الفداء

الدرس ١٥ من ٣١ · من حقك تفهم

  1. الفداء

    كنا قد توقفنا في الحلقة السابقة من البرنامج عند نقطة بالغة الأهمية وهي أن الرب يسوع المسيح قام برفع خطيَّة البشرية، ونستكمل عما هو مفهوم الفداء الإلهي؟

    الفداء الإلهي هو تقديم المسيح نفسه نيابة عنَّا ليحمل خطايانا ونتائجها معاً، ولفهم فكرة الفداء الإلهي يجب أن نعود إلى موضوع تقديم الذبائح في العهد القديم بهدف نوال الغفران الالهي، والتي عاش شعب إسرائيل لسنوات طويلة وهو يقوم بعملها، لأن ذلك هو ما يشرح لنا فكرة الفداء الإلهي بوضوح ويخبرنا بالسبب وراء أن الله علَّم شعب إسرائيل نظام الذبائح، لأن الذبائح تشير إلى الذبيح الأعظم وهو الرب يسوع المسيح "حمل الله الذي يرفع خطية العالم"، كما جاء في شهادة (يوحنا المعمدان) عنه في إنجيل "يوحنا الحبيب" وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.(يو١:٢٩( و(يو١:٣٦(، وهو ما حدث بالفعل على الصليب، فحين نعود لفكرة الذبائح نجد أن ما يقوله كل من: إشعياء، وبطرس الرسول، وبولس الرسول ذو معنى ودلالة هامة، كما جاء في سفر "إشعياء": وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش٥٣:٥-٦(، وكذلك في رسالة بطرس الرسول الأولى: الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ. (١بط٢:٢٤(، وأيضاً في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": لِأَنَّهُ جَعَلَ الذي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ ٱللهِ فِيهِ. (٢كو٥:٢١(، فالعهدان القديم والجديد يلتقيان في مشهد واحد متكامل، بلا تناقض ولا تكرار، ليُعلِنَا ما قاله الله منذ الأزل، ولكن عجزنا نحن عن فهمه وإدراكه في حينه.

  2. كيف كان يتم غفران الخطايا البشرية ومحو نتائجها كما أوصى الله في العهد القديم؟

    في العهد القديم، كان الإنسان الذي يرتكب خطيَّة من شعب إسرائيل يقدم ذبيحة لغفران خطاياه، وكان عليه أن يقوم بإحضار حمل أو خروف، ولذلك، فقد أسميناه حمل الله، على أن يكون ذلك الحمل صحيحاً وبلا عيب كما أوصى الله في الناموس، وكان الحمل في متناول الطبقة المتوسطة من الناس ومقدرتها المادية، فهو ليس صغيراً مثل دجاجة أو حمامة ولا هو كبير وغالي الثمن مثل العجل الكبير، ويجب أن يكون حملاً صحيحاً وبلا عيب، أي ليس أعوراً أو أعمى أو مريضاً أو مكسور الأرجل أو أعرج أو مصاباً ببقع، كما جاء في سفر "الخروج": تَكُونُ لَكُمْ شَاةً صَحِيحَةً ذَكَراً ابْنَ سَنَةٍ تَأْخُذُونَهُ مِنَ الْخِرْفَانِ أَوْ مِنَ الْمَوَاعِزِ.(خر١٢:٥(، ويقول سفر "اللاويين" فَلِلرِّضَا عَنْكُمْ يَكُونُ ذَكَرًا صَحِيحًا مِنَ البقر أَوِ الغنم أَوِ المعز. كُلُّ مَا كَانَ فِيهِ عَيْبٌ لاَ تُقَرِّبُوهُ لأَنَّهُ لاَ يَكُونُ لِلرِّضَا عَنْكُمْ. (لا٢٢:١٩-٢٠) و(لا١:٣( و(عد٢٨:٣( و(تث١٥:٢١( و(تث١٧:١(، فكان أمراً بالغ الأهمية أن يكون حملاً صحيحاً، وبما أنه ينبغي على من يرفع خطيَّة البشرية أن يكون بلا عيب، فذلك ما تحقق في شخص الرب يسوع المسيح فهو بلا عيب وبلا خطيَّة، كما يقول بطرس الرسول في رسالته الأولى: عَالِمِينَ أَنَّكُمُ افْتُدِيتُمْ لاَ بِأَشْيَاءَ تَفْنَى، بِفِضَّةٍ أَوْ ذَهَبٍ، مِنْ سِيرَتِكُمُ الْبَاطِلَةِ الَّتِي تَقَلَّدْتُمُوهَا مِنَ الآبَاءِ، بَلْ بِدَمٍ كَرِيمٍ، كَمَا مِنْ حَمَلٍ بِلاَ عَيْبٍ وَلاَ دَنَسٍ، دَمِ الْمَسِيحِ.(١بط١:١٨-١٩(.

  3. وتسير الأمور على هذا النحو: حيث يأتي الانسان الخاطئ بحملٍ صحيح بلا عيب ويربطه بقرون المذبح، حيث إن المذبح يرمز إلى الصليب أي يسمِّره ويثبته على الصليب، كما جاء في سفر "المزامير": الرَّبُّ هُوَ اللهُ وَقَدْ أَنَارَ لَنَا. أَوْثِقُوا الذَّبِيحَةَ بِرُبُطٍ إِلَى قُرُونِ الْمَذْبَحِ. (مز١١٨:٢٧(، ثم يقوم الشخص الخاطئ بوضع يده على رأس الذبيحة ويعترف بخطاياه التي ارتكبها، وهو تصوير رمزي مجازي، وحينها فإن خطيَّة أو خطايا هذا الشخص التي فعلها ويحملها على كتفيه تنتقل وتوضع على الحمل أو الخروف، وبما أن "أجرة الخطيَّة هي موت"، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": لأَنَّ أُجْرَةَ الخطيَّة هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو٦:٢٣(، أي نتيجة الخطيَّة هي موت، يتم ذبح الحمل أو الخروف عِوضاً عن الإنسان الخاطئ، كما جاء في سفر "اللاويين": «وَإِنْ أَخْطَأَ أَحَدٌ مِنْ عَامَّةِ الأَرْضِ سَهْواً بِعَمَلِهِ وَاحِدَةً مِنْ مَنَاهِي الرَّبِّ الَّتِي لاَ يَنْبَغِي عَمَلُهَا وَأَثِمَ ثُمَّ أُعْلِمَ بِخَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ بِهَا يَأْتِي بِقُرْبَانِهِ عَنْزاً مِنَ الْمَعْزِ أُنْثَى صَحِيحَةً عَنْ خَطِيَّتِهِ الَّتِي أَخْطَأَ. وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ ذَبِيحَةِ الخطيَّة وَيَذْبَحُ ذَبِيحَةَ الخطيَّة فِي مَوْضِعِ الْمُحْرَقَةِ. وَيَأْخُذُ الْكَاهِنُ مِنْ دَمِهَا بِإِصْبَعِهِ وَيَجْعَلُ عَلَى قُرُونِ مَذْبَحِ الْمُحْرَقَةِ وَيَصُبُّ سَائِرَ دَمِهَا إِلَى أَسْفَلِ الْمَذْبَحِ. وَجَمِيعَ شَحْمِهَا يَنْزِعُهُ كَمَا نُزِعَ الشَّحْمُ عَنْ ذَبِيحَةِ السَّلاَمَةِ وَيُوقِدُ الْكَاهِنُ عَلَى الْمَذْبَحِ رَائِحَةَ سُرُورٍ لِلرَّبِّ وَيُكَفِّرُ عَنْهُ الْكَاهِنُ فَيُصْفَحُ عَنْهُ.(لا٤:٢٧-٣١(، وهو ما يُطلق عليه تعبير (إزاحة وإسقاط)، حيث يسقط الإنسان الخاطئ خطيَّته على الحمل أو الخروف، فتمحى وترفع عنه خطيَّته، وبالتالي، فقد تم محو نتيجة الخطيَّة وهي الموت في آنٍ واحد، وكان الشعب يدخلون واحداً تلو الآخر، ليقدِّموا الذبائح عن خطاياهم وينالوا الغفران، ومتى أخطأوا ثانية وجب عليهم تقديم ذبائح جديدة، ولكن الذبيحة الحيوانية مثل الحمل في العهد القديم لم تكن قادرة على أن تزيل وتمحو جوهر مشكلة الإنسان وهي الخطيَّة، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين" :لأَنَّهُ لاَ يُمْكِنُ أَنَّ دَمَ ثِيرَانٍ وَتُيُوسٍ يَرْفَعُ خَطَايَا. (عب١٠:٤(، لأن الإنسان الخاطئ هو الذي اشتراه، والحمل أو الخروف مجرد حيوان وليسا إنسان مثلنا، فلم يكن ذلك كافياً لفداء البشر.

  4. لماذا أوصى الله شعب إسرائيل بتقديم الذبائح لمغفرة الخطايا، رغم أنها لم تكن كافية لحل جوهر مشكلة خطيَّة البشرية؟

    لقد أوصى الله بهذه الذبائح ليعلّم شعبه وليُهيّئ أذهانهم لفهم فكرة الفداء الإلهي أي الذبيح الأعظم وهو الرب يسوع المسيح الفادي والمخلِّص، لأن نوال الغفران الحقيقيّ ينبغي أن يتم عن طريق إنسان مثلنا وإلهاً في الوقت ذاته، وبالتالي، يتم محو الخطيَّة ونتيجة الخطيَّة وهي الموت والانفصال عن الله، لذلك، يضع الإنسان الخاطئ يده على الذبيحة ويعترف بخطاياه فتنتقل الخطيَّة وينال الشخص الخاطئ الغفران ومحو الخطيَّة، بينما يتم ذبح الحمل أو الخروف، لأن "أجرة الخطيَّة هي موت"(رو٦:٢٣(، والمقصود بالموت هنا هو الموت الروحي والانفصال عن الله، لأنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": وَكُلُّ شَيْءٍ تَقْرِيبًا يَتَطَهَّرُ حَسَبَ الناموس بالدم، وَبِدُونِ سَفْكِ دَمٍ لَا تَحْصُلُ مَغْفِرَة!(عب٩:٢٢(، وهذا لا يعني أن الله دموي على الإطلاق، فرؤية الدم في حد ذاتها لا تسُرّ الله في شيء ولا تجعله يغفر الخطايا، كما يقول داود في سفر "المزامير": لأَنَّكَ لاَ تُسَرُّ بِذَبِيحَةٍ وَإِلاَّ فَكُنْتُ أُقَدِّمُهَا. بِمُحْرَقَةٍ لاَ تَرْضَى. (مز٥١:١٦( و(إش١:١١( و(إر٦:٢٠( و(هو٦:٦( و(عب١٠:٦(، ولكن هذا يعني انتقال الخطيَّة من الشخص الخاطئ إلى الذبيحة الحيوانية الذي تحل محل الإنسان وتتحمل الخطيَّة ونتيجتها أي الموت، ولذلك، فإن "سفك الدم" يعني إزهاق الروح، لأن نفس الذبيحة في دمها، كما جاء في سفر "اللاويين" لأَنَّ نَفْسَ الْجَسَدِ هِيَ فِي الدَّمِ فَأَنَا أَعْطَيْتُكُمْ إِيَّاهُ عَلَى الْمَذْبَحِ لِلتَّكْفِيرِ عَنْ نُفُوسِكُمْ لأَنَّ الدَّمَ يُكَفِّرُ عَنِ النَّفْسِ. (لا١٧:١١( و(لا١٧:١٤(.

  5. فعندما يتم سفك دم الذبيحة كانت روحها تزهق، وهكذا، عندما سفك الرب يسوع المسيح دمه على الصليب فقد "سكب للموت نفسه" كما جاء في سفر إشعياء: لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ.(إش٥٣:١٢(، إذن، فالدم هنا تعبير عن "سكب النفس" وبذل الحياة كبديل عن الخاطئ الحقيقي، إذ نقلت خطيَّته عليه ليكفِّر عنها بموته ويمحيها ويمحي الشعور بالذنب الناتج عنها، فصار الإنسان الخاطئ بريئاً، فلم يتم تبرئة الإنسان وهو مذنب، ولم يخدع العدالة، ولم يحصل على عفو رغم كونه مذنباً، ولكن قد رفعت خطيَّة ذلك الإنسان وحملت عنه، حيث قال النبي ناثان لداود " قد رفعت عنْك خطيتُّك" وذلك عندما ندم وتاب داود بعد ارتكابه لخطيَّة الزنى مع بثشبع زوجة أوريَّا الحثِّي أحد قادة الجيش بجانب مؤامرته لقتله في المعركة، كما جاء في سفر "صموئيل الثاني ":فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ». فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «الرَّبُّ أَيْضاً قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. (٢صم١٢:١٣)، والمقصود بـ "قد نقل عنك خطيَّتك" أي أن خطيَّة داود كان يحملها على كتفيه وعاتقه، لأن "خطية الإنسان أمامه دائماً"، كما يقول داود في مزمور التوبة: لأَنِّي عَارِفٌ بِمَعَاصِيَّ وَخَطِيَّتِي أَمَامِي دَائِماً. (مز٥١:٣(.

  6. ما المقصود بأن تُنقل عن الإنسان خطيَّته في عمل الفداء؟

    إن الخطيَّة يحملها الإنسان الخاطئ، وهي ليست مسجَّلة في السجلات الإلهية، كما يفترض بعض الناس، فهي متواجدة في الواقع، فكل ما يفعله الإنسان يكون مسجلاً في التاريخ، وليس في السجلات، حيث تتحول جميع الأفعال البشرية إلى موجات كهرومغناطيسية، إذ إن الماضي مُسجَّل بأكمله، فعلى سبيل المثال، عندما نرى نجماً ينطفئ ضياءه في الوقت الحاضر، فهذا يعني أن ضياءه قد انطفأ منذ ما يقارب من مليون سنة، ولكن الأمر قد استغرق مليون سنة كي نرى انطفاء ضياء ذلك النجم أو غيره، فنحن نرى حدثاً ماضياً يعود عُمره لمليون سنة تقريباً، وكذلك، فإن ما يفعله الإنسان قائم ولا يُمحى من الوجود، وليس مسجلاً في السجلات، بل موجود في الوجود، فإذا نقل عن الإنسان ما فعله من خطايا بعمل الفداء الإلهي، فقد نال الغفران الحقيقي، ولم يعُد مذنباً حاملاً خطاياه على عاتقه، فاستحق أن يُقال له "مغفورة لك خطاياك"، كما يقول الرب يسوع المسيح للمفلوج في إنجيل "مرقس": فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ إِيمَانَهُمْ قَالَ لِلْمَفْلُوجِ: «يَا بُنَيَّ مَغْفُورَةٌ لَكَ خَطَايَاكَ».(مر٢:٥)، و(مت٩:١-٢) و(لو٥:٢٠)، وغفر الرب يسوع المسيح أيضاً للمرأة الخاطئة، كما جاء في إنجيل "لوقا: ثُمَّ قَالَ لَهَا: «مَغْفُورَةٌ لَكِ خَطَايَاكِ».(لو٧:٤٨).

  7. إن تعبير "نقلت عن الإنسان خطيته" يُقصد به أن الخطيَّة قد انتقلت منه ووضعت على شخص آخر، فصار ذلك الآخر هو المذنب، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس":لِأَنَّهُ جَعَلَ الذي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ الله فِيهِ.(٢كو٥:٢١(، فعبر سنوات طويلة، كان تقديم الذبائح لمغفرة الخطايا وسفك دمها يعبر رمزياً عن فكرة الفداء الإلهي، ويقصد به البديل الذي يحل محل الإنسان الخاطئ، والفدية أيضاً تعبر عن البدلية، فالرب يسوع المسيح جاء "ليبذل نفسه فدية عن كثيرين"، كما يقول في إنجيل" متى": كَمَا أَنَّ أبن الإنسان لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ، وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ.(مت٢٠:٢٨( و(مر١٠:٤٥( و(١تي٢:٦(، حيث يعطي لنا مكانه ويأخذ مكاننا نحن البشر الخطأة لينقذنا ويخلِّصنا، فقد افتدانا الرب يسوع المسيح من لعنة الناموس أي الوصيَّة، إذ صار لعنة لأجلنا، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": اَلْمَسِيحُ افْتَدَانَا مِنْ لَعْنَةِ النَّامُوسِ، إِذْ صَارَ لَعْنَةً لأَجْلِنَا، لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ: «مَلْعُونٌ كُلُّ مَنْ عُلِّقَ عَلَى خَشَبَةٍ».)غل٣:١٣(، وكلمة (افتدانا) تعني أنه أخذ مكاننا وأعطانا مكانه، فلو أخذ مكاننا دون أن يعطينا مكانه لما تحقق مفهوم البدل أو البدلية، فالبدل أو البدلية تعني I take your place and you take my place أي " أنا آخذ مكانك وانت تأخذ مكاني".

  8. ما هو مفهوم البدلية في عمل الفداء؟

    إن مفهوم البدلية Substitution يكمن في تبادل الهُوية والاسم والمكان وحتى الملابس بين الطرفين بين الفادي (أي المخلِّص الرب يسوع المسيح)، والمفدى (أي الإنسان الخاطئ)، وهذه هي خلاصة أقوال وتعاليم آباء الكنيسة عبر العصور، فالمسيح الفادي قد أخذ مكاننا ليُعطينا مكانه، وأخذ خطايانا ليُعطينا برَّه، وأخذ شرورنا ليُعطينا قداسته، فيسوع المسيح يخلِّص شعبه من خطاياهم، كما جاء في إنجيل "متى": فَسَتَلِدُ ابنا وَتَدْعُو أسمه يَسُوعَ. لِأَنَّهُ يُخَلِّصُ شَعْبَهُ مِنْ خَطَايَاهُمْ .(مت١:٢١( و(لو٢:١١(، لذلك، صار المسيح لنا براً وقداسة بعمل الفداء على الصليب، حيث يكمن (برّ المسيح) في منحه لنا (الغفران والتبرير)، لأنه قد حمل خطايانا، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ.(أف١:٧) (كو١:١٤)، وتكمن (القداسة والخليقة الجديدة) في محوه لطبيعتنا الفاسدة، ليعطينا طبيعة جديدة مُحبَّة صالحة، ويستطيع الإنسان أن يحيا بها للخير، كما يؤكد بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": إِذاً إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي الْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. الأَشْيَاءُ الْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا الْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً.(٢كو٥:١٧)، ويؤكد أيضاً في رسالته إلى "أفسس" على ضرورة أن نخلع الإنسان العتيق ونلبس الجديد: أَنْ تَخْلَعُوا مِنْ جِهَةِ التَّصَرُّفِ السَّابِقِ الإِنْسَانَ الْعَتِيقَ الْفَاسِدَ بِحَسَبِ شَهَوَاتِ الْغُرُورِ، وَتَتَجَدَّدُوا بِرُوحِ ذِهْنِكُمْ، وَتَلْبَسُوا الإِنْسَانَ الْجَدِيدَ الْمَخْلُوقَ بِحَسَبِ اللهِ فِي الْبِرِّ وَقَدَاسَةِ الْحَقِّ.(أف٤:٢٢-٢٤) و(رو٦:٦)، وبالتالي، عالج الرب يسوع المسيح بعمل الفداء مشكلتين هامتين، هما: أن الإنسان صار مذنباً، وصار فاسداً بفعله للخطيَّة.

  9. ما هي الآيات التي تتحدث عن صليب المسيح وخطة الفداء الإلهي في الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد؟

    إن الآيات الكتابية التي تتحدث عن صليب المسيح تنسجم مع المعنى الذي نقوله، إذ إننا نحن كمسيحيين لم نبتدع فكرة الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح، بل تسلمناها من إعلان الله في العهد القديم، حيث كان يتم تقديم وسفك دم الذبائح الحيوانية لمغفرة الخطايا البشرية، وقد تحققت هذه الرموز كلها في شخص الرب يسوع المسيح وفدائه الكامل، فالعهد الجديد يخبرنا أن المسيح "صار خطيَّة لأجلنا" كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس" .(٢كو٥:٢١)، ويتنبأ العهد القديم عن عمل الرب يسوع المسيح في الفداء، كما جاء في سفر "إشعياء": وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش٥٣:٥-٦(، وهي الفكرة ذاتها المتعلقة بتقديم الذبائح - كالحمل والخروف - لمغفرة الخطايا، ووضع أيدي الخطأة على رأس الذبيحة، لتنتقل خطايا الإنسان التي يحملها على عاتقه إلى تلك الذبيحة، تبعاً لشريعة العهد القديم، فالجميع قد أخطأوا وزاغوا، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": إِذِ الجميع أَخْطَأُوا وَأَعْوَزَهُمْ مَجْدُ الله. (رو٣:٢٣(، فجاء المسيح ليحمل جميع خطايانا لننال الغفران.

  10. ولذا، نحن نقول أنه لا يمكن أن يكون الفادي - الذي يحمل خطايا البشر- إنساناً فقط، بل إله أيضاً، لكي يستطيع أن يكون بديلاً حقيقياً عن الإنسان الخاطئ، فلو كان بديلنا مجرد خروف، لكان الأمر كما لو أن الإنسان صار خروفًا، وهذا لا يُحقق الخلاص والإنقاذ والنجاة، بل يُعد تحويلًا للإنسان إلى مستوى أدنى وهو الحيوان، ولكن ذبائح العهد القديم كانت ترمز إلى ما هو أعظم، إلى الذبيح الحقيقي الآتي، ولذلك، كان يجب أن يكون الفادي إنسانًا، ابن الإنسان، وبلا عيب، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين: فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ! (عب٩:١٤( و(١بط١:١٩(، وينبغي عليه أن يكمِّل الناموس، كما يقول الرب يسوع المسيح في الموعظة على الجبل في إنجيل "متى": «لاَ تَظُنُّوا أَنِّي جِئْتُ لأَنْقُضَ النَّامُوسَ أَوِ الأَنْبِيَاءَ. مَا جِئْتُ لأَنْقُضَ بَلْ لأُكَمِّلَ.(مت٥:١٧(، فصار يسوع، حمل الله الذي بلا عيب، ولكنَّه إنسانٌ مثلنا، ليحمل خطايانا وآثامنا وشرورنا، بل وأيضًا نتيجتها وهي الموت فيموت كإنسان، وفي المقابل، يُعطينا برَّه لأنه بلا عيب، فصرنا نحن أيضاً بلا عيب في نظر أنفسنا ونظر الله والقانون الإلهي، بينما هو صار خطيَّة لأجلنا وحمل الدينونة والعار بدلاً منَّا، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": لِأَنَّهُ جَعَلَ الذي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لِأَجْلِنَا ، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ الله فِيهِ.(٢كو٥:٢١(، فالمسيح "حمل خطيَّة كثيرين وشفع في المذنبين"، كما جاء في سفر "إشعياء":\ (إش٥٣:١٢)، إذ "جعل نفسه ذبيحة إثم"، كما يضيف إشعياء: أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. (إش٥٣:١٠)، فقد صار المسيح "ذبيحة إثم" حيث يضع الإنسان الخاطئ يده على رأس الذبيحة، فتنتقل الخطيَّة ويتم ذبح الحمل، وهذا تماماً ما فعله الرب يسوع المسيح على الصليب من أجلنا.

  11. وماذا بعد أن انتقلت خطايا البشر إلى المسيح وصار خطيَّة لأجلنا (٢كو٥:٢١(؟

    لقد مات الرب يسوع المسيح على الصليب حاملاً خطايانا ونتائجها، وهذه الحقيقة واضحة تمامًا في العهد الجديد، كما كان يرمز إليه العهد القديم من خلال تقديم الذبائح لمغفرة الخطايا البشرية، إذ كانت تلك الذبائح تشير إلى الصليب والفداء الإلهي، فالمسيح "حمل هو نفسه خطايانا" وليس عقابنا، كما يقول بطرس الرسول في رسالته الأولى: الَّذِي حَمَلَ هُوَ نَفْسُهُ خَطَايَانَا فِي جَسَدِهِ عَلَى الْخَشَبَةِ، لِكَيْ نَمُوتَ عَنِ الْخَطَايَا فَنَحْيَا لِلْبِرِّ. الَّذِي بِجَلْدَتِهِ شُفِيتُمْ.(١بط٢:٢٤(، إذن، فالمسيح لم يحمل عقاب الخطيَّة، بل حمل الخطيَّة نفسها فمُحيت، ويعتقد غالبية المسيحيين - على نحو خاطئ - أن المسيح قد محا وأزال عقاب الخطيَّة عن طريق معاقبته بدلاً منَّا نحن البشر، فلا يقوم الفداء على مفهوم (البدلية العقابية)، بل على حمل المسيح الفادي المخلِّص لخطايا البشر ونتائجها معاً، لننال نحن البشر الخطأة الغفران والتبرير، فقد كان ينبغي أن يحمل المسيح نتيجة الخطيَّة أي الموت، بالإضافة إلى الخطيَّة ذاتها، وإلَّا لما تحقق الفداء ولما تحقق القانون الإلهي.

  12. كيف قام الرب يسوع المسيح بعمل المصالحة بيننا وبين الله؟

    فحينما حمل المسيح خطايانا وفسادنا الذي فينا وما ارتكبناه من شرور، استطاع أن يُصالحنا مع الله، فصرنا قادرين على العودة إلى الشركة والعلاقة الحقيقية معه، لأنه أعطانا برَّه وطبيعته الإلهية المقدسة، وهي الطبيعة التي تُحب الله والناس وتختار البرّ، وإذ أن الرب يسوع المسيح متصالح مع الله الآب بملء البنوَّة، فقد جاء ليمنحنا نحن أيضاً البنوَّة لله، لذلك، فـإن إنسانيته لها علاقة بالفداء، وكذلك بنوّته - كطبيعة إلهية - لها علاقة بالفداء، فكان لا بُدَّ أن يكون المسيح إنسانًا ليحل محل الإنسان، وفي الوقت ذاته كان لا بُدَّ أن يكون ابن الله بالطبيعة الإلهية، ليمنحنا البنوَّة لله، حتى نستطيع أن نعود إلى الله ونقول له: (يا أبا الآب)، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ!».(رو٨:١٥( و(غل٤:٦(، وفي صلاة الرب يسوع (مر١٤:٣٦(، وهكذا، صار المسيح هو البديل الكامل، الذي عالج مشكلات الإنسان الثلاث في آنٍ واحد، وهي: (أن الإنسان منفصل عن الله، وأنه مذنب، وأنه فاسد)، فقد منحنا المسيح غفران الخطايا، ومنحنا أيضاً تغييراً حقيقياً، فعالج فسادنا وصرنا خليقة جديدة، وأعطانا مصالحة مع الله، كما جاء في رسالة بولس الرسول الثانية إلى "كورنثوس": وَلَكِنَّ الْكُلَّ مِنَ اللهِ، الَّذِي صَالَحَنَا لِنَفْسِهِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ، وَأَعْطَانَا خِدْمَةَ الْمُصَالَحَةِ، أَيْ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي الْمَسِيحِ مُصَالِحاً الْعَالَمَ لِنَفْسِهِ، غَيْرَ حَاسِبٍ لَهُمْ خَطَايَاهُمْ، وَوَاضِعاً فِينَا كَلِمَةَ الْمُصَالَحَةِ. إِذاً نَسْعَى كَسُفَرَاءَ عَنِ الْمَسِيحِ، كَأَنَّ اللهَ يَعِظُ بِنَا. نَطْلُبُ عَنِ الْمَسِيحِ: تَصَالَحُوا مَعَ اللهِ. (٢كو٥:١٨-٢٠(، فالرب يسوع أعطانا مكانه وهو البِرّ والقداسة أي الطبيعة الإلهية والشركة والعلاقة مع الله.

  13. كيف يُظهر عمل الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح محبَّة الله للبشر؟

    إن عمل الفداء يُظهر المحبَّة الإلهية الغير محدودة والغير مشروطة للبشر، كما جاء في رسالة يوحنا الأولى: وَمَنْ لَا يُحِبُّ لَمْ يَعْرِفِ الله، لِأَنَّ الله مَحَبَّةٌ.(١يو٤:٨) و(١يو٤:١٦)، فلو كان الله لا يتصف بالمحبَّة لما كان قد فعل هذا الفداء العظيم، ولكن الله محبَّة، وكان هذا هو السبيل الوحيد لخلاص وإنقاذ الإنسان، فلم يتردد الله في بذل ابنه الوحيد بدافع محبَّته العظيمة الفائقة للإنسان، كما جاء في إنجيل "يوحنا": لِأَنَّهُ هَكَذَا أَحَبَّ الله العالم حَتَّى بَذَلَ ابنه الوحيد، لِكَيْ لَا يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الحياة الأبدية.(يو٣١٦:)، ولتقريب الفكرة، لنفترض أن إنساناً له ابن مصاب بفشل كلوي، وبعد الفحوصات تبيَّن من تحليل الأنسجة أن كليته تصلح لابنه المريض، وهو لديه كليتان وابنه يحتاج إلى واحدة ليحيا، فالأب لن يتردد في إعطاء ابنه كليته لإنقاذ حياته، فالأب يحب ابنه رغم كونه مريضاً، وسيعطيه كليته حتى وإن كان يعلم أن نسبة نجاح العملية ضئيلة، وقد يموت الابن، لأن المحبَّة الحقيقية تدفع الإنسان إلى البذل دون تردد، هكذا كانت محبَّة الله لنا، فبعض الناس يرون أن الله لا يمكن أن يقدِّم هذا الفداء بأن يبذل ابنه الوحيد الرب يسوع المسيح من أجل فداء وإنقاذ البشرية من خطاياهم، لأن الله في نظرهم إلهٌ غير مُحب ولا تحمل علاقتهم به معنى الأبوَّة والبنوَّة، كما نشعر بها نحن المسيحيُّون، ولكن طالما أن الله محبة، ولم يكن هناك سبيل آخر لخلاصنا، فقد اختار أن يفدينا نحن البشر بأن بذل ابنه الوحيد الرب يسوع المسيح ليموت عِوضاً عنَّا على الصليب، ويأخذ مكاننا ويعطينا مكانه، لقد فعلها الله ولم يتردد، ولكن إذا كان الله غير مُحب وغير صالح ومتكبر ومتعالٍ، فلا يمكنه القيام بعمل الفداء ليفتدينا وينقذنا.

  14. لماذا كان من الضروريّ أن يكون الرب يسوع المسيح إنساناً كاملاً وإلهاً كاملًا في آنٍ واحد لكي يُتمِّم عمل الفداء وخلاص البشرية؟

    إن "أجرة الخطيَّة هي الموت" (رو٦:٢٣( أي نتيجتها هي موت روحي أبدي، فنتيجة الخطيَّة أن الإنسان قد انفصل عن الله إلى الأبد، لذلك، جاء الرب يسوع المسيح لينوب عن ملايين البشر ويحمل خطاياهم ويخلّصهم ويصالحهم مع الله، فالفادي ينبغي أن يكون كائن أبدي سرمدي لانهائي كي يستطيع أن يحمل خطايا البشر ونتيجتها أي يموت موتاً أبدياً في لحظة واحدة من الزمن، لأن حاصل ضرب المالانهاية في الثانية الواحدة هو المالانهاية ذاتها (∞ × ث = ∞)، فقد حمل الرب يسوع كل خطايا البشر، و"وضع عليه إثم جميعنا"، كما يقول "إشعياء": كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش٥٣:٦(، فموت المسيح هو موت أبدي عن جميع خطايا البشر، منذ آدم وحتى آخر إنسان في التاريخ، ولهذا السبب صار آدم في السماء الآن، لأن المسيح حمل عنه الخطيَّة، وكذلك حمل خطايا كل من يأتي بعده، لأن موته كان موتاً أبدياً لأنه لانهائي، ولكي يكون المسيح بديلاً حقيقيًا عن البشر، كان لا بد أن يكون (إنسانًا) لكي يمثِّل البشرية ويحل محلهم، وفي الوقت ذاته، كان لا بُدَّ أن يكون (الله)، لكي يكون لانهائياً، فيصير بديلاً لجميع البشر الذين قبله والذين بعده، ويحمل النتيجة الأبدية للخطيَّة في لحظة زمنية واحدة، وهكذا، كانت ألوهيته شريكة في عمل الفداء، وليس فقط ناسوته، فلم يستخدم الرب يسوع ألوهيته لمصلحته "لكي يكون مجرباً في كل شيء"، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين": لأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.(عب٤:١٥)، فإذن، فإن ناسوت ولاهوت الرب يسوع المسيح هما شريكان معاً في عمل الفداء.

  15. ما الفرق بين العفو عن الخطيَّة وغفران الخطيَّة في عمل الفداء الإلهي؟

    إن الله لا يفرض الفداء على أحد، فقد صار هناك إمكانية لرفع الخطايا لمن يقبل، ولذلك، نجد أن كل الآيات التي نقرأها تؤكد حقيقة الفداء الإلهي، كما جاء في سفر "المزامير": إِنَّمَا اللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ لأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلاَهْ. (مز٤٩:١٥)، وكما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "رومية": الْجَمِيعُ زَاغُوا وَفَسَدُوا مَعاً. لَيْسَ مَنْ يَعْمَلُ صَلاَحاً لَيْسَ وَلاَ وَاحِدٌ. (رو٣:١٢(، فالأنبياء أيضاً لهم أخطاءهم ويحتاجون لمن يفديهم، والله هو من يقوم بهذا الفداء، لأن "الله يفدي نفسي"، كما جاء في نصوص العهد القديم، وقبل العهد الجديد وقبل صليب المسيح، فكل الذبائح والمُحرقات في العهد القديم كانت قائمة على فكرة الفداء الإلهي، فالخطيَّة هي أمر ثقيل وفظيع ولا أحد يستطيع أن يرفعها غير الله ذاته، فهو القادر على إنقاذ البشرية من خطاياهم، فقد صار الإنسان - بكسره للوصية والقانون الإلهي أي قانون المحبة - منفصلاً عن الله ومذنباً وفاسداً، لذلك، فإن الخطيَّة ليست مجرد أمر يُمحى بعفو صادر من الله،، لأن "أجرة الخطية هي موت".(رو٦:٢٣)، فالعفو لا يكفي وحده، إذ أن الخطيَّة نتيجتها موت، وليس عقابها موت، فالعقاب معناه أن صاحب القضاء يستطيع أن يصدر عفواً لمصلحة الإنسان الخاطئ، أما الخطية نتيجتها هي موت فلا يستطيع صاحب القضاء أن يصدر عفواً عن الخاطئ، فلو تم ذلك الأمر لتوقف القانون الإلهي، وصارت الخطية ليست انفصالاً عن الله، ولن نرى الأنانية والكبرياء كصفتين شريرين للغاية، بل ربما نعتبرهما مجرد صفات مشوهة قليلاً، يمكن إصلاحهما ببعض المحاولات البشرية والترقيع الأخلاقي، لذلك، نعلن أن الحل الوحيد هو الفداء.

  16. هل يرتبط عمل الفداء ارتباطاً وثيقاً بطبيعة المسيح الإلهية؟

    إن الرب يسوع المسيح هو الفادي الوحيد للبشرية، لأن له طبيعة إنسانية (ناسوت) أي إنسان مثلنا، وكذلك له طبيعة إلهية (لاهوت) أي الله، وبما أنه إله وقدوس وبار، إذن، يستطيع أن يحل محل الإنسان الأثيم، فلو كانت به خطيَّة لما حمل خطايا البشر، ولأن له طبيعة إلهية غير محدودة فيستطيع أن يحمل خطايا العالم بأكمله ونتائجها معاً في لحظة واحدة على الصليب، وما صنعه الرب يسوع المسيح لا يستفيد أحدٌ منه إلا إذا دخل في عهد مع المسيح، وكما كان يضع الإنسان الخاطئ يده على رأس الذبيحة في العهد القديم كي تنتقل خطاياه إليها لينال الغفران، لذلك، ينبغي أن يضع الإنسان يده على المسيح ويعترف بخطاياه ويطلب منه أن يحملها بدلاً منه، ويعطيه المسيح ما بداخله من بِرّ وقداسة وبنوَّة لله، فما صنعه الرب يسوع على الصليب قد صنعه للبشر جميعهم للذين جاءوا قبله والذين جاءوا بعده، حيث "وضع عليه إثم جميعنا" (إش٥٣:٦(.

    هل يتوقف نوال الإنسان لبركات الفداء الإلهي على قبوله الشخصي لهذا الفداء؟

  17. نعم بالطبع، فالذي يقبل هذا الفداء الإلهي العظيم وهذا البدل يستفيد منه والذي لا يقبله لن يستفيد منه، وسيظل يشكو من مرض الخطيَّة دون خلاص وإنقاذ، ولكن حين يقبل الإنسان بهذا البدل، تتم معالجة المشكلات الثلاث التي ذكرناها من قبل: (أن الإنسان منفصل عن الله ومذنب وفاسد)، أولاً: ترفع عنه آثامه التي فعلها والتي تجعله يشعر بالذنب، فينال غفراناً حقيقياً، وثانياً: تحدث المعجزة الأعظم، إذ تنتقل إلى داخله طبيعة المسيح البارَّة المملوءة محبَّة، فيُشفى فساده الداخلي ويتغيَّر ويصير خليقة جديدة (٢كو٥:١٧)، وثالثاً: يُعطى بنوَّة جديدة لله، فيستطيع الإنسان أن يقول لله بكل ثقة (يا أبا الآب)، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": إِذْ لَمْ تَأْخُذُوا رُوحَ الْعُبُودِيَّةِ أَيْضاً لِلْخَوْفِ بَلْ أَخَذْتُمْ رُوحَ التَّبَنِّي الَّذِي بِهِ نَصْرُخُ: «يَا أَبَا الآبُ!».(رو٨:١٥(، وبالتالي، يتوقف عمل هذا البدل وهذا الفداء على قبول الإنسان له، فإذا لم يوقع الإنسان على هذا العهد، وإذا لم يدخل في هذا العهد مع المسيح، وهذا عهد وليس عقداً، فلن ينال بركات الفداء، لذلك يقول الرب يسوع المسيح "هذه الكأس هي العهد الجديد بدمي"، كما جاء في إنجيل "متى": وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (مت٢٦:٢٧-٢٨(، فعندما يقبل الإنسان العهد مع المسيح ويعطي له نفسه ويأخذ نفس المسيح، نطلق على هذا الأمر (تسليم حياة للمسيح)، أي يسلِّم الإنسان حياته للمسيح ويأخذ حياته ليحيا بها، كما يقول بولس الرسول في رسالته الثانية إلى "كورنثوس": وَهُوَ مَاتَ لأَجْلِ الْجَمِيعِ كَيْ يَعِيشَ الأَحْيَاءُ فِيمَا بَعْدُ لاَ لأَنْفُسِهِمْ، بَلْ لِلَّذِي مَاتَ لأَجْلِهِمْ وَقَامَ. (٢كو٥:١٥)، إذن فإن قبول عمل المسيح شرط أساسي لكي يصير هذا الفداء فعالاً في حياتنا، ولكي نحيا له، لا لأنفسنا، بل للذي مات عنَّا وقام.

  18. كيف يمكن للإنسان اليوم، بعد مضي ألفيّ سنة على عمل الفداء الإلهي، أن يدخل في العهد مع المسيح ويعلن قبوله له وبالتالي يستفيد من فدائه؟

    يستطيع الإنسان اليوم أن يقبل عمل المسيح، لأن الله كائن روحي غير محدود ولانهائي، وهو خارج حدود الزمن، وما فعله المسيح على الصليب، من أجلنا نحن البشر صالح لكل زمان ومكان، فكأنه قد فعله اليوم أو أمس، فهو إله وليس فقط إنساناً مثلنا، فهو يجمع بين طبيعتين (لاهوت وناسوت)، ولهذا لا يمكن أن يكون المسيح مُجرد إنسان، بل هو الله "الظاهر في الجسد"، كما جاء في رسالة بولس الرسول الأولى إلى "تيموثاوس": وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ، تَبَرَّرَ فِي الرُّوحِ، تَرَاءَى لِمَلاَئِكَةٍ، كُرِزَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، أُومِنَ بِهِ فِي الْعَالَمِ، رُفِعَ فِي الْمَجْدِ.(١تي٣: ١٦)، فالمسيح هو الكلمة، و"الكلمة صار جسداً وحل بينا"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً.(يو١:١٤(، وبالتالي، يستطيع المسيح كونه إلهاً أن يقوم بعمل الفداء لأنه أزلي وأبدي، كما جاء في الرسالة إلى العبرانيين: فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ! (عب٩:١٤(.

  19. فالبشر الذين عاشوا قبل المسيح بألف عام قد نالوا الغفران بقبولهم عمل المسيح في الفداء على الصليب، مثل إبراهيم، كما جاء في إنجيل "يوحنا": أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ تَهَلَّلَ بِأَنْ يَرَى يَوْمِي فَرَأَى وَفَرِحَ». (يو٨:٥٦(، إذن، فكل من جاء بعد المسيح، مهما امتد الزمان، حتى لو مرَّت ألفا سنة، يستطيع أن ينال الخلاص أيضاً إذا قبِل عمل المسيح الخلاصي بالإيمان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. (أف٢: ٨-٩)، فالذي فعله المسيح فعله في "ملء الزمان" ليُغطي الزمان، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية" وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ، مَوْلُوداً تَحْتَ النَّامُوسِ. (غل٤:٤)، وكأن الزمان عبارة عن دائرة، وجاء المسيح في ملء دائرة الزمن ليغطي بفدائه ما قبله وما بعده، فيغطي دائرة الزمن بأكملها، فقد "وضع عليه إثم جميعنا" (إش٥٣:٦(، إثم الذين سبقوه والذين جاءوا من بعده، فالذين سبقوه وآمنوا بنعمة الله المخلِّصة، مثل إبراهيم، كما جاء في سفر "التكوين": فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرّاً. (تك١٥:٦(، وأيضاً داود وهو أحد الأنبياء وقد ارتكب خطايا شنيعة، حيث أخبر ناثان النبي داود أنه "قد نقل عنْك خطيَّتك"، كما جاء في سفر "صموئيل الثاني":١٣فَقَالَ دَاوُدُ لِنَاثَانَ: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِلَى الرَّبِّ». فَقَالَ نَاثَانُ لِدَاوُدَ: «الرَّبُّ أَيْضاً قَدْ نَقَلَ عَنْكَ خَطِيَّتَكَ. لاَ تَمُوتُ. (٢صم١٢:١٣)، فالجميع نالوا البِرّ بناءً على عمل المسيح الخلاصي على الصليب، لأن المسيح هو الله الظاهر في الجسد وهو لانهائي وغير محدود وأزلي أبدي.

  20. ما دلالة صنع الله أقمصة من جلد لآدم وحواء بعد سقوطهما؟ وكيف يُظهر ذلك بداية الإعلان عن الفداء الإلهي في شخص الرب يسوع المسيح؟

    تشرح لنا آيات كثيرة في الكتاب المقدس بطريقة أكثر عمقاً عمل المسيح في الفداء والخلاص، كما جاء في الرسالة إلى "العبرانيين" فَكَمْ بِالْحَرِيِّ يَكُونُ دَمُ الْمَسِيحِ، الَّذِي بِرُوحٍ أَزَلِيٍّ قَدَّمَ نَفْسَهُ لِلَّهِ بِلاَ عَيْبٍ، يُطَهِّرُ ضَمَائِرَكُمْ مِنْ أَعْمَالٍ مَيِّتَةٍ لِتَخْدِمُوا اللهَ الْحَيَّ!(عب٩: ١٤)، والمقصود هنا أن المسيح بذل ذاته بروح أزليّ ليطهّرنا ويغيّرنا لنعيش لله، وهذا المعنى نجده واضحاً عند سقوط آدم وحواء في الخطيَّة، حيث كسرا القانون والوصية الإلهية بأكلهما من ثمر شجرة معرفة الخير والشر في جنة عدن، فشعرا بعُريهما، وخاطا لأنفسهما مآزر من أوراق التين، كما جاء في سفر "التكوين": فَانْفَتَحَتْ أَعْيُنُهُمَا وَعَلِمَا أَنَّهُمَا عُرْيَانَانِ. فَخَاطَا أَوْرَاقَ تِينٍ وَصَنَعَا لأَنْفُسِهِمَا مَآزِرَ.(تك٣:٧(، فاستيقظا صباحاً في اليوم التالي، وقد صارت أوراق التين ذابلة وجافة، ووجدا أنفسهما عريانين، ولا يعرفان ماذا يفعلان، فصنع لهما الله أقمصة من جلد وكساهما، كما يضيف سفر "التكوين": وَصَنَعَ الرَّبُّ الإِلَهُ لآدَمَ وَامْرَأَتِهِ أَقْمِصَةً مِنْ جِلْدٍ وَأَلْبَسَهُمَا.(تك٣:٢١(، وهذا يعبِّر عن ذبيحة، حيث قام الله بنزع جلدها ليستر به عُري آدم وحواء، لأن جلد الحيوان يدوم ولا يُبلي، بينما أوراق التين تذبل وتجف ولا تدوم ولا تستر، والفكرة ذاتها نجدها عندما قدَّم هابيل ذبيحة دموية من ابكار غنمه، بينما قدَّم قايين أخوه قرباناً من أثمار الأرض من أوراق شجرة التين، فقبل الله قربان هابيل ولم يقبل قربان قايين، كما يخبرنا سفر "التكوين": وَحَدَثَ مِنْ بَعْدِ أَيَّامٍ أَنَّ قَايِينَ قَدَّمَ مِنْ أَثْمَارِ الأَرْضِ قُرْبَاناً لِلرَّبِّ وَقَدَّمَ هَابِيلُ أَيْضاً مِنْ أَبْكَارِ غَنَمِهِ وَمِنْ سِمَانِهَا. فَنَظَرَ الرَّبُّ إِلَى هَابِيلَ وَقُرْبَانِهِ، وَلَكِنْ إِلَى قَايِينَ وَقُرْبَانِهِ لَمْ يَنْظُرْ. فَاغْتَاظَ قَايِينُ جِدّاً وَسَقَطَ وَجْهُهُ.(تك٤:٣-٥(، فعندما تضايق قايين واغتاظ طلب منه الله أن يقدم قرباناً من ذبيحة وليس قرباناً من نبات، لأن عليه أن يؤمن بالكفَّارة والفداء الإلهي الذي يحمل خطايا البشر لينالوا الخلاص، لأنه "بدون سفك دم لا تحصل مغفرة"(عب٩:٢٢)، فلكي تغفر خطاياه كان عليه أن يقدم قرباناً من ذبيحة مقبولة، ولكن، بدلاً من أن يتوب قايين ويفعل ما أمره الرب، قام قايين بقتل أخيه هابيل لكي يمحو الشهادة الحيَّة للفكرة الصحيحة عن الفداء، التي عبَّر عنها هابيل بتقديمه ذبيحة دموية مقبولة لدى الله، كما يضيف سفر "التكوين": فَقَالَ الرَّبُّ لِقَايِينَ: «لِمَاذَا اغْتَظْتَ وَلِمَاذَا سَقَطَ وَجْهُكَ؟ إِنْ أَحْسَنْتَ أَفَلاَ رَفْعٌ. وَإِنْ لَمْ تُحْسِنْ فَعِنْدَ الْبَابِ خَطِيَّةٌ رَابِضَةٌ وَإِلَيْكَ اشْتِيَاقُهَا وَأَنْتَ تَسُودُ عَلَيْهَا». وَكَلَّمَ قَايِينُ هَابِيلَ أَخَاهُ. وَحَدَثَ إِذْ كَانَا فِي الْحَقْلِ أَنَّ قَايِينَ قَامَ عَلَى هَابِيلَ أَخِيهِ وَقَتَلَهُ. (تك٤:٦-٨(.

  21. إذًا فكرة الكفارة بدم الذبيحة موجودة منذ سقوط (آدم وحواء)، وعند أول ابنين وهما (قايين وهابيل)، وأكدها الله في كل العهود، كما صنع الله عهدًا مع (إبراهيم) وأمره بتقديم ذبيحة، ومرّ الرب في هيئة (تَنُّورُ دُخَانٍ وَمِصْبَاحُ نَارٍ) وسط الذبيحة ليقيم الله عهده معه، كما يخبرنا أيضاً سفر "التكوينِ". (تك١٥: ٧-١٥). وبالتالي، فإن فكرة الكفَّارة التي أعلنها الله منذ البدء وتواصلت عَبْر التاريخ حتى اكتمالها، كانت تشير في كل مراحلها إلى شخص الرب يسوع المسيح وعمله الكامل في الفداء والخلاص بموته على الصليب، فمنذ آدم وحتى اليوم، يُشار إلى المسيح بأنه "حمل الله"، فكل من آمن بمحبَّة الله ورحمته، في أي مكان وزمان، ووضع خطاياه على الله، غُفرت له خطاياه، لأن الله حملها عنَّا في المسيح، فالآب والابن والروح القدس إله واحد، وحين نضع خطايانا أمام الله، إنما نضعها على المسيح لأنه ينقلها إليه، فتغفر خطايانا، وتتغيَّر حياتنا ونتصالح مع الله.

    ماذا يحدث عندما يقع الإنسان في الخطيَّة بعد نوال الغفران الإلهي بالفداء في شخص الرب يسوع المسيح؟

    يستطيع الإنسان المؤمن، الذي قبل المسيح رباً ومخِّلصاً بعمله في الفداء والخلاص على الصليب، أن يختبر حياة مختلفة تماماً، إذ إن "الصديق يسقط سبع مرات ويقوم"، كما يقول سليمان في سفر "الأمثال": لِأَنَّ الصديق يَسْقُطُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَيَقُومُ، أَمَّا الأشرار فَيَعْثُرُونَ بالشر (أم٢٤:١٦(، وكذلك في إنجيل "لوقا": وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ فَاغْفِرْ لَهُ». (لو١٧: ٤)، فيتعامل مع الخطيَّة بشكل مختلف تماماً، فهو لم يعد يستمر بها ويستلذ بها أو يتمادى فيها، بل يبغضها من كل قلبه، وإذا عثر وسقط في الخطيَّة يقوم في الحال، فلا يتمرَّغ في وحل الخطيَّة، لأنه لا يطيق الإثم، ويغتسل أمام الله ويتوب ويصلح ما قد أفسده، ويرد ما قد سلبه، ويعترف بالخطيَّة أمام الآخر، فيحيا حياة نقيَّة، ويصلي أن يمنحه الله "قلباً نقياً اخلق فيَّ يا الله"، كما يقول داود في "المزامير": قَلْباً نَقِيّاً اخْلُقْ فِيَّ يَا اللهُ وَرُوحاً مُسْتَقِيماً جَدِّدْ فِي دَاخِلِي.(مز٥١:١٠(، فيختبر عمل الفداء الإلهي في حياته، كما جاء أيضاً في سفر "المزامير": إِنَّمَا الله يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الهاوية لِأَنَّهُ يَأْخُذُنِي. سِلَاهْ. (مز٤٩:١٥(، حيث يقوم الله بعمل الفداء في المسيح، كما يخبرنا سفر "إشعياء": وَٱلْآنَ هَكَذَا يَقُولُ الرب، خَالِقُكَ يَا يَعْقُوبُ وَجَابِلُكَ يَا إِسْرَائِيلُ: «لَا تَخَفْ لِأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ باسمك. أَنْتَ لِي.(إش٤٣:١( و(إش٤٤:٢٢)، والأمر يتوقف على قبول الفداء والدخول في عهد مع الرب يسوع المسيح، فالمسيح قد أكمل العمل الذي به إن دخل الإنسان في عهد معه، ينال الفداء والحياة الجديدة، أما إن رفض الدخول في هذا العهد، فهو لا يريد خلاص الله، ولا يكتمل الفداء بدون قيامة المسيح، لأن القيامة هي جزء جوهري في عمل الفداء، لأنها منحت لنا قيامة من الأموات وحياة أبدية، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": فَدُفِنَّا مَعَهُ بِالْمَعْمُودِيَّةِ لِلْمَوْتِ حَتَّى كَمَا أُقِيمَ الْمَسِيحُ مِنَ الأَمْوَاتِ بِمَجْدِ الآبِ هَكَذَا نَسْلُكُ نَحْنُ أَيْضاً فِي جِدَّةِ الْحَيَاةِ. (رو٦:٤)، فبدون قيامة المسيح لكان هناك موت أبدي ولم تتم النصرة والغلبة على الموت، كما يضيف بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْمَسِيحُ قَدْ قَامَ فَبَاطِلَةٌ كِرَازَتُنَا وَبَاطِلٌ أَيْضاً إِيمَانُكُمْ. (١كو١٥:١٤(.

  22. لماذا كان من الضروري أن يكون صليب وقيامة الرب يسوع المسيح معلنين ومثبتين بالبراهين، وليس مجرد حدث غير منظور أو غير مُعلَن للبشر؟ وما أهمية القيامة في عمل الفداء الإلهي ودلالتها؟

    لقد كان من الضروريّ أن يتم الصليب علناً أمام الجموع من الشعب، وليس في الخفاء أو في غرفة مغلقة، فالمعجزة لكي تتصف بهذه الصفة ينبغي أن تحدث أمام شهود عيان، وإلّا فلا يمكن أن نعتبرها قد حدثت بالفعل، لأنه إن قام أحد الأنبياء بعمل معجزة ما ولم يرها أحدٌ غيره، فلا يمكن أن يُطلق عليها تسمية معجزة، فالمعجزة ينبغي أن تحدث على مرأى ومشهد من الناس، تم صلب المسيح أمام شهود العيان والجموع من الناس من رؤساء الكهنة والكتبة والجنود الرومان، كما جاء في إنجيل "متى": وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذَلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا». إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ! (مت٢٧: ٣٩-٤٢)، وكذلك أمام أمُّه القديسة مريم العذراء، وأخت أمه مريم أم يعقوب ويوسي (زوجة كلوبا)، ويوحنا التلميذ الحبيب، ومريم المجدلية، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ أُمُّهُ وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لِأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. (يو١٩:٢٥-٢٧(، وكذلك قائد المئة الذي كان عليه أن يكتب تقريراً يفيد بأن الرب يسوع المسيح قد مات نتيجة الصلب، حيث أعلن هو والذين معه، بعدما رأوا كل ما حدث، أنه "بالحقيقة كان هذا ابن الله"، كما جاء في إنجيل "متى": وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: «حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ». (مت٢٧: ٥٤).

  23. إن قيامة الرب يسوع المسيح هي دليل على قبول ذبيحة المسيح أمام الله وقبول الفداء وعلى أنه ابن الله أي دليل على ألوهيته، كما يقول بولس الرسول في رسالته إلى "رومية": وَتَعَيَّنَ ابْنَ اللهِ بِقُوَّةٍ مِنْ جِهَةِ رُوحِ الْقَدَاسَةِ بِالْقِيَامَةِ مِنَ الأَمْوَاتِ: يَسُوعَ الْمَسِيحِ رَبِّنَا.(رو١:٤(، والقيامة هي دليل أيضاً على أن لنا حياة أبدية في المسيح وأنه قام من بين الأموات حيث أقام نفسه، فقد هزم الموت، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟ أَمَّا شَوْكَةُ الْمَوْتِ فَهِيَ الْخَطِيَّةُ وَقُوَّةُ الْخَطِيَّةِ هِيَ النَّامُوسُ. وَلَكِنْ شُكْراً لِلَّهِ الَّذِي يُعْطِينَا الْغَلَبَةَ بِرَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. (١كو١٥:٥٥-٥٧(، لذا، فالمسيح هو الله المتجسِّد، فقد أقامنا معه في السماويات، كما يخبرنا بولس الرسول في رسالته إلى "أفسس": وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. (أف٢:٦(، فجوهر القيامة أنها قيامة للرب يسوع المسيح وقيامة لنا نحن المؤمنين به، فلو كانت حياة المسيح قد انتهت داخل القبر، إذن، فهو لم يقيمنا، أي أنه قد مات بدلاً منَّا ولكن لم يقيمنا، أما وإن البديل قد مات وأقام نفسه، إذن، فقد أقامنا معه، لأنه أخذ مكاننا وأعطانا مكانه، فحمل ورفع الخطيَّة ونتائجها، فنحن كمسيحيين لدينا رجاء ويقين تام في قيامتنا من بين الأموات، لأن المسيح قد قام بالفعل، حيث يقول يوحنا في رسالته الأولى: كَتَبْتُ هَذَا إِلَيْكُمْ، أَنْتُمُ المؤمنين باسم أبن الله ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنَّ لَكُمْ حَيَاةً أَبَدِيَّةً، وَلِكَيْ تُؤْمِنُوا باسم أبن الله. (١يو٥:١٣(، وقد كتب بولس الرسول أصحاحاً كاملاً وهو (أصحاح ١٥) في رسالته الأولى إلى كورنثوس للتأكيد على قيامة الرب يسوع المسيح وقيامتنا معه أيضاً، ومن البراهين التاريخية القوية للقيامة، أن حوالي ٥٠٠ شخصاً قد رأوا الرب يسوع لمدة ٤٠ يوماً وماتوا شهداء لهذه الشهادة، حيث يقول بولس الرسول: وَبَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَ دَفْعَةً وَاحِدَةً لأَكْثَرَ مِنْ خَمْسِمِئَةِ أَخٍ أَكْثَرُهُمْ بَاقٍ إِلَى الآنَ. وَلَكِنَّ بَعْضَهُمْ قَدْ رَقَدُوا.(١كو١٥:٦(، فلا يمكن أن يقوم أحد الأشخاص بالإدلاء بشهادة زور ويضحِّي بحياته من أجلها، وهو يعلم تماماً أنها شهادة زور وباطلة وغير صادقة، فلو كان لدينا اثنان فقط من شهود العيان على قيامة الرب يسوع، لقمنا بتصديقهم على الفور، فكم بالأولى أن نصدِّق ونؤمن ونحن لدينا ٥٠٠ شاهد عيان على حدوث القيامة وقد شهدوا للحق حتى الموت، لذا، فعلينا أن نكون واثقين تماماً بما لا يدع مجالاً لأي شك في قيامة الرب يسوع المسيح ابن الله من بين الأموات.

قبل أن تجمع المجموعة

هذا الدرس هو ١٥ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.

  1. ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
  2. ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
  3. ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.

«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.

تُعرَض الصفحة الآن بإعداد قائد المجموعة. اعرِضها كدارس

  1. التلمذة — أتممتها
  2. شخصية الله — أتممتها
  3. سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
  4. شخصية الإنسان — أتممتها
  5. شخصية المسيح — أتممتها
  6. الروح القدس — أتممتها
  7. لا أنا بل المسيح — أتممتها
  8. مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
  9. الشركة مع الله — أتممتها
  10. الكنيسة — أتممتها
  11. المأمورية العظمى — أتممتها
  12. الصراع الروحي — أتممتها
  13. شفاء النفس — أتممتها
  14. مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
  15. اختيار شريك الحياة — أتممتها
  16. العلاقة الزوجية — أتممتها
  17. تربية الأطفال — أتممتها
  18. أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
  19. حياة الخادم — أتممتها
  20. من حقك تفهم — أنت هنا

من حقك تفهم — ١٦ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.

اطّلع على المسار كاملاً