الصليب
الصليب
لماذا اختار الله الآب أن يفدي الإنسان عن طريق صليب المسيح، ألم تكن هناك طريقة أخرى للفداء غير الصليب؟
دعونا نبدأ بتأمل الموضوع من منظوره الخارجي أولًا، ثم نتعمق فيه لاحقًا، نحن كمسيحيين أمام حقيقة واضحة لا يمكن إنكارها أو الهروب منها، إنها حقيقة تاريخية تم تسجيلها في الكتاب المقدس، الذي أثبتنا استحالة تحريفه بالأدلة والبراهين، وبناءً على ذلك، نحن مدعوون لقراءة الكتاب المقدس بجدية، وفهم ما أعلنه الله عن نفسه من خلاله، وهذه حقيقة تاريخية تم تسجيلها في العهد الجديد على وجه الخصوص، وتؤكد بكل وضوح أن المسيح جاء وعاش بيننا ومات مصلوبًا، ثم قام من بين الأموات، حيث تشهد المصادر التاريخية والمؤرخون عبر العصور بأن شخصًا يُدعى (يسوع المسيح) عاش في عهد الحاكم الروماني (بيلاطس البنطي)، وقد صدر بحقه حُكماً بالموت، وفي تلك الحقبة من التاريخ، كانت وسيلة الإعدام المتبعة في الإمبراطورية الرومانية هي الصلب، ومن المعروف أن أساليب الإعدام قد تغيَّرت عبر الأزمنة، فعندما نشاهد مثلًا فيلم (سبارتاكوس)، نلاحظ أن وسيلة الإعدام المستخدمة في تلك الحقبة كانت تعليق المحكوم عليهم على الصلبان، فهي الطريقة الوحيدة التي اعتمدها الرومان لتنفيذ أحكام الإعدام، وهي تُعد من أكثر الوسائل الوحشية التي ابتكرها الإنسان لإنهاء حياة إنسان آخر، فإذا قارنّاها بوسائل الإعدام الحديثة مثل: الكرسي الكهربائي أو المقصلة أو غرف الغاز، نجد أنها على قسوتها، تُفضي إلى الموت سريعًا، بينما الصلب كان بطيئًا ومؤلمًا إلى أقصى درجة، فوسائل الإعدام الحديثة تؤدي إلى الموت في لحظة، وغالبًا دون أن يشعر الإنسان بألم شديد، أما الصلب، فكان يُبقي الإنسان معلقًا حيًّا لفترة طويلة، يتعذَّب خلالها حتى يفارق الحياة ببطء شديد، دون أن يقتله سريعاً، فالأمر لا يشبه الإعدام شنقًا، حيث يُفقد الإنسان وعيه سريعًا نتيجة كسر الحبل الشوكي ويختنق الإنسان بالإسفكسيا Asphyxia، إذ إن الدماغ ينفصل عن الإحساس بالجسد في لحظات، أما في الصليب، فالإنسان يُترك معلقًا، يتعذَّب بكل وعيه حتى تفارقه الحياة، مما يجعله من أكثر وسائل الإعدام الوحشية التي ابتدعها الإنسان عَبْر التاريخ، وقد عُرف الرومان بقسوتهم الشديدة؛ إذ لم يكونوا أهل حضارة وثقافة، بل كانوا رجال حرب وقوة، فاستعاروا الثقافة اليونانية ليكمِّلوا بها شكل دولتهم، بينما اعتمدوا في توسّعهم على آلة عسكرية غاشمة ليسودوا العالم في ذلك الوقت، وفي هذا السياق، لدينا حدث وحقيقة تاريخية دوَّنها وسجَّلها التاريخ، يؤكد أن (يسوع الناصري)، الذي جاء في زمن الحاكم الروماني (بيلاطس البنطي)، قد حُكم عليه بالإعدام صلبًا، بالإضافة إلى وجود حقيقة ثانية معلنة في نصوص الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد، إذن، فنحن أمام حادثة تاريخية تم تسجيلها وتوثيقها من قبل المؤرخين، بجانب الوحي الإلهي في الكتاب المقدس الذي نؤمن به.
ما هي الآيات الكتابية التي تُعد نبوَّات على عمل الفداء الإلهي؟
بين أيدينا اليوم، إعلان إلهي واضح هو الوحي في العهد القديم، الذي تنبأ بأن المسيا القادم إلينا سيتم صلبه، وأن الفداء كان في خطة الله لخلاص الإنسان، حيث تكررت الإشارة إلى عمل (الفداء) بعبارة "الله يفدي" في العديد والعديد من الآيات، كما جاء في سفر "المزامير: إِنَّمَا اللهُ يَفْدِي نَفْسِي مِنْ يَدِ الْهَاوِيَةِ لأَنَّهُ يَأْخُذُنِي.(٤٩: ١٥) ، حيث يتحدث عن الخلاص بالفداء، وجاء أيضاً في سفر "إشعياء": وَالآنَ هَكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ خَالِقُكَ يَا يَعْقُوبُ وَجَابِلُكَ يَا إِسْرَائِيلُ: «لاَ تَخَفْ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. دَعَوْتُكَ بِاسْمِكَ. أَنْتَ لِي. (إش٤٣:١)، ويضيف: قَدْ مَحَوْتُ كَغَيْمٍ ذُنُوبَكَ وَكَسَحَابَةٍ خَطَايَاكَ. ارْجِعْ إِلَيَّ لأَنِّي فَدَيْتُكَ. (إش ٤٤ :٢٢)، حيث يتحدث عن نوال الغفران بعم٢٢) فداء الإلهي، ويؤكد: وَمَفْدِيُّو الرَّبِّ يَرْجِعُونَ وَيَأْتُونَ إِلَى صِهْيَوْنَ بِتَرَنُّمٍ وَفَرَحٌ أَبَدِيٌّ عَلَى رُؤُوسِهِمِ. ابْتِهَاجٌ وَفَرَحٌ يُدْرِكَانِهِمْ. وَيَهْرُبُ الْحُزْنُ وَالتَّنَهُّدُ. (إش٣٥: ١٠)، والآية ذاتها في (إش٥١ :١١)، كما يشير إلى مفهوم الفداء والخلاص: وَهُوَ مَجْرُوحٌ لأَجْلِ مَعَاصِينَا، مَسْحُوقٌ لأَجْلِ آثَامِنَا. تَأْدِيبُ سَلاَمِنَا عَلَيْهِ، وَبِحُبُرِهِ شُفِينَا. كُلُّنَا كَغَنَمٍ ضَلَلْنَا. مِلْنَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى طَرِيقِهِ، وَالرَّبُّ وَضَعَ عَلَيْهِ إِثْمَ جَمِيعِنَا. (إش٥٣:٥-٦)، ثم نأتي إلى الوصف التفصيلي لعمل الفداء: ظُلِمَ أَمَّا هُوَ فَتَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى الذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَازِّيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ. (إش٥٣: ٧)، حيث تتحدث الآية عن شخصٍ سيق كما يُساق الخروف إلى الذبح، وقدَّم نفسه ذبيحة خطية، ثم يستكمل "إشعياء": أَمَّا الرَّبُّ فَسُرَّ بِأَنْ يَسْحَقَهُ بِالْحُزْنِ. إِنْ جَعَلَ نَفْسَهُ ذَبِيحَةَ إِثْمٍ يَرَى نَسْلاً تَطُولُ أَيَّامُهُ، وَمَسَرَّةُ الرَّبِّ بِيَدِهِ تَنْجَحُ. مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ، وَعَبْدِي الْبَارُّ بِمَعْرِفَتِهِ يُبَرِّرُ كَثِيرِينَ، وَآثَامُهُمْ هُوَ يَحْمِلُهَا. لِذَلِكَ أَقْسِمُ لَهُ بَيْنَ الأَعِزَّاءِ وَمَعَ الْعُظَمَاءِ يَقْسِمُ غَنِيمَةً، مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ سَكَبَ لِلْمَوْتِ نَفْسَهُ وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ، وَهُوَ حَمَلَ خَطِيَّةَ كَثِيرِينَ وَشَفَعَ فِي الْمُذْنِبِينَ. (إش ٥٣: ١٠-١٢).
إذًا، نحن أمام شهادة غنيَّة في (العهد القديم)، حيث تتكرّر الإعلانات التي تؤكد أن الله هو الذي يفدي الإنسان، ثم يأتي سفر إشعياء أصحاح (٥٣)، ليُقدّم لنا شرحًا تفصيليًّا لهذا الفداء: فالمسيا المنتظر سيحمل الخطية عوضًا عنا، ويقدِّم نفسه ذبيحة إثم نيابية عنّا، فما نراه هُنا هو أن العهد القديم مليء بالإشارات الواضحة عن الفداء، كما أن منظومة الذبائح والمُحرقات التي امتلأ بها، والتي قُدِّمت بالآلاف، لم تكن عبثًا، بل كانت تعبيرًا رمزيًّا عن مبدأ الفداء الإلهي: أن البشر جميعهم خطأة وأن الطريقة الوحيدة للنجاة من الخطية أن نقدم فدية عن أنفسنا، فلسنا نحن كمسيحيين من اخترعنا وابتدعنا فكرة الصليب، وكذلك لم نتخذها علامة لنا من فراغ، فلا أحد يختار أن تكون (آلة إعدام) أي الصليب رمزًا وعلامة لحياته أو مصدر فخره مدى الحياة، فالصليب في جوهره كان أداة للموت، لكننا نراه رمزًا عظيماً يحمل دلالة عميقة، كما يقول بولس الرسول في رسالته الأولى إلى "كورنثوس": فَإِنَّ كَلِمَةَ الصليب عِنْدَ الهالكين جَهَالَةٌ، وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ المخلصين فَهِيَ قُوَّةُ الله (١كو ١ : ١٨)، ويقول "سمعان الشيخ" عند ميلاد الرب يسوع في إنجيل "لوقا": وَبَارَكَهُمَا سِمْعَانُ وَقَالَ لِمَرْيَمَ أُمِّهِ: «هَا إِنَّ هَذَا قَدْ وُضِعَ لِسُقُوطِ وَقِيَامِ كَثِيرِينَ فِي إِسْرَائِيلَ وَلِعَلاَمَةٍ تُقَاوَمُ.(لو٣ : ٤٢).
فنحن، إذن، أمام حدث تاريخيّ موثَّق في الكتاب المقدس، بدأ الإعداد له منذ العهد القديم، ثم جاء العهد الجديد ليُسلّط عليه الضوء بشكل غير مسبوق، فالأناجيل الأربعة جميعها خصصت أجزاء كبيرة جداً من نصوصها لسرد أحداث إلقاء القبض على المسيح، ومحاكمته، وصلبه، ودفنه، وقيامته، وفي بعض الأناجيل، تحتل هذه الأحداث أحياناً ما يقارب من ثلث النص، مما يوضح أنها ليست مُجرد حادثة عابرة، بل هي محور القصة، والمسيح نفسه أعلن عن ذلك طوال رحلته على الأرض، عندما أخبر تلاميذه أنه ذاهب إلى الصليب، فاعترض بطرس قائلاً: "حاشاك يا رب، لا تقل إنك سوف تفعل ذلك، لكنه ردّ بقوة: اذهب عني يا شيطان، ثم أوضح قائلاً: أنا جئت لأجل هذا الغرض، كما جاء في إنجيل "متى": مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!» فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ». (مت١٦:٢١-٢٣) و(مر٨:٣١-٣٣) و(لو٩:٢٢) و(لو١٨:٣١-٣٣)، إذ يخبرهم المسيح بأنه ذاهبٌ ليفعل ذلك الأمر، أنه ماض ٍ للصليب، جاء ليقدم نفسه ذبيحة خطية، فيطلب منه الشعب أن يكون ملكاً عليهم، فيجيب بأنه لم يأتِ ليملك على الأرض، فهو ليس ملكاً أرضياً سياسياً، بل ملكاً سماوياً روحياً، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ.(يو٦:١٥)، وقال المسيح للحاكم الروماني بيلاطس إن "مملكته ليست من هذا العالم": أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا». فَقَالَ لَهُ بِيلاَطُسُ: «أَفَأَنْتَ إِذاً مَلِكٌ؟» أَجَابَ يَسُوعُ: «أَنْتَ تَقُولُ إِنِّي مَلِكٌ. لِهَذَا قَدْ وُلِدْتُ أَنَا وَلِهَذَا قَدْ أَتَيْتُ إِلَى الْعَالَمِ لأَشْهَدَ لِلْحَقِّ. كُلُّ مَنْ هُوَ مِنَ الْحَقِّ يَسْمَعُ صَوْتِي» (يو١٨:٣٦-٣٧)، فقد جاء المسيح ليفدي الإنسان ويخلصه من الخطيَّة ومن الموت الذي هو نتيجة الخطيَّة، كما جاء في إنجيل "متى": كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».(مت٢٠ :٢٨) و(مر١٠ :٤٥)، (لو١٩ :١٠)، فلم تكن حادثة إلقاء القبض على يسوع وصلبه مفاجئة، بل كانت مقصودة ومُعلَنة طوال الرحلة في الأناجيل الأربعة ومنذ البداية، حيث شهد "يوحنا المعمدان" أن المسيح هو "حمل الله"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.(يو١ :٢٩) و(يو١ :٣٦)، كما شهد أن المسيح هو "ابن الله": وَأَنَا قَدْ رَأَيْتُ وَشَهِدْتُ أَنَّ هَذَا هُوَ ابْنُ اللَّهِ».(يو١ :٣٤)، فمنذ اللحظة الأولى، أعلن يوحنا المعمدان أن يسوع هو "الحمل" الذي يقدّمه الله نيابة عن البشرية كلها، تماماً كما كان يُقدَّم الحمل ذبيحة عن شخص في العهد القديم، كما أعلن أيضًا أنه "ابن الله"، إذاً، لم يكن إلقاء القبض على المسيح وصلبه نتيجة ظروف مفاجئة، بل كان محور خطة الله، المُعلَن عنها منذ البدء، والمتكررة بوضوح في (الأناجيل الأربعة)، ثم تأتي (الرسائل الرسولية) لتشرح لنا (الفداء) بتفصيل عميق وتجيب على تساؤلاتنا: لماذا مات المسيح؟ ولماذا قام؟، وتفسِّر مفهوميّ (الفداء والكفَّارة)، وهما مفهومان يتكرران لمرَّات لا تُحصى ولا تعد في الرسائل.
تتضح حقيقة صليب المسيح من خلال: -
التاريخ الذي قام بتسجيلها.
الوحي الإلهي الذي كتبها في العهدين القديم والجديد.
فلم يقتصر دور الوحي الإلهي على تسجيل أحداث الصليب فحسب، بل قام أيضاً بشرحها وتفسيرها لنا، مبيِّنًا لماذا كان من الضروريّ أن تحدث، وقد بُني العهد الجديد بأكمله على ضرورة حدوث الفداء بالصليب، لذلك، ينبغي علينا فهم الفداء واستيعابه جيداً حتى لا يعتقد أحد الأشخاص أن الصليب لم يحدث، وبالتالي، يدَّعي أن الكتاب المقدس قد تمَّ تحريفه، فنحن لدينا شهادة الوحي في الكتاب المقدس، بالإضافة إلى كتابات المؤرخين، وقد ذكرنا سبب مجيء المسيح في ملء الزمان، أي في زمان يستطيع التاريخ أن يسجل الأحداث التي تحدث بسهولة ودقة، كما يخبرنا بولس الرسول في رسالته إلى "غلاطية": وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزمان، أَرْسَلَ الله ابنه مَوْلُودًا مِنِ امرأة، مَوْلُودًا تَحْتَ الناموس.(غل٤:٤)، حيث بدأ وقتذاك عملية كتابة وتسجيل أحداث التاريخ، لذلك، فقد كان هناك مؤرخون لكتابة التاريخ وشهود عيان أيضاً.
لقد كان الإجراء المتبع حينها أن يأمر الحاكم بإعدام الشخص - المحكوم عليه بالموت - في ميدان عام، وهو في حادثة الصليب موضع (الجلجثة)، كما جاء في إنجيل "متى": وَلَمَّا أَتَوْا إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ جُلْجُثَةُ وَهُوَ الْمُسَمَّى «مَوْضِعَ الْجُمْجُمَةِ» (مت٢٧ :٣٣) و(مر١٥ :٢٢) و(لو٢٣ :٣٣) و(يو١٩ :١٧)، وكان الصلب لا يتم بطريقة سريعة في دقائق معدودة كما هو الحال في المقصلة، حيث ينتهي الأمر في لحظات، بل كان يتم تعليق الإنسان منذ الصباح إلى المساء إلى أن يموت، هذا ما حدث مع المسيح الذي صُلِب منذ الصباح إلى المساء، كما جاء في إنجيل "مرقس": وَكَانَتِ السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ فَصَلَبُوهُ. وَكَانَ عُنْوَانُ عِلَّتِهِ مَكْتُوباً «مَلِكُ الْيَهُودِ». وَصَلَبُوا مَعَهُ لِصَّيْنِ وَاحِداً عَنْ يَمِينِهِ وَآخَرَ عَنْ يَسَارِهِ. فَتَمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «وَأُحْصِيَ مَعَ أَثَمَةٍ». (مر١٥:٢٥-٢٧)، حيث تشير الساعة الثالثة، وفقًا للتقويم الزمني اليهودي الذي يبدأ فيه اليوم عند شروق الشمس، إلى الساعة التاسعة صباحًا بالتوقيت المعاصر، وعند مجيء الجنود وجدوه قد مات، بينما اللصَّان المصلوبان بجانبه لم يكونا قد فارقا الحياة بعد، كما جاء في إنجيل "يوحنا": فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. وَأَمَّا يَسُوعُ فَلَمَّا جَاءُوا إِلَيْهِ لَمْ يَكْسِرُوا سَاقَيْهِ لأَنَّهُمْ رَأَوْهُ قَدْ مَاتَ. (يو١٩ :٣٢-٣٣)، لتتحقق النبوَّتان: لأَنَّ هَذَا كَانَ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ الْقَائِلُ: «عَظْمٌ لاَ يُكْسَرُ مِنْهُ». وَأَيْضاً يَقُولُ كِتَابٌ آخَرُ: «سَيَنْظُرُونَ إِلَى الَّذِي طَعَنُوهُ». (يو١٩ :٣٦-٣٧(، وهما نبوَّتان جاءتا في كل من سفر "المزامير": يَحْفَظُ جَمِيعَ عِظَامِهِ. وَاحِدٌ مِنْهَا لاَ يَنْكَسِرُ. (مز٣٤ :٢٠)، وفي سفر "زكريا": وَأُفِيضُ عَلَى بَيْتِ دَاوُدَ وَعَلَى سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ رُوحَ النِّعْمَةِ وَالتَّضَرُّعَاتِ فَيَنْظُرُونَ إِلَيَّ الَّذِي طَعَنُوهُ وَيَنُوحُونَ عَلَيْهِ كَنَائِحٍ عَلَى وَحِيدٍ لَهُ وَيَكُونُونَ فِي مَرَارَةٍ عَلَيْهِ كَمَنْ هُوَ فِي مَرَارَةٍ عَلَى بِكْرِهِ. (زك١٢:١٠).
فالصلب كان يستغرق وقتًا طويلًا حتى يؤدي إلى الوفاة، كما جاء في إنجيل "متى": وَمِنَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ كَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى كُلِّ الأَرْضِ إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَنَحْوَ السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ صَرَخَ يَسُوعُ بِصَوْتٍ عَظِيمٍ قَائِلاً: «إِيلِي إِيلِي لَمَا شَبَقْتَنِي» (أَيْ: إِلَهِي إِلَهِي لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟).(مت٢٧ :٤٥-٤٦) و(مر١٥ :٣٣-٣٤) و(لو٢٣ :٤٤-٤٥)، ثم أسلم المسيح الروح: فَصَرَخَ يَسُوعُ أَيْضاً بِصَوْتٍ عَظِيمٍ وَأَسْلَمَ الرُّوحَ.(مت٢٧ :٥٠) و(مر١٥ :٣٧) و(لو٢٣ :٤٦) و(يو١٩ :٣٠)، فكسر الجنود سيقان اللصَّين حتى يعجّلوا بموتهما من خلال النزيف والصدمة الجسدية، وذلك كي يُنهوا عملية الإعدام قبل بداية يوم السبت، إذ كان هذا السبت يوم راحة مقدّس عند اليهود، وكان يصادف أيضًا عيد الفصح، كما جاء في إنجيل "يوحنا": ثُمَّ إِذْ كَانَ اسْتِعْدَادٌ فَلِكَيْ لاَ تَبْقَى الأَجْسَادُ عَلَى الصَّلِيبِ فِي السَّبْتِ لأَنَّ يَوْمَ ذَلِكَ السَّبْتِ كَانَ عَظِيماً سَأَلَ الْيَهُودُ بِيلاَطُسَ أَنْ تُكْسَرَ سِيقَانُهُمْ وَيُرْفَعُوا. فَأَتَى الْعَسْكَرُ وَكَسَرُوا سَاقَيِ الأَوَّلِ وَالآخَرِ الْمَصْلُوبَيْنِ مَعَهُ. (يو١٩ :٣١-٣٢)، وعندما تأكدوا من موت المسيح، طعنه أحد الجنود بحربة، فخرج دم وماء، وهذا كان دليلًا طبيًا واضحاً على الوفاة الحقيقية: لَكِنَّ وَاحِداً مِنَ الْعَسْكَرِ طَعَنَ جَنْبَهُ بِحَرْبَةٍ وَلِلْوَقْتِ خَرَجَ دَمٌ وَمَاءٌ. (يو١٩ :٣٤)، ولذلك، تعددت الأدلة والبراهين على موت المسيح، وكلها جرت أمام شهود عيان وعلى مرأى ومسمع من الجميع، وفي وضح النهار: والذي عَايَنَ شَهِدَ وَشَهَادَتُهُ حَقٌّ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ لِتُؤْمِنُوا أَنْتُمْ.(يو١٩ :٣٥)، وكان هناك قائد مئة روماني مسؤول عن تنفيذ عملية الصلب والإشراف عليها، بحسب النظام الروماني، كما جاء في إنجيل "متى": وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: «حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ».(مت٢٧ :٥٤) و(مر١٥ :٣٩) و(لو٢٣ :٤٧).
جرت الأحداث على مرأى ومسمع من الناس، وفي تلك الحادثة، كان لا بد أن تُثبت هوية المصلوب وتتحقق شخصيته بوضوح، وأن يُعلّق فوق رأسه عنوان يوضح من هو، كماء جاء في إنجيل "يوحنا": وَكَتَبَ بِيلاَطُسُ عُنْوَاناً وَوَضَعَهُ عَلَى الصَّلِيبِ. وَكَانَ مَكْتُوباً: «يَسُوعُ النَّاصِرِيُّ مَلِكُ الْيَهُودِ». فَقَرَأَ هَذَا الْعُنْوَانَ كَثِيرُونَ مِنَ الْيَهُودِ لأَنَّ الْمَكَانَ الَّذِي صُلِبَ فِيهِ يَسُوعُ كَانَ قَرِيباً مِنَ الْمَدِينَةِ. وَكَانَ مَكْتُوباً بِالْعِبْرَانِيَّةِ وَالْيُونَانِيَّةِ وَاللَّاتِينِيَّةِ. (يو١٩:١٩-٢٠)، و(مت٢٧ :٣٧-٣٨) و(مر١٥ :٢٦-٢٧) و(لو٢٣ :٣٨)، وأن يكون هناك جمع كبير من الناس، من بينهم اليهود والجموع، كما جاء في إنجيل "متى": وَكَانَ الْمُجْتَازُونَ يُجَدِّفُونَ عَلَيْهِ وَهُمْ يَهُزُّونَ رُؤُوسَهُمْ قَائِلِينَ: «يَا نَاقِضَ الْهَيْكَلِ وَبَانِيَهُ فِي ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ خَلِّصْ نَفْسَكَ! إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَانْزِلْ عَنِ الصَّلِيبِ!». وَكَذَلِكَ رُؤَسَاءُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً وَهُمْ يَسْتَهْزِئُونَ مَعَ الْكَتَبَةِ وَالشُّيُوخِ قَالُوا: «خَلَّصَ آخَرِينَ وَأَمَّا نَفْسُهُ فَمَا يَقْدِرُ أَنْ يُخَلِّصَهَا». إِنْ كَانَ هُوَ مَلِكَ إِسْرَائِيلَ فَلْيَنْزِلِ الآنَ عَنِ الصَّلِيبِ فَنُؤْمِنَ بِهِ! (مت٢٧ :٣٩-٤٢) و(مر١٥ :٢٩-٣٢) و(لو٢٣ :٣٥-٣٦)، وكذلك أمُّه القديسة مريم العذراء، ويوحنا التلميذ الحبيب، ومريم المجدلية، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَكَانَتْ وَاقِفَاتٍ عِنْدَ صَلِيبِ يَسُوعَ أُمُّهُ وَأُخْتُ أُمِّهِ مَرْيَمُ زَوْجَةُ كِلُوبَا وَمَرْيَمُ الْمَجْدَلِيَّةُ. فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أُمَّهُ وَالتِّلْمِيذَ الَّذِي كَانَ يُحِبُّهُ وَاقِفاً قَالَ لِأُمِّهِ: «يَا امْرَأَةُ هُوَذَا ابْنُكِ». ثُمَّ قَالَ لِلتِّلْمِيذِ: «هُوَذَا أُمُّكَ». وَمِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ أَخَذَهَا التِّلْمِيذُ إِلَى خَاصَّتِهِ. (يو١٩ :٢٥-٢٧) و(مت٢٧ :٥٥-٥٦) و(مر١٥:٤٠-٤١) و(لو٢٣ :٤٨-٤٩)، فكيف يمكن أن يُقال - بعد كل ذلك - إن "شخصاً آخر قد صُلِب بدلاً منه"؟ هل يمكن أن تمُرّ كل هذه التفاصيل على الجميع دون أن يلاحظوا التبديل؟ هذا أمرٌ غير منطقي ولا عقلاني إطلاقاً، لذلك، لا يمكن لعقلِ واعٍ أن يُنكر أن حادثة الصلب قد وقعت بالفعل، ولا أن يشك في أن الذي صُلِب هو المسيح نفسه، يسوع الناصري.
لماذا قبل المسيح، وهو ابن الله، كل الإهانات والصلب والموت رغم قسوته، وكيف نفهم ذلك عقليًا وروحيًا؟
لأن فكرة الصليب، للوهلة الأولى، قد يرفضها العقل البشري، ويبحث عن حل بديل لها، ولهذا، فإن الله في حكمته أعدَّ ومهَّد أذهان وقلوب البشر عَبْر أجيال طويلة، من خلال رموز ونبوَّات، حتى إذا جاء ملء الزمان، وصار الإعلان الكامل في المسيح، أمكن للعقل والضمير أن يقولا: "نعم، هذا يوافق ما أُعلِن من قبل، هذا هو الحق"، وهذا ما يفسّر لماذا نحتفظ بالعهد القديم، لأنه يجعلنا نصدِّق ونؤمن بـ "الصليب والقيامة" عند حدوثهما في العهد الجديد، إذن، فالصليب والقيامة هما حقيقتان تم تسجيلهما وتوثيقهما تاريخياً تبعاً لكتابات المؤرخين، وهما أيضاً حقيقتان يؤكدهما الوحي الإلهي في الكتاب المقدس، فالقيامة هي جزءٌ من الفداء الإلهي.
فبعد أن قام الرب يسوع من الأموات، وأخبر التلاميذ "توما" بذلك، وهو أحد التلاميذ الاثني عشر، تشكك توما وأراد أن يتحقق ويتأكد أن الذي ظهر لهم بعد القيامة هو نفسه الذي صُلِب ومات، فربما يكون الذي مات شخصًا، والذي ظهر حينها شخصًا آخر، وطلب من التلاميذ الآخرين أن يضع إصبع يده في أثر المسامير ويضع يده في جنب المسيح، للتأكد من أثر ضرب الجنود له بالحربة، حيث خرج دم وماء، وبالتالي، يصير حينها مؤمناً بقيامة المسيح من بين الأموات، كما جاء في إنجيل "يوحنا": أَمَّا تُومَا أَحَدُ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ التَّوْأَمُ فَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ حِينَ جَاءَ يَسُوعُ. فَقَالَ لَهُ التّلاَمِيذُ الآخَرُونَ: «قَدْ رَأَيْنَا الرَّبَّ». فَقَالَ لَهُمْ: «إِنْ لَمْ أُبْصِرْ فِي يَدَيْهِ أَثَرَ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ إِصْبِعِي فِي أَثَرِ الْمَسَامِيرِ وَأَضَعْ يَدِي فِي جَنْبِهِ لاَ أُومِنْ». وَبَعْدَ ثَمَانِيَةِ أَيَّامٍ كَانَ تلاَمِيذُهُ أَيْضاً دَاخِلاً وَتُومَا مَعَهُمْ. فَجَاءَ يَسُوعُ وَالأَبْوَابُ مُغَلَّقَةٌ وَوَقَفَ فِي الْوَسَطِ وَقَالَ: «سلاَمٌ لَكُمْ». ثُمَّ قَالَ لِتُومَا: «هَاتِ إِصْبِعَكَ إِلَى هُنَا وَأَبْصِرْ يَدَيَّ وَهَاتِ يَدَكَ وَضَعْهَا فِي جَنْبِي وَلاَ تَكُنْ غَيْرَ مُؤْمِنٍ، بَلْ مُؤْمِناً». أَجَابَ تُومَا: «رَبِّي وَإِلَهِي». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لأَنَّكَ رَأَيْتَنِي يَا تُومَا آمَنْتَ! طُوبَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَرَوْا». (يو٢٠ :٢٤-٢٩)، فتحققت نبوَّة "داود" في سفر "المزامير": لأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَتْ بِي كِلاَبٌ. جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. (مز٢٢ :١٦).
إن كان يسوع قادراً على أن يخلّص نفسه، فلماذا لم ينزل عن الصليب رغم سخرية الشعب والرؤساء والجنود وأحد اللصين؟
هذا كان منطق الجموع من الناس وكذلك منطق التلاميذ أنفسهم، حين أخبرهم المسيح أن ابن الإنسان سيسلَّم إلى أيدي الناس وسيتألَّم وسيموت وسيقوم من بين الأموات، كما جاء في إنجيل "متى": مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ ابْتَدَأَ يَسُوعُ يُظْهِرُ لِتَلاَمِيذِهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَذْهَبَ إِلَى أُورُشَلِيمَ وَيَتَأَلَّمَ كَثِيراً مِنَ الشُّيُوخِ وَرُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالْكَتَبَةِ وَيُقْتَلَ وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ يَقُومَ. فَأَخَذَهُ بُطْرُسُ إِلَيْهِ وَابْتَدَأَ يَنْتَهِرُهُ قَائِلاً: «حَاشَاكَ يَا رَبُّ! لاَ يَكُونُ لَكَ هَذَا!» فَالْتَفَتَ وَقَالَ لِبُطْرُسَ: «اذْهَبْ عَنِّي يَا شَيْطَانُ. أَنْتَ مَعْثَرَةٌ لِي لأَنَّكَ لاَ تَهْتَمُّ بِمَا لِلَّهِ لَكِنْ بِمَا لِلنَّاسِ».(مت١٦ :٢١-٢٣) و(مر٨ :٣١-٣٣) و(لو٩ :٢٢)، حيث اعترض بطرس فوبخه المسيح على الفور واتهمه بأنه شيطان أي ينطق به شيطان، لأنه يريد مجد الناس وليس مجد الله، فمجد الناس هو أن يصير المسيح ملكاً أرضياً سياسياً وقائداً عسكرياً، وهذا ما رفضه مراراً وتكراراً، لأن "مملكته ليست من هذا العالم" فهو ملك سماوي روحي يملك على قلوب البشر، كما جاء في إنجيل "يوحنا": وَأَمَّا يَسُوعُ فَإِذْ عَلِمَ أَنَّهُمْ مُزْمِعُونَ أَنْ يَأْتُوا وَيَخْتَطِفُوهُ لِيَجْعَلُوهُ مَلِكاً انْصَرَفَ أَيْضاً إِلَى الْجَبَلِ وَحْدَهُ.(يو٦ :١٥)، ويضيف "يوحنا": أَجَابَ يَسُوعُ: «مَمْلَكَتِي لَيْسَتْ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ. لَوْ كَانَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هَذَا الْعَالَمِ لَكَانَ خُدَّامِي يُجَاهِدُونَ لِكَيْ لاَ أُسَلَّمَ إِلَى الْيَهُودِ. وَلَكِنِ الآنَ لَيْسَتْ مَمْلَكَتِي مِنْ هُنَا».(يو١٨ :٣٦)، بينما مجد الله يكمن في أن المسيح هو "حمل الله الذي جاء ليرفع خطايا العالم"، كما شهد يوحنا المعمدان: وَفِي الْغَدِ نَظَرَ يُوحَنَّا يَسُوعَ مُقْبِلاً إِلَيْهِ فَقَالَ: «هُوَذَا حَمَلُ اللَّهِ الَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ الْعَالَمِ.(يو١ :٢٩) و(يو١ :٣٦)، فقد جاء المسيح ليفدي الإنسان، كما قال في إنجيل "متى": كَمَا أَنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ لَمْ يَأْتِ لِيُخْدَمَ بَلْ لِيَخْدِمَ وَلِيَبْذِلَ نَفْسَهُ فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ».(مت٢٠ :٢٨) و(مر١٠ :٤٥) و(لو١٩ :١٠) و(١تي ٢:٦)، فليس من مصلحة بطرس أو مصلحة غيره من الناس الاعتراض ورفض الصليب والفداء الإلهي، كما أنه ليس من مصلحة أحد أن يصير المسيح ملكاً أرضياً سياسياً، فالأفضل أن يكون فادياً ومخلِّصاً للإنسان، فقد سلَّم المسيح نفسه طوعاً عندما أتوا لإلقاء القبض عليه في بستان جثسيماني، كما يخبرنا إنجيل "يوحنا" فَخَرَجَ يَسُوعُ وَهُوَ عَالِمٌ بِكُلِّ مَا يَأْتِي عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» أَجَابُوهُ: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». قَالَ لَهُمْ: «أَنَا هُوَ». وَكَانَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ أَيْضاً وَاقِفاً مَعَهُمْ. (يو١٨ :٤-٥)، وكذلك: فَسَأَلَهُمْ أَيْضاً: «مَنْ تَطْلُبُونَ؟» فَقَالُوا: «يَسُوعَ النَّاصِرِيَّ». أَجَابَ: «قَدْ قُلْتُ لَكُمْ إِنِّي أَنَا هُوَ. فَإِنْ كُنْتُمْ تَطْلُبُونَنِي فَدَعُوا هَؤُلاَءِ يَذْهَبُونَ». (يو١٨ :٧-٨)، فالمسيح له سلطان أن يضع نفسه وأن يأخذها أيضاً أي يقوم من بين الأموات، فهو لم يؤخذ عنوة وغصباً عنه، بل قدَّم نفسه طوعاً، كما يقول: لِهَذَا يُحِبُّنِي الآبُ لأَنِّي أَضَعُ نَفْسِي لِآخُذَهَا أَيْضاً. لَيْسَ أَحَدٌ يَأْخُذُهَا مِنِّي، بَلْ أَضَعُهَا أَنَا مِنْ ذَاتِي. لِي سُلْطَانٌ أَنْ أَضَعَهَا وَلِي سُلْطَانٌ أَنْ آخُذَهَا أَيْضاً. هَذِهِ الْوَصِيَّةُ قَبِلْتُهَا مِنْ أَبِي». (يو١٠ :١٧-١٨)، ولذلك قال المسيح وهو على الصليب: فَقَالَ يَسُوعُ: «يَا أَبَتَاهُ اغْفِرْ لَهُمْ لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ». وَإِذِ اقْتَسَمُوا ثِيَابَهُ اقْتَرَعُوا عَلَيْهَا. (لو٢٣ :٣٤)، فهم يصلبون المسيح معتقدين أنهم بذلك يتخلَّصون منه، ولكنه جاء من أجل أن يضع نفسه من أجل الخطأة، فهو يلتمس لهم العذر لما فعلوه ويسامحهم عمَّا ارتكبوه، فالمسيح هو "الراعي الصالح"، كما جاء في إنجيل "يوحنا": أَنَا هُوَ الرَّاعِي الصَّالِحُ وَالرَّاعِي الصَّالِحُ يَبْذِلُ نَفْسَهُ عَنِ الْخِرَافِ. (يو١٠ :١١).
فعندما احتفل المسيح بعيد الفصح الأخير له مع تلاميذه، قبل أن يتم إلقاء القبض عليه، أعلن الرب يسوع لهم بوضوح، ومرارًا وتكرارًا، طبيعة مهمّته ومقصده من المجيء، كما جاء في إنجيل يوحنا: لَيْسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعْظَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَضَعَ أَحَدٌ نَفْسَهُ لأَجْلِ أَحِبَّائِهِ. أَنْتُمْ أَحِبَّائِي إِنْ فَعَلْتُمْ مَا أُوصِيكُمْ بِهِ. (يو١٥ :١٣-١٤)، فأثناء العشاء الأخير، حين أخذ الخبز والكأس، قدَّم تلميحًا واضحًا لذبيحة الصليب، كما جاء في إنجيل "متى" قائلاً: وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: «خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي». وَأَخَذَ الْكَأْسَ وَشَكَرَ وَأَعْطَاهُمْ قَائِلاً: «اشْرَبُوا مِنْهَا كُلُّكُمْ لأَنَّ هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ لِمَغْفِرَةِ الْخَطَايَا. (مت٢٦:٢٦-٢٨) و(مر١٤ :٢٢-٢٤) و(لو٢٢ :١٩-٢٠) و(١كو١١ :٢٣-٢٦).
فالصليب هو حادثة تاريخية موثقة ومسجلة، وهي حادثة سجَّلت أيضاً في الوحي الإلهي في الكتاب المقدس في العهد القديم وبأكثر تفصيلاً في العهد الجديد، حيث رأينا الجموع ورؤساء الكهنة والكتبة والجنود الرومان ويوحنا الحبيب والقديسة مريم العذراء ومريم المجدلية وقائد المئة الروماني الذي قام بتنفيذ حكم الإعدام في حق الرب يسوع المسيح، وقد شهد الجميع أحداثاً مصاحبة لموت المسيح تعبِّر عن غضب الطبيعة لم تحدث من قبل، وهي: الزلزلة، والبرق، والرعد، وانشقاق حجاب الهيكل، وخروج أرواح القديسين من القبور، كما جاء في إنجيل "متى "وَإِذَا حِجَابُ الْهَيْكَلِ قَدِ انْشَقَّ إِلَى اثْنَيْنِ مِنْ فَوْقُ إِلَى أَسْفَلُ. وَالأَرْضُ تَزَلْزَلَتْ وَالصُّخُورُ تَشَقَّقَتْ والقبور تَفَتَّحَتْ وَقَامَ كَثِيرٌ مِنْ أَجْسَادِ الْقِدِّيسِينَ الرَّاقِدِينَ وَخَرَجُوا مِنَ الْقُبُورِ بَعْدَ قِيَامَتِهِ وَدَخَلُوا الْمَدِينَةَ الْمُقَدَّسَةَ وَظَهَرُوا لِكَثِيرِينَ. (مت٢٧ :٥١-٥٣) و(مر١٥:٣٨) و(لو٢٣ :٤٥)، وتغشى السماء الغيوم، ويعمّ الظلام وجه الأرض، وتُحجب الشمس في تلك الساعات: وَكَانَ نَحْوُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَانَتْ ظُلْمَةٌ عَلَى الأَرْضِ كُلِّهَا إِلَى السَّاعَةِ التَّاسِعَةِ. وَأَظْلَمَتِ الشَّمْسُ وَانْشَقَّ حِجَابُ الْهَيْكَلِ مِنْ وَسَطِهِ. (لو٢٣ :٤٤-٤٥) و(مت٢٧ :٤٥) و(مر١٥ :٣٣)، حيث أعلن قائد المئة الروماني، بعدما رأى كل ما حدث، أنه "بالحقيقة كان هذا ابن الله"، كما جاء في إنجيل "متى": وَأَمَّا قَائِدُ الْمِئَةِ وَالَّذِينَ مَعَهُ يَحْرُسُونَ يَسُوعَ فَلَمَّا رَأَوُا الزَّلْزَلَةَ وَمَا كَانَ خَافُوا جِدّاً وَقَالُوا: «حَقّاً كَانَ هَذَا ابْنَ اللَّهِ». (مت٢٧ :٥٤) و(مر١٥ :٣٩) و(لو٢٣ :٤٧).
لماذا تمت معاقبة يهوذا الإسخريوطي الذي أسلم المسيح، رغم أن المسيح قد جاء إلى العالم عالماً أنه سيُسلَّم ويُصلَب تحقيقاً لخطة الفداء الإلهية؟
لقد كان من الممكن أن يتم إلقاء القبض على المسيح دون أن يُسلِّمه أحدٌ لأيدي الناس، فقد كان يعلِّم علانيةً في الهيكل وفي المجامع طوال الوقت، وكان من السهل أن يتم إلقاء القبض عليه في أيةِ لحظة، فلم تكن هناك حاجة ماسة إلى شخص خائن يُسلِّمه أي يهوذا الإسخريوطي، وهذا ما قاله المسيح عندما جاءوا للقبض عليه، كما جاء في إنجيل "متى": فِي تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ يَسُوعُ لِلْجُمُوعِ: «كَأَنَّهُ عَلَى لِصٍّ خَرَجْتُمْ بِسُيُوفٍ وَعِصِيٍّ لِتَأْخُذُونِي! كُلَّ يَوْمٍ كُنْتُ أَجْلِسُ مَعَكُمْ أُعَلِّمُ فِي الْهَيْكَلِ وَلَمْ تُمْسِكُونِي. وَأَمَّا هَذَا كُلُّهُ فَقَدْ كَانَ لِكَيْ تُكَمَّلَ كُتُبُ الأَنْبِيَاءِ». حِينَئِذٍ تَرَكَهُ التَّلاَمِيذُ كُلُّهُمْ وَهَرَبُوا. (مت٢٦ :٥٥-٥٦) و(مر١٤ :٤٨-٥٠) و(لو٢٢ :٥٢-(٥٣، فقد أسلم يهوذا الإسخريوطي المسيح ليلاً، لأن رؤساء الكهنة والكتبة كانوا يخشون القبض عليه علناً في وضح النهار، لئلا يثور الشعب عليهم، لذلك، فقد احتاجوا لمن يرشدهم إلى موضعه ليلاً ليسهل القبض عليه بعيداً عن الجموع.
لقد كان هذا هو دور يهوذا في مشهد القبض على المسيح، إذ إن الرب يسوع قد جاء بإرادته ليتمِّم عمل الفداء بالصليب، بينما كانت تلك الأحداث التاريخية الخاصة بالقبض عليه من صنعة أيدي الناس، فالله لا يصنع التاريخ، فنحن لا نؤمن بفكرة القدرية، ولكن الله يرى المستقبل، حيث تنبأ الوحي الإلهي بأن شخصاً سوف يقوم بتسليم المسيح لأيدي الناس ليتم القبض عليه ويحصل في المقابل على ثلاثين من الفضة، كما جاء في سفر "زكريا": فَقُلْتُ لَهُمْ: إِنْ حَسُنَ فِي أَعْيُنِكُمْ فَأَعْطُونِي أُجْرَتِي وَإِلاَّ فَامْتَنِعُوا. فَوَزَنُوا أُجْرَتِي ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. فَقَالَ لِي الرَّبُّ: أَلْقِهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ الثَّمَنَ الْكَرِيمَ الَّذِي ثَمَّنُونِي بِهِ. فَأَخَذْتُ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ وَأَلْقَيْتُهَا إِلَى الْفَخَّارِيِّ فِي بَيْتِ الرَّبِّ. (زك١١ :١٢-١٣)، وتحققت هذه النبوة بالفعل، كما جاء في إنجيل "متى": حِينَئِذٍ ذَهَبَ وَاحِدٌ مِنَ الاِثْنَيْ عَشَرَ الَّذِي يُدْعَى يَهُوذَا الإِسْخَرْيُوطِيَّ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَقَالَ: «مَاذَا تُرِيدُونَ أَنْ تُعْطُونِي وَأَنَا أُسَلِّمُهُ إِلَيْكُمْ؟» فَجَعَلُوا لَهُ ثَلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ يَطْلُبُ فُرْصَةً لِيُسَلِّمَهُ.(مت٢٦ :١٤-١٦) و(مر١٤ :١٠-١١) و(لو ٢٢:٣-٦)، وبعد أن قام يهوذا برد الثلاثين من الفضة لرؤساء الكهنة ندماً لأنه أسلم دماً بريئاً وشنق نفسه، واشتروا بها حقل الفخاري (حقل الدم)، يقول يوحنا الحبيب: حِينَئِذٍ تَمَّ مَا قِيلَ بِإِرْمِيَا النَّبِيِّ: «وَأَخَذُوا الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ ثَمَنَ الْمُثَمَّنِ الَّذِي ثَمَّنُوهُ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَعْطَوْهَا عَنْ حَقْلِ الْفَخَّارِيِّ كَمَا أَمَرَنِي الرَّبُّ».(مت٢٧:٩-١٠)، فالله يرى المستقبل ولا يضعه، فهو لا يقرر للإنسان ما يفعل من أمور.
فعندما أخبر المسيح تلميذه بطرس بأنه سوف ينكره ثلاث مرَّات قبل أن يصيح الديك، فلم يكن المسيح راغباً في أن ينكره بطرس، لأنه لن يستفيد شيئاً من ذلك الأمر، وحينها أكَّد بطرس أنه مستعد أن يموت عن المسيح، كما جاء في إنجيل "متى ": فَقَالَ بُطْرُسُ لَهُ: «وَإِنْ شَكَّ فِيكَ الْجَمِيعُ فَأَنَا لاَ أَشُكُّ أَبَداً». قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ فِي هَذِهِ اللَّيْلَةِ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ دِيكٌ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: «وَلَوِ اضْطُرِرْتُ أَنْ أَمُوتَ مَعَكَ لاَ أُنْكِرُكَ!» هَكَذَا قَالَ أَيْضاً جَمِيعُ التَّلاَمِيذِ. (مت٢٦ :٣٣-٣٥) و(مر١٤ :٢٩-٣١) و(لو٢٢ :٣٣-٣٤) و(يو١٣ :٣٧-٣٨)، وتحققت نبوَّة المسيح، حيث أنكر بطرس معرفته بالمسيح وأنه كان معه ثلاث مرَّات ثم صاح الديك: أَمَّا بُطْرُسُ فَكَانَ جَالِساً خَارِجاً فِي الدَّارِ فَجَاءَتْ إِلَيْهِ جَارِيَةٌ قَائِلَةً: «وَأَنْتَ كُنْتَ مَعَ يَسُوعَ الْجَلِيلِيِّ». فَأَنْكَرَ قُدَّامَ الْجَمِيعِ قَائِلاً: «لَسْتُ أَدْرِي مَا تَقُولِينَ!» ثُمَّ إِذْ خَرَجَ إِلَى الدِّهْلِيزِ رَأَتْهُ أُخْرَى فَقَالَتْ لِلَّذِينَ هُنَاكَ: «وَهَذَا كَانَ مَعَ يَسُوعَ النَّاصِرِيِّ!» فَأَنْكَرَ أَيْضاً بِقَسَمٍ: «إِنِّي لَسْتُ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» وَبَعْدَ قَلِيلٍ جَاءَ الْقِيَامُ وَقَالُوا لِبُطْرُسَ: «حَقّاً أَنْتَ أَيْضاً مِنْهُمْ فَإِنَّ لُغَتَكَ تُظْهِرُكَ!» فَابْتَدَأَ حِينَئِذٍ يَلْعَنُ وَيَحْلِفُ: «إِنِّي لاَ أَعْرِفُ الرَّجُلَ!» وَلِلْوَقْتِ صَاحَ الدِّيكُ. (مت٢٦:٦٩-٧٤) و(مر١٤ :٦٦-٧٢) و(لو٢٢:٥٤-٦٢) و(يو١٨:١٥-١٨، ٢٥-٢٧(.
وبالمثل، فقد كان الرب يسوع يعلم مسبقاً أن يهوذا الإسخريوطي سيخونه ويسلِّمه لأيدي الناس ليصلبوه، ولم يُفاجأ بذلك، بل كشف للتلاميذ بكل وضوح أن واحداً منهم سيسلمه في مشهد عشاء الفصح، كما جاء في إنجيل "متى": وَلَمَّا كَانَ الْمَسَاءُ اتَّكَأَ مَعَ الاِثْنَيْ عَشَرَ. وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ قَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي». فَحَزِنُوا جِدّاً وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟» (مت٢٦ :٢٠-٢٢) و(مر١٤:١٧-١٨) و(لو٢٢:٢١-٢٣) و(يو١٣ :٢١-٢٢)، كما أخبرهم الرب يسوع أن الذي يسلمه هو من يأكل معه من نفس الطبق، وسيكون مصيره مؤلماً، ووجه كلامه ليهوذا أنه هو من سيسلمه: فَأَجَابَ: «الَّذِي يَغْمِسُ يَدَهُ مَعِي فِي الصَّحْفَةِ هُوَ يُسَلِّمُنِي. إِنَّ ابْنَ الإِنْسَانِ مَاضٍ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ عَنْهُ، وَلَكِنْ وَيْلٌ لِذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي بِهِ يُسَلَّمُ ابْنُ الإِنْسَانِ. كَانَ خَيْراً لِذَلِكَ الرَّجُلِ لَوْ لَمْ يُولَدْ». فَسَأَلَ يَهُوذَا مُسَلِّمُهُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا سَيِّدِي؟» قَالَ لَهُ: «أَنْتَ قُلْتَ». (مت٢٦ :٢٣-٢٥) و(مر١٤ :٢٠-٢١) و(لو٢٢ :٢١-٢٣) و(يو١٣ :٢٣-٢٦)، وأشار الرب يسوع إلى أن من يأكل معه قد "رفع عليه عقبه" أي غدر به وخانه، كما جاء في إنجيل يوحنا: لَسْتُ أَقُولُ عَنْ جَمِيعِكُمْ. أَنَا أَعْلَمُ الَّذِينَ اخْتَرْتُهُمْ. لَكِنْ لِيَتِمَّ الْكِتَابُ: اَلَّذِي يَأْكُلُ مَعِي الْخُبْزَ رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ. (يو١٣ :١٨)، وبذلك، تحققت نبوَّة داود في سفر "المزامير": أَيْضاً رَجُلُ سَلاَمَتِي الَّذِي وَثَقْتُ بِهِ آكِلُ خُبْزِي رَفَعَ عَلَيَّ عَقِبَهُ! (مز٤١:٩)
فالرب يسوع يعلم ما في قلب يهوذا تجاهه، لذلك فقد طلب منه أن يفعل ما هو فاعله بأكثر سرعة: فَبَعْدَ اللُّقْمَةِ دَخَلَهُ الشَّيْطَانُ. فَقَالَ لَهُ يَسُوعُ: «مَا أَنْتَ تَعْمَلُهُ فَاعْمَلْهُ بِأَكْثَرِ سُرْعَةٍ». (يو١٣ :٢٧)، وبعد القبض على الرب يسوع، وحين علم يهوذا أنهم ينوون قتله شنق يهوذا نفسه: حِينَئِذٍ لَمَّا رَأَى يَهُوذَا الَّذِي أَسْلَمَهُ أَنَّهُ قَدْ دِينَ نَدِمَ وَرَدَّ الثَّلاَثِينَ مِنَ الْفِضَّةِ إِلَى رُؤَسَاءِ الْكَهَنَةِ وَالشُّيُوخِ قَائِلاً: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!» فَطَرَحَ الْفِضَّةَ فِي الْهَيْكَلِ وَانْصَرَفَ ثُمَّ مَضَى وَخَنَقَ نَفْسَهُ. (مت٢٧ :٣-٥)، كما يقول بطرس الرسول في سفر "أعمال الرسل": فَإِنَّ هَذَا اقْتَنَى حَقْلاً مِنْ أُجْرَةِ الظُّلْمِ وَإِذْ سَقَطَ عَلَى وَجْهِهِ انْشَقَّ مِنَ الْوَسَطِ فَانْسَكَبَتْ أَحْشَاؤُهُ كُلُّهَا. وَصَارَ ذَلِكَ مَعْلُوماً عِنْدَ جَمِيعِ سُكَّانِ أُورُشَلِيمَ حَتَّى دُعِيَ ذَلِكَ الْحَقْلُ فِي لُغَتِهِمْ «حَقْلَ دَمَا» (أَيْ: حَقْلَ دَمٍ). لأَنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي سِفْرِ الْمَزَامِيرِ: لِتَصِرْ دَارُهُ خَرَاباً وَلاَ يَكُنْ فِيهَا سَاكِنٌ وَلْيَأْخُذْ وَظِيفَتَهُ آَخَرُ. (أع١ :١٨-٢٠)، كما يقول داود في سفر "المزامير": لِتَصِرْ دَارُهُمْ خَرَاباً وَفِي خِيَامِهِمْ لاَ يَكُنْ سَاكِنٌ.، وكذلك: لِتَكُنْ أَيَّامُهُ قَلِيلَةً وَوَظِيفَتُهُ لِيَأْخُذْهَا آخَرُ. (مز١٠٩:٨)، فأخذ وظيفته شخص آخر وهو "متِّياس" وصار من الاثني عشر: فَأَقَامُوا اثْنَيْنِ: يُوسُفَ الَّذِي يُدْعَى بَارْسَابَا الْمُلَقَّبَ يُوسْتُسَ وَمَتِّيَاسَ. وَصَلَّوْا قَائِلِينَ: «أَيُّهَا الرَّبُّ الْعَارِفُ قُلُوبَ الْجَمِيعِ عَيِّنْ أَنْتَ مِنْ هَذَيْنِ الاِثْنَيْنِ أَيّاً اخْتَرْتَهُ لِيَأْخُذَ قُرْعَةَ هَذِهِ الْخِدْمَةِ وَالرِّسَالَةِ الَّتِي تَعَدَّاهَا يَهُوذَا لِيَذْهَبَ إِلَى مَكَانِهِ». ثُمَّ أَلْقَوْا قُرْعَتَهُمْ فَوَقَعَتِ الْقُرْعَةُ عَلَى مَتِّيَاسَ فَحُسِبَ مَعَ الأَحَدَ عَشَرَ رَسُولاً. (أع١ :٢٣-٢٦).
ومن بين التفسيرات المتعلقة بأسباب خيانة يهوذا للمسيح، أنه كان عضواً في (حزب الغيورين): وهو حزب لجماعة يهودية متدينة متطرفة متعصبة ذات ميول سياسية، وكان ذلك الحزب يسعى إلى التحرر من الاحتلال الروماني عبر المقاومة المسلحة، حيث أراد القيام بثورة على الحكم الروماني وعلى رؤساء الكهنة والكتبة الذين يوافقون على الحكم الروماني ولا يريدون القيام بثورة ضده، فقد رأى يهوذا الإسخريوطي في المسيح الشخص القادر على القيام بثورة ضد الرومان عندما استمع إليه وهو يتحدث عن الصليب، وأراد يهوذا دفع المسيح نحو تفجير الثورة، وبعد أن قام ببيعه وتسلميه لأيدي الناس ووجد أنه قد استسلم وتمت إدانته، ذهب يهوذا لرؤساء الكهنة ليخبرهم أنه أسلم دماً بريئاً، كما جاء في إنجيل "متى": قَائِلاً: «قَدْ أَخْطَأْتُ إِذْ سَلَّمْتُ دَماً بَرِيئاً». فَقَالُوا: «مَاذَا عَلَيْنَا؟ أَنْتَ أَبْصِرْ!».(مت٢٧ :٤)، لقد أراد يهوذا تحقيق أجندته السياسية لأن لديه توجه وفلسفة ما، وبالفعل، حدثت ثورة يهودية ضد الحكم الروماني، وهذا ما دفع القائد الروماني الكبير (تيطس) - بأمر من الإمبراطور عام ٧٠م - أن يذهب إلى مدينة أورشليم ويهدمها ويحرقها ويهدم الهيكل كرد فعل على ثورة الشعب بقيادة حزب الغيورين، وقد كانت لدى يهوذا فرصة للتوبة إذا أراد، فالمسيح سيغفر له، مثلما فعل سمعان بطرس الذي أنكر الرب يسوع ثلاث مرَّات وخرج خارجاً وبكى بكاءً مرَّاً: فَتَذَكَّرَ بُطْرُسُ كَلاَمَ يَسُوعَ الَّذِي قَالَ لَهُ: «إِنَّكَ قَبْلَ أَنْ يَصِيحَ الدِّيكُ تُنْكِرُنِي ثَلاَثَ مَرَّاتٍ». فَخَرَجَ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرّاً. (مت٢٦:٧٥) و(مر١٤ :٧٢) و(لو٢٢ :٦١-٦٢)، فالمسيح لا يتصرف بناءً على معرفته للمستقبل، وبرغم معرفته بإنكار بطرس وخيانة يهوذا قبل بهما كتلميذين له، فإذا تعامل الله معنا بهذه الطريقة فقد يقوم بتغيير المستقبل مراراً وتكراراً.
وكانت هناك العديد من الجماعات اليهودية الاخرى، وهي: (الكتبة): أي العالمون بناموس موسى ومعلِّميه، وقد أعادوا نسخ تلك المواد التي شكلت فيما بعد "العهد القديم"، وكانت غالبية الكتبة أيَّام المسيح من الفريسيِّن ومعظمهم كانوا رجال قانون، أما (الفريسيُّون): فهم أكبر طائفة في زمن العهد الجديد، ويهتمون بطاعة ٦١٣ قانوناُ يمثل القانون المكتوب إلى جانب حفظ التقليد الشفاهي، وينتهجون التفسير المجازي للشريعة، ويميلون إلى إظهار إيمانهم بأعمالهم الصالحة، ويمثل أغلبهم المجمع اليهودي (السنهدريم)، وقد وبخهم المسيح كثيراً لريائهم، بينما (الصدوقيُّون): هم الطبقة الحاكمة للحياة المدنية اليهودية، وهم يؤمنون بناموس موسى فقط، وينتهجون التفسير الحرفي للتوراة، ويرفضون التقليد الشفاهي، وينكرون الملائكة والأرواح ولا يؤمنون بالقيامة.
ما هي المشكلة أو الأزمة الجوهرية التي يعاني منها الإنسان والتي أراد الله أن يعالجها عن طريق الصليب والفداء؟ ألم يكن ممكناً تحقيق الفداء والخلاص بطريقة أخرى أكثر بساطة أم لا؟
ينبغي أن نحدد ونشخِّص أولاّ المرض أو الداء الذي احتاج إلى هذا التدخل الإلهي، ثم نعمل على تقييم العلاج أو الدواء من حيث كونه مناسباً أم غير مناسب، لنعرف هل كان الفداء بالصليب هو الحل الأنسب؟ أم أن هناك من يقترح على الله وسيلة أخرى؟، فالله يقبل المناقشة، كما جاء في سفر "إشعياء": هَلُمَّ نَتَحَاجَجْ يَقُولُ الرَّبُّ. (إش١ :١٨)، ولشرح خطة الفداء الإلهي، يجب أن نعود إلى الجذور وإلى أصل تلك المشكلة، ونفهم القانون الذي وضعه الله والذي كسره الإنسان فوقع في الخطيَّة، وصارت لديه أزمة حقيقية تتطلب هذا العلاج وهذا التدخل الإلهي، ثم نتطرق إلى طريقة حل المشكلة التي هي الاحتياج للنجاة والخلاص، ونتساءل: هل يفي ويكفي عمل المسيح على الصليب لتحقيق هذا الفداء؟ أم هو زائد عن الحاجة؟، فحتى كلمة (خطيَّة) لها معاني ومدلولات مختلفة عند البشر، فالمسيحي يرى الخطيَّة في ضوء إعلان الله في الكتاب المقدس، بينما يفهمها غير المسيحي بطريقة أخرى، وكذلك يختلف الأمر لدى قدماء المصريين أو البوذيين، فقد كانت بعض الممارسات الوثنية - مثل الزنى - جُزءاً من العبادة أي طقساً دينياً وثنياً، لذلك، نحتاج أن نعرف ما هي المشكلة؟ وما هي طبيعتها الحقيقية؟، وعندها فقط نستطيع أن نحكم: هل كان الصليب حلاً منطقياً وعقلانياً، أم أنه يبدو أمراً مُبالغًا فيه؟ أي أنه كان من الممكن استخدام طريقة أبسط وأسهل من تلك الطريقة المؤلمة لتحقيق ذات الغرض، فنحن في مقدورنا أن نعرض اقتراحاتنا وحلولنا البديلة على الله لمناقشتها بحرية.
فالحقيقة الأولى - في شرح خطة الفداء الإلهي - هي فكرة القانون الأخلاقي الأدبي الذي وضعه الله، وهو يعني أن وجود الشيء يستلزم وجود القانون الذي يحكمه وإلا فقد كينونته، فلا يمكن أن يخلق الله المادة دون أن يضع لها القوانين التي تحكمها، فكما أن من يُنشئ دوري كرة قدم لا بد أن يضع له القواعد التي تنظمه، بتحديد من يشارك وكيف تُدار المباريات، كذلك فعندما نُنشئ شيئًا ينبغي أن نرفقه بقوانين تضبط سيره، فإن قمنا بصناعة آلة ما - مثل الموبايل - دون أن نزودها ببرامج التشغيل الخاصة بها Software فلن تعمل، فكل شيء يُنشأ، لا بد أن تُوضع له القوانين التي تضمن عمله واستمراره، وإلا فقد وظيفته وغايته.
أما الحقيقة الثانية، فهي طبيعة القانون الأخلاقي الأدبي، فطبيعته تكمن في أنه مُطلق وكامل مبني على مبدأ الإرادة الحرة ومسؤولية الإنسان، لأن هذا هو بيت القصيد، وهي ما لا يدركه الكثير من الناس، فغياب الفهم الحقيقي لها يجعل البعض ينظر إلى (الصليب والفداء) على أنهما أمران لا ضرورة لهما، وليس هما الحل الحقيقي والمنطقي الوحيد لمشكلة الإنسان، وكأن الله كان يمكنه أن يختار طريقًا أسهل وأبسط لتحقيق الغفران والخلاص للبشر، أي أنهما أكبر من حجم المشكلة ذاتها.
ما الفرق بين القوانين الوضعية والقوانين المطلقة؟
يكمن الفرق الجوهري بين القانون المطلق والقانون الوضعي في أن (القانون المطلق) هو قانون يعمل وينفِّذ نفسه بنفسه أي Automated و Self-running، أي لا يحتاج لجهة أو شخص يقوم بتنفيذه أي دون تدخل خارجي، وتظهر نتائجه في الحال، بمجرد تحقق شروطه، مثل قانون الجاذبية الأرضية Earth's Gravity، الذي ينص على أن الكتلة تجذب الأشياء إلى سطحها بحسب حجمها، فعلى سبيل المثال، إذا رفعنا كتاباً ثم تركناه فإنه يسقط فوراً نحو الأرض، لأن الجاذبية الأرضية تجذبه وتجعله يسقط، وهي أيضاً ما يبقينا جالسين بثبات على الكراسي دون أن نطير في الهواء، ولا يتطلّب هذا الأمر وجود ملائكة تحفظ توازننا أو تمنع الأجسام من السقوط، فليست هناك ملائكة على أكتافنا تحفظنا من أن نطير في الهواء، ولا أخرى تحفظ الأغراض من حولنا من الانزلاق، مثل: الكراسي أو المشروبات أو الكتب، إنما هو قانون الجاذبية الأرضية الذي يعمل من تلقاء نفسه، لأنه قانون مُطلق ينفِّذ ويحقق ويطبق نفسه بنفسه Automated، أما القوانين الوضعية، فهي القوانين والدساتير التي يضعها البشر وتطبَّق من خلال المحاكم، وبالتالي، تختلف من بيئة إلى أخرى، ومن زمن إلى آخر، وتخضع للتعديل وللتغيير المستمر، تبعاً لتطورات كل مجتمع واحتياجاته المتجددة، فهي ليست قوانين مطلقة، لأن من قام بوضعها كائنات غير مطلقة أي البشر، وتحتاج دائماً إلى من ينفذها ويطبقها.
فمثلًا، عندما نضع قانونًا للجريمة، أو قانونًا للضرائب، يكون من بين شروطه أن يُقدِّم المواطن إقراره الضريبي، فإن تنفيذ هذا القانون يتطلب سلسلة من الإجراءات والأشخاص: حيث يذهب مفتش الضرائب لمراجعة البيانات، ويتحقق من صحتها، ثم يقوم بمحاسبة صاحب العمل، كذلك في حال وقوع جريمة - كحالة سرقة - يُستدعى جهاز المباحث للبحث عن الجاني، ثم يُجمع الدليل، ويُلقى القبض على المتهم، ويُعرض على المحكمة، فتُصدر الحكم، ثم تُنفّذ العقوبة ويقوم شخص ما بإيداعه في السجن، ويُوكل إلى أشخاص آخرين الإشراف والمحافظة عليه داخل السجن، كل هذه الخطوات وغيرها توضح أن القوانين الوضعية تحتاج إلى من ينفذها؛ فهي لا تُطبق نفسها بنفسها، بل تعتمد على سلسلة من المؤسسات والأفراد، وهذا الأمر ينطبق على العديد من الأمور الأخرى، ومن هنا يظهر الفرق الجوهري بين القانون المطلق والقانون الوضعي: فالقوانين الإلهية أو المطلقة - التي يضعها الله - هي قوانين تنفّذ نفسها بنفسها، دون حاجة إلى وسيط بشري.
فقد خلق الله ثلاثة أنواع من الخليقة، ونحن في هذا السياق نتحدث عن الخليقة البشرية أي التي تنتمي إلى عالمنا، ولسنا بصدد الحديث عن الملائكة، والأنواع الثلاثة هي: الخليقة المادية، والخليقة البيولوجية، والخليقة الأدبية الأخلاقية (والتي تشمل الإنسان والأخلاق والتمييز بين الصواب والخطأRight &Wrong)، ففي الخليقة المادية لا وجود لمفاهيم الصواب والخطأ، ولا نجد فيها قيماً كالأخلاق، أو صفات مثل الأنانية، والكبرياء، والتواضع، والحب، والكراهية، وكذلك الأمر في الخليقة البيولوجية؛ إذ لا وجود فيها لمفاهيم الخير والشر، أو الحب والبغض، حيث تحكمها القوانين البيولوجية فقط، مثل قانون الإصابة بالأمراض، الذي يخضع لأسباب بيولوجية محددة.
أما القوانين المادية التي وضعها الله مثل: قانون الجاذبية الأرضية، وقانون المغناطيسية الكهربائية، وقوانين نيوتن للحركة، وقانون الطفو لأرشميدس، فهي قوانين مطلقة وهي تعمل وتنفِّذ نفسها بنفسها تلقائياً وتسهم في حفظ انتظام هذا الوجود، والأمر ذاته ينطبق على القوانين البيولوجية أي قوانين الحياة البيولوجية، فهي أيضاً قوانين مطلقة، فجسم الإنسان، على سبيل المثال، يتكون من أجهزة متعددة تعمل بشكل ذاتي تلقائي ودون تدخل خارجي Fully automated، فعملية التنفس وخفقان القلب يحدثان بشكل تلقائي بالكامل، فالقوانين البيولوجية جميعها قوانين مطلقة، وكذلك فإن القوانين الأدبية الأخلاقية، التي تحكم العلاقة بين الإنسان وبين الله، هي من وضع الله ذاته، وليست من صنع البشر، ولا هي من صنع الأديان التي اختلقها البشر أو الأعراف التي إعتاد عليها الناس، فهذه جميعها قوانين وضعية، بينما القانون الأدبي الأخلاقي الأصيل وضعه الله منذ خلق الإنسان ومنحه الأخلاق والإرادة الحرة وحق الاختيار بين الخير والشر، فقد وضع الله قانوناً يحدد طبيعة الخير والشر، وما يترتب على كل منهما من نتائج، وهو قانون يحكم النور والظلمة الأخلاقيين، فطبيعة القانون المطلق أنه قانون مطلق وكامل مبني على مبدأ الإرادة الحرة ومسؤولية الإنسان، أي أن الإنسان حُر، ولذلك، فهو مسؤول عن اختياراته وقراراته، فإذا لم يكن الإنسان حراً فلن يصير مسؤولاً، وبالتالي، فهو يحصد ما يزرع، كما جاء في رسالة بولس الرسول إلى "غلاطية": لاَ تَضِلُّوا! اللهُ لاَ يُشْمَخُ عَلَيْهِ. فَإِنَّ الَّذِي يَزْرَعُهُ الإِنْسَانُ إِيَّاهُ يَحْصُدُ أَيْضاً. لأَنَّ مَنْ يَزْرَعُ لِجَسَدِهِ فَمِنَ الْجَسَدِ يَحْصُدُ فَسَاداً، وَمَنْ يَزْرَعُ لِلرُّوحِ فَمِنَ الرُّوحِ يَحْصُدُ حَيَاةً أَبَدِيَّةً. فَلاَ نَفْشَلْ فِي عَمَلِ الْخَيْرِ لأَنَّنَا سَنَحْصُدُ فِي وَقْتِهِ إِنْ كُنَّا لاَ نَكِلُّ. (غل٦:٧-٩)، فليس من العدل أن يزرع شخص ما بينما يحصد آخر ما زرعه وفعله ذلك الشخص، إذ أن قوانين الله دائماً مطلقة وكاملة وعادلة Fair وخالية من كل عيب.
ما هو محتوى القانون الأدبي الأخلاقي المطلق الذي وضعه الله للإنسان كي يسير عليه ولا يخالفه؟
يقوم القانون المطلق الذي وضعه الله على أساس حرية الإنسان في الاختيار، وبناءً على هذه الحرية، يُصبح الإنسان مسؤولًا عن اختياراته، أما فيما يتعلق بمحتوى القانون الإلهي المطلق، فهو ما يشير إليه الكتاب المقدس في سفر التكوين وفي رسالة رومية، ففي سفر "التكوين" وَأَوْصَى الرَّبُّ الإِلَهُ آدَمَ قَائِلاً: «مِنْ جَمِيعِ شَجَرِ الْجَنَّةِ تَأْكُلُ أَكْلاً وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتاً تَمُوتُ».(تك٢ :١٦-١٧)، والفكرة ذاتها جاءت في رسالة بولس الرسول إلى "رومية" :لأَنَّ أُجْرَةَ الْخَطِيَّةِ هِيَ مَوْتٌ وَأَمَّا هِبَةُ اللهِ فَهِيَ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ بِالْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا.(رو٦ :٢٣)، وهنا، يختلط الأمر على بعض الناس، إذ يظنون أن كلمة (أجرة) تعني (عقاب)، بينما المقصود هنا أن كلمة (أجرة) تعني النتيجة الطبيعية، أي ما يترتب على الفعل مباشرة، أي أن الموت ليس عقابًا خارجيًا، بل نتيجة طبيعية للخطية، فالله في سفر التكوين يقول: "يوم تأكل منها موتاً تموت"، وليس "يوم تأكل منها موتاً أُميتك"، وبالتالي فإن "أجرة الخطية موت" تعني نتيجة الخطية الموت، وهذا يتشابه مع من يشرب السُم ، فهو سيموت حتماً به، فالخطية هي السُم والذي يفعلها يموت بها، فالله يحذر آدم أنه إذا فعل ذلك الأمر وأكل من تلك الشجرة سيموت كنتيجة طبيعية للخطيَّة وليس المقصود أن الله هو من سيميته، ففكرة القانون الأدبي الأخلاقي الذي وضعه الله هي أنه هناك خطيَّة إذا فعلها الإنسان أو قرار خطأ إذا اتخذه الإنسان ستكون النتيجة هي الموت، والمقصود بالموت هنا هو الموت الروحي أي الانفصال عن الله مصدر الحياة.
والسؤال المطروح هنا: هل القانون الأدبي الأخلاقي الذي وضعه يعد قانوناً منطقياً أم لا؟ ألم يكن من الممكن وضع نتيجة أخرى أو بديلاً آخر للخطيَّة أقل ضرراً غير الموت؟ ولماذا الموت على وجه التحديد؟ هل هذان الأمران متساويان حقًا؟ هل من المنطقي أن تكون نتيجة الخطيَّة هي الموت؟ ولماذا لا تكون هناك نتيجة أخف من ذلك؟
دعونا نناقش هذه الفكرة ونتأمل: هل القانون المطلق الذي أعلنه الله منطقي ومعقول؟ أم أن الله - حاشاه - قد بالغ في حجم المشكلة ليُوجد لها حلاً؟ وإن كان الأمر كذلك، ألم يكن من الأولى ألا يسمح الله بوجود هذه المشكلة من البداية لئلا تكون هناك حاجة للبحث عن حل لها ؟، فالآية في سفر التكوين تحدثنا عن خطية آدم وحواء، والتي تمثلت في الأكل من ثمر شجرة معرفة الخير والشر، فلم يرتكب آدم وحواء فعلاً مشيناً على الإطلاق، ولم تكن خطيَّة سرقة أو كذب أو قتل أو زنى، وبالتالي قد يبدو للوهلة الأولى أن نتيجتها لا تستدعي الموت، فقد كان الأمر مجرد كسر لوصية الله لآدم، إذ حذره الله من تناول ثمر تلك الشجرة، ومن المهم أن ندرك أن الأكل من ثمر الشجرة لم يكن هو ما أوجد المعرفة بالشر أو الشعور بالعُري، بل كشف عن حالة الانفصال عن الله، ولهذا، فمن الضروري أن نوضح مفهوم (الخطية) التي تعد نتيجتها الموت، وليس عقوبتها الموت، فالله لا يعاقب الإنسان، لأن القانون المطلق له نتائج وليس له عقوبة، وهو عكس القانون الوضعي القائم على فكرة الجزاء والعقاب، والتي يضعه البشر، حيث اعتقد الناس خطأ أن الله يتعامل معنا تبعاً للقوانين الوضعية باعتباره قاضِ يضع القوانين وبناءً عليها يعاقب كل من يخالفها، لذلك، سنناقش في الحلقة القادمة من البرنامج مفهوم الخطية.
قبل أن تجمع المجموعة
هذا الدرس هو ١٢ من ٣١ في «من حقك تفهم» — ولن تستوعبه المجموعة بغير ما قبله.
- ١ابدأ بمراجعة قصيرة للدرس السابق، لا بالمحتوى الجديد.
- ٢اسأل مساعدك عن الأسئلة التي يثيرها هذا الدرس عادةً.
- ٣أرجِئ الخلاصة العملية إلى النهاية، وحوّلها إلى خطوة واحدة لكل فرد.
«حياة الخادم» (المادة التاسعة عشرة) هي المادة المخصّصة لإعداد القادة.
- التلمذة — أتممتها
- شخصية الله — أتممتها
- سُلطان الله ومسئولية الإنسان — أتممتها
- شخصية الإنسان — أتممتها
- شخصية المسيح — أتممتها
- الروح القدس — أتممتها
- لا أنا بل المسيح — أتممتها
- مبادئ العلاقة مع الله — أتممتها
- الشركة مع الله — أتممتها
- الكنيسة — أتممتها
- المأمورية العظمى — أتممتها
- الصراع الروحي — أتممتها
- شفاء النفس — أتممتها
- مبادئ العلاقات الإنسانية — أتممتها
- اختيار شريك الحياة — أتممتها
- العلاقة الزوجية — أتممتها
- تربية الأطفال — أتممتها
- أساسيات الحياة مع الله — أتممتها
- حياة الخادم — أتممتها
- من حقك تفهم — أنت هنا
من حقك تفهم — ١٩ بقي درساً لإتمام هذه المادة. سجّل الدخول ليُحفظ موضعك.
اطّلع على المسار كاملاً