد تكون نابعة من عقيدة دينية معينة، فعلى سبيل المثال، نجد أن جميع الديانات تتحدث عن مجموعة من المبادئ والشرائع التي تتكوَّن من الأوامر والنواهي أي افعل ولا تفعل، مثل: (لا تقتل، لا تزني، صلي، صُم)، بينما قلب الإنسان يبحث ويطلب ويحتاج إلى الله، فالإنسان لا يحتاج أن يكون صالحاً فحسب، بل يحتاج إلى الله ذاته إلى شخص ينتمي إليه، إلى من هو أعظم ليخبره: من يكون؟ ولماذا وُجِد في هذا العالم؟ وما الهدف من خلقه؟ هل خُلق بقصد إلهي؟ أم جاء نتيجة عمليات التطور عن القرد طبقاً لنظرية النشوء والارتقاء لداروين؟

  19. إذن، فالإنسان يبحث عن الله عن الأبدية، لأن الله "جعل الأبدية في قلوبهم"، كما جاء في سفر "الجامعة": ١١صَنَعَ الكل حَسَنًا فِي وَقْتِهِ، وَأَيْضًا جَعَلَ الأبدية فِي قَلْبِهِمِ، ٱلَّتِي بِلَاهَا لَا يُدْرِكُ الإنسان العمل الذي يَعْمَلُهُ الله مِنَ البداية إِلَى النهاية .(جا٣: ١١)، ففي قلب الإنسان بحث دائم عن الأبدية، ولعل أبلغ مثال على ذلك هو أن أعظم ما بناه قدماء المصريين كان المقابر وذلك من أجل الأبدية والخلود، فالله قد جعل في قلب الإنسان وفي داخله فكرة البحث عن الأبدية والخلود، وهذه الأبدية لا تتحقق إلَّا في شخص الله ذاته، فإذا كان الإنسان أميناً ومخلصاً وصادقاً مع ذاته سيدرك حتماً أن اشتياقه إلى الأبدية والخلود لا يتحقق إلَّا باتحاده مع الله، وحيث إنه يفعل أوامر ونواهي عقيدته أو دينه ولا يجد الله، لذلك سيبحث الإنسان عن الله، لأن راحة الإنسان هي أن يجد الله لتكون له شركة وعلاقة محبة معه، كما جاء في سفر "إرميا": ١٣وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ .(إر٢٩: ١٣)، فمن يبحث عن الله بصدق في أي مكان في العالم فإنه حتماً سيجد الله، لأن الله عن كل واحد منا ليس ببعيد، كما يقول بولس الرسول للوثنيين في أثينا، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٢٧لِكَيْ يَطْلُبُوا اللهَ لَعَلَّهُمْ يَتَلَمَّسُونَهُ فَيَجِدُوهُ، مَعَ أَنَّهُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَّا لَيْسَ بَعِيداً.(أع١٧: ٢٧). فإذن، ففي أعماق الإنسان ناموس كما يقول بولس الرسول "هم ناموس لأنفسهم" (رو٢: ١٤-١٥)، فالمحبة الإلهية هي محبَّة غير مشروطة، فالله يحب الإنسان طوال الوقت حتى وإن كان الإنسان خاطي وحتى إن كان الإنسان لا يحب الله ولا يريده، لأن "الله محبة"(١يو٤: ٨) ، ومحبة الله فعل وليست رد فعل لمحبة الإنسان له، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: ١٩نَحْنُ نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا.(١يو٤: ١٩)، فالله لا يحب من يحبه ولا يكره من يكرهه، وهذا ما يعلِّمه الرب يسوع المسيح في (الموعظة على الجبل)، كما جاء في إنجيل "متى": ٤٦لأَنَّهُ إِنْ أَحْبَبْتُمُ الَّذِينَ يُحِبُّونَكُمْ فَأَيُّ أَجْرٍ لَكُمْ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ ذَلِكَ؟ ٤٧وَإِنْ سَلَّمْتُمْ عَلَى إِخْوَتِكُمْ فَقَطْ فَأَيَّ فَضْلٍ تَصْنَعُونَ؟ أَلَيْسَ الْعَشَّارُونَ أَيْضاً يَفْعَلُونَ هَكَذَا؟ ٤٨فَكُونُوا أَنْتُمْ كَامِلِينَ كَمَا أَنَّ أَبَاكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ هُوَ كَامِلٌ. (مت٥: ٤٦-٤٨)، فالله كامل ومحبته كاملة وغير مشروطة، بينما علاقة الله مع الإنسان هي علاقة مشروطة برغبة الإنسان وقبوله لله.

  20. ماذا لو كان الإنسان راغباً في إقامة علاقة وشركة مع الله، ولكنه غير قادر على فهم وإدراك طبيعة الله؟

    إذا كان الإنسان راغباً في معرفة الله وإقامة شركة وعلاقة معه حتى وإن لم يكن قادراً على فهم طبيعة الله بعد، فإنه عندما يبحث عن الله بصدق وإخلاص فإنه حتماً سيجده، كما جاء في سفر "إرميا": ١٣وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ .(إر٢٩: ١٣) ، فأيَّا كانت خلفية ذلك الإنسان، وسواء عاش قبل مجيء المسيح أو بعد مجيئه، فإنه سيجد الله، فمن يريد أن يجد الله فعليه أن يتبع هاتين الطريقتين: (الإيمان والمحبَّة)، أي أن يؤمن الإنسان بأن الله موجود فيطلبه وبالتالي سيجده، لأن تعريف الإيمان هو أن "الله موجود ويجازي الذين يطلبونه"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": ٦وَلَكِنْ بِدُونِ إِيمَانٍ لَا يُمْكِنُ إِرْضَاؤُهُ، لِأَنَّهُ يَجِبُ أَنَّ الذي يَأْتِي إِلَى ٱللهِ يُؤْمِنُ بِأَنَّهُ مَوْجُودٌ، وَأَنَّهُ يُجَازِي الذين يَطْلُبُونَهُ. (عب١١: ٦)، وعندما يجد الإنسان الله فهو يحبه، لأن الله محبوب، كما جاء في رسالة "يوحنا الأولى"

    نَحْنُ نُحِبُّهُ لِأَنَّهُ هُوَ أَحَبَّنَا أَوَّلًا .(١يو٤: ١٩)، وحينها يكون للإنسان علاقة حقيقية مع الله، بغض النظر عن دينه أو خلفيته، لأن المسيح مات من أجل البشرية بأكملها، حيث قدَّم نفسه بروح أزليّ، كما يقول كاتب رسالة "العبرانيين": ١٤فَكَمْ بالحري يَكُونُ دَمُ ٱلْمَسِيحِ، الذي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلهِ بِلَا عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا الله الحي !(عب٩: ١٤)، فدم المسيح وكفَّارته تُغطي كل من يؤمن به ويقبل عمله على الصليب وتغفر له خطاياه، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "أفسس": ٧ٱلَّذِي فِيهِ لَنَا الفداء بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الخطايا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ (أف١: ٧) و(كو١: ١٤) (١يو١: ٧)، وذلك حتى وإن لم يعترف الإنسان بفمه بالرب يسوع المسيح، بسبب أنه لا يعلم ولم يصل إليه الإعلان الإلهي، ولكنَّه اعترف بنعمة وفضل الله، لأنه افتدى الإنسان، وهذا ما يؤكده العهد القديم بقوله "الذي يفدي نفسي"، كما جاء في سفر "المزامير": ١٥إِنَّمَا الله يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الهاوية لِأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلَاهْ. (مز٤٩: ١٥)، وكذلك جاء في سفر "إشعياء": ٢٢قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. ارْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. (إش٤٤: ٢٢).

  21. فمن يسير في الطريق الذي أعده الله يمكنه أن يصل إلى معرفة الحق حتى وإن لم يكن يعلم أن الرب يسوع المسيح هو الذي أسس ذلك الطريق فهو الطريق والحق والحياة (يو١٤: ٦)

    فالقانون الإلهي هو نور (أي معرفة) وحرية، وبقدر النور الذي يصل إلى الإنسان تتم محاسبته، فإذا كان لدي الإنسان القليل من النور وتصرَّف بحسبه يكون قد سلك بما لديه من استنارة ومعرفة، وإذا عرف الإنسان الحقيقة بأكملها أو جزءاً منها وقبلها، فقد قبل النور الحقيقي لا الظلمة، وأيَّاً كان ما يؤمن به الإنسان سواء أكان مسيحياً أو غير مسيحي، فإن قام بأعمال صالحة محاولاً أن يتبرر بها فتلك الأعمال لا تبرره أمام الله، لأن التبرير لا يتحقق إلَّا بالنعمة التي لنا في الرب يسوع المسيح، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": ٨لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. ٩لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. (أف٢: ٨)، فالنعمة هي التي تجعل الإنسان يتجاوب مع الله من خلال: (الإيمان والمحبَّة)، وهذا ما يعلنه لنا الكتاب المقدس: "غاية الوصية هي المحبَّة من قلب طاهر، وإيمان بلا رياء، فالإيمان والمحبَّة هُما الركيزتان الأساسيتان لعلاقتنا مع الله.

  22. هل القول بأن أي إنسان يؤمن بالله يمكنه دخول السماء دون معرفة كاملة بالحق الكتابي أو الإقرار بالمسيح كمخلِّص، يُضعف أو يهدم فكرة أن المسيحية هي الطريق الوحيد للخلاص؟

    إن الرب يسوع المسيح لم يؤسس ما يمكن تسميته بـ (الدين المسيحي)، بل كان اللقب الذي تم إطلاقه على أتباعه هو (تلاميذ المسيح)، إشارة إلى أنهم يتعلّمون من المسيح ويسلكون على مثاله، كما جاء في إنجيل "متى": ٢٤حِينَئِذٍ قَالَ يَسُوعُ لِتَلاَمِيذِهِ: «إِنْ أَرَادَ أَحَدٌ أَنْ يَأْتِيَ وَرَائِي فَلْيُنْكِرْ نَفْسَهُ وَيَحْمِلْ صَلِيبَهُ وَيَتْبَعْنِي. (مت١٦:٢٤) و(مر٨:٣٤) و(لو٩: ٢٣)، وظلَّ هذا اللقب مُستخدماً حتى زمن ما قبل كنيسة أنطاكيا (سوريا)، ثم أطلقوا عليهم تسمية (مسيحيين)، كما جاء في سفر "أعمال الرسل": ٢٦فَحَدَثَ أَنَّهُمَا اجتمعا فِي ٱلْكَنِيسَةِ سَنَةً كَامِلَةً وَعَلَّمَا جَمْعًا غَفِيرًا. وَدُعِيَ التلاميذ «مَسِيحِيِّينَ» فِي أَنْطَاكِيَةَ أَوَّلًا. (أع١١: ٢٦)، فحتى زمن كنيسة أنطاكيا لم تكن هناك تسمية مسيحيين، ولكن الناس أطلقوا عليهم لقب (مسيحيين) إذ رأوهم يتحدثون عن المسيح لأنهم تلاميذه، فالمسيحية تعني أن يصير المؤمن تلميذاً لشخص اسمه المسيح، وأن يكون له علاقة وشركة مع الله، وأن يسير وراء الرب، ويرى جماله، ويحبه ويتعلَّق به ويعيش معه وله وليس لنفسه، إذ ينكر نفسه ويصلب جسده عن شهواته (مت١٦: ٢٤).

  23. ما هي الثوابت الأساسية للإيمان المسيحي، وهل هو دين بأركان واضحة، أم يعتمد على أمور روحية وعلاقة شخصية بين الإنسان والله؟

    تعني كلمة (دين) ممارسات وشكل وعبادة وقوانين ونظم، وهذا لا ينطبق على الإيمان المسيحي، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "كولوسي": ١٤إِذْ مَحَا الصك الذي عَلَيْنَا فِي الفرائض، الذي كَانَ ضِدًّا لَنَا، وَقَدْ رَفَعَهُ مِنَ الوسط مُسَمِّرًا إِيَّاهُ بالصليب. (كو٢: ١٤) ، بينما ينطبق ذلك على اليهودية، لأنها تحتوي على (ناموس الوصايا) كما جاء في سفر الخروج (خر٢٠: ١-١٧) وسفر التثنية (تث٥: ٦-٢١) وتحتوي أيضاً على (ناموس الذبائح)، وهي: ذبيحة المُحرقة والتقدمة والسلامة والخطيَّة والإثم، كما جاء في سفر اللاويين (الأصحاحات١-٧)، وكذلك يوجد (ناموس القانون الوضعي) الذي يتحدث عن أحوال، مثل: قتل الإنسان لإنسان آخر أو لبهيمة، والسرقة، والتعدي بالضرب، وتكسير الأسنان، فقد وضعت هذه القوانين والنظم والشرائع لتأسيس دولة لشعب إسرائيل، كما جاء في سفر "اللاويين":١٧وَإِذَا أَمَاتَ أَحَدٌ إِنْسَاناً فَإِنَّهُ يُقْتَلُ. ١٨وَمَنْ أَمَاتَ بَهِيمَةً يُعَوِّضُ عَنْهَا نَفْساً بِنَفْسٍ. ١٩وَإِذَا أَحْدَثَ إِنْسَانٌ فِي قَرِيبِهِ عَيْباً فَكَمَا فَعَلَ كَذَلِكَ يُفْعَلُ بِهِ. ٢٠كَسْرٌ بِكَسْرٍ وَعَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. كَمَا أَحْدَثَ عَيْباً فِي الْإِنْسَانِ كَذَلِكَ يُحْدَثُ فِيهِ. ٢١مَنْ قَتَلَ بَهِيمَةً يُعَوِّضُ عَنْهَا وَمَنْ قَتَلَ إِنْسَاناً يُقْتَلْ. ٢٢حُكْمٌ وَاحِدٌ يَكُونُ لَكُمْ. الْغَرِيبُ يَكُونُ كَالْوَطَنِيِّ. إِنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكُمْ». (لا٢٤: ١٧-٢٢).

  24. ولكن الرب يسوع المسيح لم يأتِ بقوانين وشرائع وأحكام، بل وضع مبادئ أساسية للحياة المسيحية في (الموعظة على الجبل)، حيث يؤكد على محبَّة الأعداء، كما جاء في إنجيل "متى": ٤٣«سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: تُحِبُّ قَرِيبَكَ وَتُبْغِضُ عَدُوَّكَ. ٤٤وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: أَحِبُّوا أَعْدَاءَكُمْ. بَارِكُوا لاَعِنِيكُمْ. أَحْسِنُوا إِلَى مُبْغِضِيكُمْ وَصَلُّوا لأَجْلِ الَّذِينَ يُسِيئُونَ إِلَيْكُمْ وَيَطْرُدُونَكُمْ (مت٥: ٤٣-٤٤)، وعندما يعطي الإنسان صدقة فلا يقدمها أمام الناس، بل في الخفاء، كما ورد في الإنجيل ذاته:١«احْتَرِزُوا مِنْ أَنْ تَصْنَعُوا صَدَقَتَكُمْ قُدَّامَ النَّاسِ لِكَيْ يَنْظُرُوكُمْ وَإِلا فَلَيْسَ لَكُمْ أَجْرٌ عِنْدَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. ٢فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُصَوِّتْ قُدَّامَكَ بِالْبُوقِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُرَاؤُونَ فِي الْمَجَامِعِ وَفِي الأَزِقَّةِ لِكَيْ يُمَجَّدُوا مِنَ النَّاسِ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ! ٣وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صَنَعْتَ صَدَقَةً فَلاَ تُعَرِّفْ شِمَالَكَ مَا تَفْعَلُ يَمِينُكَ ٤لِكَيْ تَكُونَ صَدَقَتُكَ فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ هُوَ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. (مت٦: ١-٤)، وعندما يصوم الإنسان، فينبغي ألَّا يبدو عليه علامات الصوم بوجه عابس أمام الناس، كما نقرأ:١٦«وَمَتَى صُمْتُمْ فَلاَ تَكُونُوا عَابِسِينَ كَالْمُرَائِينَ فَإِنَّهُمْ يُغَيِّرُونَ وُجُوهَهُمْ لِكَيْ يَظْهَرُوا لِلنَّاسِ صَائِمِينَ. اَلْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُمْ قَدِ اسْتَوْفَوْا أَجْرَهُمْ. ١٧وَأَمَّا أَنْتَ فَمَتَى صُمْتَ فَادْهُنْ رَأْسَكَ وَاغْسِلْ وَجْهَكَ ١٨لِكَيْ لاَ تَظْهَرَ لِلنَّاسِ صَائِماً، بَلْ لأَبِيكَ الَّذِي فِي الْخَفَاءِ. فَأَبُوكَ الَّذِي يَرَى فِي الْخَفَاءِ يُجَازِيكَ عَلاَنِيَةً. (مت٦: ١٦-١٨).

  25. فقد تحدث الرب يسوع المسيح عن مجموعة من المبادئ الأساسية في الإيمان المسيحي، تحدث عن القيم والعلاقة، وعن أهمية النقاء والطهارة الداخلية وليس الخارجية، كما يضيف إنجيل "متى": ٢٥وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُنَقُّونَ خَارِجَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ وَهُمَا مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوآنِ اخْتِطَافاً وَدَعَارَةً! ٢٦أَيُّهَا الْفَرِّيسِيُّ الأَعْمَى نَقِّ أَوَّلاً دَاخِلَ الْكَأْسِ وَالصَّحْفَةِ لِكَيْ يَكُونَ خَارِجُهُمَا أَيْضاً نَقِيّاً. ٢٧وَيْلٌ لَكُمْ أَيُّهَا الْكَتَبَةُ وَالْفَرِّيسِيُّونَ الْمُرَاؤُونَ لأَنَّكُمْ تُشْبِهُونَ قُبُوراً مُبَيَّضَةً تَظْهَرُ مِنْ خَارِجٍ جَمِيلَةً وَهِيَ مِنْ دَاخِلٍ مَمْلُوءَةٌ عِظَامَ أَمْوَاتٍ وَكُلَّ نَجَاسَةٍ. ٢٨هَكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً: مِنْ خَارِجٍ تَظْهَرُونَ لِلنَّاسِ أَبْرَاراً، وَلَكِنَّكُمْ مِنْ دَاخِلٍ مَشْحُونُونَ رِيَاءً وَإِثْماً! (مت٢٣: ٢٥-٢٨)، فقد تغيَّر المفهوم، ففي العهد القديم كانت العبادة في هيكل أورشليم وهو موضع بيت الله، بينما في العهد الجديد صرنا نحن المؤمنين هيكل الله وبيت الله وروح الله ساكن فينا، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى " كورنثوس": ١٦أَمَا تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ هَيْكَلُ الله، وَرُوحُ ٱللهِ يَسْكُنُ فِيكُمْ؟ (١كو٣: ١٦).

    إذا كانت الأمور الروحية في المسيحية رائعة وتؤدي لعلاقة محبّة مع الله، فلماذا لا توجد شرائع واضحة تقود الفكر والجسد، خاصة وأن بعض الناس يرون الإيمان غير راسخ لغياب نظم محددة؟

  26. إن غاية الإيمان المسيحي هي إقامة علاقة حقيقية بين الإنسان والله، فهو لا يقوم على شرائع ونظم وقوانين، وقد جاء الرب يسوع المسيح ليُعيد علاقة الإنسان مع الله من جديد، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": ١٠لأَنَّهُ إِنْ كُنَّا وَنَحْنُ أَعْدَاءٌ قَدْ صُولِحْنَا مَعَ اللهِ بِمَوْتِ ابْنِهِ فَبِالأَوْلَى كَثِيراً وَنَحْنُ مُصَالَحُونَ نَخْلُصُ بِحَيَاتِهِ.(رو٥: (١٠ ، ليستطيع الإنسان أن يجد الله وأن يسكن الله في داخله، فيتغيَّر الإنسان ويصير خليقة جديدة، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": ١٧إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ : الأشياء ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الكل قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (٢كو٥: ١٧)، وحينها يستطيع الإنسان أن يرى الله الحي بالإيمان، كما يقول الرب يسوع في (الموعظة على الجبل) كما جاء في إنجيل "متى": ٨طُوبَى لِلْأَنْقِيَاءِ القلب، لِأَنَّهُمْ يُعَايِنُونَ الله. (مت٥: ٨)، ويستطيع الإنسان التحدث إلى الله ويستمع إليه، كما جاء في سفر "إشعياء": ٢٤وَيَكُونُ أَنِّي قَبْلَمَا يَدْعُونَ أَنَا أُجِيبُ، وَفِيمَا هُمْ يَتَكَلَّمُونَ بَعْدُ أَنَا أَسْمَعُ. (إش٦٥: ٢٤)، فيستمتع ويتلذذ به، كما يقول داود في سفر "المزامير": ٤وَتَلَذَّذْ بالرب فَيُعْطِيَكَ سُؤْلَ قَلْبِكَ. (مز٣٧: ٤)، فيملأه الله بحضوره، حيث يقول الرب يسوع المسيح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٢٣أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: «إِنْ أَحَبَّنِي أَحَدٌ يَحْفَظْ كَلَامِي، وَيُحِبُّهُ أَبِي، وَإِلَيْهِ نَأْتِي، وَعِنْدَهُ نَصْنَعُ مَنْزِلًا. (يو١٤: ٢٣).

  27. فإذن، جوهر الإيمان المسيحي يكمن في إقامة علاقة حيَّة وحقيقية مع الله، فقد سأل الفريسيُّون الرب يسوع المسيح عن ما هي الوصية العظمى، فأجاب: تحب الرب إلهك وتحب قريبك، كما جاء في إنجيل "متى": ٣٤أَمَّا الْفَرِّيسِيُّونَ فَلَمَّا سَمِعُوا أَنَّهُ أَبْكَمَ الصَّدُّوقِيِّينَ اجْتَمَعُوا مَعاً ٣٥وَسَأَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ وَهُوَ نَامُوسِيٌّ لِيُجَرِّبَهُ: ٣٦«يَا مُعَلِّمُ أَيَّةُ وَصِيَّةٍ هِيَ الْعُظْمَى فِي النَّامُوسِ؟» ٣٧فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «تُحِبُّ الرَّبَّ إِلَهَكَ مِنْ كُلِّ قَلْبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ فِكْرِكَ. ٣٨هَذِهِ هِيَ الْوَصِيَّةُ الأُولَى وَالْعُظْمَى. ٣٩وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا: تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. ٤٠بِهَاتَيْنِ الْوَصِيَّتَيْنِ يَتَعَلَّقُ النَّامُوسُ كُلُّهُ وَالأَنْبِيَاءُ». (مت٢٢ :٣٤-٤٠)، وقد وردت هذه الوصية في العهد القديم في سفر "التثنية": ٥فَتُحِبُّ الرَّبَّ إِلهَكَ مِنْ كُلِّ قَلبِكَ وَمِنْ كُلِّ نَفْسِكَ وَمِنْ كُلِّ قُوَّتِكَ. (تث٦: ٥)، وكذلك في سفر "اللاويين":١٨لاَ تَنْتَقِمْ وَلاَ تَحْقِدْ عَلَى أَبْنَاءِ شَعْبِكَ، بَلْ تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ. أَنَا الرَّبُّ. (لا١٩:١٨). حيث وضع مُطلق الوصية ووضع الخطوط العريضة وهي المحبَّة، أي "تحب الرب إلهك من كل قلبك ونفسك وفكرك"، وهذه هي العلاقة مع الله، وفيما يتعلق بالآخرين من الناس، فعلى الإنسان أن يحب جميع الناس إلى أن يصل بمحبَّته ورحمته وإحسانه إلى الذين لا يحبوه ويكرهوه ويحتقروه، وهذا هو المقصود بالقريب، فليس القريب هو ابن العم أو الأخ أو الزوج أو الزوجة أو من يتفق مع الإنسان في الإيمان فحسب، وحكى الرب يسوع (قصة السامري الصالح)، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٢٩وَأَمَّا هُوَ فَإِذْ أَرَادَ أَنْ يُبَرِّرَ نَفْسَهُ سَأَلَ يَسُوعَ: «وَمَنْ هُوَ قَرِيبِي؟» ٣٠فَأَجَابَ يَسُوعُ: «إِنْسَانٌ كَانَ نَازِلاً مِنْ أُورُشَلِيمَ إِلَى أَرِيحَا فَوَقَعَ بَيْنَ لُصُوصٍ فَعَرَّوْهُ وَجَرَّحُوهُ وَمَضَوْا وَتَرَكُوهُ بَيْنَ حَيٍّ وَمَيْتٍ. ٣١فَعَرَضَ أَنَّ كَاهِناً نَزَلَ فِي تِلْكَ الطَّرِيقِ فَرَآهُ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. ٣٢وَكَذَلِكَ لاَوِيٌّ أَيْضاً إِذْ صَارَ عِنْدَ الْمَكَانِ جَاءَ وَنَظَرَ وَجَازَ مُقَابِلَهُ. ٣٣وَلَكِنَّ سَامِرِيّاً مُسَافِراً جَاءَ إِلَيْهِ وَلَمَّا رَآهُ تَحَنَّنَ ٣٤فَتَقَدَّمَ وَضَمَدَ جِرَاحَاتِهِ وَصَبَّ عَلَيْهَا زَيْتاً وَخَمْراً وَأَرْكَبَهُ عَلَى دَابَّتِهِ وَأَتَى بِهِ إِلَى فُنْدُقٍ وَاعْتَنَى بِهِ. ٣٥وَفِي الْغَدِ لَمَّا مَضَى أَخْرَجَ دِينَارَيْنِ وَأَعْطَاهُمَا لِصَاحِبِ الْفُنْدُقِ وَقَالَ لَهُ: اعْتَنِ بِهِ وَمَهْمَا أَنْفَقْتَ أَكْثَرَ فَعِنْدَ رُجُوعِي أُوفِيكَ. ٣٦فَأَيُّ هَؤُلاَءِ الثَّلاَثَةِ تَرَى صَارَ قَرِيباً لِلَّذِي وَقَعَ بَيْنَ اللُّصُوصِ؟» ٣٧فَقَالَ: «الَّذِي صَنَعَ مَعَهُ الرَّحْمَةَ». فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «اذْهَبْ أَنْتَ أَيْضاً وَاصْنَعْ هَكَذَا». (لو١٠:٢٧-٣٧).

  28. فقد وضع الرب يسوع المسيح قانون الحياة أي علاقة المحبَّة بين الإنسان والله وبين الإنسان وأخيه الإنسان، فعلاقة الإنسان مع الله يمكن ممارستها عن طريق الصلاة، وقراءة كلمته المقدسة في الكتاب المقدس، والتعبُّد إلى الله مع جماعة المؤمنين بالكنيسة أي مع إخوة الإيمان، والمؤمن يذهب إلى التعبُّد - من تلقاء نفسه - بدافع داخلي نابع من قلبه ومحبَّته، وليس نوعاً من ممارسة الشرائع المفروضة عليه كما في الديانات الأخرى، فليس المطلوب القيام بأعمال لإرضاء الله، بل ممارسة الحياة الروحية الحقيقية، حيث إن الإنسان كائن حي يمارس الحياة، فتقوم الحياة في الإيمان المسيحي على مبدأ أن الإنسان يبحث ويطلب الله ومن ثمَّ فهو يجده، والله يجد الإنسان في المقابل، فيصير الإنسان كائناً حيَّاُ بالمعنى الروحي، ولأن الإنسان كائن حي فهو قادر على ممارسة الحياة الحقيقية وهي الحديث إلى الله أي الصلاة، فلا يصلي الإنسان لإرضاء الله، أو للحصول على مكافأة وتجميع نقاط لإرضائه، بل لأن الإنسان المؤمن له علاقة حية وشخصية مع الله فهو يتحدث إليه (إش٦٥: ٢٤) فمثلاً، يتحدث الرجل المتزوج إلى زوجته لأنه يحبها وليس لإرضائها ولا خوفاً من غضبها منه، فإن تحدث الرجل إلى زوجته لأجل إرضائها فلا يمكن اعتبار ذلك علاقة حقيقية، ولكنَّه يتحدث إليها ويجلس ويخرج معها لأنه يحبها، فالمحبة تجعل الإنسان يُعطي ويتحدث ويستمتع بعلاقة حقيقية، لأن المحبة هي مصدر العلاقة وليست العلاقة هي مصدر المحبة، وعلى ذلك، يقوم الإنسان بالصلاة والصوم والذهاب إلى الكنيسة ويحب الآخرين، فمن خلال علاقة الإنسان الحية مع الله والآخر يستطيع الإنسان ممارسة الحياة الحقيقية.

  29. ما هي الآيات والأمثلة الكتابية التي تشير إلى سعي الإنسان في البحث عن الله وطلبه، وفي المقابل مبادرة الله للقاء الإنسان وإيجاده؟

    عندما يبحث الإنسان عن الله فإنه حتماً سيجده، أو بمعنى آخر يجد الله من يطلبه بصدق وإخلاص، وقد استخدم الرب يسوع المسيح عدَّة عبارات تعبر عن هذا المعنى: حيث يقول: "وجدت خروفي الضال"، وذلك في (مثل الخروف الضال)، كما جاء في إنجيل "لوقا": ١وَكَانَ جَمِيعُ الْعَشَّارِينَ والخطأة يَدْنُونَ مِنْهُ لِيَسْمَعُوهُ. ٢فَتَذَمَّرَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَالْكَتَبَةُ قَائِلِينَ: «هَذَا يَقْبَلُ خطأة وَيَأْكُلُ مَعَهُمْ». ٣فَكَلَّمَهُمْ بِهَذَا الْمَثَلِ: ٤«أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ لَهُ مِئَةُ خَرُوفٍ وَأَضَاعَ وَاحِداً مِنْهَا أَلاَ يَتْرُكُ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ فِي الْبَرِّيَّةِ وَيَذْهَبَ لأَجْلِ الضَّالِّ حَتَّى يَجِدَهُ؟ ٥وَإِذَا وَجَدَهُ يَضَعُهُ عَلَى مَنْكِبَيْهِ فَرِحاً ٦وَيَأْتِي إِلَى بَيْتِهِ وَيَدْعُو الأَصْدِقَاءَ وَالْجِيرَانَ قَائِلاً لَهُمُ: افْرَحُوا مَعِي لأَنِّي وَجَدْتُ خَرُوفِي الضَّالَّ. ٧أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ هَكَذَا يَكُونُ فَرَحٌ فِي السَّمَاءِ بِخَاطِئٍ وَاحِدٍ يَتُوبُ أَكْثَرَ مِنْ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ بَارّاً لاَ يَحْتَاجُونَ إِلَى تَوْبَةٍ». (لو١٥: ١-٧).

    ويقول الرب يسوع المسيح أيضاً: "ابني هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد"، وذلك في (مثل الابن الضال)، فقد عاد الابن لبيت أبيه بعد مغادرته له وإنفاق حصته في مال أبيه، كما جاء في إنجيل "لوقا": ٢٠فَقَامَ وَجَاءَ إِلَى أَبِيهِ. وَإِذْ كَانَ لَمْ يَزَلْ بَعِيداً رَآهُ أَبُوهُ فَتَحَنَّنَ وَرَكَضَ وَوَقَعَ عَلَى عُنُقِهِ وَقَبَّلَهُ. ٢١فَقَالَ لَهُ الاِبْنُ: يَا أَبِي أَخْطَأْتُ إِلَى السَّمَاءِ وَقُدَّامَكَ وَلَسْتُ مُسْتَحِقّاً بَعْدُ أَنْ أُدْعَى لَكَ ابْناً. ٢٢فَقَالَ الأَبُ لِعَبِيدِهِ: أَخْرِجُوا الْحُلَّةَ الأُولَى وَأَلْبِسُوهُ وَاجْعَلُوا خَاتَماً فِي يَدِهِ وَحِذَاءً فِي رِجْلَيْهِ ٢٣وَقَدِّمُوا الْعِجْلَ الْمُسَمَّنَ وَاذْبَحُوهُ فَنَأْكُلَ وَنَفْرَحَ ٢٤لأَنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ مَيِّتاً فَعَاشَ وَكَانَ ضَالاًّ فَوُجِدَ. فَابْتَدَأُوا يَفْرَحُونَ. (لو١٥: ٢٠-٢٤).

  30. إذا افترضنا أن المؤمنين ذوي الشفافية الروحية العالية يستطيعون إقامة علاقة حقيقية مع الله، فماذا عن الذين يفتقدون هذه الشفافية ولا توجد لديهم شرائع واضحة، ويعتمدون فقط على ما يتلقونه من الله ليطبقوه؟

    من هو المؤمن في المسيحية؟ هو الذي تعرَّف على الله، هو الذي قبل المسيح في قلبه، حيث يقول الرب يسوع المسيح في صلاته قبل إلقاء القبض عليه، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ٣وَهَذِهِ هِيَ الحياة الأبدية: أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الإله ٱلْحَقِيقِيَّ وَحْدَكَ وَيَسُوعَ المسيح الذي أَرْسَلْتَهُ .(يو١٧: ٣)، والمؤمن هو الذي وُلدت بينه وبين الله علاقة حيَّة وحقيقية، حيث يولد ولادة جديدة كطفل صغير، حيث يقول الرب يسوع المسيح لنيقوديموس، كما جاء في الإنجيل ذاته: ٣فَقَالَ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنْ فَوْقُ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَرَى مَلَكُوتَ اللَّهِ». (يو٣: ٣)، وهو الذي يتمتع بحياة جديدة، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": ١٧إِذًا إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي المسيح فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ: الأشياء ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ، هُوَذَا الكل قَدْ صَارَ جَدِيدًا. (٢كو٥: ١٧)، ولكن ذلك الطفل المولود حي ويريد أن يشرب ويأكل وينام، كما أنه لديه احتياجات ومتطلبات الحياة الروحية، فهو يريد أن يصلي فيصلي لمدة خمس أو عشر دقائق بحسب قدرته، ويريد أن يأكل، فيجد غذاءه في كلمة الرب، إذ إن كلمة الرب هي طعام المؤمن، كما جاء في سفر "إرميا": ١٦وُجِدَ كَلَامُكَ فَأَكَلْتُهُ، فَكَانَ كَلَامُكَ لِي لِلْفَرَحِ وَلِبَهْجَةِ قَلْبِي، لِأَنِّي دُعِيتُ باسمك يَا رَبُّ إِلَهَ الجنود. (إر١٥: ١٦) و(حز٣: ١-٣) و(يو٦: ٣٥)، وكلمة الرب هي سراج لرجليّ المؤمن ونور لطريقه، كما جاء في سفر "المزامير": ١٠٥سِرَاجٌ لِرِجْلِي كَلَامُكَ وَنُورٌ لِسَبِيلِي. (مز١١٩: ١٠٥)، وبما أن المؤمن يحب الرب يسوع المسيح، فهو يريد أن يستمع إلى كلمته فيقرأ الإنجيل بمحبة عميقة، لأنه يحتوي على أقوال وأعمال المسيح، فيرى حياته أثناء خدمته الأرضية، فقد كان المؤمن في البداية يقرأ الإنجيل ولا يفهمه جيداً، وبعد أن صارت له علاقة حقيقية وحيَّة مع الله أمكنه فهم كلمته المقدسة بشكل أكبر، فينمو ويكبر تدريجياً في علاقته مع الله ويصلي إليه كثيراً، ويتعمَّق في قراءة الكتاب المقدس ويزداد فهمه له، ويرغب في أن يكون له شركة مع إخوة الإيمان، فيذهب إلى الكنيسة ويحضر الاجتماعات والصلاة الجماعية، فيمارس الحياة الروحية الحقيقية.

  31. إذا كان قانون الدولة فاسد، فكيف يمكن للمسيحي التعامل معه؟

    ينبغي معارضة أي قانون فاسد، فإن كان القانون يقر بـ (العبودية) فيجب المناداة بحرية العبيد، كما يقول بولس الرسول إلى "غلاطية": ٢٨لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلَا يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلَا حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لِأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي المسيح يَسُوعَ. (غل٣: ٢٨)، وإن كان القانون يدعو لـ (المحاباة) فيجب المطالبة بإلغائه، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ١١لِأَنْ لَيْسَ عِنْدَ الله مُحَابَاةٌ. (رو٢: ١١)، ومع ذلك، ينبغي الالتزام والخضوع لنظام الدولة، مع المناداة بالعدالة والحق، فقد سأل الفريسيُّون الرب يسوع المسيح عن إعطاء الجزية لقيصر، كما جاء في إنجيل "متى": ١٥حِينَئِذٍ ذَهَبَ الْفَرِّيسِيُّونَ وَتَشَاوَرُوا لِكَيْ يَصْطَادُوهُ بِكَلِمَةٍ. ١٦فَأَرْسَلُوا إِلَيْهِ تَلاَمِيذَهُمْ مَعَ الْهِيرُودُسِيِّينَ قَائِلِينَ: «يَا مُعَلِّمُ نَعْلَمُ أَنَّكَ صَادِقٌ وَتُعَلِّمُ طَرِيقَ اللَّهِ بِالْحَقِّ وَلاَ تُبَالِي بِأَحَدٍ لأَنَّكَ لاَ تَنْظُرُ إِلَى وُجُوهِ النَّاسِ. ١٧فَقُلْ لَنَا مَاذَا تَظُنُّ؟ أَيَجُوزُ أَنْ تُعْطَى جِزْيَةٌ لِقَيْصَرَ أَمْ لاَ؟» ١٨فَعَلِمَ يَسُوعُ خُبْثَهُمْ وَقَالَ: «لِمَاذَا تُجَرِّبُونَنِي يَا مُرَاؤُونَ؟ ١٩أَرُونِي مُعَامَلَةَ الْجِزْيَةِ». فَقَدَّمُوا لَهُ دِينَاراً. ٢٠فَقَالَ لَهُمْ: «لِمَنْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَالْكِتَابَةُ؟» ٢١قَالُوا لَهُ: «لِقَيْصَرَ». فَقَالَ لَهُمْ: «أَعْطُوا إِذاً مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا لِلَّهِ لِلَّهِ». ٢٢فَلَمَّا سَمِعُوا تَعَجَّبُوا وَتَرَكُوهُ وَمَضَوْا. (مت٢٢: ١٥-٢٢)، ويقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": ١لِتَخْضَعْ كُلُّ نَفْسٍ لِلسَّلَاطِينِ ٱلْفَائِقَةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ سُلْطَانٌ إِلَّا مِنَ الله، والسلاطين الكائنة هِيَ مُرَتَّبَةٌ مِنَ ٱللهِ. (رو١٣: ١).

  32. فمن واجب المسيحي أن يُعلن الحق ويشير إلى الخطأ، لأن المؤمن هو ضمير المجتمع، فإذا نص القانون على أمر غير عادل مثل (ختان الإناث) يرفضه المؤمن لأنه يُعد جريمة واعتداء جنسي، وحرمان للمرأة من حقها في الحياة، بينما يسمح بختان الذكور لأن ذلك مفيد صحياً بالنسبة لهم، لذلك، ينبغي الوقوف في وجه القوانين الظالمة الفاسدة وضد المحاباة، وفي الوقت ذاته يتم الخضوع لنظام الدولة، فالمسيح لم يأتٍ ليضع قوانين أو ليؤسس دولة ما، ولكنه جاء لفداء وخلاص البشرية فهو مُخِّلص روحي، فالنهضة الروحية هي التي تؤدي إلى التغييِر الاجتماعي للمجتمعات والشعوب، كما حدث في كوريا الجنوبية والبرازيل والصين، فالنور يضيئ في الظلمة فيغيِّر المجتمعات تدريجياً، فقد تغيَّرت الإمبراطورية الرومانية التي كانت معروفة بالقسوة عندما آمنت بالمسيحية، إذ انهارت الإمبراطورية بينما تغيرت القيم، وقد تغيَّرت قيم المجتمع الغربي بأكمله نتيجة لتبنيه القيم والمبادئ المسيحية، واليوم ابتدأ المجتمع الغربي في الانهيار نتيجة ابتعاده عن الله والإيمان الحقيقي، فانقسمت الأسرة وتشرَّد الأبناء وظهرت البدع والهرطقات، التي تتسبب في انهيار الحضارة الاوروبية لأنها تركت القيم المسيحية القائمة على مبادئ وتعاليم الكتاب المقدس كلمة الله.

  33. من يسير على الطريق الصحيح سيجد الله، لكن ماذا لو جاء شخص بعد المسيح وقال إن الله محبّة والعلاقة معه أهم ما في الوجود، فتبعَه بعض الناس وساروا وراءه؟

    لا علم لي بأن هناك شخص قد أتى بعد الرب يسوع المسيح وقال مثل هذه الأقوال التي تعبر عن المحبَّة الإلهية، فالكثير من البشر لم يسمعوا عن الرب يسوع المسيح وهذا لا يُعد رفضاً له بل عدم معرفة واستنارة وظلمة فكرية وروحية، وأمّا كل من عرف المسيح والحق الكتابي من خارج نصوص الإنجيل كلمة الله المقدسة، كانت معرفته مشوَّهة وناقصة وغير صحيحة ولذلك رفضوا المسيح ولم يقبلوه، بينما من يعرف الرب يسوع المسيح من خلال نصوص الإنجيل وكان يبحث عن الله بصدق فسيقبل المسيح ويقبل عمله الكفاري الخلاصي على الصليب، لأنه ببساطة وجد ما كان يبحث عنه ويشتاق إليه وهو: المحبَّة والشركة والعلاقة مع الله والعشق الإلهي، لذلك، فمن ينادي بهذه المبادئ ليس نبياً جديداً بل هو يكرر الرسالة ذاتها، والمؤمن الحقيقي يتبع الرسالة الأصيلة التي جاء بها الرب يسوع المسيح، فمن يبحث عن الله بصدق سيجده حتماً، إذن، فالأمر الأساسي هو البحث المُخلص الصادق عن الله، وصولاً إلى علاقة حقيقية معه، والمحبَّة في جوهرها مبدأ وليست ديناً، والمؤمن لا يبحث عن المحبَّة، بل عن الله مصدر المحبَّة والحياة، فالله محبة (١يو٤: ٨) ، ومن يبحث عن المحبَّة في حد ذاتها فلن يجدها، بينما من يبحث عن الله إله المحبَّة فسيجده ويعانقه الله ويحتضنه، فقد تعيق المبادئ الإنسان عن الوصول إلى الحق الكتابي، حيث توجد العديد من المبادئ التي تتعارض مع جوهر المحبَّة والعلاقة الشخصية مع الله، وبالتالي، لن يتمكن الإنسان من الوصول إلى ما يشتاق إليه ويبحث عنه من خلال تلك المبادئ، ولكن قلب الإنسان هو الذي يمكنه أن يبحث بصدق عن الله ويجده، كما جاء في سفر "إرميا":١٣وَتَطْلُبُونَنِي فَتَجِدُونَنِي إِذْ تَطْلُبُونَنِي بِكُلِّ قَلْبِكُمْ) .إر٢٩: ١٣).

قبل أن تجمع المجموعة

هذا الدرس هو ١٩ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.

  1. ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
  2. ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
  3. ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.

«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.

تُعرَض الصفحة الآن بإعداد قائد المجموعة. اعرِضها كدارس

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ١٢ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً